HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٧٩

حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد (واللفظ لعبد) قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذَا رَأَى رُؤْيَا، قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا عَزَبًا. وَكُنْتُ أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ. فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ. وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ كَقَرْنَيِ الْبِئْرِ. وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ. فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ. أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ. أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ. قَالَ فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ. فَقَصَصْتُهَا على حفصة. فقصتها على رسول الله ﷺ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «نَعَمْ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ! لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ». قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ، بَعْدَ ذَلِكَ، لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص158
ج ٤ ص ١٩٢٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٦٧
[٧٣٣] وفي حديث ابن عمر فضل صلاة الليل، وفضل ابن عمر ﵁؛ إذ أثنى عليه النبي ﷺ بالصلاح، وفيه إباحة النوم في المسجد، وفيه تحقيق الرؤيا إذا كانت صادقة. ومن باب فضل أنس ﵁ -
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص٤٤٣
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٦٣٤٩] (٢٤٧٨)، و(البخاريّ) في «التهجّد» (١١٥٦ و١١٥٧) و«التعبير» (٧٠١٥ و٧٠١٦)، و(الترمذيّ) في «المناقب» (٣٨٢٥)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٨٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٠٧٢)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٢/ ٤٨٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٥٠] (٢٤٧٩) - (حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ - قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا، أقصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا، عَزَبًا، وَكُنْتُ أنامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنًّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي، فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّار، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْر، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ كَقَرْنَيِ الْبِئْر، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أقولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّار، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّار، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّار، قَالَ: فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ، فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ الله، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ»، قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، كان يُشبَّه بأبيه في الهدي والسَّمْت، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٢. و«ابْنُ عُمَرَ» - ﵄ - ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر - ﵄ -، وقد مرّ القول فيه. شرح الحديث: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم، (عَنْ سَالِمِ) بن عبد الله، (عَنْ) أبيه عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ -؛ أنه (قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ) اللام للجنس، ولا مفهوم له، وإنما ذُكر للغالب، قاله في «الفتح»، وقال في «العمدة»: الألف واللام فيه لا تصلح أن تكون للعهد، على ما لا يخفى، بل هي للجنس. انتهى . (فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذَا رَأَى رُؤْيَا) بضمّ الراء، وسكون الهمزة على وزن فُعْلَى: مصدر رأى في منامه، وهو غير منصرف لألف التأنيث ، وقال في «العمدة»: قوله: «رؤيا» على وزن فُعْلى بالضم، بلا تنوين، وهو يختص بالمنام، كما أن الرَّأْيَ يختص بالقلب، والرؤية تختص بالعين. انتهى . (قَصَّهَا)؛ أي: حدّث بها، يقال: قصّ الخبر قصًّا، من باب نَصرَ: حدّث به على وجهه، والاسم: القَصَصُ بفتحتين . وقال في «العمدة»: قوله: «قصها» مِن قصصت الرؤيا على فلان: إذا أخبرته بها، وأقصها قَصًّا، والقص: البيان. انتهى . (عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا) زاد في رواية للبخاريّ: «فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء»، ويؤخذ منه أن الرؤيا المصالحة تدلّ على خير رائيها . قوله: (كأن ملكين) لم أقف على تسميتهما. (أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ) ابن عمر - ﵄ -: (وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا، عَزَبًا) بفتحتين؛ أي: لا زوجة له، قال الفيّوميّ ﵀: عَزَبَ الرجلُ يَعْزُبُ، من باب قتل عُزْبَةً، وزانُ غُرْفَة، وعُزُوبَةً: إذا لم يكن له أهل، فهو عَزَبٌ بفتحتين، وامرأة عَزَبٌ أيضًا كذلك، قال الشاعر [من الرجز]: يَا مَنْ يَدُلُّ عَزَبًا عَلَى عَزَبْ … عَلَى ابْنَةِ الحُمَارِسِ الشَّيْخِ الأَزَبْ وجَمْع الرجل عُزَّابٌ باعتبار بنائه الأصليّ، وهو عَازِبٌ، مثلُ كافر وكفار، قال أبو حاتم: ولا يقال: رجل أَعْزَبُ، قال الأزهريّ: وأجازه غيره، وقياس قول الأزهريّ أن يقال: امرأة عَزْبَاءُ، مثل أحمر وحمراء. انتهى . (وَكُنْتُ أَنَامُ في الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية نافع التالية: «قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِد، وَلَمْ يَكُنْ لِي أَهْلٌ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ. . .». قال القرطبيّ ﵀: قوله: «وكنت شابًا عزبًا أنام في المسجد» دليل على جواز النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك . [تنبيه]: أورد البخاريّ هذا الحديث في «التعبير» من «صحيحه» مطوّلًا، فقال: (٧٠٢٨) - حدّثني عبيد الله بن سعيد، حدّثنا عفان بن مسلم، حدّثنا صخر بن جُويرية، حدّثنا نافع؛ أن ابن عمر قال: إن رجالًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله - ﷺ -، فيقصّونها على رسول الله - ﷺ -، فيقول فيها رسول الله - ﷺ - ما شاء الله، وأنا غلام حديث السنّ، وبيتي المسجد، قبل أن أَنكِح، فقلت في نفسي: لو كان فيكَ خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء، فلما اضطجعت ليلةً قلت: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم فيّ خيرًا، فَأَرِنِي رؤيا، فبينما أنا كذلك؛ إذ جاءني مَلَكان، في يد كل واحد منهما مَقْمَعة من حديد، يُقبلان بي إلى جهنم، وأنا بينهما، أدعو الله: اللَّهُمَّ أعوذ بك من جهنم، ثم أُراني لقيني ملَك، في يده مِقْمَعة من حديد، فقال: لم تُرْعَ، نِعْم الرجل أنت، لو تُكْثِر الصلاة، فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، لها قرون كقرون البئر، بين كل قرنين مَلَك بيده مِقمعة من حديد، وأرى فيها رجالًا معلَّقين بالسلاسل، رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالًا من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على حفصة، فقصّتها حفصة على رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن عبد الله رجل صالح»، فقال نافع: لم يزل بعد ذلك يُكثر الصلاة. انتهى . (فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ) قال الحافظ: لم أقف على تسميتهما. (أَخَذَانِي، فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ). وفي رواية: «كأن اثنين أتياني، أرادا أن يذهبا بني إلى النار، فتلقّاهما ملَك، فقال: لن تُرَاعَ، خَلِّيا عنه»، وظاهر هذا أنهما لم يذهبا به، ويُجمع بينهما بحمل الثاني على إدخاله فيها، فالتقدير أن يذهبا بي إلى النار، فيدخلاني فيها، فلما نظرتها، فإذا هي مطوية، ورأيت من فيها، واستعذت، فلقِيَنَا مَلَكٌ آخرُ«، قاله في»الفتح«. (فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ)؛ أي: مبنيّة، والبئر قبل أن تُبنى تسمّى قَليبًا، قاله في«الفتح»، وقال في«العمدة»: كلمة«إذا» للمفاجأة، ومعنى مطوية: مبنية الجوانب، فإن لم تُبْنَ فهي القَلِيب. انتهى . (كَطَيِّ الْبِئْر، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ) قال النوويّ ﵀: القرنان: هما الخشبتان اللتان عليهما الْخَطّاف، وهي الحديدة التي في جانب البَكَرة، قاله ابن دُريد، وقال الخليل: هما ما يُبنى حول البئر، ويوضع عليه الخشبة التي يدور عليها الْمِحْوَر، وهي الحديدة التي تدور عليها الْبَكَرة. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: القرنان: منارتان تُبنيان على جانبي البئر، يُجعل عليهما الخشبة التي تُعَلَّق عليها البكرة، والبئر: المطوية بالحجارة، وهي الرسّ أيضًا، فإنْ لم تُطو: فهي القَلِيب والرّكِيّ . وقال في «الفتح»: هكذا للجمهور، وحَكَى الكرمانيّ أن في نسخة: «قرنين» فأعربها بالجرّ، أو بالنصب، على أن فيه شيئًا مضافًا، حُذف، وتُرِك المضاف إليه على ما كان عليه، وتقديره: فإذا لها مثل قرنين، وهو كقراءة من قرأ: «تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ» [الأنفال: ٦٧] بالجرّ؛ أي: يريد عرض الآخرة، أو ضُمِّن «إذا» المفاجأه معنى الوجدان؛ أي: فإذا بي وجدت لها قرنين. انتهى. والمراد بالقرنين هنا: خشبتان، أو بناءان تُمَدّ عليهما الخشبة العارضة التي تُعَلَّق فيها الحديدة التي فيها البَكَرة ، فإن كانا من بناء فهما القرنان، وإن كانا من خشب فهما الزرنوقان، بزاي منقوطة، قبل المهملة، ثم نون، ثم قاف، وقد يُطلق على الخشبة أيضًا القرنان. انتهى . وقال في «الفتح» في موضع آخر: «وقرون البئر» جوانبها التي تبنى من حجارة، توضع عليها الخشبة التي تُعَلّق فيها الْبَكَرَة والعادة أن لكل بئر قرنين . وقال في «العمدة»: قوله: «فإذا لها قرنان»؛ أي: جانبان، وقرنا الرأس: جانباه، ويقال: القرنان منارتان عن جانبي البئر، تُجعَل عليهما الخشبة التي تُعَلَّق عليها الْبَكَرة، قال الكرمانيّ: أو ضفيرتان، وفي بعضها «قرنين». فإن قلت: فما وجهه؛ إذ هو مُشْكِل؟ قلت: إما أن يقال: تقديره: فإذا لها مثل قرنين، فحُذف المضاف، وتُرك المضاف إليه على إعرابه، وهو كقراءة: «وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ» [الأنفال: ٦٧] بجرّ الآخرةِ؛ أي: عَرَض الآخرة، وإما أن يقال: «إذا» المفاجأة تتضمَّن معنى الوجدان، فكأنه قال: فإذا وَجَدت لها قرنين، كما يقول الكوفيون في قولهم: «كنت أظنّ العقرب أشدّ لَسْعًا من الزنبور، فإذا هو إياها» أن معناه: فماذا وجدته هو إياها. انتهى . (كَقَرْنَيِ الْبِئْر، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ) قال الحافظ: لم أقف على تسمية أحد منهم. (فَجَعَلْتُ أقولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّار، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّار، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّار، قَالَ) ابن عمر: (فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ، فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ) - بضم أوله، وفتح الراء، بعدها مهملة ساكنة -؛ أي: لم تُخَفْ، والمعنى: لا خوف عليك بعد هذا، قال الجوهريّ: يقال: لا تُرَع: معناه: لا تخف، ولا يلحقك خوف، وفي رواية الكشميهنيّ: «لن تراع»، وزاد فيه: «إنك رجل صالحٌ» ، قال الحافظ: قوله: «لن تراع»، هي رواية الجمهور بإثبات الألف، ووقع في رواية القابسيّ: «لن تُرَعْ»، بحذف الألف، قال ابن التين: وهي لغة قليلةٌ؛ أي: الجزم بـ «لَنْ» حتى قال القزاز: لا أعلم له شاهدًا. وتُعُقِّب بقول الشاعر [من الخفيف]: لَنْ يَخِبِ الآنَ مِنْ رَجَائِكَ مَنْ … حَرَّكَ مِنْ دُونِ بَابِكَ الْحَلَقَهْ وبقول الآخر [من الطويل]: وَلَنْ يَحْلُ لِلْعَيْنَيْنِ بَعْدَكَ مَنْظَرٌ وقال في «الفتح» أيضًا: قوله: «لم تُرَعْ»؛ أي: لم تُفْزَع، في رواية الكشميهنيّ: «لَن تُرَاعَ»، فعلى الأول ليس المراد أنه لم يقع له فزع، بل لمّا كان الذي فَزِع منه لم يستمرّ، فكأنه لم يفزع، وعلى الثانية فالمراد: أنك لا روع عليك بعد ذلك. قال ابن بطال: إنما قال له ذلك لِمَا رأى منه من الفزع، ووثق بذلك منه؛ لأن الملَك لا يقول إلا حقًّا. انتهى. ووقع عند ابن أبي شيبة من رواية جرير بن حازم، عن نافع: «فلقيه ملك، وهو يرعد، فقال: لم تُرَعْ»، ووقع عند كثير من الرواة: «لَن تُرَعْ» بحرف «لن» مع الجزم، ووجّهه ابن مالك بأنه سكّن العين للوقف، ثم شبّهه بسكون الجزم، فحَذف الألف قبله، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، ويجوز أن يكون جَزَمه بـ «لن»، وهي لغة قليلة، حكاها الكسائيّ. انتهى . (فَقَصَصْتُهَا)؛ أي: تلك الرؤيا التي رآها، (عَلَى حَفْصَةَ) بنت عمر - ﵃ -، وهي أم المؤمنين، شقيقة ابن عمر، (فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ) - ﵂ - (عَلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -) مشيرًا إلى تعبيرها، (نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (لَوْ كَانَ يُصَلِّي) «لو» هنا للتمني، لا للشرط، ولذلك لم يُذكر الجواب. قال القرطبيّ ﵀: وإنَّما فَهِمَ النبيّ - ﷺ - من رؤيا عبد الله للنار أنه ممدوح؛ لأنَّه عُرِض على النار، ثم عُوفي منها، وقيل له: لا روع عليك، وهذا إنما هو لصلاحه، وما هو عليه من الخير، غير أنه لم يكن يقوم من الليل؛ إذ لو كان ذلك ما عُرض على النار ولا رآها، ثم إنه حصل لعبد الله - ﵁ - من تلك الرؤيا يقين مشاهدة النار، والاحتراز منها، والتنبيه على أن قيام الليل مِمَّا يُتَّقى به النار، ولذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك - ﵁ - . وقال في «الفتح» - بعد ذِكر كلام القرطبيّ المذكور -: وأشار المهلَّب إلى أن السرّ في ذلك كون عبد الله كان ينام في المسجد، ومن حقّ المسجد أن يتعبَّد فيه، فُنبِّه على ذلك بالتخويف بالنار . (مِنَ اللَّيْلِ»)«من»هنا بمعنى«في»، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، ويَحْتَمِل أن تكون للتبعيض؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقوله: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قال ابن هشام ﵀: وعلامتها أمكان سدّ«بعض»مسدّها؛ كقراءة ابن مسعود - ﵁ -: (حتى تُنفقوا بعض ما تُحبُّون). انتهى . (قَالَ سَالِمٌ)؛ أي: ابن عبد الله الراوي عنه، (فَكَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر - ﵄ - (بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعدما قال له النبيّ - ﷺ -:«لو كان يصلّي من الليل»، (لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا) امتثالًا لأمْر النبيّ - ﷺ - له بذلك، فإن قوله:«لو كان يصلي من الليل»يتضمّن الأمر به، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٦٣٥٠ و٦٣٥١] (٢٤٧٩)، و(البخاريّ) في«التهجّد»(١١٢١ و١١٢٢ و١١٥٦) و«المساجد»(٤٤٠) و«فضائل الصحابة»(٣٨٣٨ و٣٨٣٩) و«التعبير»(٧٠٢٨ و٧٠٢٩ و٧٠٣٠ و٧٠٣١)، و(الترمذيّ) في«المناقب»(٣٨٢٥)، و(ابن ماجه) في«تعبير الرؤيا»(٣٩٦٦)، و(عبد الرّزّاق) في«مصنّفه»(١/ ٤٢٠)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ١٤٦)، و(الدارميّ) في«سننه»(٢/ ١٢٧)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٧٠٧٠)، و(ابن راهويه) في«مسنده»(٤/ ١٩٢)، و(ابن سعد) في«الطبقات»(٤/ ١٤٧)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٢/ ٥٠١)، و(ابن عساكر) في«تاريخه»(٣١/ ٩٩ و١٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصحابيّ الجليل عبد الله بن عمر - ﵄ -، فقد وَصَفه النبيّ - ﷺ - بأنه رجل صالح، والصالح من الأوصاف الشريفة؛ إذ معناه: من أدّى حقّ الحقّ للحقّ، وحقّ الخلق للخلق. ٢ - (ومنها): استحباب قصّ الرؤيا على النبيّ - ﷺ -؛ لأنها من الوحي، وهي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة، فقد ثبت في«الصحيحين»مرفوعًا:«الرؤيا المصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة». ٣ - (ومنها): جواز تمنّي الرؤيا المصالحة، لِيَعرِف صاحبها ما له عند الله، وتمني الخير، والعلم، والحرص عليه. ٤ - (ومنها): رؤية الملائكة في المنام، وتحذيرهم للرائي؛ لقوله:«فرأيت مَلَكين أخذاني». ٥ - (ومنها): أن فيه السترَ على مسلم، وتَرْك ذِكره باسمه، وذلك قوله:«وإذا فيها أناس قد عرفتهم»، إنما أَخبر بهم على الإجمال؛ ليزدجروا، وسكت عن بيانهم؛ لئلا يُغتابهم إن كانوا مسلمين، وليس ذلك مما يُختم عليهم بالنار، وإما أن يكون ذلك تحذيرًا، كما حُذِّر ابن عمر - ﵄ -. ٦ - (ومنها): أن فيه القصّ على المرأة، وفيه تبليغ حفصة، وفيه قبول خبر المرأة. ٧ - (ومنها): ما قاله ابن بطال ﵀: يؤخذ من الحديث الجزم بالشيء، وإن كان أصله الاستدلال؛ لأن ابن عمر - ﵄ - استدلّ علي أنهما مَلَكان بأنهما وقفاه على جهنم، ووعظاه بها، والشيطان لا يعظ، ولا يُذكِّر الخير. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكونا أخبراه بأنهما ملكان، أو اعتَمَدَ النبيُّ - ﷺ - لَمّا قصته عليه حفصة - ﵂ -، فاعتَمَد على ذلك . ٨ - (ومنها): ما قاله ابن بطال أيضًا: في هذا الحديث أن بعض الرؤيا لا يَحتاج إلى تعبير، وعلى أن ما فُسِّر في النوم فهو تفسيره في اليقظة؛ لأن النبيّ - ﷺ - لم يزد في تفسيرها على ما فسّرها الملَك. قال الحافظ: يشير إلى قوله - ﷺ - في آخر الحديث: «إن عبد الله رجل صالح»، وقول الملَك قبل ذلك: «نِعْم الرجل أنت، لو كنت تُكثر الصلاة»، وفي رواية: «قال له: لم تُرَعْ، إنك رجل صالح»، وفي رواية: أن النبيّ - ﷺ - قال: «إن عبد الله رجل صالح، لو كان يكثر الصلاة من الليل». ٩ - (ومنها): ما قاله أيضًا: وفيه وقوع الوعيد على ترك السنن، وجواز وقوع العذاب على ذلك. قال الحافظ: هو مشروط بالمواظبة على الترك رغبةً عنها، فالوعيد والتعذيب إنما يقع على المحرّم، وهو الترك بقيد. الأعراض. ١٠ - (ومنها): ما قاله أيضًا: وفيه أن أصل التعبير من قِبَل الأنبياء، ولذلك تمنى ابن عمر أنه يرى رؤيا، فيعبرها له النبيّ - ﷺ -؛ ليكون ذلك عنده أصلًا، قال: وقد صَرَّح الأشعريّ بأن أصل التعبير بالتوقيف من قبل الأنبياء، وعلى ألسنتهم، قال ابن بطال: وهو كما قال، لكن الوارد عن الأنبياء في ذلك، وإن كان أصلًا، فلا يعمّ جميع المرائي، فلا بدّ للحاذق في هذا الفنّ أن يستدل بحُسن نَظَره، فيردّ ما لم يُنَصّ عليه إلى حكم التمثيل، ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة، فيُجعل أصلًا يُلحق به غيره، كما يفعل الفقيه في فروع الفقه. ١١ - (ومنها): جواز المبيت في المسجد، قال في «العمدة»: فيه جواز النوم في المسجد، ولا كراهة فيه عند الشافعيّ، وقال الترمذيّ: وقد رخص قوم من أهل العلم فيه، وقال ابن عباس: لا تتخذه مَبِيتًا ولا مَقِيلًا، وذهب إليه قوم من أهل العلم، وقال ابن العربيّ: وذلك لمن كان له مأوى، فأما الغريب فهو داره، والمعتكف فهو بيته، ويجوز للمريض أن يجعله الإمام في المسجد، إذا أراد افتقاده، كما كانت المرأة صاحبة الوشاح ساكنة في المسجد، وكما ضرب النبيّ - ﷺ - قبة لسعد - ﵁ - في المسجد حين سال الدم من جرحه، ومالك، وابن القاسم يكرهان المبيت فيه للحاضر القويّ، وجوّزه ابن القاسم للضعيف الحاضر. انتهى . ١٢ - (ومنها): مشروعية النيابة في قصّ الرؤيا. ١٣ - (ومنها): تأدُّب ابن عمر - ﵄ - مع النبيّ - ﷺ -، ومهابته له، حيث لم يقصّ رؤياه بنفسه، وكأنه لمّا هالته لم يُؤْثِر أن يقصها بنفسه، فقصّها على أخته؛ لإدلالة عليها. ١٤ - (ومنها): فضل قيام الليل، وأنه مما يقي من عذاب جهنم - أعاذنا الله - منها بمنّه، وكرمه، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٥١] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ خَالِدٍ خَتَنُ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِد، وَلَمْ يَكُنْ لِي أَهْلٌ، فَرَأَيْتُ في الْمَنَام، كَأَنَّمَا انْطُلِقَ بِي إِلَى بِئْرٍ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ، تقدّم قريبًا. [تنبيه]: قوله: «الدَّارِمِيُّ» بكسر الميم: نسببة إلى دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم، بطنٌ كبير من تميم، يُنسب إليه خلق كثير، من العلماء، والشعراء، والفرسان، قاله في «اللباب» . ٢ - (مُوسَى بْنُ خَالِدٍ خَتَنُ الْفِرْيَابِيِّ) هو: موسى بن خالد الشاميّ، أبو الوليد الْحَلَبيّ خَتَن أبي إسحاق الفزاريّ، ويقال: خَتَنُ الفريابيّ، كما نصّ عليه في هذا السند، مقبول [١٠]. رَوَى عن أبي إسحاق الفزاريّ، وعيسى بن يونس، ومعتمر بن سليمان، وهِقْل بن زياد، وابن عيينة. ورَوَى عنه عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، ومحمد بن سهل بن عسكر، وعباس بن عبد الله الترقفيّ، من أفراد المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، أفاده في «تهذيب التهذيب» . [تنبيه]: قوله: «خَتَنُ الْفِرْيَابِيِّ»الخَتَنُ«بفتحتين عند العرب: كل من كان من قِبَل المرأة؛ كالأب، والأخ، والجمع: أَخْتَانٌ، وخَتَنُ الرجل عند العامّة: زوج ابنته، وقال الأزهريّ: الخَتَنُ: أبو المرأة، والخَتَنَةُ: أمها، فالأختَانُ من قِبَل المرأة، والأَحْمَاءُ من قِبَل الرجل، والأَصْهَارُ يعمّهما، ويقال: المُخَاتَنَةُ: المصاهرة من الطرفين، يقال: خَاتَنْتُهُمْ: إذا صاهرتهم، قاله الفيّوميّ ﵀ . و«الفريابيّ»بكسر الفاء، وسكون الراء: نسبة إلى فارياب بُليدة بنواحي بَلْخَ، يُنسب إليها الْفِرْيابيّ، والفاريابيّ، والْفِيريابيّ أيضًا بإثبات الياء، يُنسب إليها جماعة، قاله في«اللباب». ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ) إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حِصْن بن حُذيفة، ثقةٌ حافظٌ إمامٌ، له تصانيف [٨] (ت ١٨٥) وقيل: بعدها (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٨٨. [تنبيه]: قوله:«الْفَزَارِيِّ»بفتح الفاء والزاي: نسبة إلى فَزَارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غَطَفان، وهي قبيلة كبيرة من قيس عيلان، يُنسب إليها خَلْق كثير، قاله في«اللباب». ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، قَدَّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهريّ عن عروة، عنها [٥] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في«الإيمان»٢٨/ ٢٢٢. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي. وقوله: (فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ إلخ) فاعل«ذَكَرَ» ضمير عبيد الله بن عمر. [تنبيه]: رواية نافع عن ابن عمر - ﵄ - هذه ساقها الدارميّ، شيخ المصنّف هنا بسند المصنّف، فقال: (١٤٠٠) - حدّثنا موسى بن خالد، عن أبي إسحاق الفزاريّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كنت أبيت في المسجد، ولم يكن لي أهل، فرأيت في المنام، كأنما انطُلِق بي إلى بئر، فيها رجال مُعَلَّقُون، فقيل: انطَلِقُوا به إلى ذات اليمين، فذكرت الرؤيا لحفصة، فقلت: قُصِّيها على رسول الله - ﷺ -، فقصّتها عليه، فقال: «من رأى هذه؟» قالت: ابن عمر، فقال رسول الله - ﷺ -: «نِعْم الفتى - أو قال -: نِعْم الرجل، لو كان يصلي من الليل»، قال: وكنت إذا نِمْتُ لم أقم حتى أُصبِحَ، قال: فكان ابن عمر يصلي الليل. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٢) - (بَابٌ مِنْ فَضَائِلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -) هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضَمْضَم بن زيد بن حرام بن جُندب بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن النجار، أبو حمزة الأنصاريّ الخزرجيّ خادم رسول الله - ﷺ -، وأحد المكثرين من الرواية عنه، صح عنه أنه قال: قَدِم النبيّ - ﷺ - المدينة، وأنا ابن عشر سنين، وأن أمه أم سليم أتت به النبيّ - ﷺ - لَمّا قَدِم، فقالت له: هذا أنس غلام يخدمك، فقَبِله، وأن النبيّ - ﷺ - كناه أبا حمزة بِبَقْلة كان يجتنبها، ومازحه النبيّ - ﷺ -، فقال له: «يا ذا الأذنين»، وقال محمد بن عبد الله الأنصاريّ: خرج أنس مع رسول الله - ﷺ - إلى بدر، وهو غلام يخدمه، أخبرني أبي، عن مولى لأنس، أنه قال لأنس: أشَهِدت بدرًا؟ قال: وأين أغيب عن بدر، لا أُمّ لك؟ قال الحافظ: وإنما لم يذكروه في البدريين؛ لأنه لم يكن في سنّ من يقاتل. وقال الترمذيّ: حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا أبو داود، عن أبي خَلْدة، قلت: لأبي العالية: أسمع أنس من النبيّ - ﷺ -؟، قال: خدمه عشر سنين، ودعا له النبيّ - ﷺ -، وكان له بستان يَحْمِل الفاكهة في السنة مرتين، وكان فيه ريحان، ويجيء منه ريح المسك، وكانت إقامته بعد النبيّ - ﷺ - بالمدينة، ثم شَهِد الفتوح، ثم قَطَن البصرة، ومات بها. قال عليّ بن المدينيّ: كان آخر الصحابة موتًا بالبصرة، وقال البخاريّ: حدّثنا موسى، حدّثنا إسحاق بن عثمان، سألت موسى بن أنس، كم غزا أنس مع النبيّ - ﷺ -؟ قال: ثماني غزوات. وروى ابن السكن من طريق صفوان بن هبيرة، عن أبيه، قال: قال لي ثابت البنانيّ: قال لي أنس بن مالك: هذه شعرة من شعر رسول الله - ﷺ -، فضعها تحت لساني، قال: فوضعتها تحت لسانه، فدُفن، وهي تحت لسانه. وقال معتمر، عن أبيه: سمعت أنس بن مالك يقول: لم يبق أحد صلى القبلتين غيري. قال جرير بن حارم: قلت لشعيب بن الحبحاب: متى مات أنس؟ قال: سنة تسعين، أخرجه ابن شاهين، وقال سعيد بن عُفير، والهيثم بن عديّ، ومعتمر بن سليمان: مات سنة إحدى وتسعين، وقال ابن شاهين: حدّثنا عثمان بن أحمد، حدّثنا حنبل، حدّثنا أحمد بن حنبل، حدّثنا معتمر بن سليمان، عن حميد مثله، وزاد: وكان عمره مائة سنة إلا سنة. وقال ابن سعد عن الواقديّ، عن عبد الله بن زيد بن الهذلي: إنه حضر أنس بن مالك سنة اثنتين وتسعين، وقال أبو نعيم الكوفيّ: مات سنة ثلاث وتسعين، وفيها أرّخه المدائنيّ، وخليفة، وزاد: وله مائة وثلاث سنين، وحَكَى ابن شاهين عن يحيى بن بكير، أنه مات، وله مائة سنة وسنة، قال: وقيل: مائة وسبع سنين، ورواه البغويّ عن عمر بن شَبّة، عن محمد بن عبد الله الأنصاريّ كذلك. قال الطبرانيّ: حدّثنا جعفر الفريابيّ، حدّثنا إبراهيم بن عثمان المصِّيصيّ، حدّثنا مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أنس، قال: قالت أم سليم: يا رسول الله ادْعُ الله لأنس، فقال: «اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وبارك له فيه»، قال أنس: فلقد دفنت من صلبي، سوى ولد ولدي، مائة وخمسة وعشرين، وإن أرضي لَتُثمر في السنة مرتين. وقال جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس: جاءت بي أم سليم إلى النبيّ - ﷺ -، وأنا غلام، فقالت: يا رسول الله أنس ادع الله له، فقال النبيّ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ أكثر ماله، وولده، وأدخله الجنة»، قال: قد رأيت اثنتين، وأنا أرجو الثالثة. وقال جعفر أيضًا عن ثابت: كنت مع أنس، فجاء قهرمانه، فقال: يا أبا حمزة عَطِشت أرضنا، قال: فقام أنس، فتوضأ، وخرج إلى البريّة، وصلى ركعتين، ثم دعا، فرأيت السحاب تلتئم، قال: ثم مطرف حتى ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله، فقال: انظر أين بلغت السماء، فنظر، فلم تَعْدُ أرضه إلا يسيرًا، وذلك في الصيف. وقال عليّ بن الجعد عن شعبة، عن ثابت، قال أبو هريرة: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من ابن أم لسُليم؛ يعني: أنسًا. ورَوَى الطبرانيّ في «الأوسط» من طريق عبيد بن عمرو الأصبحيّ، عن أبي هريرة، أخبرني أنس بن مالك؛ أن النبيّ - ﷺ - كان يشير في الصلاة، وقال: لا نعلم روى أبو هريرة عن أنس غير هذا الحديث. وقال محمد بن عبد الله الأنصاريّ: «حدّثنا ابن عون، عن موسى بن أنس؛ أن أبا بكر لَمّا استُخلِف بعث إلى أنس ليوجهه إلى البحرين على السعاية، فدخل عليه عمر، فاستشاره، فقال: ابعثه، فإنه لبيب، كاتب، قال: فبعثه، ومناقب أنس - ﵁ - وفضائله كثيرة جدًّا. انتهى من الإصابة» . وقال القرطبيّ ﵀: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زبد النَّجاريّ، خادم رسول الله - ﷺ -، يُكنى: أبا حمزة، يُرْوَى عنه أنه قال: كنَّاني رسول الله ببقلة كنت أجتنيها، وأمه: أم سليم بنت ملحان، كان سِنُّ أنس لمّا قَدِم النبيّ - ﷺ - المدينة عشر سنين، وقيل: ثماني سنين، وتُوُفّي رسول الله - ﷺ -، وأنس ابن عشرين سنة، وشهد بدرًا، وتُوُفّي في قصره بالطّفِّ على فرسخين من البصرة سنة إحدى وتسعين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، قال أبو عمر: وهو آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وما أعلم أحدًا ممن مات بعده ممن رأى رسول الله - ﷺ - إلا أبا الطفيل. واختُلف في سنّ أنس يوم تُوُفّي، فقيل: مائة سنة إلا سنة واحدة، ويقال: إنه وُلد له ثمانون ولدًا؛ منهم: ثمانية وسبعون ذكرًا، وابنتان، وتُوُفّي قبله من وَلَدِه لصلبه، وولَدِ وَلَدِه نحو المئة؛ وكلُّ ذلك من تعميره، وكثرة نسله ببركة دعوة النبيّ - ﷺ -، كما يأتي في «صحيح مسلم». وجملة ما رَوَى عن رسول الله - ﷺ - من الحديث: ألفا حديث، ومئتا حديث، وستة وثمانون حديثًا، أخرجا له في «الصحيحين» ثلاثمئة حديث، وثمانية عشر حديثًا. [تنبيه]: في الصحابة رجل آخر اسمه أنس بن مالك، ويُكنى: أبا أُمية القشيريّ، وقيل: الكعبيّ، وكعب أخو قشير، ولم يُسند عن النبيّ - ﷺ - سوى
مصادر المؤلف (٣٢)

١. «عمدة القاري» ٧/ ١٦٩.

٢. «المصباح المنير» ١/ ٢٤٧.

٣. «عمدة القاري» ٧/ ١٦٩.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٥.

٥. «عمدة القاري» ٧/ ١٦٩.

٦. «الفتح» ٣/ ٥١٢٠، كتاب «التهجّد» رقم (١١٢١).

٧. الْحُمارس: الشديد. والأزب: الكريه الذي لا يُدنى من حُرمته.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٧.

٩. «المفهم» ٦/ ٤٠٩.

١٠. «صحيح البخاريّ» ٦/ ٢٥٧٨.

١١. «الفتح» ٣/ ٥١٠، كتاب «التهجّد» رقم (١١٢١).

١٢. «عمدة القاري» ٧/ ١٦٩.

١٣. «شرح النوويّ» ١٦/ ٣٨.

١٤. «المفهم» ٦/ ٤٠٩.

١٥. قال في «المصباح»: الْبَكَرَة التي يُستَقَى عليها بفتح الكاف، فتُجمَع على بَكَرٍ، مثلُ قَصَبَة وقَصَبٍ، وتُسكّن فَتُجْمَع على بَكَرَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات. انتهى.

١٦. «الفتح» ٣/ ٥١٠، كتاب «التهجّد» رقم (١١٢١).

١٧. «الفتح» ١٦/ ٣٨٦، كتاب «التعبير» رقم (٧٠٢٨).

١٨. «عمدة القاري» ٧/ ١٦٩.

١٩. «عمدة القاري» ٧/ ١٦٩.

٢٠. «الفتح» ١٦/ ٣٨٦، كتاب «التعبير» رقم (٧٠٢٨).

٢١. «المفهم»٦/ ٤١٠.

٢٢. «الفتح»٣/ ٥١٠ - ٥١١، كتاب«التهجّد»رقم (١١٢١).

٢٣. «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب»١/ ٦٠٩.

٢٤. «شرح ابن بطّال» على البخاريّ ٩/ ٥٤٧، و«الفتح» ١٦/ ٣٨٥.

٢٥. «عمدة القاري» ٧/ ١٧٠.

٢٦. «اللباب في تهذيب الأنساب»١/ ٤٨٤.

٢٧. «تهذيب التهذيب»١٠/ ٣٠٤.

٢٨. «المصباح المنير»١/ ١٦٤.

٢٩. «اللباب في تهذيب الأنساب»٢/ ٤٢٩.

٣٠. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٤٢٧.

٣١. «سنن الدارميّ» ١/ ٣٧٩.

٣٢. «الإصابة في تمييز الصحابة» ١/ ١٢٨.