HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٥٠

حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ (يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ) عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. ح وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ فَسَارَّهَا. فَبَكَتْ. ثُمَّ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ: مَا هَذَا الَّذِي سَارَّكِ بِهِ رسول الله ﷺ فبكيت، ثُمَّ سَارَّكِ فَضَحِكْتِ؟ قَالَتْ: سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي بِمَوْتِهِ، فَبَكَيْتُ. ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ مَنْ يَتْبَعُهُ مِنْ أَهْلِهِ، فَضَحِكْتُ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص142
ج ٤ ص ١٩٠٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص١٩٤
[تنبيه]: رواية النعمان بن راشد عن الزهريّ ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (١٨٩٣١) - حَدَّثَنَا وهب بن جرير، ثنا أبي، قال: سمعت النعمان يحدّث عن الزهريّ، عن عليّ بن حسين، عن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة؛ أن عليًّا خطب ابنة أبي جهل، فوُعد بالنِّكَاح، فأتت فاطمة النبيّ - ﷺ -، فقالت: إن قومك يتحدّثون أنك لا تغضب لبناتك، وإن عليًّا قد خطب ابنة أبي جهل، فقام النبيّ - ﷺ -، فحمِد الله، وأثنى عليه، وقال: إنما فاطمة بضعة مني، وإني أكره أن تفتنوها، وذكر أبا العاص بن الربيع، فأكثر عليه الثناء، وقال: لا يُجْمَع بين ابنة نبي الله، وبنت عدوّ الله، فَرَفَض عليّ ذلك. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٩٢] (٢٤٥٠) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ - يَعْني: ابْنَ سَعْدٍ - عَنْ أَبِيه، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيه، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَعَا فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ، فَسَارَّهَا، فَبَكَتْ، ثُمَّ سَارَّهَا، فَضَحِكَتْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ: مَا هَذَا الَّذِي سَارَّكِ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَبَكَيْت، ثُمَّ سَارَّك، فَضَحِكْتِ؛ قَالَتْ: سَارَّنِي، فَأَخْبَرَنِي بِمَوْتِه، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي، فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ مَنْ يَتْبَعُهُ مِنْ أَهْلِه، فَضَحِكْتُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ) بشير التُّركيّ، أبو نصر البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (أَبُوهُ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. [تنبيه]: إبراهيم بن سعد المذكور قبل التحويل هو والد يعقوب بن إبراهيم المذكور بعد التحويل، ووالده هو: سعد بن إبراهيم، فتنبّه. شرح الحديث: عن يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الزهريّ، أبي يوسف المدنيّ، نزيل بغداد؛ أنه قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيم بن سعد المذكور قبل التحويل، (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ؛ (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ) أم المؤمنين (حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ الله - ﷺ - دَعَا فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ) - ﵂ - (فَسَارَّهَا)؛ أي: كلّمها سرًّا (فَبَكَتْ، ثُمَّ سَارَّهَا) ثانيًا (فَضَحِكَتْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ -: (فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ) - ﵂ -: (مَا) استفهاميّة، (هَذَا الَّذِي سَارَّكِ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَبَكَيْت، ثُمَّ سَارَّك، فَضَحِكْتِ؟ قَالَتْ) فاطمة: (سَارَّنِي) - ﷺ - (فَأَخْبَرَنِي بِمَوْته، فَبَكَيْتُ) لذلك (ثُمَّ سَارَّنِي) ثانيًا (فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ مَنْ يَتْبَعُهُ) إلى الدار الآخرة (مِنْ أَهْلِه، فَضَحِكْتُ)؛ أي: استبشارًا، وفرحًا بذلك. والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٩٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - ﷺ - عِنْدَهُ، لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَيْئًا، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي»، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِه، أَو عَنْ شِمَالِه، ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَار، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَأَلْتُهَا: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِي عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سِرَّهُ، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَّا حَدَّثْتِنِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: أمّا الآنَ فَنَعَمْ، أمّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الأُولَى، فَأَخْبَرَنِي «أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، أَو مَرَّتَيْن، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْن، وَإِنِّي لَا أُرَى الأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ، وَاصْبِرِي، فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ»، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْت، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضَيْ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَو سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ»، قَالَتْ: فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنةً (خت م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وَضّاح اليشكريّ الواسطيّ البزاز، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. ٣ - (فِرَاسُ) - بكسر أوله، وبمهملة - ابن يحيى الْهَمْدانيّ الخارفيّ - بمعجمة، وفاء - أبو يحيى الكوفيّ المكتب، صدوقٌ ربما وَهِمَ [٦] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ٤٢٩٠. ٤ - (عَامِرُ) بن شَرَاحيل الشَّعْبي، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ مشهورٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٥ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢١٧. و«عائشة» - ﵂ - ذُكرت قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ -؛ أنَّها (قَالَتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - ﷺ -) هذا على لغة «أكلوني البراغيث»، كما قال في «الخلاصة»: وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا … وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ ولفظ البخاريّ: «كنّا أزواجَ النبيّ - ﷺ - بنصب»النبيّ«على الاختصاص. (عِنْدَهُ) - ﷺ - (لَمْ يُغَادِرْ) بالبناء للفاعل؛ أي: لَمْ تترك مكانها، من المغادرة، وهو الترك. (مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ) ابنته - ﷺ - ﵂ - (تَمْشِي، مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا) بكسر الميم؛ لأنَّ الفِعْلة بالكسر للحالة، وبالفتح للمرة . (مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَيْئًا) ولفظ البخاريّ:«كأن مشيتها مَشيُ النبيّ - ﷺ -»، فـ«مشيُ»مرفوع؛ لأنه خبر«كأنّ»بالتشديد، وكان - ﷺ - إذا مشى كأنه ينحدر من صبب؛ أي: من موضع منحدر . وقال في«الفتح»ما حاصله: وفي أول هذا الحديث من رواية مسروق عن عائشة:«فأقبلت فاطمة ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله - ﷺ -، فلما رآها رحّب بها، فقال: مرحبًا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه، أو عن شماله، ثم سارّها، فبكت بكاءً شديدًا»، ولأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبان، والحاكم، من طريق عائشة بنت طلحة، عن عاشه قالت:«ما رأيت أحدًا أشبه سَمْتًا، وهَديًا، ودَلًّا برسول الله - ﷺ - بقيامها، وقعودها، من فاطمة، وكانت إذا دخلت على النبيّ - ﷺ - قام إليها، وقبّلها، وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك، فلما مَرِضَ دخلت عليه، فأكبّت عليه تقبّله»، واتفقت الروايتان على أنَّ الذي سارّها به أَوّلًا، فبكت هو إعلامه إياها بأنه ميت من مرضه ذلك، واختَلَفا فيما سارّها به ثانيًا، فضحكت، ففي رواية عروة -يعني: الرواية الماضية - أنه إخباره إياها بأنها أول أهله لحوقًا به، وفي رواية مسروق هذه أنه إخباره إياها بأنها سيدة نساء أهل الجَنَّة، وجَعَلَ كونَها أول أهله لحوقًا به مضمومًا إلى الأول وهو الراجح، فإن حديث مسروق يشتمل على زيادات ليست في حديث عروة، وهو من الثقات الضابطين، فمما زاده مسروق قول عائشة: «فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن، فسألتها عن ذلك، فقالت: ما كنت لأُفشي سرّ رسول الله - ﷺ - حتى تُوُفّي النبيّ - ﷺ -، فسألتها، فقالت: أسرّ إليّ أن جبريل كان يعارضني القرآن كلَّ سنة مرّة، وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلَّا حَضَر أجلي، وأنك أول أهل بيتي لحوقًا بي»، وقولها: «كأن مشيتها» هو بكسر الميم؛ لأنَّ المراد الهيئة، وقولها: «ما رأيت كاليوم فرحًا»، تقديره: ما رأيت كفرح اليوم فرحًا، أو ما رأيت فرحًا كفرح رأيته اليومَ، وقولها: «حتى تُوُفّي» متعلق بمحذوف، تقديره: فلم تقل لي شيئًا حتى تُوُفّي، وقد طَوَى عروة هذا كله، فقال في روايته بعد قوله: «فضحكت، فسألناها عن ذلك، فقالت: سارّني أنه يُقبض في وجعه الذي تُوُفّي فيه. . .» الحديث. وفي رواية عائشة بنت طلحة من الزيادة: «أن عائشة لمّا رأت بكاءها وضحكها قالت: إن كنت لأظنّ أن هذه المرأة أعقل النساء، فإذا هي من النساء». ويَحْتَمِل تعدد القصة، ويؤيده الجزم في رواية عروة بأنه ميت من وجعه ذلك، بخلاف رواية مسروق، ففيها أنه ظنّ ذلك بطريق الاستنباط، مما ذكره من معارضة القرآن. وقد يقال: لا منافاة بين الخبرين إلَّا بالزيادة، ولا يمتنع أن يكون إخباره بأنها أول أهله لحوقًا به سببًا لبكائها، أو ضحكها معًا باعتبارين، فذكر كل من الراويين ما لَمْ يذكره الآخر. وقد روى النسائيّ من طريق أبي سلمة، عن عائشة في سبب البكاء أنه ميت، وفي سبب الضحك الأمرين الآخرين. ولابن سعد من رواية أبي سلمة عنها أن سبب البكاء موته، وسبب الضحك أنَّها سيدة النساء. وفي رواية عائشة بنت طلحة عنها أن سبب البكاء موته، وسبب الضحك لحاقها به. وعند الطبريّ من وجه آخر عن عائشة؛ أنه قال لفاطمة: «إن جبريل أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المسلمين أعظم ذريّة منك، فلا تكوني أدنى امرأة منهن صبرًا». انتهى . (فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا) بتشديد الحاء المهملة، من الترحيب؛ أي: قال لها: مرحبًا. (فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي») قال الأصمعي: معنى قوله: «مرحبًا»: لَقِيت رُحبًا وسعةً، وقال الفرّاء: نُصِب على المصدر، وفيه معنى الدعاء بالرُّحب والسعة، وقيل: هو مفعول به؛ أي: لقيت سعةً، لا ضِيقًا . وقال القاضي في «المشارق»: «مَرْحبًا» منونًا كلمة تقال عند المبرة للقادم الوافد، ولمن يُلْقَي، ويجتمع به بعد مغيب، ومعناها: صادفت رُحْبًا؛ أي: سعةً، نُصبت على المفعول، وقيل: على المصدر؛ أي: رحّب الله بك مرحبًا، وُضع موضع الترحيب، وهو مذهب الفراء. انتهى . (ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِه، أَو عَنْ شِمَالِهِ) شكّ من الراوي، (ثُمَّ سَارَّهَا) بتشديد الراء، وأصله: ساررها؛ أي: تكلّم معها سِرًّا، (فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَضَحِكَتْ) قال القرطبيّ - ﵀ -: وهذا كان لمّا اشتدَّ مرضُه - ﷺ -، ومُرِّض في بيت عائشة - ﵂ -، قال: وبكاء فاطمة - ﵂ - في أول مرَّة كان حزنًا على النبيّ - ﷺ - لمّا أعلمها بقرب أجله، وضحكها ثانية فرحًا بما بشَّرها به من السلامة من هذه الدار، ولقرب الاجتماع به، وبالفوز بما لها عند الله من الكرامة، وكفى بذلك أن قال لها: «إنها سيدة نساء أهل الجَنَّة». انتهى . قالت عائشة: (فَقُلْتُ لَهَا)؛ أي: لفاطمة، (خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ) بالكسر: المُسارّة؛ أي: الكلام بالسّرّ، (ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَأَلْتُهَا: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؛ قَالَتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِي) بضم الهمزة، من الإفشاء، وهو الإظهار والنشر، (عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سِرَّهُ، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّي) بالبناء للمفعول، (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ)؛ أي: أقسمت عليك (بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ)؛ أي: حيث إنها أمها زوجة أبيها، (لَمَّا حَدَّثْتِنِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) «لَمّا» بفتح اللام، وتشديد الميم هي هنا بمعنى إلَّا، حرف استثناء، وتدخل على الجملة الاسمية، نحو: قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ [الطارق: ٤]، فيمن شَدّد الميم، وعلى الماضي لفظًا لا معنى، نحو: أنشدك الله لَمّا فعلت؛ أي: ما أسألك إلَّا فعلك، وهنا أيضًا المعنى: لا أسألك إلَّا إخبارك بما سارّك رسول الله - ﷺ -، أفاده في «العمدة» . (فَقَالَتْ: أَمَّا الآنَ) قال الفيّوميّ - ﵀ -: «الآنَ»: ظرف للوقت الحاضر الذي أنت فيه، ولَزِم دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف؛ لأنَّ التعريف تمييز المشترِكات، وليس لهذا ما يَشْرَكه في معناه، قال ابن السرّاج: ليس هو آن وآن، حتى يَدخل عليه الألف واللام للتعريف، بل وُضع مع الألف واللام للوقت الحاضر، مثل الثريّا، والذي، ونحو ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد أشار ابن مالك - ﵀ - إلى هذا في «الخلاصة» حيث قال: وَقَدْ تُزَادُ لَازِمًا كَـ «اللَّاتِ». . . و«الآنَ» و«الَّذِينَ» ثُمَّ «اللات» (فَنَعَمْ، أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الأُولَى، فَأَخْبَرَنِي «أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ) من المعارضة، وهي المقابلة، ومنه عارضت الكتاب بالكتاب؛ أي: قابلت به . (فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، أَو مَرَّتَيْنِ)»أو«هنا للشكّ من الراوي، ووقع في الرواية التالية من طريق زكريّاء عن فراس بلفظ:»أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل عام مرّة«دون شكّ، وهو الصواب. قال النوويّ - ﵀ -: قوله:«مرّةً، أو مرّتين» هكذا وقع في هذه الرواية، وذِكر المرتين شكّ من بعض الرواة، والصواب حذفها، كما في باقي الروايات. انتهى . (وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنِ) قال القرطبيّ - ﵀ -: كون جبريل يعارض النبيّ - ﷺ - بالقرآن كل سنة مرَّة يدلّ على استحباب عرض القرآن على الشيوخ، ولو مرَّة في السَّنة، ولمّا عارضه في آخر سنة مرتين استَدَلّ النبيّ - ﷺ - بذلك على قُرب أجله من حيث مخالفة العادة المتقدِّمة، والله تعالى أعلم. قال: وكان النبيُّ - ﷺ - كَثُر عليه الوحي في أواخر حياته حتى كثر عليه الوحيُ في السنة التي توفي فيها حتى كمَّل الله من أمره ووحيه ما شاء أن يكمله. انتهى . (وَإنِّي لَا) نافية، (أُرَى) بضمّ الهمزة، ويجوز فتحها؛ أي: لا أظنّ (الأَجَلَ إِلّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ، وَاصْبِرِي) على فقدك إياي، (فَإنَّهُ) الضمير للشأن، (نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ»)؛ أي: المتقدّم إلى الدار الآخرة، قال النوويّ - ﵀ -: معناه أنا متقدِّم قُدّامك، فَتَرِدِين علي . (قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْت، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي) بفتحتين، يقال: جَزَعَ جَزَعًا، من باب تَعِبَ، فهو جَزِعٌ، وجَزُوعٌ مبالغة: إذا ضَعُفت مُنّتُهُ عن حمل ما نَزَل به، ولم يجد صبرًا، وأجزعه غيره، قاله الفيّوميّ - ﵀ - . (سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، فَقَالَ:«يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضَيْ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في النسخ في هذه الرواية: »أما ترضي«، وهو لغة، والمشهور: »ترضين«. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أراد النوويّ - ﵀ - أن حذف النون من «ترضين» خلاف المشهور، وهو كما قال؛ لأنَّ الفعل مرفوع بالنون؛ لكونه من الأفعال الخمسة التي تُرفع بثبوت النون، وتجزم، وتنصب بحذفها، فحقّها أن لا تُحذف هنا، كما قال في «الخلاصة»: وَاجْعَلْ لِنَحْوِ يَفْعَلَانِ النُّونَا … رَفْعًا وَتَدْعِينَ وَتَسْأَلُونَا وَحَذْفُهَا لِلْجَزْمِ وَالنَّصْبِ سِمَهْ … كَلَمْ تَكُونِي لِتَرُومِي مَظْلَمَهْ لكن ورد حذفها بدون جازم، أو ناصب، قال ابن مالك - ﵀ - في «الكافية»: وَدُونَ «نِي» فِي الرَّفْعِ حَذْفَهَا حَكَوْا … فِي النَّثْرِ وَالنَّظْمِ وَمِمَّا قَدْ رَوَوْا أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَدْلُكِي … وَجْهَكِ بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الذَّكِي ووقع في بعض النسخ: «أمَا ترضين»، ولفظ البخاريّ: «إلَّا ترضين». (أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَو سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأمَّةِ»)«أو»هنا للشكّ من الراوي. (قَالَتْ) فاطمة: (فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ) قال في«العمدة»: وبكاؤها في هذه الرواية كان من أجل قوله - ﵀ -:«ما أُراه إلَّا حضر أجلي»، وضحكها كان لأجل إخباره لها أنَّها سيدة نساء أهل الجَنَّة، أو سيدة نساء المسلمين، وأما بكاؤها في الرواية السابقة فكان لأجل قوله: إنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه، وضحكها كان لأجل قولها:«فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله»، وماتت فاطمة - ﵂ - بعد أبيها بستة أشهر، قالت عائشة: وذلك في رمضان عن خمس وعشرين سنةً، وقيل: ماتت بعده بثلاثة أشهر. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٦٢٩٢ و٦٢٩٣ و٦٢٩٤] (٢٤٥٠)، و(البخاريّ) في«الأنبياء»(٣٦٢٣) و«الفضائل»(٣٧١٥) و«المغازي»(٤٤٣٣) و«الاستئذان»(٦٢٨٥) وفي«الأدب المفرد»(١/ ٣٥٦)، و(أبو داود) في«الأدب»(٥٢١٧)، و(الترمذيّ) في«مناقب فاطمة»(٣٨٧١)، و(ابن ماجه) في«الجنائز»(١٦٢١)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٤/ ٢٥١ و٥/ ٩٦ و١٤٦)، و(الطيالسيّ) في«مسنده»(١/ ١٩٦)، و(أحمد) في«مسنده»(٦/ ٧٧ و٢٤٠ و٢٨٢) وفي«فضائل الصحابة»(٢/ ٧٦٢)، و(ابن راهويه) في«مسنده»(٥/ ٦)، و(ابن سعد) في«الطبقات»(٢/ ٢٤٧ و٨/ ٢٦)، و(ابن أبي عاصم) في«الآحاد والمثاني»(٥/ ٣٥٨ و٣٦٧)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(٢٢/ ٤١٨ و٤١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه بيان فضل فاطمة - ﵂ -، فقد أخبر - ﷺ - بأنها سيدة نساء أهل الجَنَّة، فهي أفضل من خديجة وعائشة - ﵂ -، والمسألة مختلف فيها، ولكن الراجح ما دلّ عليه هذا الحديث، قال في«العمدة»: والمتبادر إلى الذهن من لفظ المؤمنين غير النبيّ - ﷺ - عرفًا، ودخول المتكلم في عموم كلامه مختلَف فيه عند الأصوليين. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عدم دخوله - ﷺ - هذا مما لا يخفي، وإن كان الأصوليّون يختلفون في أصل المسألة، فلا يختلفون هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ - ﷺ -، بل معجزتان، فقد أخبر ببقاء فاطمة - ﵂ - بعده - ﷺ -، وبأنها أول أهله لحاقًا به، ووقع كذلك. ٣ - (ومنها): أن في ضحك فاطمة - ﵂ - بيان إيثارهم الآخرة، وسرورهم بالانتقال إليها، والخلاص من الدنيا. ٤ - (ومنها): بيان أن المرء لا يحب البقاء بعد محبوبه، قال ابن عمر في عاصم [من الطويل]: فَلَيْتَ الْمَنَايَا كُنَّ خَلَّفْنَ عَاصِمًا … فَعِشْنَا جَمِيعًا أَو ذَهَبْنَ بِنَا مَعَا ٥ - (ومنها): أن فيه إخبارَه - ﷺ - بما سيقع، فوقع كما قال، فإنهم اتفقوا على أن فاطمة - ﵂ - كانت أول من مات من أهل بيت النبيّ - ﷺ - بعده حتى من أزواجه ، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): جواز قول الرجل لآخَرَ: مرحبًا، وقد عقد البخاريّ في «صحيحه» لهذا بابًا، فقال: «باب قول الرجل: مرحبًا»، ثم قال: وقالت عائشة: قال النبيّ - ﷺ - لفاطمة - ﵍ -: «مرحبًا بابنتي»، وقالت أم هانئ: جئت النبيّ - ﷺ -، فقال: «مرحبًا بأم هانئ»، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس - ﵄ - قال: «لمّا قَدِم وفد عبد القيس على النبيّ - ﷺ - قال: مرحبًا بالوفد الذين جاؤوا غير خزايا، ولا ندامى». وأخرج ابن أبي عاصم حديث بريدة أن عليًّا لمّا خطب فاطمة قال له النبيّ - ﷺ -: «مرحبًا وأهلًا»، وهو عند النسائيّ، وصححه الحاكم، وأخرج فيه أيضًا من حديث عليّ: «استأذن عمار بن ياسر على النبيّ - ﷺ -»، فقال: مرحبًا بالطيِّب المطيب«، وهو عند الترمذيّ، وابن ماجه، والبخاريّ في»الأدب المفرد«، وصححه ابن حبان، والحاكم، ذكره في»الفتح« . ٧ - (ومنها): ما قاله ابن بطال - ﵀ -: مساررة الواحد مع الواحد بحضرة الجماعة جائز؛ لأنَّ المعنى الذي يُخاف من ترك الواحد لا يُخاف من ترك الجماعة. ٨ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال أيضًا: إنه لا ينبغي إفشاء السرّ إذا كانت فيه مضرة على المسِرِّ؛ لأنَّ فاطمة - ﵂ - لو أخبرتهن لحزن لذلك حزنًا شديدًا، وكذا لو أخبرتهنّ أنَّها سيدة نساء المؤمنين لَعَظُم ذلك عليهنّ، واشتدّ حزنهنّ، فلما أَمنت من ذلك بعد موتهن أخبرت به. وتعقّبه الحافظ، فقال: أما الشق الأول فحقّ العبارة أن يقول: فيه جواز إفشاء السرّ إذا زال ما يترتب على إفشائه من المضرة؛ لأنَّ الأصل في السر الكتمان، وإلا فما فائدته. وأما الشق الثاني: فالعلة التي ذكرها مردودة؛ لأنَّ فاطمة - ﵂ - ماتت قبلهنّ كلِّهنّ، وما أدري كيف خفي عليه هذا؟ ثم جَوّزتُ أن يكون في النسخة سقم، وأن الصواب: فلما أمنت من ذلك بعد موته، وهو أيضًا مردود؛ لأنَّ الحزن الذي عَلَّل به لَمْ ينزل بموت النبيّ - ﷺ -، بل لو كان كما زعم لاستمرّ حزنهن على ما فاتهن من ذلك. ٩ - (ومنها): ما قاله ابن التين - ﵀ -: يستفاد من قول عائشة - ﵂ -: «عزمت عليك بما لي عليك من الحقّ» جواز العزم بغير الله تعالى، قال: وفي «المدونة» عن مالك إذا قال: أعزم عليك بالله فلم يفعل لَمْ يحنث، وهو كقوله: أسألك بالله، وإن قال: أعزم بالله أن تفعل فلم يفعل حَنِث؛ لأنَّ هذا يمين. انتهى. قال الحافظ: والذي عند الشافعية أن ذلك في الصورتين يرجع إلى قَصْد الحالف، فإن قَصَد يمين نفسه فيمين، وإن قصد يمين المخاطَب، أو الشفاعة، أو أطلق فلا. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٢٩٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَلَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي»، فَأَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِه، أَو عَنْ شِمَالِه، ثُمَّ إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا، فَبَكَتْ فَاطِمَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّهَا، فَضَحِكَتْ أَيْضًا، فَقُلْتُ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْن، فَقُلْتُ لَهَا حِينَ بَكَتْ: أَخَصَّكِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِحَدِيثِهِ دُونَنَا، ثُمَّ تَبْكِينَ؟ وَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. حَتَّى إِذَا قُبِضَ سَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ: إِنَّهُ كَانَ حَدَّثَنِي «أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْن، وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي، وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ»، فَبَكَيْتُ لِذَلِك، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِي، فَقَالَ: «أَلَّا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَو سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ؟»، فَضَحِكْتُ لِذَلِكِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و«ابن نُمير» هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و«زكريّاء» هو: ابن أبي زائدة. (فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ)؛ أي: ما رأيت كفرح اليوم فرحًا، أو ما رأيت فرحًا كفرحٍ رأيته اليوم، قاله في «الفتح» . وقوله: (وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي) «أراني» بضم الهمزة؛ أي: ولا أظنه إلَّا أن موتي قَرُب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٦) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أُمِّ سَلَمَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - ﵄ -) هي: هند بنت أبي أمية - واسمه حذيفة، وقيل: سهل - ابن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم القرشية المخزومية، أم المؤمنين، مشهورة بكنيتها، معروفة باسمها، وشذّ من قال: إن اسمها رملة، وكان أبوها يُلَقَّب زاد الركب؛ لأنه كان أحد الأجواد، فكان إذا سافر لَمْ يحمل أحد معه من رفقته، زادًا، بل هو كان يكفيهم، وأمها عاتكة بنت عامر كنانية من بني فِرَاس، وكانت تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، وهو ابن عمها، وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم هاجرت إلى المدينة، فيقال: إنها أول ظعينة دخلت إلى المدينة مهاجرة، ولما مات زوجها من الجراحة التي أصابته خطبها النبيّ - ﷺ -. وأخرج ابن أبي عاصم من طريق عبد الواحد بن أيمن، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، عن أم سلمة قالت: لمّا خطبني النبيّ - ﷺ - قلت له: فِيَّ خلالٌ ثلاث: أما أنا فكبيرة السنّ، وأنا امرأة مُعِيل، وأنا امرأة شديدة المغيرة، فقال: «أنا أكبر منك، وأما العيال فإلى الله، وأما المغيرة فأدعو الله فيذهبها عنك»، فتزوجها، فلمّا دخل عليها قال: «إن شئت سبّعت لك، وإن سبّعت لك سبّعت لنسائي»، فرضيت بالثلاث، والحديث في «الصحيح» من طرق. وأخرج ابن سعد من طريق عاصم الأحول، عن زياد بن أبي مريم قال: قالت أم سلمة لأبي سلمة: بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها، وهو من أهل الجَنَّة، ثم لَمْ تتزوج بعده إلَّا جمع الله بينهما في الجَنَّة، وكذا إذا ماتت امرأة، وبقي الرجل بعدها، فتعال أعاهدك أن لا أتزوج بعدك، ولا تتزوج بعدي، قال: أتطيعيني؟ قالت: ما استأمرتك إلَّا وأنا أريد أن أطيعك، قال: فإذا مت فتزوجي، ثم قال: اللَّهُمَّ ارزق أم سلمة بعدي رجلًا خيرًا مني، لا يُخزيها، ولا يؤذيها، قالت: فلما مات قلت: من هذا الذي هو خير لي من أبي سلمة؟ فلبثت ما لبثت، ثم تزوجني رسول الله - ﷺ -. وفي «الصحيح» عن أم سلمة؛ أن أبا سلمة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللَّهُمَّ عندك أحتسب مصيبتي، وآجرني فيها»، وأردت أن أقول: «وأبدلني بها خيرًا منها»، فقلت: من هو خير من أبي سلمة؟ فما زلت حتى قلتها، فذكَرَتِ القصة. وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الرَّحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: لمّا تزوج رسول الله - ﷺ - أم سلمة حَزِنت حزنًا شديدًا؛ لِمَا ذُكر لنا في جمالها، قالت: فتلطفت لها حتى رأيتها، فرأيتها أضعاف ما وُصف لي في الحسن والجمال، فقالت حفصة: والله إِنْ هذا إلَّا المغيرة، فتلطفت لها حفصة حتى رأتها، فقالت لي: لا والله ما هي كما تقولين، وإنها لجميلة، قالت: فرأيتها بعدُ فكانت كما قالت حفصة. قال الواقديّ: ماتت في شوال سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، ولها أربع وثمانون سنةً. قال الحافظ: كذا قال، وتلقاه عنه جماعة، وليس بجيد، فقد ثبت في «صحيح مسلم» أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعبد الله بن صفوان دخلا على أم سلمة في ولاية يزيد بن معاوية، فسألاها عن الجيش الذي يُخسف به … الحديث، وكانت ولاية يزيد بعد موت أبيه في سنة ستين. وقال ابن حبان: ماتت في آخر سنة إحدى وستين بعدما جاءها الخبر بقتل الحسين بن عليّ - ﵄ -، وهذا - كما قال الحافظ - أقرب. قال محارب بن دثار: أوصت أم سلمة أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وكان أميرُ المدينة يومئذ مروانَ بن الحكم، وقيل: الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، والثاني - كما قال الحافظ - أقرب، فإن سعيد بن زيد مات قبل تاريخ موت أم سلمة على الأقوال كلها، فكأنها كانت أوصت بأن يصلي سعيد عليها
مصادر المؤلف (٢٣)

١. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٤/ ٣٢٦.

٢. وفي نسخة: «أما ترضين».

٣. «عمدة القاري» ١٦/ ١٥٤.

٤. «عمدة القاري» ١٦/ ١٥٤.

٥. «الفتح» ٩/ ٥٩٦ - ٥٩٧، كتاب «المغازي» رقم (٤٤٣٣).

٦. «الفتح» ١٤/ ٤٧، كتاب «الأدب» رقم (٦١٧٦).

٧. «مشارق الأنوار» ١/ ٢٨٥.

٨. «المفهم» ٦/ ٣٥٥ - ٣٥٧.

٩. «عمدة القاري» ٢٢/ ٢٦٦.

١٠. «المصباح المنير» ١/ ٣١.

١١. «عمدة القاري» ١٦/ ١٥٤.

١٢. «شرح النوويّ» ٦/ ١٦.

١٣. «المفهم»٦/ ٣٥٦ - ٣٥٧.

١٤. شرح النوويّ» ٦/ ١٦.

١٥. «المُنّة بالضمّ: القوّة، والضَّعف، من الأضداد. قاله في»المصباح«٢/ ٥٨١.

١٦. «المصباح المنير»١/ ٩٩.

١٧. «شرح النوويّ»٦/ ١٦.

١٨. راجع:«عمدة القاري»١٦/ ١٥٤.

١٩. «عمدة القاري» ١٦/ ١٥٤.

٢٠. «الفتح» ٩/ ٥٩٦ - ٥٩٧، كتاب «المغازي» رقم (٤٤٣٣).

٢١. «الفتح» ١٤/ ٤٦ - ٤٧، كتاب «الأدب» رقم (٦١٧٦).

٢٢. «الفتح» ١٤/ ٢٥٢ - ٢٥٣، كتاب «الاستئذان» رقم (٦٢٨٥).

٢٣. «الفتح» ٨/ ١٣٥.