HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٧٤

وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ (وَتَقَارَبَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ. وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَاتِمٍ) قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ قَالَ لِأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي. فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ. فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ ائْتِنِي. فَانْطَلَقَ الْآخَرُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ. وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ. فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي فِيمَا أَرَدْتُ. فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ، فِيهَا مَاءٌ. حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ. فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يَعْرِفُهُ. وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ. حَتَّى أَدْرَكَهُ - يَعْنِي اللَّيْلَ - فَاضْطَجَعَ. فَرَآهُ عَلِيٌّ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ. فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ. فَلَمْ يَسْأَلْ واحد منهما صاحبه عن شئ. حتى أصبح ثم احتمل قريبته وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ. فَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَلَا يَرَى النَّبِيَّ ﷺ. حَتَّى أَمْسَى. فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ. فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ. فَقَالَ: مَا أَنَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ؟ فَأَقَامَهُ. فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ. وَلَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ منهما صاحبه عن شئ. حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَأَقَامَهُ عَلِيٌّ مَعَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَلَا تُحَدِّثُنِي؟ مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ هَذَا الْبَلَدَ؟ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنِّي. فَعَلْتُ. فَفَعَلَ. فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ. وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتَّبِعْنِي. فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ، قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ. فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتَّبِعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي. فَفَعَلَ. فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ. حَتَّى دخل النَّبِيِّ ﷺ وَدَخَلَ مَعَهُ. فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ. وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي». فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ. فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَثَارَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ. فَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: وَيْلَكُمْ! أَلَسْتُمْ تعلمون أنه من غفار. وأن طريق تجارتكم إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ. فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ. ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ بِمِثْلِهَا. وَثَارُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ. فَأَكَبَّ عليه العباس فأنقذه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص155
ج ٤ ص ١٩٢٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد صحيح البخاري
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص٣٩٦
تكسرت عُكَن بطني، قال: «أمَا إنه طعام طُعْم، وشفاء سُقْم»، قال: فقال أبو بكر: متِّعني بضيافة الليلة، قال: فانطلق بي إلى دار في أسفل مكة، فقبض لي قبضات من زبيب، قال: وقال لي رسول الله - ﷺ -: «إنه قد ذُكر لي أرض بها نخل، فإذا بلغك أنّا قد أتيناها، فأُتِنا»، قال: فرجعت إلى أهلي، فقال أنيس: ما صنعت؟ قلت: بايعت رسول الله - ﷺ -، وأسلمت، فقال: ما بي رغبة عن دينك، أو ما بي عن دينك من رغبة، فأسلم أخي، وقالت أمي: ما بي عن دينكما من رغبة، فأسلمت، وأسلم ناس من قومنا، وقال الشطر الآخر: حتى أتلقى رسول الله - ﷺ -، فنشترط لأنفسنا. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٤٢] (٢٤٧٤) - (وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ -وَتَقَارَبَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيث، وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَاتِمٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَكَّةَ، قَالَ لأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي، فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاء، فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ ائْتِني، فَانْطَلَقَ الآخَرُ، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِه، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاق، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْر، فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي فِيمَا أَرَدْتُ، فَتَزَوَّدَ، وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلُ عَنْهُ، حَتَّى أَدْرَكَهُ -يَعْنِي: اللَّيْلَ- فَاضْطَجَعَ، فَرَآهُ عَلِيٌّ، فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ قُرَيْبَتَهُ، وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِد، فَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَلَا يَرَى النَّبِيَّ - ﷺ - حَتَّى أَمْسَى، فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِه، فَمَرَّ بِهِ عَلِيُّ، فَقَالَ: مَا أَنَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ، فَأَقَامَهُ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، وَلَا يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقَامَهُ عَلِيٌّ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ هَذَا الْبَلَدَ؟ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنِّي فَعَلْتُ، فَفَعَلَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ، وَهُوَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَإِذَا أَصْبَحْتَ، فَاتَّبِعْنِي، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ، فَاتَّبِعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي، فَفَعَلَ، فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِه، وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي»، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فنادَى بِأَعْلَى صَوْتهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَثَارَ الْقَوْمُ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، فَأَتَى الْعَبَّاسُ، فَأَكَبَّ عَلَيْه، فَقَالَ: ويلَكُمْ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ كِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ؟ فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ بِمِثْلِهَا، وَثَارُوا إِلَيْه، فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ، فَأَنْقَذَه). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ) «عَرْعَرة» -بمهملات - الساميّ - بالمهملة - البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، تَكَلَّم أحمد في بعض سماعه [١٠] (ت ٢٣١) (م د س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٣١/ ١٣٩٤. [تنبيه]: قوله: (السَّامِيُّ) بسين مهملة: نسبة إلى سامة بن لؤيّ بن غالب، قاله في «اللباب» . ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون المعروف بالسمين البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) أبو سعيد البصريّ الناقد الجِهْبِذ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ) الضُّبَعيّ -بضم المعجمة، وفتح الموحّدة - أبو سعيد البصريّ القَسّام القصير، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٧/ ١٥٦٩. ٥ - (أَبُو جَمْرَةَ) - بالجيم - نصر بن عمران بن عِصام الضُّبعيّ البصريّ، نزيل خُرَاسان، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٢٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عمّ رسول الله - ﷺ -، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات سنة ثمان وستين بالطائف، وهوأحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة من فقهاء الصحابة - ﵃ - (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخيه، فالأول بصري، ثم بغداديّ، والثاني مروزيّ، ثم بغداديّ، وفيه ابن عبّاس - ﵄ -، ذو المناقب الجمّة، دعا له رسول الله - ﷺ - بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال عمر - ﵁ -: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشرة منا أحد، وهو أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ -؛ أنه (قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبا ذَرٍّ) هو جندب، وقيل: بريد بن جُنادة -بضم الجيم، والنون الخفيفة - ابن سفيان، وقيل: سفير بن عبيد بن حرام - بالمهملتين - ابن غِفار، وغِفار من بني كنانة، قاله في «الفتح» ، وتقدّم ذِكر الخلاف في اسمه، واسم أبيه في أول الباب. (مَبْعَثُ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَكَّةَ)؛ أي: بَعْثه، وإرساله إلى الناس، فالمبعث مصدر ميميّ لِبَعَث. (قَالَ لأَخِيهِ) تقدّم أنه أُنيس: (ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي)؛ أي: وادي مكة، وفي أول رواية أبي قتيبة عند البخاريّ: قال لنا ابن عباس: ألا أخبركم بإسلام أبي ذرّ؟ قال: قلنا: بلى، قال: قال أبو ذرّ: كنت رجلًا من غفار، وهذا السياق يقتضي أن ابن عباس تلقّاه من أبي ذر - ﵁ -. قال في «الفتح»: وقد أخرج مسلم قصة إسلام أبي ذرّ من طريق عبد الله بن الصامت عنه، وفيها مغايرة كثيرة لسياق ابن عباس، ولكن الجمع بينهما ممكن، ثم ساق قطعة من أوله إلى قوله: «لقد سمعت كلام الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فما يلتئم عليها، والله إنه لصادق». ثم قال: وهذا الفصل في الظاهر مغاير لقوله في حديث ابن الصامت: «إن أبا ذر قال لأخيه: ما شفيتني»، ويُمكن الجمع بأنه كان أراد منه أن يأتيه بتفاصيل من كلامه، وأخباره، فلم يأته إلا بمجمل . (فَاعْلَمْ لِي)؛ أي: لأجلي، (عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ) منصوب بقوله: «اعلم». (الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاء، فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ) «من» للتبعيض؛ أي: اسمع بعض قوله؛ يعني: أنه يكفيه أن يسمع بعضه؛ لأنه يتبيّن به الصادق من الكاذب. (ثُمَّ ائْتِنِي، فَانْطَلَقَ الآخَرُ)؛ أي: أنيس، وفي رواية للبخاريّ: «فانطلق الأخ»، وفي رواية الكشميهني: «فانطلق الآخر»، قال عياض: وقع عند بعضهم: «فانطلق الأخ الآخر»، والصواب الاقتصار على أحدهما؛ لأنه لا يُعرف لأبي ذرّ إلا أخ واحد، وهو أنيس. انتهى. وقال النوويّ -﵀-: قوله: «فانطلق الآخر» هكذا هو في أكثر النُّسخ، وفي بعضها: «الأخ»، بدل «الآخر»، وهو هو، فكلاهما صحيح. انتهى . (حَتَّى قَدِمَ) بكسر الدال، (مَكَّةَ، وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ)؛ أي: من قول النبيّ - ﷺ -، (ثُمَّ رَجَعَ) أُنيس (إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ: رَأْيْتُهُ)؛ يعني: النبيّ - ﷺ -، (يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ)؛ أي: بالأخلاق الحسان، وقوله: (وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ) كذا في هذه الرواية، بنصب «كلامًا»، وهو منصوب بالعطف على الضمير المنصوب، وفيه إشكال؛ لأن الكلام لا يُرَى، ويجاب عنه بأنه من قبيل قوله: عَلَفْتُهَا تبنًا وماء باردًا … حَتَّى غَدَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا وفيه الوجهان: الإضمار؛ أي: وَسَقَيْتها، أو ضَمَّن العَلْف معنى الإعطاء، وهنا يمكن أن يقال: التقدير: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وسمعته يقول كلامًا ما هو بالشعر، أو ضَمّن الرؤية معنى الأخذ عنه، ووقع في رواية أبي قتيبة: «رأيته يأمر بالخير، وينهى عن الشرّ»، ولا إشكال فيها، قاله في «الفتح». وقال في «العمدة»: [فإن قلت]: الكلام لا يُرَى. [قلت]: فيه وجهان: الإضمار، والمجاز، من قبيل قوله: عَلَفْتُهَا تبنًا وماء باردًا أما الإضمار فهو: سَقَيْتُها ماءً، وأما المجاز فهو أنّ «عَلَفتها» بمعنى أعطيتها، وأما هاهنا فالإضمار هو أن يقدّر: وسمعته يقول كلامًا، وأما المجاز فهو أن يُضمّن الرؤية معنى الأخذ عنه، فالتقدير: وأخذت عنه كلامًا ما هو بالشعر. انتهى . (فَقَالَ) أبو ذرّ لأخيه أُنيس - ﵄ -: (مَا) نافية، (شَفَيْتَنِي فِيمَا أَرَدْتُ)؛ أي: ما أتيتني بالتفاصيل التي كنت أحبّ أن أعرفها. وقال النوويّ: قوله: «فيما أردت» كذا في جميع نُسخ مسلم: «فيما» بـ «في»، وفي رواية البخاريّ: «مما» بالميم، وهو أجود؛ أي: ما بلّغتني غرضي، وأزلت عني هَمَّ كشف هذا الأمر. انتهى . (فَتَزَوَّدَ)؛ أي: أخذ زاد، وهو طعام المسافر المتّخذ لسفره، والجمع أزواد. (وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ) بفتح الشين المعجمة: القربة البالية، وقوله: (فِيهَا مَاءٌ) جملة في محل نصب صفة لـ «شنّةً». هذه الرواية صريحة في أن أبا ذرّ - ﵁ - كان معه زاد حين سافر إلى مكة، وقد مرّ في رواية عبد الله بن الصامت أنه لم يكن له طعام إلا ماء زمزم مدّة ثلاثين يومًا. ويُمكن الجمع بينهما بأنه كان معه زاد في ابتداء سفره إلى مكة، ولكنه فنِي بعد وصوله إليها، والله تعالى أعلم. (حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجدَ) الحرام (فَالْتَمَسَ)؛ أي: طلب (النَّبِيَّ - ﷺ -، وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ)؛ أي: لأنه عَرَف أن قومه يؤذون من يقصده، أو يؤذونه بسبب قَصْد من يقصده، أو لكراهتهم في ظهور أمره لا يَدلّون من يسأل عنه عليه، أو يمنعونه من الاجتماع به، أو يَخْدَعونه حتى يرجع عنه. (حَتَّى أَدْرَكَهُ)؛ أي: أبا ذرّ، وقوله: (يَعْني: اللَّيْلَ) ملحق من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟، والله تعالى أعلم. (فَاضْطَجَعَ)؛ أي: نام أبو ذرّ في المسجد، (فَرَآه عَلِيٌّ)؛ أي: ابن أبي طالب - ﵁ -، وهذا يدلّ على أن قصة أبي ذرّ وقعت بعد المبعث بأكثر من سنتين، بحيث يتهيأ لعليّ أن يستقل بمخاطبة الغريب، ويضيفه، فإن الأصح في سنّ علي حين المبعث كان عشر سنين، وقيل: أقل من ذلك، وهذا الخبر يقوِّي القول الصحيح في سنّه. (فَعَرَفَ أنَّهُ غَرِيبٌ)؛ أي: حيث اضطجع في محل لا يضطجع فيه أهل البلد، (فَلَمَّا رَآهُ تَبعَهُ)؛ أي: بعد استتباع عليّ له، ففي رواية للبخاريّ: «فمرّ بي عليّ، فقال: كَانّ الرجل غريبٌ؟ قال: قلت: نعم، قال: فانطلِقْ إلى المنزل، قال: فانطلقت معه». (فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى أَصْبَحَ)؛ أي: دخل في الصباح، (ثُمَّ احْتَمَلَ)؛ أي: حَمَل (قُرَيْبَتَهُ) بضمّ القاف تصغير قِربة، وفي بعض النُّسخ: «قِرْبته» بالتكبير، وهي الشنّة المذكورة قبله. (وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ) الحرام، وهذا يدلّ على أن أبا ذرّ كان معه زاد إلى ذلك الوقت، فيعارضه ما تقدّم من رواية عبد الله بن الصامت الماضي، لكن يُمكن الجمع أيضًا بحمل قوله: «وزاده» على حذف مضاف، وعاء زادِه الذي نفِد. وحاصله: أنه لم يَرْم الشنّة والقربة بعد نفاد ما فيهما من الماء والطعام، بل أخَذهما؛ ليستعملهما بعد ذلك، والله تعالى أعلم. (فَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ) قال الفيوميّ -﵀-: ظَلَّ يفعل كذا يَظَلُّ، من باب تَعِبَ ظُلُولًا: إذا فعله نهارًا، قال الخليل: لا تقول العرب: ظَلَّ إلا لعمل يكون بالنهار. انتهى . (وَلَا يَرَى النَّبِيَّ - ﷺ - حَتَّى أَمْسَى)؛ أي: دخل في المساء، (فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ)؛ أي: محل نومه من المسجد، (فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ) - ﵁ - (فَقَالَ: مَا أَنَى لِلرَّجُلِ) وفي بعض النُّسخ: «آن»، وهما لغتان؛ أي: ما حان، وقرُب، وفي بعض النسخ: «أما» بزيادة همزة الاستفهام، وهي مرادة في الرواية الأولى، ولكن حُذفت، وهو جائز، قاله النوويّ -﵀- . وفي رواية للبخاريّ: «أما نال للرجل»؛ أي: أما حان، يقال: نال له، بمعنى آن له، قال في «الفتح»: ويُروَى: «أما آن» بمد الهمزة، و«أَنَّى» بالقصر، وبفتح النون، وكلها بمعنى. انتهى . وقوله: «(أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ) ببناء الفعل للفاعل، والمصدر المؤوّل فاعل»أنى«؛ أي: ما قرُب للرجل علمُ منزلة، ومكانه؟. وقال في«الفتح»: قوله:«أن يعلم منزلة»؛ أي: مقصده، ويَحْتَمِل أن يكون عليّ أشار بذلك إلى دعوته إلى بيته لضيافته ثانيًا، وتكون إضافة المنزل إليه مجازية؛ لكونه قد نزل به مرةً، ويؤيد الأول قول أبي ذرّ في جوابه:«قلت: لا». انتهى. (فَأقامَهُ)؛ أي: أمر عليّ أبا ذرّ بالقيام من مكانه؛ ليذهب به إلى بيته؛ ليضيفه، (فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، وَلَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ)«كان»هنا تامّة بمعنى جاء، و«يوم الثالث» مرفوع على الفاعليّة، والإضافة فيه كقولهم: مسجد الجامع، فإن التقدير فيه: مسجد المكان الجامع، فالجامع صفة للمكان، لا للمسجد، وكذلك التقدير في يوم الثالث؛ أي: يوم الزمن الثالث. (فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: مثل ما فعل في اليومين الماضيين من إقامته من مكانه، ثم الذهاب به إلى بيته، وتقديم الضيافة له، (فَأَقَامَهُ عَلِيٌّ) - ﵁ - (مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ) عليّ (لَهُ)؛ أي: لأبي ذرّ: (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، (تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ هَذَا الْبَلَدَ؟) مكة (قَالَ) أبو ذرّ: (إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا) تأكيد لِمَا قبله، فإن الميثاق هو العهد. (لَتُرْشِدَنِّي)؛ أي: تدلّني على ما أبحث عنه، (فَعَلْتُ)؛ أي: حدّثتك بما سألت. (فَفَعَلَ)؛ أي: فأعطاه عليّ العهد والميثاق على ذلك، (فَأَخْبَرَهُ) بأن سبب قدومه مكة أنه سمع بمبعث النبيّ - ﷺ -، فأراد أن يلقاه، وفي رواية عند البخاريّ: «فأخبرته»، وفيه التفات. (فَقَالَ) عليّ - ﵁ -: (فَإِنَّهُ حَقٌّ)؛ أي: فإن الذي تبحث عنه حقّ، وليس بباطل، (وَهُوَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أرسله الله بالهدى ودين الحقّ؛ ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون. (فَإذَا أَصْبَحْتَ)؛ أي: دخلت في وقت الصباح (فَاتَّبِعْنِي) بتشديد التاء، من الاتّباع، ويروى: «فاتبعني» ثلاثيًّا. (فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ) الظاهر أنه أراد البول، وفي رواية للبخاريّ: «كأني أصلح نعلي»، ويُحمل على أنه فعلهما جميعًا. (فَإِنْ مَضَيْتُ، فَاتَّبِعْنِي)؛ يعني: إن لم أقف في الطريق، أو وقفت، ثم مضيت بعد حصول الأمن من الخوف، فاتبعني (حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي)؛ أي: محل دخولي، وهو المكان الذي فيه النبيّ - ﷺ -. (فَفَعَلَ) أبو ذرّ ما أمره به عليّ - ﵄ -، وهو ما بيّنه بقوله: (فَانْطَلَقَ)؛ أي: ذهب حال كونه (يَقْفُوهُ)؛ أي: يتبع عليًّا، (حَتَّى دَخَلَ) عليٌّ (عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَدَخَلَ) أبو ذرّ (مَعَهُ) قال الداوديّ: فيه الدخول بدخول المتقدّم، وكأن هذا قبل آية الاستئذان، وتعقبه ابن التين، فقال: لا تؤخذ الأحكام من مثل هذا، قال الحافظ: وفي كلام كل منهما من النظر ما لا يخفى . (فَسَمِعَ) أبو ذرّ (مِنْ قَوْلِهِ) - ﷺ -، (وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ)؛ أي: في المحلّ الذي سمع من قوله فيه. وقال في «الفتح»: قوله: «فسمع من قوله، وأسلم مكانه» كأنه كان يعرف علامات النبيّ - ﷺ -، فلمّا تحققها لم يتردد في الإسلام، هكذا في هذه الرواية، ومقتضاها أن التقاء أبي ذرّ بالنبيّ - ﷺ - كان بدلالة عليّ، وفي رواية عبد الله بن الصامت: «أن أبا ذرّ لقي النبيّ - ﷺ - وأبا بكر في الطواف بالليل، قال: فلما قضى صلاته قلت: السلام عليك يا رسول الله - ﷺ - ورحمة الله وبركاته، قال: فكنت أول من حيّاه بالسلام، قال: من أين أنت؟ قلت: من بني غفار، قال: فوضع يده على جبهته، فقلت: كَرِه أن انتميت إلى غفار …». فذكر الحديث في شأن زمزم، وأنه استغنى بها عن الطعام والشراب ثلاثين من بين يوم وليلة، وفيه: «فقال أبو بكر: ائذن لي يا رسول الله - ﷺ - في طعامه الليلة، وأنه أطعمه من زبيب الطائف. . .» الحديث، وأكثره مغاير لِمَا في حديث ابن عباس هذا عن أبي ذرّ. ويمكن التوفيق بينهما بأنه لقيه أوّلًا مع عليّ، ثم لقيه في الطواف، أو بالعكس، وحَفِظ كل منهما عنه ما لم يحفظ الآخر، كما في رواية عبد الله بن الصامت من الزيادة ما ذكرناه، ففي رواية ابن عباس أيضًا من الزيادة قصته مع عليّ، وقصته مع العباس، وغير ذلك. وقال القرطبيّ: في التوفيق بين الروايتين تكلّف شديد، ولا سيما إن في حديث عبد الله بن الصامت: أن أبا ذرّ أقام ثلاثين لا زاد له، وفي حديث ابن عباس: أنه كان معه زاد، وقِربة ماء، إلى غير ذلك. قال الحافظ: ويَحْتَمِل الجمع بأن المراد بالزاد في حديث ابن عباس ما تزوّده لَمّا خرج من قومه، ففرغ لمّا أقام بمكة، والقربة التي كانت معه، كان فيها الماء حال السفر، فلما أقام بمكة لم يحتج إلى ملئها، ولم يطرحها، ويؤيده أنه وقع في رواية أبي قتيبة: «فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد. . .» الحديث . (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ) بني غفار، (فَأَخْبِرْهُمْ) بالإسلام، وشرائعه التي تعلّمتها منّي، (حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي»)؛ أي: شأني وحالي من النصر، والفتح، وانتشار الدعوة، وفي رواية البخاريّ: «اكتم هذا الأمر، وارجع إلى قومك، فأخبرهم، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل»، وتقدّم في رواية عبد الله بن الصامت: «إنه قد وُجِّهَتْ لي أرض ذات نخل، فهل أنت مبلّغ عني قومك، عسى الله أن ينفعهم بك؟»، فذكر قصة إسلام أخيه أنيس، وأمه، وأنهم توجهوا إلى قومهم غفار، فأسلم نصفهم … الحديث . (فَقَالَ) أبو ذرّ - ﵁ -: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَد لأَصْرُخَنَّ بِهَا) بضمّ الخاء المعجمة؛ أي: لأصيحنّ بكلمة التوحيد، أراد أنه يرفع صوته جهارًا بين المشركين، قال في «العمدة»: وضُبط في بعض النّسخ: «لأُصَرّحَنّ» بالحاء المهملة، من التصريح . وقال في «الفتح»: قوله: «لأصرخن بها»؛ أي: بكلمة التوحيد، والمراد: أنه يرفع صوته جهارًا بين المشركين، وكأنه فَهِم أن أمر النبيّ - ﷺ - له بالكتمان ليس على الإيجاب، بل على سبيل الشفقة عليه، فأعلمه أن به قوةً على ذلك، ولهذا أقرّه النبيّ - ﷺ - على ذلك. ويؤخذ منه جواز قول الحقّ عند من تُخشَى منه الأذية لمن قاله، وإن كان السكوت جائزًا، والتحقيق أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والمقاصد، وبحسب ذلك يترتب وجود الأجر وعدمه. (بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ)؛ أي: بينهم، يقال: هو نازل بين ظَهْرَانَيْهِمْ، بفتح النون، قال ابن فارس: ولا تُكْسَر، وقال جماعة: الألف والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْرَيْهِمْ، وبين أَظْهُرِهِمْ، كلها بمعنى: بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأن المعنى: أن ظَهْرًا منهم قُدّامه، وظَهْرًا وراءه، فكأنه مكنوف من جانبيه، هذا أصله، ثم كَثُر حتى استعمل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم، قاله الفيّوميّ -﵀- . (فَخَرَجَ) أبو ذرّ من عند النبيّ - ﷺ - (حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ) الحرام، (فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَثَارَ الْقَوْمُ)؛ أي: هاجوا، وقاموا إليه، يقال: ثَارَ الغُبارُ يَثُورُ ثَوْرًا، وثُؤُورًا، على فُعُول، وثَوَرَانًا: هاج، ومنه قيل للفتنة: ثَارَتْ، وأَثَارَهَا العَدُوّ، وثَارَ الغضب: احتَدّ، وثَارَ إلى الشرّ نَهَض . وفي رواية البخاريّ: «فقالوا: قوموا إلى هذا الصابي» -بالياء الليّنة - فقاموا، وكانوا يُسَمُّون من أسلم صابيًا؛ لأنه من صبا يصبو: إذا انتقل من شيء إلى شيء. (فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ)؛ أي: ألقوه على الأرض، وفي رواية البخاريّ: «فضربوه حتى أوجعوه»، وفي رواية: «فضُربت لأموت»؛ أي: ضُربت ضربًا لا يبالي مَن ضربني أن لو أموت منه. (فَأَتَى الْعَبَّاسُ) بن عبد المطّلب - ﵁ -، (فَأَكَبَّ عَلَيْهِ) قال في «المشارق»: كذا للكافّة، وعند العذريّ: «فكَبَّ»، وهو خطأ، والأول الصواب. انتهى . وقال الفيّوميّ: كَبَبْتُ الإناءَ كَبًّا، من باب قتل: قلبته على رأسه، وكَبَبْتُ زيدًا كَبًّا أيضًا: ألقيته على وجهه، فأكَبَّ هو بالألف، وهو من النوادر التي تَعَدَّى ثلاثيها، وقَصَر رباعيها، وفي التنزيل: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]، ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢]، وأَكَبَّ على كذا بالألف: لازمه. انتهى . وقال المجد: كبّه: قَلَبه، وصَرَعه، كأكبّه، وكبكبه، فأكبَّ، وهو لازم متعدّ، وأكبّ عليه: أقبل، ولزم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أفادت عبارة المجد أن أكبّ يتعدّى ويلزم، خلاف ما قاله الفيّوميّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) العبّاس: (ويلَكُمْ)؛ أي: ألزمكم الله الويل، وهو شدّة العذاب، أو واد في جهنّم. (أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ) وفي بعض النُّسخ: «تجارتكم»، (إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ)؛ أي: خلّصه من أذاهم، (ثُمَّ عَادَ) أبو ذرّ (مِنَ الْغَدِ)؛ أي: اليوم الثاني، (بِمِثْلِهَا)؛ أي: الكلمة التي قالها بالأمس، وهي كلمة التوحيد، (وَثَارُوا إِلَيْه، فَضَرَبُوهُ، فَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ، فَأَنْقَذَه)؛ أي: خلّصه منهم. قال في «الفتح» ما حاصله: الحديث يدلّ على تقدم إسلام أبي ذرّ، لكن الظاهر أن ذلك كان بعد المبعث بمدة طويلة؛ لِمَا فيه من الحكاية عن عليّ - ﵁ -، ومن قوله أيضًا في رواية عبد الله بن الصامت: «إني وُجِّهَتْ لي أرض ذات نخل»، فإن ذلك يُشعر بأن وقوع ذلك كان قرب الهجرة، والله أعلم. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ برواية ابن عبّاس - ﵃ - هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: ظاهر سياق الشيخين أن هذا الحديث من مسند ابن عبّاس - ﵄ -، لكن الحقّ أنه من مسند أبي ذرّ - ﵁ -، وذلك لأمرين: أحدهما: أن في رواية أبي قتيبة عند البخاريّ ما نصّه: «قال لنا ابن عبّاس: ألا أخبركم بإسلام أبي ذرّ؟ قال: قلنا: بلى، قال: قال أبو ذرّ: كنت رجلًا من غفار .. . .» الحديث، فهذا صريح في كون ابن عبّاس أخذه عن أبي ذر - ﵁ -. والثاني: أن ابن عبّاس - ﵄ - لم يحضر قصّة إسلام أبي ذرّ؛ لأن إسلامه كان في أوائل المبعث، روي عنه أنه قال: «كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة، وأنا الرابع»، ووُلد ابن عبّاس قبل الهجرة بثلاث سنين، فلم يحضرها قطعًا، وكلّ من أخبر عن قصّة لم يشهدها، فإنه مرسل، كما قال السيوطيّ في «ألفيّة الحديث»: وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ قِصَّةً رَوَى … مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعَا حَوَى فدلّ على أنه أخَذه عن أبي ذرّ - ﵁ -، ولذلك جعلته من مسند أبي ذرّ - ﵁ -. ومن الغريب أن الحافظ المزّيّ: جعله في «تحفة الأشراف» من مسنديهما، فذكره في ترجمة ابن عبّاس - ﵄ - (٥/ ٢٦٣) وفي ترجمة أبي ذرّ - ﵁ - (٩/ ١٧٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٦٣٤٢] (٢٤٧٤)، و(البخاريّ) في «المناقب» (٣٥٢٢) و«فضائل الصحابة» (٣٨٦١)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٤/ ٢٢٥)، و(الطبرانيّ) في «الكبير) (١٢/ ٢٢٦) و»الأوسط«(٣/ ١٠٨) وفي»الأحاديث الطوال«(٥)، و(أبو نعيم) في»الحلية«(١/ ١٥٩) و»دلائل النبوّة«(١٩٧)، و(البزّار) في»مسنده) (٩/ ٣٣٤)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٣٨٢)، و(ابن عساكر) في «تاريخه» (٦٦/ ١٨٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل أبي ذرّ الغِفاريّ - ﵁ -. ٢ - (ومنها): بيان تقدم إسلام أبي ذرّ - ﵁ -، ولكن الظاهر أنه بعد البعث بمدة طويلة؛ لِمَا فيه من الحكاية عن عليّ - ﵁ - من مخاطبته لأبي ذرّ، وتضيّفه إياه، والأصح أن سنّه حين البعث كان عشر سنين، وقيل: أقل من ذلك، فظهر من ذلك أن إسلام أبي ذرّ بعد البعث بمدة بأكثر من سنتين، بحيث يتهيأ لعليّ ما فعله . ٣ - (ومنها): بيان ما أنعم الله تعالى على أبي ذرّ - ﵁ - من هدايته إلى التوحيد، ودين الإسلام، قبل أن يأتي الإسلام، ويعرفه، فكان يصلّي لله تعالى، ويُنكر عبادة الأصنام. ٤ - (ومنها): أن العاقل الموفّق لا يزال يبحث عن الحقّ، ويجتهد في الوصول إليه، ولا يقتصر بما لديه من الهدى، فقد أمر أبو ذرّ أخاه - ﵄ - بالذهاب إلى مكة، واستبيان الأمر، ثم لمّا لم يُقنعه ما أتى به، سافر بنفسه إليها، حتى وجد طَلِبته، وحصّل بُغيته، وقضى نَهْمته. ٥ - (ومنها): بيان فضل القرآن الكريم، وأنه من عند الله تعالى، فقد شهد له أخو أبي ذرّ - ﵁ - الشاعر بأنه لا يُشبه كلام الكهّان، ولا قول الشعراء، بل هو من عند الله تعالى، وكان كفّار قريش يعلمون ذلك، ولكنهم معاندون للحقّ، كما وصفهم الله تعالى بذلك، حيث قال: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣]، وقال أيضًا: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٣ - ١٤]. ٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه أبو ذرّ - ﵁ - من الصلابة في الدين، حيث إنه أظهر ما أمره - ﷺ - بإخفائه، لكنه قال: «لأخرجنّ بها بين أظهرهم»، فصرخ بها في مجتمعهم، فقاموا عليه بكلّ ما يستطيعون، فلم يتراجع عما عزم عليه. ٧ - (ومنها): بيان فضل ماء زمزم، وأنها مباركة، وطعام طُعم، وشفاء سُقم، يجد ذلك مَن صَدَق إيمانه، وتمّ إيقانه، اللَّهُمَّ اجعلنا من الصادقين. ٨ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصدّيق - ﵁ - من الكرم والسخاء حيث أخذ أبا ذرّ إلى بيته، وأضافه بزبيب الطائف، ومثله عليّ - ﵁ -. ٩ - (ومنها): بيان عَلَم من أعلام النبوّة حيث أري النبيّ - ﷺ - دار هجرته أرضًا ذات نخل، قبل أن يهاجر إليها. ١٠ - (ومنها): أن فيه دلالةً على حُسْن تأتّى العباس - ﵁ -، وجودة فطنته، حيث توصَّل إلى تخليص أبي ذرّ - ﵁ - من أيدي المشركين بتخويفهم من قومه أن يقاصُّوهم بأن يقطعوا طُرُق متجرهم، وكان عيشهم من التجارة، فلذلك بادروا إلى الكفّ عنه. ١١ - (ومنها): بيان فضل قبيلة غفار، حيث أسلموا دون أيّ تردّد حين دعاهم أبو ذرّ - ﵁ -، فأسلم نصفهم، ووعد الباقون أن يُسْلموا بوصوله - ﷺ - إلى المدينة، فوَفَوا بذلك. ١٢ - (ومنها): بيان فضل قبيلة أسلم، حيث اقتدوا بغفار، فقالوا: «إخواننا نُسلم على الذي أسلموا عليه»، فاسلموا، ولذا قال - ﷺ -: «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله»، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٩) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ - ﵁ -) هو: جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضر بن ثعلبة بن جُشم بن عوف بن حزيمة بن حرب بن عليّ البجليّ الصحابيّ الشهير، يكنى أبا عمرو، وقيل: يكنى أبا عبد الله، اختُلف في وقت إسلامه، ففي «الأوسط» للطبرانيّ من طريق حصين بن عُمر الأحمسيّ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، قال: لَمّا بُعِث النبيّ - ﷺ - أتيته، فقال: ما جاء بك؟ قلت: جئت لأسلم، فألقى إليّ كساءه، وقال: «إذا أتاكم كريم قوم، فأكرموه». قال الحافظ: حصين فيه ضَعْف، ولو صحّ لَحُمل على المجاز؛ أي: لمّا بلغنا خبر بعث النبيّ - ﷺ -، أو على الحذف؛ أي: لمّا بُعث النبيّ - ﷺ -، ثم دعا إلى الله، ثم قَدِم المدينة، ثم حارب قريشًا وغيرهم، ثم فتح مكة، ثم وفدت عليه الوفود. وجزم ابن عبد البرّ عنه بأنه أسلم قبل وفاة النبيّ - ﷺ - بأربعين يومًا، وهو غلط، ففي «الصحيحين» عنه: أن النبيّ - ﷺ - قال له: «استنصت الناس في حجة الوداع»، وجزم الواقديّ بأنه وَفَد على النبيّ - ﷺ - في شهر رمضان سنة عشر، وأن بَعْثه إلى ذي الخلصة كان بعد ذلك، وأنه وافى مع النبيّ - ﷺ - حجة الوداع من عامة. قال الحافظ: وفيه عندي نظر؛ لأن شريكًا حَدّث عن الشيبانيّ، عن الشعبيّ، عن جرير، قال: قال لنا رسول الله - ﷺ -: «إن أخاكم النجاسيّ قد مات. . .» الحديث، أخرجه الطبرانيّ، فهذا يدلّ على أن إسلام جرير كان قبل سنة عشر؛ لأن النجاشيّ مات قبل ذلك. وكان جرير جميلًا، قال عمر: هو يوسف هذه الأمة، وقدّمه عمر في حروب العراق على جميع بجيلة، وكان لهم أثر عظيم في فتح القادسية، ثم سكن جرير الكوفة، وأرسله عليّ رسولًا إلى معاوية، ثم اعتزل الفريقين، وسكن قرقيسيا، حتى مات سنة إحدى، وقيل: أربع وخمسين. ورَوَى البغوي من طريق قيس، عن جرير، قال: رآني عمر متجردًا، فقال: ما أرى أحدًا من الناس صُوِّر صورة هذا، إلا ما ذُكر من يوسف. ومن طريق إبراهيم بن إسماعيل الكهيليّ، قال: كان طول جرير ستة أذرع. ورَوَى الطبراني من حديث عليّ مرفوعًا: «جرير منا أهلَ البيت». ورَوَى عنه من الصحابة أنس بن مالك، قال: كان جرير يخدمني، وهو أكبر مني، أخرجه الشيخان. انتهى من «الإصابة» مختصرًا . وقال في «الفتح»: جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك البجليّ، من بني
مصادر المؤلف (٢٢)

١. «مسند البزار» ٩/ ٣٦٧ - ٣٦٩.

٢. وفي نسخة: «تجارتكم».

٣. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٩٥.

٤. «الفتح» ٨/ ٥٨٢، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨٦١).

٥. «الفتح» ٨/ ٥٨٢، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨٦١).

٦. «شرح النوويّ» ١٦/ ٣٣.

٧. «عمدة القاري» ١٧/ ٣.

٨. «شرح النوويّ» ١٦/ ٣٣.

٩. «المصباح المنير» ٢/ ٣٨٦.

١٠. «شرح النوويّ» ١٦/ ٣٣ - ٣٤.

١١. «الفتح» ٨/ ٥٨٤، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨٦١).

١٢. «الفتح» ص ٥٨٤ - ٥٨٥، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨٦١).

١٣. «الفتح» ص ٥٨٤ - ٥٨٥، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨٦١).

١٤. «الفتح» ص ٥٨٤ - ٥٨٥، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨٦١).

١٥. «عمدة القاري» ١٧/ ٤.

١٦. «المصباح المنير» ٢/ ٣٨٧.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٨٧.

١٨. «مشارق الأنوار» ١/ ٣٣٤.

١٩. «المصباح المنير» ٢/ ٥٢٣.

٢٠. «الفتح» ٨/ ٥٨٢ - ٥٨٦، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٨٦١).

٢١. «عمدة القاري» ١٦/ ٨٧.

٢٢. «الإصابة في تمييز الصحابة» ١/ ٤٧٥.