HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٧٧

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ. قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ. قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عباس؛ أن النبي ﷺ أَتَى الْخَلَاءَ. فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا. فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ «مَنْ وَضَعَ هَذَا؟» - فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ قَالُوا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ - قُلْتُ: ابْنُ عباس. قال «اللهم! فقهه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص158
ج ٤ ص ١٩٢٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص٤٣١
له في «الصحيحين» مائتا حديث وأربعة وثلاثون حديثًا. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٤٨] (٢٤٧٧) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْر، قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ أَبِي يَزِيدَ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَتَى الْخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هَذَا؟»، فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: قَالُوا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: قُلْتُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ) بن أبي النضر البغداديّ، وقد يُنسب لجدّه، اسمه وكنيته واحد، وقيل: اسمه محمد، وقيل: أحمد، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. [تنبيه]: قال النوويّ -﵀-: قوله: «وأبو بكر بن النضر» هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا: «أبو بكر بن النضر»، وكذا نقله القاضي عن جمهور رواة «صحيح مسلم»، وفي نسخة العذريّ: «أبو بكر بن أبي النضر»، قال: وكلاهما صحيح، هو أبو بكر بن النضر بن أبي النضر هاشم بن القاسم، سماه الحاكم «أحمد»، وسمّاه الكلاباذي «محمدًا»، هذا ما ذكره القاضي، وقال النوويّ: وممن قال اسمه أحمد: عبد الله بن أحمد الدَّورقيّ، وقال السرّاج: سألته عن اسمه، فقال: اسمي كنيتي، وهذا هو الأشهر، ولم يذكر الحاكم أبو أحمد في كتابه «الكنى» غيره، والمشهور فيه أبو بكر بن أبي النضر. انتهى . ٣ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، أبو النضر، مشهور بكنيته، ولقبُهُ قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله ثلاث وسبعون سنةً (ع) تقدم في المقدمة«٦/ ٣٦. ٤ - (وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ) أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوق، في حديثه عن منصور لِينٌ [٧] (ع) تقدم في«الصلاة»٣١/ ٩٩٩. [تنبيه]: قوله: (الْيَشْكُرِيُّ) بفتح الياء، وسكون الشين، وضمّ الكاف، بعدها راء: نسبة إلى يشكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة، وهو أخو بكر وتغلب ابني وائل، وقيل: هو يشكر بن بكر بن وائل، وهو أصحّ، قاله ابن الكلبيّ، وأبو عبيدة، والمبرد . ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ) المكيّ، مولى آل قارظ بن شيبة، ثقةٌ، كثير الحديث [٤] (ت ١٢٦) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في «الصيام» ٢١/ ٢٦٦٢. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر - ﵄ -، تقدّم قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع، وفيه ابن عبّاس - ﵄ - حبر الأمة، وبحرها، وقد سبق القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَن وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ الْيَشْكُرِيِّ)، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ أَبِي يَزيدَ) المكيِّ، لا يُعرف اسم أبيه، (يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أتى الْخَلَاءَ) وفي رواية البخاريّ: «دخل الخلاء»، و«الخلاء» بالمدّ: حقيقته المكان الخالي، ثم استعمل في المكان المعدّ لقضاء الحاجة مجازًا، قاله في «الفتح» . وقال الفيّوميّ -﵀-: الخلاء بالمدّ مثلُ الفضاء، والْخَلَاءُ أيضًا: الْمُتوضَّأُ. انتهى . (فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا) بفتح الواو؛ أي: ماءً ليتوضّأ به، وقيل: يَحتمل أن يكون ناوله إياه ليستنجي به، وفيه نَظَر، قاله في «الفتح» . (فَلَمَّا خَرَجَ) من الخلاء (قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هَذَا؟») «من» استفهاميَّة؛ أي: أي شخص وضع هذا الماء؛ (فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ)؛ أي: ابن حرب شيخه الأول، (قَالُوا)؛ أي: الناس الحاضرون عند السؤال، وفي رواية أحمد، وابن حبان من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس أن ميمونة هي التي أخبرته بذلك، وأن ذلك كان في بيتها ليلًا، ولعل ذلك كان في الليلة التي بات ابن عباس فيها عندها؛ ليرى صلاة النبيّ - ﷺ -، كما سبق في موضعه. وقد أخرج أحمد من طريق عمرو بن دينار، عن كريب، عن ابن عباس في قيامه خلف النبيّ - ﷺ - في صلاة الليل، وفيه: «فقال لي: ما بالك أجعلك حِذائي، فتَخْلُفني؟ فقلت: أوَ ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك، وأنت رسول الله - ﷺ -؟ فدعا لي أن يزيدني الله فهمًا وعلمًا» . (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ)؛ أي: ابن النضر شيخه الثاني، (قُلْتُ) ففيه أن جواب السؤال لابن عبّاس، وقوله: (ابْنُ عَبَّاسٍ) فاعل لفعل مقدّر دلّ عليه السؤال؛ أي: وَضَعه ابن عبّاس، وعلى رواية «قلت» يكون فيه التفات؛ إذ الأصل أن يقول: «أنا». (قَالَ) - ﷺ -: («اللَّهُمَّ فَفهْهُ») زاد في رواية البخاريّ: «في الدين»، وفي رواية للبخاريّ: «اللَّهُمَّ علّمه الكتاب»، والمراد بالكتاب: القرآن؛ لأن العُرف الشرعيّ عليه، والمراد بالتعليم ما هو أعمّ من حِفظه، والتفهم فيه. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «اللَّهُمَّ فقهه» هنا انتهى حديث مسلم، وقال البخاري: «اللَّهُمَّ فقِّهه في الدين»، وفي رواية قال: «ضمّني رسول الله - ﷺ -، وقال: اللَّهُمَّ علّمه الكتاب»، قال أبو عمر: وفي بعض الروايات: «اللهُمَّ فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل»، قال: وفي حديث آخر: «اللَّهُمَّ بارك فيه، وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين»، وفي حديث آخر: «اللَّهُمَّ زده علمًا، وفقهًا»، قال: وكلها حديث صحيح. انتهى . وقال في «الفتح»: ووقع في رواية مسدّد: «الحكمة» بدل «الكتاب»، وذَكَر الإسماعيلي أن ذلك هو الثابت في الطرُق كلها، عن خالد الحذّاء، قال الحافظ: كذا قال، وفيه نظرٌ؛ لأن البخاريّ أخرجه أيضًا من حديث وُهيب، عن خالد بلفظ: «الكتاب» أيضًا، فيُحْمَل على أن المراد بالحكمة أيضًا: القرآن، فيكون بعضهم رواه بالمعنى. وللنسائيّ، والترمذيّ من طريق عطاء، عن ابن عباس، «قال: دعا لي رسول الله - ﷺ - أن أوتي الحكمة مرتين»، فيَحْتَمِل تعدّد الواقعة، فيكون المراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة: السُّنَّة، ويؤيده أن في رواية عبيد الله بن أبي يزيد التي قدّمناها عند الشيخين: «اللَّهُمَّ فقّهه في الدين»، لكن لم يقع عند مسلم: «في الدين». وذكر الحميديّ في الجمع أن أبا مسعود ذَكَره في «أطراف الصحيحين» بلفظ: «اللَّهُمَّ فقّهه في الدّين، وعلمه التأويل»، قال الحميديّ: وهذه الزيادة ليست في «الصحيحين». قال الحافظ: وهو كما قال، نَعَم هي في رواية سعيد بن جبير التي قدّمناها عند أحمد، وابن حبان، والطبرانيّ، ورواها ابن سعد من وجه آخر، عن عكرمة مرسلًا. وأخرج البغويّ في «معجم الصحابة» من طريق زيد بن أسلم، عن ابن عمر: «كان عمر يدعو ابن عباس، وبقرّبه، وبقول: إني رأيت رسول الله - ﷺ - دعاك يومًا، فمسح رأسك، وقال: اللَّهُمَّ فقّهه في الدِّين، وعلّمه التأويل». [تنبيه]: ووقع في بعض نُسخ ابن ماجه من طريق عبد الوهاب الثقفيّ، عن خالد الحذاء، في حديث الباب، بلفظ: «اللَّهُمَّ علِّمه الحكمة، وتأويل الكتاب»، وهذه الزيادة مستغربة من هذا الوجه، فقد رواه الترمذيّ، والإسماعيليّ، وغيرهما من طريق عبد الوهاب بدونها، قال الحافظ: وقد وجدتها عند ابن سعد من وجه آخر، عن طاوس، عن ابن عباس: «قال: دعاني رسول الله - ﷺ -، فمسح على ناصيتي، وقال: اللَّهُمَّ علّمه الحكمة، وتأويل الكتاب»، وقد رواه أحمد عن هشيم، عن خالد، في حديث الباب، بلفظ: «مسح على رأسي»، قاله في «الفتح» . وقال في «الفتح» أيضًا في موضع آخر: هذه اللفظة اشتَهَرت على الألسنة: «اللَّهُمَّ فقِّهه في الدين، وعلّمه التأويل» حتى نَسَبها بعضهم لـ «الصحيحين»، ولم يُصِب، والحديث عند أحمد بهذا اللفظ، من طريق ابن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعند الطبراني من وجهين آخرين، وأوله في هذا «الصحيح» من طريق عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس دون قوله: «وعلّمه التأويل»، وأخرجها البزار، من طريق شعيب بن بشر، عن عكرمة، بلفظ: «اللَّهُمَّ علِّمه تأويل القرآن»، وعند أحمد من وجه آخر، عن عكرمة: «اللَّهُمَّ أعط ابن عباس الحكمة، وعلّمه التأويل». انتهى . [تنبيه آخر]: اختَلَف الشرّاح في المراد بالحكمة هنا، فقيل: القرآن كما تقدم، وقيل: العمل به، وقيل: السُّنَّة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخشية، وقيل: الفهم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرَّق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سُرعة الجواب مع الإصابة، وبعض هذه الأقوال ذَكَرها بعض أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، والأقرب أن المراد بها في حديث ابن عباس: الفهم في القرآن، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٦٣٤٨] (٢٤٧٧)، و(البخاريّ) في «العلم» (٧٥) و«الوضوء» (١٤٣) و«فضائل الصحابة» (٣٧٥٦) و«الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» (٧٢٧٠)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٨٢٣)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (١٦٦)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٥١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٣٨٣)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢١٤ و٢٦٩ و٣٥٩) وفي «فضائل الصحابة» (١٨٣٥ و١٨٨٣ و١٩٢٣)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٤/ ٢٣٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٠٥٣ و٧٠٥٤ و٧٠٥٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤/ ٤٢٧)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٠٥٨٨ و١١٥٣١)، و(يعقوب بن سفيان) في «المعرفة» (١/ ٥١٨)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٢/ ٣٦٥)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٦١٥)، و(الضياء) في «المختارة» (١٠/ ١٦٩ و١٧٠ و٢٢٢ و٢٢٣)، و(ابن أبي عاصم) في «الآحاد والمثاني» (١/ ٢٨٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل حبر الأمة، وبحرها، عبد الله بن عبّاس - ﵄ -. ٢ - (ومنها): أن هذه الدعوة مما تَحقَّق إجابة النبيّ - ﷺ - فيها؛ لِمَا عُلم من حال ابن عباس في معرفة التفسير، والفقه في الدين - ﵁ - ، فقد كان ابن عباس - ﵄ - من أعلم الصحابة - ﵃ - بتفسير القرآن، وروى يعقوب بن سفيان في «تاريخه» بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل، وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، وروى هذه الزيادة ابن سعد من وجه آخر عن عبد الله بن مسعود، وروى أبو زرعة الدمشقيّ في «تاريخه» عن ابن عمر قال: هو أعلم الناس بما أنزل الله على محمد - ﷺ -، وأخرج ابن أبي خيثمة نحوه بإسناد حسن. وروى يعقوب أيضًا بإسناد صحيح عن أبي وائل، قال: قرأ ابن عباس «سورة النور»، ثم جعل يفسّرها، فقال رجل: لو سمعت هذا الديلم لأسلمت، ورواه أبو نعيم في «الحلية» من وجه آخر بلفظ: «سورة البقرة»، وزاد أنه كان على الموسم؛ يعني: سنة خمس وثلاثين، كان عثمان أرسله لَمّا حُصِر، ذَكَره في «الفتح» . وقال القرطبيّ -﵀-: قد ظهرت عليه بركات هذه الدَّعوات، فاشتهرت علومه، وفضائله، وعمَّت خيراته، وفواضله، فارتحل طلاب العلم إليه، وازدحموا عليه، ورجعوا عند اختلافهم لقوله، وعوَّلوا على نَظَره، ورأيه. قال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجًّا معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يَطلب العلم. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسًا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس: الحلال، والحرام، والعربية، والأنساب، والشعر. وقال عبيد الله بن عبد الله: ما رأيت أحدًا كان أعلم بالسُّنَّة، ولا أجلّ رأيًا، ولا أثقب نظرًا من ابن عباس - ﵄ -، ولقد كان عمر - ﵁ - يُعِدّه للمعضِلات، مع اجتهاد عمر، ونَظَره للمسلمين، وكان قد عَمِي في آخر عمره، فأنشد في ذلك [من البسيط]: إِنْ يَأْخُذِ اللَّهُ مِنْ عَيْنيَّ نُورَهُمَا … فَفِي لِسَانِي وَقَلْبِي مِنْهُمَا نُورُ قَلْبِي ذَكِيٌّ وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ … وَفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيفِ مَأْثُورُ ورُوي أن طائرًا أبيض خرج من قبره، فتأوَّلوه: عِلْمه خرج إلى الناس، ويقال: بل دخل قبره طائرٌ أبيض، فقيل: إنه بصره في التأويل، وقال أبو الزبير: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائرٌ أبيض فدخل في نعشه حين حُمِل، فما رؤي خارجًا منه، وفضائله أكثر من أن تحصى. انتهى . ٣ - (ومنها): بيان فضل العلم، والحضّ على تعلّمه، وعلى حفظ القرآن، والدعاء بذلك. ٤ - (ومنها): استحباب خدمة الأكابر، والتعرّض لنيل دعواتهم؛ لأن ابن عبّاس - ﵄ - حصل له ذلك الفضل بسبب خدمة النبيّ - ﷺ -. ٥ - (ومنها): استحباب الدعاء لمن عَمِل عملًا خيرًا مع الإنسان. ٦ - (ومنها): استحباب الدعاء لمن نبغ من طلاب العلم؛ حضًّا له، وترغيبًا لغيره، كي يقتدوا به في النبوغ، والفطنة. ٧ - جواز ضمّ الطفل محبّةً وشفقةً، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣١) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ -) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نُفيل القرشيّ العدويّ، أبو عبد الرحمن، أمه زينب بنت مظعون الجمحية، وُلد سنة ثلاث من المبعث النبويّ، فيما جزم به الزبير بن بكار، قال: هاجر وهو ابن عشر سنين، وكذا قال الواقديّ، حيث قال: مات سنة أربع وثمانين، وقال ابن منده: كان ابن إحدى عشرة ونصف، ونقل الهيثم بن عديّ عن مالك أنه مات، وله سبع وثمانون سنة، فعلى هذا كان له في الهجرة ثلاث عشرة، وقد ثبت عنه أنه كان له يوم بدر ثلاث عشرة، وبدر كانت في السنة الثانية، وأسلم مع أبيه، وهاجر، وعُرِض على النبيّ - ﷺ - ببدر، فاستصغره، ثم بأُحُد فكذلك، ثم بالخندق، فأجازه، وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنةً، كما ثبت في «الصحيح»، وقال البغويّ: أسلم مع أبيه، ولم يكن بلغ يومئذ، وأخرج من طريق أبي إسحاق: رأيت ابن عمر في السعي بين الصفا والمروه، فإذا رجل ضخم، آدم، وهو من المكثرين عن النبيّ - ﷺ -، وروى أيضًا عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأبي ذرّ، ومعاذ، وعائشة، وغيرهم، وروى عنه من الصحابة، ومن كبار التابعين جمّ غفير. وأخرج أبو سعيد بن الأعرابي بسند صحيح، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر: ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا مالت به، ومال بها غير عبد الله بن عمر. وفي تاريخ أبي العباس السراج بسند حسن، عن السديّ: رأيت نفرًا من الصحابة كانوا يَرَوْن أنه ليس أحد فيهم على الحالة التي فارق عليها النبيّ - ﷺ - إلا ابن عمر، وفي «الشُّعب» للبيهقيّ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: مات ابن عمر وهو مِثل عمر في الفضل. وأخرج السراج في «تاريخه»، وأبو نعيم من طريقه، بسند صحيح، عن ميمون بن مِهْران قال: مَرّ أصحاب نجدة الحروري بإبل لابن عمر، فاستاقوها، فجاء الراعي، فقال: يا أبا عبد الرحمن احتسب الإبل، وأخبره الخبر، قال: فكيف تركوك؟ قال: انفلتُّ منهم؛ لأنك أحب إلي منهم، فاستحلفه، فحلف، فقال: إني أحتسبك معها، فأعتقه، فقيل له بعد ذلك: هل لك في ناقتك الفلانية تباع في السوق؟ فأراد أن يذهب إليها، ثم قال: قد كنت احتسبت الإبل، فلأيّ معنى أطلب الناقة. وأخرج البيهقيّ من طريق عاصم بن محمد العمريّ، عن أبيه، قال: أَعْطَى عبدُ الله بن جعفر في نافع لعبد الله بن عمر عشرة آلاف درهم، أوألف دينار، فقيل له: ماذا تنظر؟ قال: فهلّا ما هو خير من ذلك؟ هو حرّ. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، قال: ما لعن ابن عمر خادمًا قط، إلا واحدًا، فأعتقه. وقال الزبير بن بكار: وكان ابن عمر يحفظ ما سمع من رسول الله - ﷺ -، ويسأل من حضر إذا غاب عن قوله، وفِعله، وكان يتّبع آثاره في كل مسجد صلى فيه، وكان يَعترض براحلته في طريق رأى رسول الله - ﷺ - عَرَض ناقته، وكان لا يترك الحجّ، وكان إذا وقف بعرفة يقف في الموقف الذي وقف فيه رسول الله - ﷺ -. وأخرج البغويّ من طريق محمد بن بشر، حدّثنا خالد، حدّثنا سعيد، وهو أخو إسحاق بن سعيد، عن أبيه: ما رأيت أحدًا كان أشدّ اتقاء للحديث عن رسول الله - ﷺ - من ابن عمر. ومن طريق ابن جريج، عن مجاهد، صحبت ابن عمر إلى المدينة، فما سمعته يحدّث عن النبيّ - ﷺ - إلا حديثًا واحدًا. وفي الزهد للبيهقيّ بسند صحيح عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، سمعت أبي يقول: ما ذكر ابن عمر رسول الله - ﷺ - إلا بكى، ولا مرّ على رُبعهم إلا غمض عينيه. وأخرجه الدارميّ من هذا الوجه في تاريخ أبي العباس السرّاج بسند جيّد عن نافع: كان ابن عمر إذا قرأ هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] يبكي حتى يغلبه البكاء. وعند ابن سعد بسند صحيح قيل لنافع: ما كان ابن عمر يصنع في منزلة؟ قال: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما. وعند البيهقي من طريق زيد بن أسلم: مَرّ ابن عمر براعٍ، فقال: هل من جزرة؟ قال: ليس هاهنا ربها، قال: تقول له: إن الذئب أكلها، قال: فاتق الله، فاشترى ابن عمر الراعي، والغنم، وأعتقه، ووهبها له. قال البخاريّ في «التاريخ»: حدّثني الأويسيّ، حدّثني مالك؛ أن ابن عمر بلغ سبعًا وثمانين سنةً، وقال غير مالك: عاش أربعًا وثمانين، والأول أثبت، وقال ضمرة بن ربيعة في «تاريخه»: مات سنة اثنتين، أو ثلاث وسبعين، وجزم مرة بثلاث، وكذا أبو نعيم، ويحيى بن بكير، والجمهور، وزاد بعضهم: في ذي الحجة، وقال الفلاس مرة: سنة أربع، وبه جزم خليفة، وسعيد بن جبير، وابن زبر . وقال القرطبيّ ﵀: وروى ابن وهب عن مالك قال: بلغ عبد الله بن عمر ستًّا وثمانين سنة، وأفتى في الإسلام ستين سنة، ونَشَر نافعٌ عنه علمًا جمًّا، وروى ابن الماجشون أن مروان بن الحكم دخل في نفر على عبد الله بن عمر بعدما قُتل عثمان - ﵁ -، فعزموا عليه أن يبايعوه. قال: كيف لي بالناس؟ قال: تقاتِلهم، فقال: والله! لو اجتمع عليّ أهل الأرض إلا أهل فَدَك، ما قاتلتهم، قال: فخرجوا من عنده، ومروان يقول [من البسيط]: إني أرى فِتنَةً تَغلي مَرَاجِلُها … والمُلكُ بَعدَ أَبي لَيْلَى لِمَن غَلَبا مات ابن عمر بمكة سنة ثلاث وسبعين، وذلك بعد قَتْل ابن الزبير بثلاثة أشهر، أو نحوها، وقيل: ستة أشهر، ودُفن بذي طُوى في مقبرة المهاجرين، وكان سبب موته أن الحجاج أمر رجلًا، فسمَّ زُجَّ رُمْحِهِ فزحمه، فوضع الزجَّ في ظهر قَدَمه، فمَرِض منها، فمات رحمه الله تعالى، حكاه أبو عمر. وجملة ما روى عن رسول الله - ﷺ - ألفا حديث، وستمئة وثلاثون حديثًا، أُخرج له منها في «الصحيحين» مائة حديث وثمانون. انتهى .
مصادر المؤلف (١٦)

١. «المفهم»٦/ ٤٥٥ - ٤٠٦.

٢. «شرح النوويّ» ١٦/ ٣٧.

٣. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٣/ ٤١٣.

٤. «الفتح» ١/ ٤٢٣.

٥. «المصباح المنير» ١/ ١٨١.

٦. «الفتح» ١/ ٤٢٣، كتاب «الوضوء» رقم (١٤٣).

٧. «الفتح» ١/ ٤٢٣.

٨. «المفهم» ٦/ ٤٠٦.

٩. «الفتح» ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠، كتاب «العلم» رقم (٧٥).

١٠. «الفتح» ٨/ ٤٦٦ - ٤٦٧، كتاب «فضائل أصحاب النبيّ - ﷺ -» رقم (٣٧٥٦).

١١. «الفتح» ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠، كتاب «العلم» رقم (٧٥).

١٢. «الفتح» ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠، كتاب «العلم» رقم (٧٥).

١٣. «الفتح» ٨/ ٤٦٦ - ٤٦٧، كتاب «فضائل أصحاب النبيّ - ﷺ -» رقم (٣٧٥٦).

١٤. «المفهم» ٦/ ٤٠٦ - ٤٠٧.

١٥. «الإصابة في تمييز الصحابة» ٤/ ١٨١ - ١٨٧.

١٦. «المفهم» ٦/ ٤٠٨.