HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٦٢

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ. حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [٣ /آل عمران/ ١٦١]. ثُمَّ قَالَ: عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً. وَلَقَدْ عَلِمَ أصحاب رسول الله ﷺ أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ. وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ. قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عليه، ولا يعيبه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص148
ج ٤ ص ١٩١٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص٢٨٧
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٣١٢] (٢٤٦٢) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ثُمَّ قَالَ: عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ الله، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْه، قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْه، وَلَا يَعِيبُهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (شَقِيقُ) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه عبد الله مهملًا، وتقدّم أنه ابن مسعود - ﵁ -؛ لكون الإسناد كوفيًّا. شرح الحديث: (عَنْ شَقِيقِ) بن سلمة أبي وائل، قال في «الفتح»: في رواية مسلم والنسائيّ جميعًا: عن إسحاق، عن عبدة، عن الأعمش، عن أبي وائل، وهو شقيق المذكور، وجاء عن الأعمش فيه شيخ آخر، أخرجه النسائيّ عن الحسن بن إسماعيل، عن عبدة بن سليمان، عنه، عن أبي إسحاق، عن هُبيرة بن يَرِيم، عن ابن مسعود، فإن كان محفوظًا احتَمَل أن يكون للأعمش فيه طريقان، وإلا فإسحاق، وهو ابن راهويه أتقن من الحسن بن إسماعيل، مع أن المحفوظ عن أبي إسحاق فيه ما أخرجه أحمد، وابن أبي داود، من طريق الثوريّ وإسرائيل وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن خُمَير -بالخاء المعجمة، مصغرًا- عن ابن مسعود، فحصل الشذوذ في رواية الحسن بن إسماعيل في موضعين. انتهى . (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود -﵁ -؛ (أنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]) قال النوويّ -﵀ -: فيه محذوف، وهو مختصر مما جاء في غير هذه الرواية، معناه: أن ابن مسعود كان مصحفه يخالف مصحف الجمهور، وكانت مصاحف أصحابه كمصحفه، فأنكر عليه الناس، وأمروه بترك مصحفه، وبموافقة مصحف الجمهور، وطلبوا مصحفه أن يحرّقوه، كما فعلوا بغيره، فامتَنَعَ، وقال لأصحابه: غُلُّوا مصاحفكم؛ أي: اكتموها، ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ يعني: فإذا غللتموها جئتم بها يوم القيامة، وكفى لكم بذلك شرفًا، ثم قال على سبيل الإنكار: ومن هو الذي تأمرونني أن آخذ بقراءته، وأترك مصحفي الذي أخذته من في رسول الله -ﷺ -؟ انتهى . وقال القرطبيّ -﵀ -: قال القاضي أبو الفضل: هذا الحديث في مسلم مختصر، مبتور، إنما ذكر منه أطرافًا لا تشرح مقصد الحديث، وبيانه في سياق آخر، ذكره ابن أبي خيثمة بسنده إلى أبي وائل، وهو شقيق، راوي الحديث في مسلم؛ قال: لمّا أُمر في المصاحف بما أُمر؛ يعني: أمر عثمان بتحريقها ما عدا المصحف المجتمَع عليه الذي وجَّه منه النّسخ إلى الآفاق، ورأى هو والصحابة -﵃ - أن بقاء تلك المصاحف يُدخل اللَّبس والاختلاف، ذكر ابن مسعود الغلول، وتلا الآية، ثم قال: غلُّوا المصاحف، إني غالٌّ مصحفي، فمن استطاع أن يَغلَّ مصحفه فليفعل، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، ثم قال: على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟؛ على قراءة زيد بن ثابت؛ لقد أخذت القرآن من في رسول الله -ﷺ - بضعًا وسبعين سورة، وزيد بن ثابت له ذؤابتان يَلعب مع الغلمان، وفي أخرى: صبي من الصبيان، فتمام هذا الحديث يُظهر كلام عبد الله. وقوله: «غُلُّوا مصاحفكم. . .» إلى آخره؛ أي: اكتموها، ولا تُسَلِّموها، والتزموها إلى أن تلقوا الله تعالى بها، كما يفعل مَن غَلّ شيئًا، فإنه يأتي به يوم القيامة، ويحمله، وكان هذا رأيًا منه رآه، انفرد به عن الصحابة -﵃ -، ولم يوافقه أحد منهم عليه، فإنَّه كتم مصحفه، ولم يُظهره، ولم يَقْدر عثمان ولا غيره عليه أن يظهره، وانتشرت المصاحف التي كتبها عثمان، واجتمع عليها الصحابة في الآفاق، وقرأ المسلمون عليها، وتُرك مصحف عبد الله، وخُفِيَ إلى أن وُجد في خزائن بني عبيد بمصر عند انقراض دولتهم، وابتداء دولة المعزّ، فأمر بإحراقه قاضي القضاة بها صدر الدين، على ما سمعناه من بعض مشايخنا، فأُحرق. انتهى . (ثُمَّ قَالَ) ابن مسعود -﵁ -: (عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُوني) وفي نسخة: «تأمرونني»، و«على قراءة» متعلّق بـ «أقرأ»، و«قراءة» مضاف، و«من» استفهامية مضاف إليها؛ أي: على قواءة أيِّ شخص تأمروني (أَنْ أَقْرَأَ؟) هذا إنكار منه على الناس الذين أمروه أن يقرأ بمصحف عثمان -﵁ -. وقال القرطبيّ -﵀ -: قوله: «على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟» إنكار منه على من يأمره بترك قراءته، ورجوعه إلى قراءة زيد، مع أنه سابق له إلى حفظ القرآن، وإلى أَخْذه عن رسول الله -ﷺ -، فصَعُب عليه أن يترك قراءة قرأها على رسول الله -ﷺ -، ويقرأ بما قرأه زيد، أو غيره، فتمسَّك بمصحفه، وقراءته، وخفي عليه الوجه الذي ظهر لجميع الصحابة -﵃ - من المصلحة التي هي من أعظم ما حَفِظ الله بها القرآن عن الاختلاف المخلّ به، والتغيير بالزيادة والنقصان. وقد تقدَّم القول في الأحرف السبعة، وفي كيفية الأمر بذلك، وكان من أعظم الأمور على عبد الله بن مسعود -﵁ -: أن الصحابة -﵃ - لمّا عزموا على كَتْب المصحف بِلُغَةِ قريش عيَّنوا لذلك أربعة لم يكن منهم ابن مسعود، فكتبوه على لغة قريش، ولم يُعَرِّجوا على ابن مسعود مع أنه أسبقهم لِحِفظ القرآن، ومِنْ أعلمهم به، كما شهدوا له بذلك، غير أنه -﵁ - كان هُذليًا كما تقدم، وكانت قراءته على لغتهم، وبينها وبين لغة قريش تباين عظيم، فلذلك لم يُدخلوه معهم، والله تعالى أعلم. انتهى . ثم علّل إنكاره بقوله: (فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -)؛ أي: أخذت القراءة من فيه - ﷺ - إلى فيّ مشافهةً، فكيف أتركها، وأقرأ بما لم آخذه منه؟ (بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً) قال الفيّوميّ -﵀ -: البِضْعٌ في العدد بالكسر، وبعض العرب يَفتح، واستعماله من الثلاثة إلى التسعة، وعن ثعلب: من الأربعة إلى التسعة، يستوي فيه المذكّر والمؤنّث، فيقال: بِضْعُ رجال، وبِضْعُ نسوة، ويُستعمل أيضًا من ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، لكن تَثبت الهاء في بِضْعٍ مع المذكر، وتُحذف مع المؤنث؛ كالنَّيِّف، ولا يُستعمل فيما زاد على العشرين، وأجازه بعض المشايخ، فيقول: بِضْعَة وعشرون رجلًا، وبِضْعٌ وعشرون امرأةً، وهكذا قاله أبو زيد، وقالوا: على هذا معنى البِضْع، والبِضْعَةِ في العدد قطعةٌ مبهمةٌ غير محدودة. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «لقد أخذت من في رسول الله -ﷺ - بضعًا وسبعين سورةً» زاد عاصم عن بدر، عن عبد الله: «وأخذت بقية القرآن عن أصحابه»، وعند إسحاق بن راهويه في روايته المذكورة في أوله: «﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] ثم قال: على قراءة من تأمرونني أن أقرأ، وقد قرأت على رسول الله -ﷺ -. . .» فذكر الحديث، وفي رواية النسائيّ، وأبي عوانة، وابن أبي داود، من طريق ابن شهاب، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: «خطبنا عبد الله بن مسعود على المنبر، فقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ غُلُّوا مصاحفكم، وكيف تأمرونني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت من في رسول الله -ﷺ -؟»، مثله. وفي رواية خُمير بن مالك المذكورة: بيان السبب في قول ابن مسعود هذا، ولفظه: «لمّا أُمر بالمصاحف أن تُغَيَّر ساء ذلك عبد الله بن مسعود، فقال:»من استطاع. . .«وقال في آخره:»أفأترك ما أخذت من في رسول الله -ﷺ - … «، وفي رواية له:»فقال: إني غالّ مصحفي، فمن استطاع أن يغلّ مصحفه فليفعل«، وعند الحاكم من طريق أبي ميسرة، قال: رُحت، فإذا أنا بالأشعريّ، وحذيفة، وابن مسعود، فقال ابن مسعود: والله لا أدفعه -يعني: مصحفه- أقرأني رسول الله -ﷺ -، فذَكَره. انتهى . (وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ - أنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ) قال القرطبيّ -﵀ -: يعني: أنه أعلمهم بأسباب نزوله، ومواقع أحكامه، بدليل قوله في الرواية الأخرى:«ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أعلم فيما أُنزلت»، وسَبَبُ ذلك ملازمته للنبيّ - ﷺ -، ومباطنته إيَّاه سفرًا وحضرًا؛ كما قدَّمنا، وأما في القراءة فأُبيٌّ أقرأ منه، بدليل قول النبيّ -ﷺ -:«أقرؤكم أُبَيّ»، والخطابُ للصحابة كلُّهم. انتهى . وفي رواية البخاريّ:«والله لقد عَلِم أصحاب رسول الله -ﷺ - أني من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم»، قال في«الفتح»: وقع في رواية عبدة، وأبي شهاب جميعًا عن الأعمش:«أني أعلمهم بكتاب الله»بحذف«من»، وزاد:«ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه»، وهذا لا ينفي إثبات«مِنْ»، فإنه نفى الأغلبية، ولم يَنْف المساواة. وقوله:«وما أنا بخيرهم»يُستفاد منه أن الزيادة في صفة من صفات الفضل لا تقتضي الأفضلية المطلقة، فالأعلمية بكتاب الله لا تستلزم الأعلمية المطلقة، بل يَحْتَمِل أن يكون غيره أعلم منه بعلوم أخرى، فلهذا قال:«وما أنا بخيرهم». انتهى . (وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ) هذا تأكيد لكونه أعلمَهم بكتاب الله، وفيه شدّة حرصه على الاستزادة من العلم، فلو وجد أحدًا أعلم منه لرحل إليه، وأخذ منه. (قَالَ شَقِيقٌ)؛ أي: ابن سلمة بالإسناد المذكور: (فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -)«الْحَلَق»بفتح الحاء واللام، ويقال: بكسر الحاء وفتح اللام، قال القاضي: وقالها الحربيّ: بفتح الحاء، وإسكان اللام، وهو جمع حَلْقة بإسكان اللام، على المشهور، وحَكَى الجوهريّ وغيره فَتْحها أيضًا، واتفقوا على أن فَتْحها ضعيف، فعلى قول الحربيّ هو كتَمْر وتَمْرة، قاله النوويّ -﵀ - . (فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْه، وَلَا يعِيبُهُ) بفتح أوله ثلاثيًّا، من العيب، وفي رواية البخاريّ:«فما سمعت رادًّا يقول غير ذلك»، قال في«العمدة»: قوله؟«رادًّا»؛ أي: عالِمًا يرُدّ الأقوال؛ لأن ردّ الأقوال لا يكون إلا للعلماء، وغرضه: أن أحدًا لم يردّ عليه هذا الكلام، بل سلموا إليه. انتهى . وقال في«الفتح»: يعني: أنه لم يسمع من يخالف ابن مسعود يقول غير ذلك، أو المراد: من يردّ قوله ذلك، وفي رواية أبي شهاب:«فلما نزل عن المنبر جلست في الحلق، فما أحدٌ يُنكر ما قال»، وهذا يُخَصِّص عموم قوله:«أصحاب محمد - ﷺ - بمن كان منهم بالكوفة». ولا يعارض ذلك ما أخرجه ابن أبي داود، من طريق الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود، فذكر نحو حديث الباب، وفيه: قال الزهريّ: فبلغني أن ذلك كرهه من قول ابن مسعود رجال من أصحاب رسول الله -ﷺ -؛ لأنه محمول على أن الذين كَرِهوا ذلك من غير الصحابة الذين شاهدهم شقيق بالكوفة. ويَحْتَمِل اختلاف الجهة، فالذي نَفَى شقيق أن أحدًا ردّه، أو عابه: وَصْف ابن مسعود بأنه أعلمهم بالقرآن، والذي أثبته الزهريّ: ما يتعلق بأمره بِغَلِّ المصاحف، وكأن مراد ابن مسعود بغَلّ المصاحف كَتْمها، وإخفاؤها؛ لئلا تَخْرج، فتُعْدَم، وكأن ابن مسعود رأى خلاف ما رأى عثمان، ومن وافقه في الاقتصار على قراءة واحدة، وإلغاء ما عدا ذلك، أو كان لا يُنكر الاقتصار؛ لِمَا في عدمه من الاختلاف، بل كان يريد أن تكون قراءته هي التي يُعَوَّل عليها دون غيرها؛ لِمَا له من المزيّة في ذلك، مما ليس لغيره، كما يؤخذ ذلك من ظاهر كلامه، فلمّا فاته ذلك، ورأى أن الاقتصار على قراءة زيد ترجيح بغير مرجح عنده اختار استمرار القراءة على ما كانت عليه، على أن ابن أبي داود ترجم: «باب رِضَى ابن مسعود بعد ذلك بما صنع عثمان»، لكن لم يورد ما يُصَرِّح بمطابقة ما ترجم به، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): أثر عبد الله بن مسعود -﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٦٣١٢] (٢٤٦٢)، و(البخاريّ) في «فضائل القرآن» (٥٠٠٠)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٨) و«فضائل القرآن» (١/ ٧٦)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٩/ ٧٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٦٩)، و(الشاشيّ) في «مسنده» (٢/ ٧٥)، و(ابن عساكر) في «تاريخ دمشق» (٣٣/ ١٣٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل عبد الله بن مسعود -﵁ - حيث كان أعلم الصحابة -﵁ - بكتاب الله -﷿ -. ٢ - (ومنها): جواز ذِكر الإنسان نفسه بالفضيلة، والعلم، ونحوه، للحاجة، وأما النهي عن تزكية النفس فإنما هو لمن زكَّاها ومَدَحها لغير حاجة، بل للفخر والإعجاب، وقد كثرت تزكية النفس من الأماثل عند الحاجة، كدفع شرّ عنه بذلك، أو تحصيل مصلحة للناس، أو ترغيب في أخذ العلم عنه، أو نحو ذلك، فمن المصلحة: قول يوسف - ﷺ -: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، ومِن دفع الشرّ: قول عثمان -﵁ - في وقت
مصادر المؤلف (١٤)

١. وفي نسخة: «تأمرونني».

٢. هكذا قال في «الفتح»، ولا يوجد فيما بين أيدينا من نُسخ مسلم هنا: «عن أبي وائل»، وإنما هو: عن شقيق، ولعل نسخة الحافظ فيها ذلك، فليُحوّر، والله تعالى أعلم.

٣. «الفتح» ١١/ ٢٢٥، كتاب «فضائل القرآن» رقم (٥٠٠٠).

٤. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٦.

٥. «المفهم» ٦/ ٣٧٣.

٦. «المفهم» ٦/ ٣٧٤.

٧. «المصباح المنير» ١/ ٥٠ - ٥١.

٨. «الفتح»١١/ ٢٢٥ - ٢٢٦.

٩. رواه أحمد في«مسنده»٣/ ١٨٤، والترمذيّ ٣٧٩٠، وابن ماجه ١٥٥.

١٠. «المفهم»٦/ ٣٧٥.

١١. «الفتح»١١/ ٢٢٥ - ٢٢٦.

١٢. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٦.

١٣. «عمدة القاري» ٢٠/ ٢٥.

١٤. «الفتح» ١١/ ٢٢٥ - ٢٢٦، كتاب «فضائل القرآن» رقم (٥٠٠٠).