HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٤٩

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. كلاهما عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ. حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ؛ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ «إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ، عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. فَلَا آذَنُ لَهُمْ. ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ. ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ. إِلَّا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ. فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي. يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا. وَيُؤْذِينِي ما آذاها».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص140
ج ٤ ص ١٩٠٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٥٩
[٧١٠] (فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي) : فيه دليل أن الولد بعض الوالد، وإذا كان بعضَ الوالد، لم يستقر ملك الوالد عليه، كما لا يستقر ملكه على نفسه، وقوله: (يَرِيبُنِي) يقال: رَابَنِي هذا الأمر: إذا أدخل عليك شكَّا وخوفًا، ورَيْب الدهر: صروفه، والرَّيْبُ: الحاجة، قال الشاعر: قَضَيْنا مِنْ تِهامةَ كُلَّ رَيْبٍ … وخَيْبَرَ، ثُمَّ أَجْمَمْنا السُّيُوفا قال صاحب المجمل : رابني بغير ألف: إذا استيقنت، منه الرِّيبة، وأرابني؛ أي: أوهمني الرِّيبة، قال: أخوكَ الَّذِي إنْ رِبْته قَالَ إِنَّمَا … أَرَبْتَ وَإِن عاتَبْتَه لانَ جانِبُه أي: إن أصبته بحادث قال: أرَبْتَ، أي: أوهمت، ولم تحقق على سبيل المراقبة، وقال الفراء : راب وأراب بمعنى. ومن فائدة الحديث: أن على الوالد أن ينفق على الولد، كما عليه أن ينفق على نفسه، وفيه: أن ترك المباح جائز؛ إذا خِيف منه الفتنة، وفيه: أن للمُتأذِّي أن يشكوَ ما يَتأذَّى به، ويحتالَ في إزالته، وأنّ المباح إذا خِيف من ركوبه الفتنة تُرك، وفيه: أن الإحسان مشكورٌ، وفيه: سرور فاطمة ﵂ بلحوقها بأبيها؛ إذ علمت أنها تُفضي إلى خير مما كانت فيه. وقوله (هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ)؛ بتشديد الياء، أدغمت لام الفعل في ياء الإضافة، وقوله: (لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ)؛ أي: لا يوصل إليه، و(الصِّهرُ): الخَتَن، قال الخليل : لا يقال لأهل بيت الختن إلا أختان ولأهل بيت المرأة إلا أصهار، ومن العرب من يجعلهم أصهارا كلهم، قال ابن الأعرابي : الإصهار: التَّحَرُّم بجوارٍ أو نسبٍ أو تزَوُّجٍ، يقال: هو مُصهِر بنا، وفي الحديث: (كَانَ يُؤَسِّسُ مَسْجِدَ قُبَاء فَيَصْهَرُ الحَجَرَ العَظِيمَ إِلَى بَطْنِه) ، ويروى: (فَيُصْهِر) بضم الياء؛ ومعناه: يدنيه، يقال: صَهَرَه وأْصْهَرَه: إذا قرَّبه، ومنه: المصاهرة في النكاح؛ وهي المقاربة. ومن باب فضل أم سلمة ﵂ -
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص١٧٥
به المرأة من الرجل، فإذا أنا مِتُّ، فاغسليني أنت وعليٌّ، ولا تُدْخلي أحدًا، فلما تُوفيت جاءت عائشة لتدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر، وقالت: إن هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله -ﷺ-، وقد جعلت لها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر، فوقف على الباب، فقال: يا أسماء! ما حَمَلَكِ على أن منعت أزواج النبيّ -ﷺ- يدخلن علي بنت رسول الله -ﷺ-، وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمَرَتني ألَّا يدخل عليها أحد، وأريتها هذا الذي صنعتُ، فأمرتني أن أصنع ذلك بها، قال أبو بكر -﵁-: اصنعي ما أمَرَتك، ثم انصرف، وغسَّلها عليٌّ، وأشارت أن يدفنها ليلًا، وصلَّى عليها العباس، ونزل في قبرها هو، وعليّ، والفضل، وتوفيت وهي بنت ثلاثين سنة، وقيل: بنت خمس وثلاثين سنةً. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٨٧] (٢٤٤٩) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، إِلَّا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي، وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي، يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا، وَيُؤْذِينِى مَا آذَاهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) بن عبد الله بن قيس التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المشهور المصريّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ) تقدّم أيضًا قبل باب. ٥ - (الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهريّ، أبو عبد الرحمن له، ولأبيه صحبة، مات سنة أربع وستين (ع) تقدم في «الحيض» ١٨/ ٧٧٩. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٤٨٧) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالتحديث من أوله إلى آخره. شرح الحديث: عن (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيِّ التَّيْمِيِّ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) -﵄- (حَدَّثَهُ) قال في «الفتح»: كذا رواه عنه عمرو بن دينار، وتابعه الليث، وابن لهيعة، وغيرهما، ورواه أيوب، عن ابن أبي مليكة، فقال: عن عبد الله بن الزبير، أخرجه الترمذيّ، وصححه، وقال: يَحْتَمِل أن يكون ابن أبي مليكة سمعه منهما جميعًا، ورجّح الدارقطنيّ وغيره طريق المسور، والأول أثبت بلا ريب؛ لأن المسور قد روى في هذا الحديث قصة مطولة ستأتي بعد هذا، نعم يَحتمل أن يكون ابن الزبير سمع هذه القطعة فقط، أو سمعها من المسور، فأرسلها. انتهى . (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ) النبويّ، وقوله: (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة، («إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ) هو والد أبي جهل، وجدّ مخطوبة عليّ؛ وبنوه هم أعمامها. (اسْتَأْذَنُونِي)؛ أي: طلبوا مني أن آذن لهم (أَنْ يُنْكِحُوا) بضم حرف المضارعة، من الإنكاح؛ أي: يزوّجوا (ابْنَتَهُمْ) هي ابنة أبي جهل، واختُلف في اسمها، فروى الحاكم في»الإكليل«أنها جويرية، وهو الأشهر، وفي بعض الطرق اسمها العوراء، أخرجه ابن طاهر في»المبهمات«، وقيل: اسمها الحنفاء، ذكره ابن جرير الطبريّ، وقيل: جرهمة، حكاه السهيليّ، وقيل: اسمها جميلة، ذكره ابن الملقن في»شرحه«، وكان لأبي جهل بنت تسمى صفية، تزوجها سهل بن عمرو، سماها ابن السكيت وغيره، وقال: هي الحنفاء المذكورة . (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) -﵁-، هكذا وقع في رواية ابن أبي مليكة أن سبب الْخُطبة استئذان بني هشام بن المغيرة وفي رواية الزهريّ عن عليّ بن الحسين بسبب آخر، ولفظه:«أن عليًّا خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبيّ -ﷺ-، فقالت: إن قومك يتحدثون. . .»، كذا في رواية شعيب، وفي رواية عبد الله بن أبي زياد، عنه في«صحيح ابن حبان»:«فبلغ ذلك فاطمة، فقالت: إن الناس يزعمون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا عليّ ناكح بنت أبي جهل»، هكذا أطلقت عليه اسم فاعل مجازًا؛ لكونه أراد ذلك، وصمَّم عليه، فنزَّلته منزلة مَن فعله. ووقع في رواية عبيد الله بن أبي زياد:«خطب»، ولا إشكال فيها، قال المسور:«فقام النبيّ -ﷺ-»، فذكر الحديث. ووقع عند الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي حنظلة:«أن عليًّا خطب بنت أبي جهل، فقال له أهلها: لا نزوجك على فاطمة». قال الحافظ: فكأن ذلك كان سبب استئذانهم، وجاء أيضًا أن عليًّا استأذن بنفسه، فأخرج الحاكم بإسناد صحيح إلى سُويد بن غَفَلة، وهو أحد المخضرمين، ممن أسلم في حياة النبيّ -ﷺ-، ولم يلقه، قال:«خَطَب عليّ بنت أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبيّ -ﷺ-، فقال: أعن حَسَبها تسألني؟ فقال: لا، ولكن أتامرني بها؟ قال: لا، فاطمة مضغة مني، ولا أحسب إلا أنها تحزن، أو تجزع، فقال عليّ: لا آتي شيئًا تكرهه»، ولعل هذا الاستئذان وقع بعد خُطبة النبيّ -ﷺ- بما خطب، ولم يحضر عليّ الخطبة المذكورة، فاستشار، فلما قال له: لا، لم يتعرض بعد ذلك لطلبها، ولهذا جاء آخر حديث شعيب عن الزهريّ:«فترك عليّ الْخِطبة»، وهي بكسر الخاء المعجمة. ووقع عند ابن أبي داود من طريق معمر، عن الزهريّ، عن عروة:«فسكت عليّ عن ذلك النكاح». (فَلَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ) ولفظ البخاريّ:«فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن»، كرر ذلك تأكيدًا لمنع الجمع بين فاطمة، وبين ابنة أبي جهل، لِمَا خاف النبيّ -ﷺ- على فاطمة من الفتنة، من أجل الغَيْرة، ولِمَا توقع من مُناكدة هذه الضَّرَّة؛ لأنَّ عداوة الآباء قد تؤثر في الأبناء، قاله القرطبيّ -﵀- . وقال في«الفتح»: فيه إشارة إلى تأبيد مدة منع الإذن، وكأنه أراد رفع المجاز؛ لاحتمال أن يُحمل النفي على مدة بعينها، فقال:«ثم لا آذن»؛ أي: ولو مضت المدة المفروضة تقديرًا لا آذن بعدها، ثم كذلك أبدًا، وفيه إشارة إلى ما في حديث الزهريّ من أن بني هشام بن المغيرة استأذنوا، وبنو هشام هم أعمام بنت أبي جهل؛ لأنه أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة، وقد أسلم أخواه: الحارث بن هشام، وسلمة بن هشام، عام الفتح، وحسن إسلامهما، ويؤيد ذلك جوابهما المتقدم لعليّ، وممن يدخل في إطلاق بني هشام بن المغيرة: عكرمة بن أبي جهل بن هشام، وقد أسلم أيضًا، وحسن إسلامه، والمخطوبة تزوجها عَتّاب بن أَسِيد بن أبي العِيص لمّا تركها عليّ -﵁- . (إِلَّا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ) هو عليّ -﵁-، فكأنه كَرِه ذلك من عليّ، فلذلك لم يقل: علي بن أبي طالب . (أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي، وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ) هذا محمول على أن بعض من يُبغض عليًّا وشى به أنه مصمِّم على ذلك، وإلا فلا يُظَنّ به أنه يستمر على الْخِطبة بعد أن استشار النبيّ -ﷺ-، فمنعه، وسياق سُويد بن غَفَلة يدلّ على أن ذلك وقع قبل أن تعلم به فاطمة، فكأنه لما قيل لها ذلك، وشَكَت إلى النبيّ -ﷺ- بعد أن أعلمه علي أنه ترك أنكر عليه ذلك، وزاد في رواية الزهريّ: «وإني لست أحرّم حلالًا، ولا أحلّل حرامًا، ولكن والله لا تُجمع بنت رسول الله، وبنت عدوّ الله عند رجل أبدًا»، وفي رواية مسلم الآتي بعد حديث: «مكانًا واحدًا أبدًا»، وفي رواية شعيب: «عند رجل واحد أبدًا». قال ابن التين: أصحّ ما تُحْمَل عليه هذه القصة أن النبيّ -ﷺ- حَرّم على عليّ أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل؛ لأنه عَلَّل بأن ذلك يؤذيه، وأذيّته حرام بالاتفاق، ومعنى قوله: «لا أحرّم حلالًا»؛ أي: هي له حلال، لو لم تكن عنده فاطمة، وأما الجمع بينهما الذي يستلزم تأذي النبيّ -ﷺ- لتأذي فاطمة به فلا. وزعم غيره أن السياق يُشعر بأن ذلك مباح لعليّ، لكنه منعه النبيّ -ﷺ- رعاية لخاطر فاطمة، وقَبِل هو ذلك؛ امتثالًا لأمر النبيّ -ﷺ-. قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه لا يَبعد أن يُعَدّ في خصائص النبيّ -ﷺ- أن لا يُتزوج علي بناته، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك خاصًّا بفاطمة -﵍-. انتهى . (فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي) بفتح الباء الموحّدة، وسكون الضاد المعجمة؛ أي: قِطعة، ووقع في حديث سُويد بن غَفَلة بلفظ «مضغة» بضم الميم، وبغين معجمة، والسبب في ذلك أنها كانت أصيبت بأمها، ثم بأخواتها واحدةً بعد واحدة، فلم يبق لها من تستأنس به، ممن يخفف عليها الأمر، ممن تُفضي إليه بسرّها إذا حصلت لها الغيرة، قاله في «الفتح». وقال القرطبيّ -﵀-: قوله -ﷺ-: «بضعة مني، يريبني ما رابها» البضعة -بفتح الباء-: القطعة من اللحم، وتُجمع على بضاع؛ كقصعة وقصاع، وهي مأخوذة من البضع، وهو القطع، وقد سَمَّاها في الرواية الأخرى: «مُضْغَة»، وهي قَدْرُ ما يَمضغه الماضغ، ويعني بذلك: أنَّها كالجزء منه، يؤلمه ما آلمها، و«يريبني ما رابها»؛ أي: يَشُقّ عليّ، ويؤلمني، يقال: رابني فلان: إذا رأيت منه ما تكرهه -ثلاثيًّا- والاسم منه: الرِّيبة، وهذيل تقول فيه: أرابني -رباعيًّا- والمشهور: أن أراب: إنما هو بمعنى صار ذا ريبة، فهو مُريب، وارتاب بمعنى: شك، والرَّيب: الشك. انتهى . (يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا) كذا هنا في رواية مسلم: «يَرِيبني ما رابها» من راب يريب ثلاثيًّا، وفي رواية البخاريّ: «يُريبني ما أرابها»، رباعيًّا، وزاد في رواية الزهريّ؛ «وأنا أتخوف أن تُفْتَن في دينها»؛ يعني: أنها لا تصبر على الغيرة، فيقع منها في حقّ زوجها في حال الغضب ما لا يليق بحالها في الدِّين. وفي رواية شعيب: «وأنا أكره أن يسوءها»؛ أي: تزويج غيرها عليها، وفي رواية مسلم الآتية من هذا الوجه: «أن يفتنوها»، وهي بمعنى أن تُفْتَن. (وَيُؤْذَينِي مَا آذَاهَا») في رواية أبي حنظلة:«فمن آذاها فقد آذاني»، وفي حديث عبد الله بن الزبير:«يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها»، وهو بنون، وصاد مهملة، وموحّدة، من النّصَب، بفتحتين، وهو التعب، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع، عن المسور:«يَقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها»، أخرجها الحاكم . وقال النوويّ -﵀-: قوله:«يريبني» بفتح الياء، قال إبراهيم الحربي: الريب ما رابك من شيء، خِفت عقباه، وقال الفراء: راب، وأراب بمعنى، وقال أبو زيد: رابني الأمر: تيقنت منه الريبة، وأرابني: شكّكني، وأوهمني، وحُكي عن أبي زيد أيضًا وغيره كقول الفراء، قال العلماء: في هذا الحديث تحريم إيذاء النبيّ -ﷺ- بكل حال، وعلى كل وجه، وإن تولَّد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحًا، وهو حيّ، وهذا بخلاف غيره، قالوا: وقد أعلم -ﷺ- بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعليّ بقوله -ﷺ-: «لست أحرّم حلالًا»، ولكن نهى عن الجمع بينهما؛ لعلتين منصوصتين، إحداهما: أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة، فيتأذى حينئذ النبيّ -ﷺ-، فيهلك من آذاه، فنَهَى عن ذلك؛ لكمال شفقته على عليّ، وعلى فاطمة. والثانية: خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة، وقيل: ليس المراد به النهي عن جَمْعهما، بل معناه: أَعْلَم من فضل الله أنهما لا تجتمعان، كما قال أنس بن النضر: والله لا تُكسر ثنية الرُّبَيِّع، ويَحْتَمِل أن المراد تحريم جَمْعهما، ويكون معنى: «لا أحرّم حلالًا»؛ أي: لا أقول شيئًا يخالف حكم الله، فإذا أحل شيئًا لم أحرمه، وإذا حرّمه لم أحلله، ولم أسكت عن تحريمه؛ لأن سكوتي تحليل له، ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت نبي الله، وبنت عدوّ الله. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المسور بن مخرمة -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٦٢٨٧ و٦٢٨٨ و٦٢٨٩ و٦٢٩٠ و٦٢٩١] (٢٤٤٩)، و(البخاريّ) في «النكاح» (٥٢٣٠) و«الطلاق» (٥٢٧٨) و«الفضائل» (٣٧١٤ و٣٧٦٧)، و(أبو داود) في «النكاح» (٢٠٧١)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٨٦٧)، و(ابن ماجه) في «النكاح» (١٩٩٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ١٤٧) و«فضائل الصحابة» (٢٦٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٢٨) وفي «الفضائل» (١٣٢٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٩٥٥)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٢/ ١٠١٠ و١٠١١ و١٠١٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٣٠٧ و١٠/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٩٥٧ و٣٩٥٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان تحريم إيذاء النبيّ -ﷺ- بكل حال، وعلى كل وجه، وإن كان تولّد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحًا وهو في هذا بخلاف غيره، وقال النوويّ: ويَحْتَمِل أن المراد: تحريم جَمْعهما، ويكون معنى: «لا أُحَرِّم حلالًا»؛ أي: لا أقول شيئًا يخالف حكم الله، فإذا أحل شيئًا لم أحرمه، وإذا حرمه لم أحله، ولم أسكت على تحريمه؛ لأن سكوتي تحليل له، ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت رسولِ الله -ﷺ-، وبنت عدوّ الله. انتهى . ٢ - (ومنها): أن قوله -ﷺ- الآتي: «وإني لست أحرم حلالًا، ولا أحل حرامًا» صريح في أن الحكم بالتحليل والتحريم من الله تعالى؛ وإنَّما الرسول مُبلِّغ. قال القرطبيّ -﵀-: ويُستدلُّ به في منع اجتهاد النبيّ -ﷺ- في الأحكام، ومن منع جواز تفويض الأحكام إلى النبيّ -ﷺ-، ولا حُجَّة فيه؛ لأنَّ اجتهاد المجتهد لا يوجب الأحكام، ولا ينشئها؛ وإنَّما هو مُظْهِر لها، كما أوضحناه في الأصول. قال: ويفيد هذا: أن حكم الله على عليٍّ، وعلى غيره التخيير في نكاح ما طاب له من النساء إلى الأربع، ولكن النبيّ -ﷺ- إنما منع عليًّا من ذلك لِمَا خاف على ابنته من المفسدة في دينها من ضرر عداوةٍ تَسري إليها، فتتأذى في نفسها، فيتأذى النبيّ -ﷺ- بسببها، وأذى النبيّ -ﷺ- حرام، فيحرم ما يؤدي إليه. ٣ - (ومنها): أن فيه القولَ بسد الذرائع، وإعمال المصالح، وأن حرمة النبيّ -ﷺ- أعظم من حرمة غيره، وتظهر فائدة ذلك بأن من فعل مِمَّا ما يجوز له فِعله لا يُمنع منه، وإن تأذى بذلك الفعل غيره، وليس ذلك حالنا مع النبيّ -ﷺ-، بل يَحْرم علينا مطلقًا فعلُ كل شيء يتأذى به النبيّ -ﷺ-، وإن كان في أصله مباحًا، لكنه إن أدَّى إلى أذى النبيّ -ﷺ- ارتفعت الإباحة، ولزم التحريم، قاله القرطبيّ -﵀-. وقال في «الفتح»: فيه حجةٌ لمن يقول بسد الذريعة؛ لأن تزويج ما زاد على الواحدة حلال للرجال ما لم يجاوز الأربع، ومع ذلك فقد مُنع من ذلك في الحال؛ لِمَا يترتب عليه من الضرر في المآل. انتهى. ٤ - (ومنها): أنه يدلّ على جواز غضب الرَّجل لابنته، ووَلَده، وحُرَمه، وعلى الحرص في دفع ما يؤدي إلى ضررهم؛ إذا كان ذلك بوجه جائز. ٥ - (ومنها): أنه يدلّ أيضًا على جواز خُطبة الإمام الناس، وجَمْعهم لأمر يحدث. ٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: إن قوله -ﷺ-: «والله لا تجتمع ابنة نبي الله وابنة عدوِّ الله عند رجل واحد أبدًا»؛ دليل على أن الأصل أن ولد الحبيب حبيب، وولد العدو عدوّ، إلى أن يتبيّن خلاف ذلك، قال: وقد استنبط بعض الفقهاء من هذا مَنْع نكاح الأَمَة على الحرَّة، وليس بصحيح؛ لأنَّه يلزم منه مَنْع نكاح الحرَّة الكتابية على المسلمة، ومنع نكاح ابنة المرتدّ على من ليس أبوها كذلك، ولا قائل به فيما أعلم، فدلَّ ذلك على أن ذلك الحكم مخصوص بابنة أبي جهل وفاطمة -﵂-. ٧ - (ومنها): أنه يؤخذ من هذا الحديث أن فاطمة لو رَضِيت بذلك لم يُمنع عليّ من التزويج بابنة أبي جهل، أو بغيرها. ٨ - (ومنها): تحريم أذى من يتأذى النبيّ -ﷺ- بتأذيه؛ لأن أذى النبيّ -ﷺ- حرام اتفاقًا قليله وكثيره، وقد جزم بأنه يؤذيه ما يؤذي فاطمة، فكل من وقع منه في حقّ فاطمة شيء، فتأذت به فهو يؤذي النبيّ -ﷺ- بشهادة هذا الخبر الصحيح، ولا شيء أعظم في إدخال الأذى عليها من قَتْل وَلَدها، ولهذا عُرف بالاستقراء معاجلة من تعاطى ذلك بالعقوبة في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشدّ. ٩ - (ومنها): بقاء عار الآباء في أعقابهم؛ لقوله: «بنت عدو الله»، فإن فيه إشعارًا بأن للوصف تأثيرًا في المنع، مع أنها هي كانت مسلمة حسنة الإسلام. ١٠ - (ومنها): ما قيل: إنه قد احتجّ به من منع كفاءة من مسّ أباه الرقّ، ثم أُعتق بمن لم يمس أباها الرقّ، ومن مسه الرقّ بمن لم يمسها هي، بل مسّ أباها فقط. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم في «كتاب النكاح» أن الصحيح من مذاهب العلماء أن الكفاءة تُعتبر بالدِّين فقط، لا بالنسب، ولا بالحِرَف، والصنائع؛ للأدلة الصحيحة الكثيرة التي ذُكرت هناك، فراجعها، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ١١ - (ومنها): أن الغيراء إذا خُشي عليها أن تُفتن في دينها كان لوليّها أن يسعى في إزالة ذلك، كما في حكم الناشز، كذا قيل، وفيه نظرٌ، ويمكن أن يزاد فيه شَرْط أن لا يكون عندها من تتسلى به، ويخفف عنها الحملة كما تقدم. قال الحافظ: ومن هنا يؤخذ جواب مَن استَشكَلَ اختصاص فاطمة بذلك مع أن الغيرة على النبيّ -ﷺ- أقرب إلى خشية الافتتان في الدين، ومع ذلك فكان -ﷺ- يستكثر من الزوجات، وتوجد منهنّ الغيرة، كما في هذه الأحاديث، ومع ذلك ما راعى ذلك -ﷺ- في حقهنّ، كما راعاه في حقّ فاطمة -﵂-. ومحصل الجواب: أن فاطمة -﵂- كانت إذ ذاك كما تقدم فاقدةً مَن تَرْكَنُ إليه ممن يؤنسها، ويزيل وحشتها، من أم، أو أخت، بخلاف أمهات المؤمنين، فإن كل واحدة منهنّ كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك، وزيادةً عليه، وهو زوجهنّ -ﷺ- لِمَا كان عنده من الملاطفة، وتطييب القلوب، وجَبْر الخواطر، بحيث أن كل واحدة منهن ترضى منه لحسن خُلُقه، وجميل خَلْقه بجميع ما يصدر منه، بحيث لو وُجد ما يُخشى وجوده من الغيرة لزال عن قرب . ١٢ - (ومنها): ما قيل: إن فيه حجةً لمن منع الجمع بين الحرة والأمة، هكذا قيل. ١٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه إكرام من ينتسب إلى الخير، أو الشرف، أو الديانة ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٨٨] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُؤْذِيني مَا آذَاهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر بن الحسن الهُذليّ الْقَطِيعيّ، أصله هَرَويّ، ثقةٌ مأمونٌ [١٠] (ت ٢٣٦) (خ م س) تقدم في «الرضاع» ١/ ٣٥٦٩. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين. ٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، لكن السياق هذا من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٨٩] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيُّ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ -﵄- لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ ، تَأْمُرُنِي بِهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: لَا، قَالَ لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، وَايْمُ اللهِ لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ أَبَدًا، حَتَّى تَبْلُغَ نَفْسِي، إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ، فَقَالَ: «إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي وَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا»، قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، فَأَحْسَنَ، قَالَ: «حَدَّثَنِي، فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي، فَأَوْفَى لِي، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ الله، وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) الإمام الشهير، تقدّم قريبًا. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد الزهريّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (الْوَليدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ، عارفٌ بالمغازي، رُمي برأي الخوارج [٦] (ت ١٥١) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦١. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيُّ) -بضمّ الدال، وفتح الهمزة، الدِّيليّ بكسر الدال، وسكون التحتانية- المدنيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د س) تقدم في «الحيض» ٢٣/ ٨٠٦. ٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم قبل باب. ٧ - (عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، زين العابدين المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، قال ابن عيينة، عن الزهريّ: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه [٣] (ت ٩٣) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٣٠/ ١٨١٨. و«المسور بن مخرمة -﵄-» ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من ثمانيّات المصنّف -﵀- فهو قريبٌ من أَنْزَلِ أسانيده، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه مسلسل بالتحديث والإخبار إلا في موضع. شرح الحديث: (عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ) المخزوميّ المدنيّ، ثم الكوفيّ؛ أنه (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ اَلدُّؤَلِيُّ) بضمّ الدال المهملة، وفتح الهمزة، ويقال: الدّيليّ بكسر الدال، وسكون التحتانيّة: نسبة إلى قبيلة. (أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ) الزهريّ (حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ) زين العابدين (حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُمْ)؛ أي: عليًّا ومن معه من أهل بيته (حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ) وكان ذلك في خلافته، (مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ -﵄-)؛ أي: في وقته، فالمقتل منصوب على الظرفيّة الزمانيّة، وكان قَتْل الحسين -﵁- يوم عاشوراء سنة (٦١) من الهجرة وله (٥٦) سنةً. (لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم في «الْمِسور»، وفتحها في «مخرمة» صحابي ابن صحابيّ -﵄-. (فَقَالَ) المسور (لَهُ)؛ أي: لعلّي بن الحسين -﵄-: (هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ) وفي بعض النسخ: «هل لك من حاجة»؛ أي: تذكر لي حاجة لك؟ (تَأْمُرُنِي بِهَا؟)؛ أي: بقضائها، (قَالَ) عليّ: (فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: للمسور، (لَا)؛ أي: لا حاجة لي إليك، (قَالَ) المسور (لَهُ)؛ أي: لعليّ: (هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ) اسم فاعل من أعطى، مضاف إلى ياء المتكلّم، ولذا شُدّدت الياء لإدغام الياء التي هي لام الكلمة في ياء المتكلّم. (سَيْفَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) قال الحافظ -﵀-: والذي يظهر أن المراد بالسيف المذكور: ذو الفقار الذي تنفّله يوم بدر، ورأى فيه الرؤيا يوم أُحد، قال: وأراد المسور بذلك صيانة سيف النبيّ -ﷺ-؛ لئلا يأخذه من لا يعرف قَدْره، وقال الكرمانيّ: مناسبة ذِكر المسور لقصة خطبة بنت أبي جهل عند طلبه للسيف من جهة أن رسول الله -ﷺ- كان يحترز عما يوجب وقوع التكدير بين الأقرباء؛ أي: فكذلك ينبغي أن تعطيني السيف حتى لا يحصل بينك وبين أقربائك كُدورة بسببه، أو كما أن رسول الله -ﷺ- كان يراعي جانب بني عمه العبشميين، فأنت أيضًا راعِ جانب بني عمك النوفليين؛ لأن المسور نوفليّ، كذا قال، والمسور زهريّ، لا نوفليّ، قال: أو كما أن رسول الله -ﷺ- كان يحب رفاهية خاطر فاطمة -﵂-، فأنا أيضًا أحب رفاهية خاطرك؛ لكونك ابن ابنها، فأعطني السيف حتى أحفظه لك. قال الحافظ: وهذا الأخير هو المعتمَد، وما قبله ظاهر التكلف. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «مُعْطِيَّ» بضم الميم، وسكون العين، وكسر الطاء، وتشديد الياء؛ يعني: هل أنت معطي سَيْف رسول الله -ﷺ- إياي، وكون السيف عند آل عليّ -﵁- يَحْتَمِل أن يكون النبيّ -ﷺ- قد أعطاه لعليّ -﵁- في حياته انتَقَل إلى زين العابدين، أو أعطاه أبو بكر -﵁-، ثم انتقل إلى آله، والظاهر: أن هذا السيف هو ذو الفَقار؛ لأن سبط ابن الجوزيّ ذكر في «تاريخه»: ولم يزل ذو الفقار عنده -ﷺ- حتى وهبه لعليّ -﵁- قبل موته، ثم انتقل إلى آله، وكانت له عشرة أسياف، منها ذو الفَقار تنفّله يوم بدر. انتهى . (فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ)؛ أي: يأخذوه منك بالقوّة والاستيلاء، ويريد بالقوم: بني أمية، ومن يواليهم. (عَلَيْهِ)؛ أي: على هذا السيف، (وَايْمُ اللهِ) تقدّم أنه مبتدأ خبره محذوف؛ أي: قَسَمي (لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ؛ أَبَدًا) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: لا يصل إليه أحد أبدًا (حَتَّى تَبْلُغَ نَفْسِي) يَحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، و«نفسي» مرفوع بالفاعليّة؛ أي: حتى تبلغ نفسي غايتها، بمعنى: حتى أموت، وضَبَطه بعضهم بالبناء للمفعول، وفسّره بقوله: حتى تُقبض روحي. وقال في «التكملة»: يعني: أنني سوف أحتفظ بهذا السيف، ولن أسلّمه إلى أئمة بني أميّة، وهم المراد من قوله: «إني أخاف أن يغلبك القوم عليه»، ولو اضطررت لحفظه إلى بذل نفسي. انتهى . [تنبيه]: كتب في «الفتح» ما نصّه: ولا أزال أتعجب من المسور، كيف بالغ في تعصبه لعلي بن الحسين، حتى قال: إنه لو أودع عنده السيف لا يُمَكِّن أحدًا منه حتى تزهق روحه؛ رعايةً لكونه ابن ابن فاطمة - ﵂ - محتجًّا بحديث الباب، ولم يراع خاطره في أن ظاهر سياق الحديث المذكور غَضاضة على عليّ بن الحسين؛ لِمَا فيه من إيهام غضّ من جدّه علي بن أبي طالب، حيث أقدم على خِطبة بنت أبي جهل على فاطمة، حتى اقتضى أن يقع من النبيّ - ﷺ - في ذلك من الإنكار ما وقع، بل أتعجب من المسور تعجبًا آخر أبلغ من ذلك، وهو أن يبذل نفسه دون السيف رعاية لخاطر ولد ابن فاطمة، وما بذل نفسه دون ابن فاطمة نفسه، أعني الحسين والد عليّ الذي وقعت له معه القصة حتى قُتل بأيدي ظلمة الولاة، لكن يَحْتَمِل أن يكون عُذْره أن الحسين لمّا خرج إلى العراق ما كان المسور وغيره من أهل الحجاز يظنون أن أمره يئول إلى ما آل إليه، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: وأنا لا أزال أتعجّب من الحافظ سامحه الله تعالى حيث كتب هذا الكلام الذي فيه غضّ من المسور - ﵁ -، فيا ليته لَمْ يكتبه، فإن المسور - ﵁ - من الصحابة الذين يجب علينا أن لا نذكرهم إلَّا بخير وفضل واحترام، ولا نذكر ما وقع منهم من بعض الأشياء التي انتقدها أعداؤهم، وتوسّعوا فيها، وأوقدوا نيرانها، فإنهم بَشَر قد يصدر منهم ما يصدر من البشر، ولكنهم مجتهدون مأجورون، فالواجب أن لا نتعرّض لمثل ذلك، ولا نفتح لأعدائهم باب الشرّ. وبالجملة فالمسور - ﵁ - كسائر الصحابة - ﵃ - لا يُذكر إلَّا بخير ما فعله، ونكفّ عن غير ذلك إن كان هناك شيء، فلا يليق بنا أن نقول في حقّ صحابيّ: أتعجّب من فلان، كيف فعل هذا؟، وكيف ترك هذا؟ فإن هذا معاونة للأعداء، وتقوية لاعتقادهم الباطل في حقّ كثير من الصحابة - ﵃ -، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ) اسمها جويرية، ويقال: العوراء، ويقال: جميلة، وكان عليّ - ﵁ - قد أخذ بعموم الجواز، فلما أنكر النبيّ - ﷺ - أعرض عليّ عن الْخِطْبة، فيقال: تزوجها عَتّاب بن أَسِيد، وإنما خَطَب النبيّ - ﷺ - ليُشيع الحكم المذكور بين الناس، ويأخذوا به، إما على سبيل الإيجاب، وإما على سبيل الأولوية. قال الحافظ: وغَفَل الشريف المرتضى عن هذه النكتة، فزعم أن هذا الحديث موضوع؛ لأنه من رواية المسور، وكان فيه انحراف عن عليّ، وجاء من رواية ابن الزبير، وهو أشدّ في ذلك. ورُدّ كلامه بإطباق أصحاب الصحيح على تخريجه. انتهى . وقال في «العمدة»: إنما ذكر المسور قصة خِطبة عليّ بنت أبي جهل؛ ليَعْلَم عليّ بن الحسين زين العابدين بمحبته في فاطمة، وفي نسلها؛ لِمَا سمع من رسول الله - ﷺ -. انتهى . (فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) وقوله: (وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ) جملة في محل نصب على الحال، (فِي ذَلِكَ)؛ أي: في شأن خِطبة علي بنت أبي جهل، (عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا) يريد المنبر النبويّ في المسجد النبويّ، وقوله: (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ) جملة حاليّة أيضًا، و«المحتلم»: بكسر اللام اسم فاعل من حَلَم، يقال: حَلَم يَحْلُم، من باب قَتَلَ حُلُمًا بضمّتين، وإسكان الثاني تخفيف، واحتَلَمَ: رأى في منامه رُؤَيَا، وحلم الصبيّ، واحتلم: أدرك وبلغ مبالغ الرجال، فهو حالمٌ، ومحتَلِمٌ، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . (فَقَالَ) - ﷺ -: («إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي) هو بمعنى الرواية السابقة:»بضعة مني«، (وَإِنِّي أتخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا»)؛ أي: أنَّها لا تصبر بسبب المغيرة، فتقع في محظور شرعيّ. (قَالَ) المسور: (ثُمَّ ذَكَرَ) رسول الله - ﷺ - (صِهْرًا لَهُ) الصِّهْرُ بكسر، فسكون: جمعه أَصْهَارٌ، قال الخليل: الصِّهْرُ: أهل بيت المرأة، قال: ومن العرب من يجعل الأَحْمَاءَ، والأَخْتَانَ جميعًا أَصْهَارًا، وقال الأزهريّ: الصِّهْرُ يشتمل على قرابات النساء، ذوي المحارم، وذوات المحارم؛ كالأبوين، والإخوة، وأولادهم، والأعمام، والأخوال، والخالات، فهؤلاء أَصْهَارُ زوج المرأة، ومن كان من قِبَل الزوج من ذوي قرابته المحارم فهم أَصْهَارُ المرأة أيضًا، وقال ابن السكيت: كل من كان من قِبَل الزوج، من أبيه، أو أخيه، أو عمة، فهم الأَحْمَاءُ، ومن كان من قِبَل المرأة، فهم الأَخْتَانُ، وَيَجمع الصنفين الأَصْهَارُ، وصَاهَرْتُ إليهم: إذا تزوجت منهم، ذكره الفيّوميّ - ﵀ - . (مِنْ بَني عَبْدِ شَمْسٍ) هو: أبو العاص بن الربيع بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، ويقال بإسقاط ربيعة، وهو مشهور بكنيته، واختُلِف في اسمه على أقوال، أثبتها عند الزبير: مِقْسَم، وأمه هالة بنت خُويلد أخت خديجة، فكان ابن أختها. قال في «الفتح»: وأصل المصاهرة: المقاربة، وقال الراغب: الصهر: الْخَتَن، وأهل بيت المرأة، يقال لهم: الأصهار، قاله الخليل، وقال ابن الأعرابيّ: الأصهار: ما يتحرّم بجوار، أو نَسَب، أو تزوُّج، وقال النوويّ: الصهر يُطلق على أقارب الزوجين، والمصاهرة مقاربة بين المتباعدين، وعلى هذا عمل البخاريّ، فإن أبا العاص بن الربيع ليس من أقارب نساء النبيّ - ﷺ - إلَّا من جهة كونه ابن أخت خديجة، وليس المراد هنا نِسبته إليها، بل إلى تزوجه بابنتها، وتزوج زينب بنت رسول الله - ﷺ - قبل البعثة، وهي أكبر بنات النبيّ - ﷺ -، وقد أُسر أبو العاص ببدر مع المشركين، وَفَدَتْه زينب، فشَرَط عليه النبيّ - ﷺ - أن يُرسلها إليه، فوفى له بذلك، فهذا معنى قوله في آخر الحديث: «ووعدني، فوفى لي»، ثم أُسر أبو العاص عمرة أخرى، فأجارته زينب، فأسلم، فردّها النبيّ - ﷺ - إلى نكاحه، وولدت أُمامة التي كان النبيّ - ﷺ - يحملها، وهو يصلي، كما تقدم في «الصلاة»، وولدت له أيضًا ابنًا اسمه عليّ، كان في زمن النبيّ - ﷺ - مراهقًا، فيقال: إنه مات قبل وفاة النبيّ - ﷺ -. وأما أبو العاص فمات سنة اثنتي عشرة، ذكره في «الفتح» . (فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، فَأَحْسَنَ) ثم أشار إلى إحسانه في مصاهرته بقوله: (قَالَ) - ﷺ -: («حَدَّثَنِي)؛ أي: أبو الربيع، (فَصَدَقَنِي) بتخفيف الدال، قال في»الفتح«: لعله كان شَرَط على نفسه أن لا يتزوج على زينب، وكذلك عليّ، فإن لَمْ يكن كذلك فهو محمول على أنَّ عليًّا نسي ذلك الشرط، فلذلك أقدم على الْخِطبة، أو لَمْ يقع عليه شرط؛ إذ لَمْ يصرّح بالشرط، لكن كان ينبغي له أن يراعي هذا القَدْر، فلذلك وقعت المعاتبة، وكان النبيّ - ﷺ - قَلّ أن يواجه أحدًا بما يعاب به، ولعله إنما جهر بمعاتبة عليّ مبالغةً في رضا فاطمة - ﵍ -، وكانت هذه الواقعة بعد فتح مكة، ولم يكن حينئذ مَنْ تأخَّر من بنات النبيّ - ﷺ - غيرها، وكانت أصيبت بعد أمها بإخوتها، فكان إدخال المغيرة عليها مما يزيد حزنها . (وَوَعَدَنِي، فَأَوْفَى لِي، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ الله، وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ مَكَانًا وَاحِدًا أَبَدًا») قال في«العمدة»: قد أعلم - ﷺ - بذلك بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعليّ - ﵁ -، ولكن نَهَى عن الجمع بينها وبين فاطمة ابنته - ﷺ -؛ لعلتين منصوصتين: إحداهما: أن ذلك يؤذيني؛ لأنَّ إيذاء فاطمة إيذاءًا لي، والأخرى: خوف الفتنة عليها بسبب المغيرة. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٩٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارَمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَلِيُّ بْنَ أَبِي طَالِبِ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فاطِمَةُ أَتَتِ النَّبِيّ - ﷺ -، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيُّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: «أمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيع، فَحَدَّثَنِي، فَصَدَقَنِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنِّي، وَإِنَّمَا أَكْرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهَا، وَإِنَّهَا وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا»، قَالَ: فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و«أبو السمان» هو: الحكم بن نافع الحمصيّ، و«شُعيب» هو: ابن أبي حمزة الحمصيّ أيضًا. وقوله: (فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ) وفي رواية البخاريّ: «إن عليًّا خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك فاطمة، فأتت رسول الله - ﷺ -، فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك». وقولها: (وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ) هكذا الرواية عند مسلم «ناكحًا» بالنصب، ووجهه أنه منصوب على الحال المنتظرة من عليّ، وقال القرطبيّ: كذا الرواية: «ناكحًا» بالنصب على الحال؛ لأنَّ الكلام قبله مستقلّ بنفسه؛ لأنَّ قولها: «هذا عليّ»؛ كقولك: هذا زيد، لكنْ رَفْعه أحسن لو رُوي؛ لأنَّه هو المقصود بالإفادة، و«عليّ» توطئة له. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «لو رُوي … إلخ» قد روي ذلك عند البخاريّ، ولفظه: «وهذا عليّ ناكح … إلخ» بالرفع، فيكون خبرًا لاسم الإشارة بعد خبر، أو صفة لعليّ. قال في «العمدة»: وإطلاق اسم الناكح عليه مجازٌ باعتبار ما كان قصد إليه. انتهى . وقوله: (فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ) بكسر الخاء؛ يعني: خِطبته لابنة أبي جهل وغيرها، ولم يتزوَّج عليها، ولا تسرَّى حتى ماتت - ﵂ -. والحديث متَّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٩١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُّ - يَعْنِي: ابْنَ جَرِيرٍ - عَنْ أَبِيه، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ - يَعْنِي: ابْنَ رَاشِدٍ - يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ) هو: زيد بن يزيد الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [١١] (م) من أفراد المصنّف تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٨. ٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم بن زيد، أبو عبد الله الأزديّ البصريّ، ثقةُ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٥. ٣ - (أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ، لكن في حديثه عن قتادة ضعفٌ، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] مات سنة سبعين ومائة، بعدما اختَلَط، لكن لَمْ يحدّث في حال اختلاطه (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨١. ٤ - (النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ) الجزريّ، أبو إسحاق الرَّقّيّ، مولى بني أمية، صدوقٌ سيئ الحفظ [٦] (خت م ٤) تقدم في «النكاح» ٢٠/ ٣٥٣٧. و«الزهريّ» ذُكر قبله.
مصادر المؤلف (٢٩)

١. «المفهم» ٦/ ٣٥١ - ٣٥٢.

٢. «الفتح»٨/ ٤٧٥ رقم (٣٧٦٧).

٣. «الفتح»٨/ ٤٤٣ رقم (٣٧٢٩).

٤. «المفهم» ٦/ ٣٥٣.

٥. «الفتح» ١١/ ٦٨١، كتاب «النكاح» رقم (٥٢٣٠).

٦. «عمدة القاري» ٢٠/ ٢١٢.

٧. «الفتح» ١١/ ٦٨١، كتاب «النكاح» رقم (٥٢٣٠).

٨. «المفهم» ٦/ ٣٥٢ - ٣٥٣.

٩. «الفتح» ١١/ ٦٨١، كتاب «النكاح» رقم (٥٢٣٠).

١٠. «شرح النوويّ»١٦/ ٢ - ٣.

١١. المراد: فوائد حديث الباب بطرقه المختلفة، وليس المراد السياق المذكور في هذه الرواية، فتنبّه.

١٢. «عمدة القاري»١٥/ ٣٤.

١٣. «الفتح» ١١/ ٦٨١، كتاب «النكاح» رقم (٥٢٣٠).

١٤. «عمدة القاري» ٢٠/ ٢١٢.

١٥. وفي نسخة: «هل لك من حاجة».

١٦. «حَلْحَلَة»بحاءين مهملتين، بينهما لام ساكنة.

١٧. «الفتح» ٧/ ٣٧١، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣١١٠).

١٨. «عمدة القاري» ١٥/ ٣٣.

١٩. «تكملة فتح الملهم» ٥/ ١٧٩.

٢٠. «الفتح» ٩/ ٣٢٧.

٢١. «الفتح» ٨/ ٤٤٣، كتاب «الفضائل» رقم (٣٧٢٩).

٢٢. «عمدة القاري» ١٥/ ٣٤.

٢٣. «المصباح المنير» ١/ ١٤٨.

٢٤. «المصباح المنير» ١/ ٣٤٩.

٢٥. «الفتح»٨/ ٤٤٢ - ٤٤٣، كتاب«الفضائل»رقم (٣٧٢٩).

٢٦. «الفتح»٨/ ٤٤٣، كتاب«الفضائل»رقم (٣٧٢٩).

٢٧. «عمدة القاري» ١٥/ ٣٤.

٢٨. «المفهم» ٦/ ٣٥٣.

٢٩. «عمدة القاري» ١٦/ ٢٣١.