HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٧٦

حَدَّثَنِي عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ. أَخْبَرَنَا خَالِدٌ عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ. قَالَ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْخَلَصَةِ. وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ وَالْكَعْبَةِ الْيَمَانِيَةِ وَالشَّامِيَّةِ؟» فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِنْ أَحْمَسَ. فَكَسَرْنَاهُ وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ. فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ: فَدَعَا لَنَا وَلِأَحْمَسَ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص157
ج ٤ ص ١٩٢٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص٤١٧
عنده، وقد سبق البحث فيه هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٤ - (ومنها): بيان أن لقاء الناس بالتبسم، وطلاقة الوجه، من أخلاق النبوة، وهو مناف للتكبر، وجالب للمودة. ٥ - (ومنها): فضل الفُروسية، وأحكام ركوب الخيل، فإن ذلك مما ينبغي أن يتعلمه الرجل الشريف والرئيس. ٦ - (ومنها): أنه لا بأس للإمام، أو للعالم إذا أشار إليه إنسان في مخاطبة، أو غيرها أن يضع عليه يده، ويضرب بعض جسده، وذلك من التواضع، واستمالة النفوس. ٧ - (ومنها): بيان معجزة للنبيّ - ﷺ - حيث دعا لجرير - ﵁ - بالثبوت على الخيل، فما أصابه بعد ذلك سقوط، ولا ميل، كما جاء في الحديث، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٤٥] (٢٤٧٦) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْن بَيَانٍ، أَخبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو الْخَلَصَةِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ، وَالْكَعْبَةِ الْيَمَانِيَةِ، وَالشَّامِيَّةِ؟»، فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِنْ أَحْمَسَ، فَكَسَرْنَاهُ، وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَدَعَا لنَا وَلأَحْمَسَ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الذي تقدّم قبل حديث. وقوله: (وَكانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ) قال النوويّ -﵀-: وفي بعض النُّسخ: «الكعبة اليمانية، الكعبة الشامية» بغير واو، وهذا اللفظ فيه إيهام، والمراد: أن ذا الخلصة كانوا يسمّونها الكعبة اليمانية، وكانت الكعبة الكريمة التي بمكة تسمى الكعبة الشامية، ففرّقوا بينهما للتمييز، هذا هو المراد، فيتأول اللفظ عليه، وتقديره: يقال له: الكعبة اليمانية، ويقال للتي بمكة: الشامية، وأما من رواه: «الكعبة اليمانية، الكعبة الشامية» بحذف الواو، فمعناه: كان يقال هذان اللفظان، أحدهما لموضع، والآخر للآخر، وأما قوله: «هل أنت مريحي من ذي الخلصة، والكعبة اليمانية، والشامية»، فقال القاضي عياض: ذِكر الشامية وَهَمٌ، وغَلَط من بعض الرواة، والصواب حَذْفه، وقد ذكره البخاريّ بهذا الإسناد، وليس فيه هذه الزيادة والوهم. انتهى كلام القاضي -﵀-. وتعقّبه النوويّ، فقال بعد ذِكره: وليس بجيّد، بل يمكن تأويل هذا اللفظ، ويكون التقدير: هل أنت مريحي من قولهم: الكعبة اليمانية، والشامية، ووجودِ هذا الموضع الذي يلزم منه هذه التسمية؟ انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل الذي ذكره النوويّ -﵀- تأويل حسنٌ، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك، قريبًا، فتنبّه. والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي شرحه مستوفًى في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ، فتنبّه. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٤٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا جَرِيرُ ألَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟»، بَيْتٍ لِخَثْعَمَ، كَانَ يُدْعَى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَة، قَالَ: فَنَفَرْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ، وَكُنْتُ لَا أثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا»، قَالَ: فَانْطَلَقَ، فَحَرَّقَهَا بِالنَّار، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا يُبَشِّرُهُ، يُكْنَى أبا أَرْطَاةَ مِنَّا، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ: مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْنَاهَا، كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ، فَبَرَّكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ، وَرِجَالِهَا، خَمْسَ مَرَّاتٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هو: ابن راهويه، الحنظليّ. شرح الحديث: (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ) -بفتح الباء الموحّدة، والجيم-: نسبة إلى قبيلة بَجِيلة، وهو ابن أنمار بن إِراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث، وقيل: إن بَجِيلة اسم أمّهم، وهي من سعد العشيرة، وأختها باهلة، ولدتا قبيلتين عظيمتين، نزلت الكوفة، قاله في «اللباب» . (قَالَ) جرير - ﵁ -: (قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا جَرِيرُ أَلا) -بفتح الهمزة، وتخفيف اللام- معناها هنا: العَرْض، والتحضيض، وتختص بالجملة الفعلية . (تُرِيحُنِي) بضمّ حرف المضارعة، من الإراحة، بالراء والحاء المهملة، قاله في»العمدة«. وقال في«الفتح»: قوله:«ألا تُريحني»هو بتخفيف اللام، طَلَبٌ يتضمن الأمر، وخَصَّ جريرًا بذلك؛ لأنها كانت في بلاد قومه، وكان هو من أشرافهم، والمراد بالراحة: راحة القلب، وما كان شيء أتعب لقلب النبيّ - ﷺ - من بقاء ما يُشْرَك به من دون الله تعالى. وروى الحاكم في«الإكليل»من حديث البراء بن عازب - ﵄ - قال:«قَدِم على النبيّ - ﷺ - مائة رجل من بني بَجِيلة، وبني قُشير جرير بن عبد الله ، فسأله عن بني خثعم، فأخبره أنهم أبَوْا أن يجيبوا إلى الإسلام، فاستعمله على عامّة من كان معه، ونَدَب معه ثلاثمائة من الأنصار، وأَمَرَه أن يسير إلى خثعم، فيدعوهم ثلاثة أيام، فإن أجابوا إلى الإسلام قَبِل منهم، وهَدَم صنمهم ذا الخلصة، وإلا وَضَع فيهم السيف». (مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟) -بفتح الخاء المعجمة، واللام، بعدها مهملة- وحَكَى ابن دُريد فتح أوله، وإسكان ثانية، وحَكَى ابن هشام ضمّها، وقيل: بفتح أوله، وضمّ ثانية، والأول أشهر، والخلصة: نبات له حَبّ أحمر، كخرز العقيق، وذو الخلصة اسم للبيت الذي كان فيه الصنم، وقيل: اسم البيت الخلصة، واسم الصنم ذو الخلصة، وحَكَى المبرّد أن موضع ذي الخلصة صار مسجدًا جامعًا لبلدة، يقال لها العبلات، من أرض خثعم، ووَهِم من قال: إنه كان في بلاد فارس، قاله في«الفتح». وقال في«العمدة»:«الخلصة» بالخاء المعجمة، وباللام، وبالصاد المهملة المفتوحات، وقيل: بسكون اللام، وقيل: بضم الخاء، وسكون اللام، وهو اسم لذلك البيت، وقيّده أبو الوليد الوَقْشيّ بفتح الخاء، وإسكان اللام، وضَبَطه الدمياطي بخطه بفتحهما، وقال ابن الأثير: ذو الخلصة طاغيةٌ كانت لدوس، يعبدونها، وقيل: هو بيت كان لخثعم، يسمى الكعبة اليمانية، وهو الذي خَرَّبه جرير بن عبد الله البجليّ، بعثه إليه النبيّ - ﷺ -. انتهى . (بَيْتٍ لِخَثْعَمَ) بخاء معجمة، ومثلّثة، وزانُ جعفر: قبيلة شهيرة، ينتسبون إلى خثعم بن أنمار، بفتح أوله، وسكون النون؛ أي: ابن إراش، بكسر أوله، وتخفيف الراء، وفي آخره معجمة، ابن عَنَز، بفتح المهملة، وسكون النون، بعدها زاي؛ أي: ابن وائل، ينتهي نسبهم إلى ربيعة بن نزار، إخوة مُضَر بن نزار، جدّ قريش. وقد وقع ذِكر ذي الخلصة في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند الشيخين في «كتاب الفتن» مرفوعًا: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة»، وكان صنمًا تعبده دوس في الجاهلية. قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه غير المراد في حديث الباب، وإن كان السُّهيليّ يشير إلى اتحادهما؛ لأن دوسًا قبيلة أبي هريرة، وهم ينتسبون إلى دوس بن عُدْثان، بضم المهملة، وبعد الدال الساكنة مثلثة، ابن عبد الله بن زهران، ينتهي نَسَبهم إلى الأزد، فبينهم وبين خثعم تباين في النسب، والبلد. وذكر ابن دحية أن ذا الخلصة المراد في حديث أبي هريرة - ﵁ - كان عمرو بن لُحَيّ قد نصبه أسفل مكة، وكانوا يلبسونه القلائد، ويجعلون عليه بَيض النعام، ويذبحون عنده، وأما الذي لخثعم، فكانوا قد بنوا بيتًا يضاهون به الكعبة، فظهر الافتراق، وقَوِيَ التعدد، والله أعلم. انتهى . (كَانَ يُدْعَى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَةِ) قال النوويّ -﵀-: : هكذا هو في جميع النسخ، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، وأجازه الكوفيون، وقدّر البصريون فيه حذفًا؛ أي: كعبة الجهة اليمانية، واليمانية بتخفيف الياء على المشهور، وحُكِي تشديدها، وسبق إيضاحه غير مرة. وفي الرواية التي قبل هذه: «وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ»، قال في «الفتح»: كذا فيه، قيل: وهو غلط، والصواب: «اليمانية» فقط، سَمَّوها بذلك مضاهاة للكعبة، والكعبة البيت الحرام بالنسبة لمن يكون جهة اليمن شامية، فسَمُّوا التي بمكة شامية، والتي عندهم يمانية، تفريقًا بينهما. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الذي في الرواية صواب، وأنها كان يقال لها: اليمانية باعتبار كونها باليمن، والشامية باعتبار أنهم جعلوا بابها مقابل الشام، وقد حَكَى عياض أن في بعض الروايات: «والكعبة اليمانية الكعبة الشامية» بغير واو، قال: وفيه إيهام، قال: والمعنى: كان يقال لها تارة هكذا، وتارة هكذا، وهذا يُقَوِّي ما قلته، فإن إرادة ذلك مع ثبوت الواو أَولى. وقال غيره: قوله: «والكعبة الشامية» مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: هي التي بمكة، وقيل: الكعبة مبتدأ، والشامية خبره، والجملة حال، والمعنى: والكعبة هي الشامية لا غير. قال: وحَكَى السهيليّ عن بعض النحويين أن «له» زائدة، وأن الصواب كان يقال: الكعبة الشامية؛ أي: لهذا البيت الجديد، والكعبة اليمانية؛ أي: للبيت العتيق، أو بالعكس، قال السهيليّ: وليست فيه زيادة، وإنما اللام بمعنى «من أجل»؛ أي: كان يقال من أجله: الكعبة الشامية، والكعبة اليمانية؛ أي: إحدى الصفتين للعتيق، والأخرى للجديد. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذا التوجيه الأخير الذي ذكره السهيليّ أَولى وأرجح، وحاصله: أن من أجل وجود ذلك البيت أحدثوا اسمين، أحدهما: الكعبة الشاميّة، وهو اسم للكعبة الشريفة، والثاني: الكعبة اليمانيّة، وهو اسم لبيت الصنم المذكور، فعلى هذا فلا غلط في الرواية، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (قَالَ) جرير - ﵁ -: (فَنَفَرْتُ)؛ أي: خرجت مسرعًا للقتال (فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ) ولفظ البخاريّ: «في مائة وخمسين راكبًا»، زاد في رواية: «وكانوا أصحاب خيل»؛ أي: يثبتون عليها، لقوله بعده: «وكنت لا أثبت على الخيل»، ووقع في رواية ضعيفة في الطبرانيّ: «أنهم كانوا سبعمائة»، قال الحافظ: فلعلها إن كانت محفوظةً يكون الزائد رجّالةً، وأتباعًا، قال: ثم وجدت في «كتاب الصحابة» لابن السكن أنهم كانوا أكثر من ذلك، فذكر عن قيس بن غَرَبة الأحمسي أنه وَفَد في خمسمائة، قال: وقَدِم جرير في قومه، وقَدِم الحجاج بن ذي الأعين في مائتين، قال: وضُمّ إلينا ثلاثمائة من الأنصار، وغيرهم، فغزونا بني خثعم، فكأن المائة والخمسين هم قوم جرير، وتكملة المائتين أتباعهم، وكأن الرواية التي فيها سبعمائة مَن كان من رهط جرير، وقيس بن غربة؛ لأن الخمسين كانوا من قبيلة واحدة، وغَرَبة بفتح المعجمة، والراء المهملة، بعدها موحّدة، ضَبَطه الأكثر. انتهى. وقوله: (وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا») قد تقدّم شرحه، فلا تغفل، والله تعالى وليّ التوفيق. (قَالَ) قيس بن أبي حازم راويًا عن جرير: (فَانْطَلَقَ) جرير (فَحَرَّقَهَا)؛ أي: حرّق الخلصة بيت الصنم (بِالنَّار، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا يُبَشِّرُهُ) بتحريقهم المذكور، (يُكْنَى) بضمّ أوله، وتخفيف النون، أو تشديدها، مبنيًّا للمفعول، مضارع كنى مخفّفًا، أو أكنى، أو كنّى مشدّدًا. (أَبَا أَرْطَاةَ) بفتح الهمزة، وقوله: (مِنَّا)؛ أي: أحمس، ولفظ البخاريّ: «ثم بعث جرير رجلًا من أحمس، يُكنى أبا أرطاة»، بفتح الهمزة، وسكون الراء، بعدها مهملة، وبعد الألف هاء تأنيث، واسم أبي أرطاة هذا: حُصين بن ربيعة، وقع مسمى في الرواية التالية عند مسلم، ولبعض رواته: حُسين بسين مهملة، بدل الصاد، وهو تصحيف، ومنهم من سمّاه: حِصْنًا، بكسر أوله، وسكون ثانية، وقلبه بعض الرواة، فقال: ربيعة بن حصين، ومنهم من سمّاه: أرطاة، والصواب: أبو أرطاة، حُصين بن ربيعة، وهو ابن عامر بن الأزور، وهو صحابيّ بَجَليّ، قال الحافظ: لم أر له ذِكرًا إلا في هذا الحديث. انتهى . (فَأتَى) أبو أرطاة - ﵁ - (رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهُ: مَا) نافية، (جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْنَاهَا، كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ) بالجيم، والموحّدة، هو كناية عن نزع زينتها، وإذهاب بهجتها، وقال الخطابيّ: المراد أنها صارت مثل الجمل المطليّ بالقطران من جَرَبه، إشارةٌ إلى أنها صارت سوداء؛ لِمَا وقع فيها من التحريق. ووقع لبعض الرواة، وقيل: إنها رواية مُسَدَّد: «أجوف» بواو بدل الراء، وفاء بدل الموحّدة، والمعنى: أنها صارت صورةً بغير معنى، والأجوف: الخالي الجوف مع كِبَره في الظاهر. ووقع لابن بطال معنى قوله: «أجرب»؛ أي: أسود، ومعنى قوله: «أجوف»؛ أي: أبيض، وحكاه عن ثابت السرقسطيّ، وأنكره عياض، وقال: هو تصحيف، وإفساد للمعنى، كذا قال. قال الحافظ: فإن أراد إنكار تفسير أجوف بأبيض فمقبول؛ لأنه يضادّ معنى الأسود، وقد ثبت أنه حرّقها، والذي يُحرق يصير أثره أسود، لا محالة فيه، فكيف يوصف بكونه أبيض؟ وإن أراد إنكار لفظ أجوف، فلا إفساد فيه، فإن المراد أنه صار خاليًا، لا شيء فيه، كما قررته. انتهى . (فَبَرَّكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) بتشديد الراء؛ أي: دعا بالبركة، وفي رواية ابن حبّان: «اللَّهُمَّ بارك في خيل أحمس، ورجالها». (عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ) بمهملتين وزانُ أحمر، وهم إخوة بَجِيلة، بفتح الموحّدة، وكسر الجيم، رهط جرير - ﵁ -، ينتسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار، وبجيلة امرأة نُسبت إليها القبيلة المشهورة، ومدارُ نَسَبِهم أيضًا على أنمار. وفي العرب قبيلة أخرى يقال لها: أحمس ليست مرادةً هنا، ينتسبون إلى أحمس بن ضُبيعة بن ربيعة بن نزار . (وَرِجَالِهَا)؛ أي: ودعا لرجال أحمس (خَمْسَ مَرَّاتٍ) ولعل كونه خمسًا مع أنه كان إذا دعا دعا ثلاثًا، كما في حديث أنس - ﵁ -، مبالغة، وتخصيصًا لأحمس حيث قاموا بدحض الكفر، وإزالة آثاره، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد الله البجليّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٦٣٤٥ و٦٣٤٦ و٦٣٤٧] (٢٤٧٦)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٣٠٣٠) و«مناقب الأنصار» (٣٨٢٣) و«المغازي» (٤٣٥٥ و٤٣٥٦ و٤٣٥٧) و«الدعوات» (٦٣٣٣)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٣٧٧٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٢٠٢)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٢٥٢ و٢٢٥٣ و٢٢٥٥ و٢٢٥٦ و٢٢٥٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ١٧٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (ومنها): بيان مناقب جرير - ﵁ -، وقومه. ٢ - (ومنها): بيان بركة يد النبيّ - ﷺ - ودعائه، وأنه كان يدعو وترًا، وقد يجاوز الثلاث، وفيه تخصيص لعموم قول أنس: «وكان إذا دعا دعا ثلاثًا»، رواه مسلم، فيُحْمَل على الغالب، وكأن الزيادة لمعنى اقتضى ذلك، وهو ظاهر في أحمس؛ لِمَا اعتمدوه منِ دَحْض الكفر، ونَصْر الإسلام، ولا سيما مع القوم الذين هم منهم. ٣ - (ومنها): بيان مشروعية إزالة ما يَفتتن به الناس، من بناء وغيره، سواء كان إنسانًا، أو حيوانًا، أو جمادًا. ٤ - (ومنها): مشروعيّة استمالة نفوس القوم بتأمير من هو منهم، والاستمالة بالدعاء لهم، والثناء عليهم. ٥ - (ومنها): استحباب إرسال البشير بالفتوح ونحوها. ٦ - (ومنها): بيان فضل ركوب الخيل في الحرب. ٧ - (ومنها): قبول خبر الواحد. ٨ - (ومنها): المبالغة في نكاية العدوّ، وفيه النكاية بآثار الباطل، والمبالغة في إزالته، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٤٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ -يَعْنِي: الْفَزَارِيَّ- (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ فِي حَدِيثِ مَرْوَانَ: «فَجَاءَ بَشِيرُ جَرِيرٍ، أَبُو أَرْطَاةَ، حُصَيْنُ بْنُ رَبِيعَةَ، يُبَشِّرُ النَّبِيَّ - ﷺ -». رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير المذكور قبل حديثين. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين. ٥ - (ابْن أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدني، ثمّ المكيّ، تقدّم قريبًا. ٦ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ودمشق، ثقةٌ حافظٌ، وكان يدلس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٨. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) أبو عبد الله النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ) ضمير الجماعة للخمسة المذكورين، وهم: وكيع، وعبد الله بن نمير، وسفيان بن عيينة، ومروان الفزاريّ، وأبو أسامة حمّاد بن أُسامة، فكلهم رووا هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله - ﵁ -. وقوله: (فَجَاءَ بَشِيرُ جَرِيرٍ، أَبُو أَرْطَاةَ، حُصَيْنُ بْنُ رَبِيعَةَ، يُبَشِّرُ النَّبِيَّ - ﷺ -) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في بعض النُّسخ: «حُصين» بالصاد، وفي أكثرها: «حُسين» بالسين، وذَكَر القاضي الوجهين، قال: والصواب الصاد، وهو الموجود في نسخة بن ماهان. انتهى . [تنبيه]: رواية وكيع بن الجرّاح عن إسماعيل بن أبي خالد ساقها ابن أبي شيبة -﵀- في «مصنّفه»، فقال: (٣٣١٥٤) - حدّثنا وكيع، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟، بيت كان لخثعم، كانت تعبده في الجاهلية، يسمى كعبة اليمانية، قال: فخرجت في خمسين ومائة راكب، قال: فحرقناها حتى جعلناها مثل الجمل الأجرب، قال: بعث جرير رجلًا إلى النبيّ - ﷺ - يبشر، فلما قَدِم عليه، قال: والذي بعثك بالحقّ ما أتيتك حتى تركناها مثل الجمل الأجرب، قال: فبارك رسول الله - ﷺ - على أحمس، خيلها، ورجالها، خمس مرات. انتهى . وأما رواية ابن نُمير عن إسماعيل فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وأما رواية سفيان بن عيينة، عن إسماعيل، فساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٥٩٧٤) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، عن إسماعيل، عن قيس، قال: سمعت جريرًا قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «ألا تُريحني من ذي الخلصة؟ «، وهو نُصُب كانوا يعبدونه، يسمى الكعبة اليمانية، قلت: يا رسول الله إني رجل لا أثبت على الخيل، فصَكّ في صدري، فقال:»اللَّهُمَّ ثَبِّته، واجعله هاديًا مهديًّا«، قال: فخرجت في خمسين من أحمس، من قومي، وربما قال سفيان: فانطلقت في عُصبة من قومي، فأتيتها، فأحرقتها، ثم أتيت النبيّ - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، والله ما أتيتك حتى تركتها مثل الجمل الأجرب، فدعا لأحمس، وخيلها. انتهى . وأما رواية مروان الفزاريّ، فساقها الطبرانيّ -﵀- في«المعجم الكبير»مقرونًا بسفيان، فقال: (٢٢٥٣) - حدّثنا أبو خليفة، ثنا إبراهيم بن بشار الرماديّ، ثنا سفيان، ومروان بن معاوية، قالا: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، سمع قيس بن أبي حازم، سمع جريرًا قال: قال رسول الله - ﷺ -:«ألا تكفيني ذا الخلصة؟ »، فقلت: يا رسول الله - ﷺ -، إني رجل لا أثبت على الخيل، فصَكّ في صدري، وقال:«اللَّهُمَّ اجعله هاديًا مهديًّا»، قال: فخرجت إليها في خمسين من قومي، فحرّقتها بالنار، فرجعت إلى النبيّ - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله - ﷺ -، ما أتيتك حتى تركتها مثل الجمل الأجرد، فدعا لأحمس، خيلها، ورجالها، ثلاثًا«. انتهى . وأما رواية أبي أسامة، عن إسماعيل، فقد ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٤٠٩٩) - حدّثنا يوسف بن موسى، أخبرنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «ألا تُريحني من ذي الخلصة؟» فقلت: بلى، فانطلقت في خمسين ومائة فارس، من أحمسَ، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبيّ - ﷺ -، فضرب يده على صدري، حتى رأيت أثر يده في صدري، وقال: «اللَّهُم ثَبِّته، واجعله هاديًا مهديًّا»، قال: فما وقعت عن فرس بعدُ، قال: وكان ذو الخلصة بيتًا باليمن لخثعم، وبَجِيلة، فيه نُصُب تُعْبَد، يقال له: الكعبة، قال: فأتاها، فحرّقها بالنار، وكسرها، قال: ولمّا قَدِم جرير اليمن، كان بها رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له: إن رسول رسول الله - ﷺ - ها هنا، فإن قَدَر عليك ضرب عنقك، قال: فبينما هو يضرب بها؛ إذ وقف عليه جرير، فقال: لتكسرنّها، ولتشهدن أن لا إله إلا الله، أو لأضربنّ عنقك، قال: فكسرها، وشَهِد، ثم بعث جرير رجلًا من أحمس، يكنى أبا أرطأة إلى النبيّ - ﷺ - يبشّره بذلك، فلما أتى النبيّ - ﷺ - قال: يا رسول الله - ﷺ -، والذي بعثك بالحقّ ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال: فَبَرّك النبيّ - ﷺ - على خيل أحمس، ورجالها، خمس مرات. انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٠) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -) هو: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، القرشيّ الهاشميّ، أبو العباس، ابن عمّ رسول الله - ﷺ - أمه أم الفضل، لبابة بنت الحارث الهلالية، وُلد وبنو هاشم بالشِّعْب قبل الهجرة بثلاث، وقيل: بخمس، والأول أثبت، وهو يقارب ما في «الصحيحين» عنه: «أقبلت، وأنا راكب على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، والنبيّ - ﷺ - يصلي بمنى إلى غير جدار. . .» الحديث، وفي «الصحيح» عن ابن عباس: «قُبِض النبيّ - ﷺ -، وأنا خَتين»، وفي رواية: «وكانوا لا يختنون الرجل حتى يُدرك»، وفي طريق أخرى: «قُبض وأنا ابن عشر سنين»، وهذا محمول على إلغاء الكسر. وروى الترمذيّ من طريق ليث، عن أبي جهضم، عن ابن عباس؛ أنه رأى جبرائيل -﵇- مرتين. وفي «الصحيح» عنه: «أن النبيّ - ﷺ - ضمّه إليه، وقال: اللَّهُمَّ علِّمه الحكمة»، وكان يقال له: حبر العرب، ويقال: إن الذي لقّبه بذلك جرجير ملِك المغرب، وكان قد غزا مع عبد الله بن أبي سرح إفريقية، فتكلم مع جرجير، فقال له: ما ينبغي إلا أن تكون حبر العرب، ذكر ذلك ابن دريد في «الأخبار المنثورة» له. وقال الواقديّ: لا خلاف عند أئمتنا أنه وُلد بالشِّعب حين حَصَرت قريشٌ بني هاشم، وإنه كان له عند موت النبيّ - ﷺ - ثلاث عشرة سنةً. وروى أبو الحسن المدائني عن سُحيم بن حفص، عن أبي بكرة قال: قَدِم علينا ابن عباس البصرة، وما في العرب مثله جسمًا وعلمًا وثيابًا وجمالًا وكمالًا. قال ابن يونس: غزا إفريقية مع عبد الله بن سعد سنة سبع وعشرين، وقال ابن منده: كان أبيض طويلًا مُشَرَّبًا صفرة، جسيمًا، وَسِيمًا، صَبيح الوجه، له وَفْرة، يخضب بالحناء. وساق الزبير بن بكّار بسند له إلى موسى بن عقبة، عن مجاهد أن ابن عباس مات بالطائف، فصلى عليه ابن الحنفية، فجاء طائر أبيض، فدخل في أكفانه، فما خرج منها، فلما سُوِّي عليه التراب قال ابن الحنفية: مات والله اليوم حبر هذه الأمة. وأخرج يعقوب بن سفيان، من طريق عبد الله بن يامين، أخبرني أبي، أنه لمّا مُرّ بجنازة عبد الله بن عباس جاء طائر أبيض، يقال له الغرنوق، فدخل في النعش، فلم يُرَ بعدُ، وأخرج ابن سعد، من طريق يعلى بن عطاء، عن بجير بن عبد الله قال: لمَّا خرج نعش ابن عباس جاء طائر أبيض، عظيم من قِبَل وَجّ حتى خالط أكفانه، فلم يُدر أين ذهب؟ فكانوا يَرَوْن أنه عِلمه. وقال الحسن بن عرفة في «جزئه»: حدّثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: مات ابن عباس بالطائف، فشهدت جنازته، فجاء طائر أبيض، لم يُرَ على خِلقته، فدخل في نعشه، ولم يُرَ خارجًا منه، فلما دُفِن تُليت هذه الآية: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] إلى آخر السورة. وفي وفاته أقوال: سنة خمس وستين، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وهو الصحيح في قول الجمهور. وقال المدائنيّ عن حفص بن ميمون، عن أبيه: تُوُفِّي عبد الله بن عباس في الطائف، فجاء طائر أبيض، فدخل بين النعش والسرير، فلمّا وُضع في قبره سمعنا تاليًا يتلو: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾ الآية، واتفقوا على أنه مات بالطائف سنة ثمان وستين، واختلفوا في سنّه، فقيل: ابن إحدى وسبعين، وقيل: ابن اثنتين، وقيل: ابن أربع، والأول هو الأقوى، ذَكَره في «الإصابة» . وقال القرطبيّ -﵀-: هو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب بن هاشم، يُكنى: أبا العباس. وُلد في الشِّعب، وبنو هاشم محصورون فيه، قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، واختُلِف في سِنِّه، يوم موت النبيّ - ﷺ -، فقيل: عشر سنين، وقيل: خمس عشرة، رواه سعيد بن جبير عنه، وقيل: كان ابن ثلاث عشرة سنة، وقال ابن عباس: إنه كان في حجَّة الوداع قد ناهز الاحتلام، ومات عبد الله بالطائف سنة ثمان وستين، في أيام ابن الزبير؛ لأنَّه أخرجه من مكة، وتُوُفِّي ابن عباس، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: ابن إحدى وسبعين، وقيل: ابن أربع وسبعين، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، وقال: اليوم مات ربانيّ هذه الأمة، وضَرب على قبره فسطاطًا ، ويروى عن مجاهد عنه أنه قال: رأيت جبريل عند النبيّ - ﷺ - مرتين، ودعا لي رسول الله - ﷺ - بالحكمة مرتين، وقال ابن مسعود - ﵁ - فيه: نِعم تُرجمان القرآن ابن عباس، وكان عمر - ﵁ - يقول: فتى الكهول، لسان سَؤول، وقلب عَقول، وقال مسروق: كنتُ إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا تكلَّم قلت: أفصح الناس، وإذا تحدَّث قلت: أعلم الناس، وكان يُسمى البحر: لغزارة علمه، والحبر: لاتساع حفظه، ونفوذ فهمه، وكان عمر - ﵁ - يقرّبه، ويُدنيه؛ لجودة فهمه، وحسن تأتِّيه. وجملة ما رَوَى عن رسول الله - ﷺ - ألف حديث وستمئة وستين ، أُخرج
مصادر المؤلف (٢٠)

١. «اللباب في تهذيب الأنساب»١/ ١٢١.

٢. «عمدة القاري»١٤/ ٢٦٩.

٣. هكذا نسخة«الفتح»: والظاهر أن فيه سقطًا، مثل: منهم جرير بن عبد الله، أو نحو ذلك، فليُحرّر.

٤. «الفتح»٩/ ٤٩٤، كتاب«المغازي»رقم (٤٣٥٥).

٥. «الفتح» ٩/ ٤٩٤، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٥٥).

٦. «عمدة القاري» ١٤/ ٢٦٩.

٧. «الفتح» ٩/ ٤٩٤، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٥٥).

٨. «شرح النوويّ» ١٦/ ٣٦.

٩. «الفتح» ٩/ ٤٩٤، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٥٥).

١٠. «الفتح» ٩/ ٤٩٧، كتاب، (المغازي«رقم (٤٣٥٥).

١١. «الفتح»٩/ ٤٩٧، كتاب«المغازي» رقم (٤٣٥٥).

١٢. «عمدة القاري» ١٨/ ١١.

١٣. شرح النوويّ» ١٦/ ٣٧.

١٤. «مصنف ابن أبي شيبة» ٦/ ٤٨٦.

١٥. «صحيح البخاريّ» ٥/ ٢٣٣٣.

١٦. «المعجم الكبير» للطبرانيّ ٢/ ٣٠٠.

١٧. «صحيح البخاريّ» ٤/ ١٥٨٣.

١٨. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٤/ ١٤١ - ١٥١.

١٩. قال الجامع: هذا ما أظنه صحيحًا؛ لأن ابن الحنفيّة كان من أهل العلم، وضَرْب الفسطاط على القبر مُحْدَث، ليس من الشريعة، بل هو مخالف لِمَا جاء به النبيّ - ﷺ -، فليُتنبّه.

٢٠. ذُكر أن لابن عبّاس - ﵄ - في «مسند بقيّ بن مخلد» (١٦٩٦) حديثًا.