HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٩٨

حدثنا عبد الله بن براد، أبو عامر الأشعري وَأَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ (وَاللَّفْظُ لِأَبِي عَامِرٍ) قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أبي بردة، عن أبيه. قال: لما فرغ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حُنَيْنٍ، بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس. فلقي دريد بن الصمة. فقتل دريد وهزم الله أصحابه. فقال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر. قال فرمي أبو عامر في ركبته. رماه رجل من بني جشم بسهم. فأثبته في ركبته. فانتهيت إليه فقلت: يا عم! من رماك؟ فأشار أبو عامر إلى أبي موسى. فقال: إن ذاك قاتلي. تراه ذلك الذي رماني. قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدته فلحقته. فلما رآني ولى عني ذاهبا. فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست أعرابيا؟ ألا تثبت؟ فكف. فالتقيت أنا وهو. فاختلفنا أنا وهو ضربتين. فضربته بالسيف فقتلته. ثم رجعت إلى أبي عامر فقلت: إن الله قد قتل صاحبك. قال: فانزع هذا السهم. فنزعته فنزا منه الماء. فقال: يا ابن أخي! انطلق إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأقرئه مني السلام. وقل له: يقول لك أبو عامر: استغفر لي. قال: واستعملني أبو عامر على الناس. ومكث يسيرا ثم إنه مات. فلما رجعت إلى النبي ﷺ دخلت عليه، وهو في بيت على سرير مرمل، وعليه فراش، وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله ﷺ وجنبيه. فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر. وقلت له: قال: قل له: يستغفر لي. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بماء. فتوضأ منه. ثم رفع يديه. ثم قال «اللهم! اغفر لعبيد، أبي عامر» حتى رأيت بياض إبطيه. ثم قال «اللهم! اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك، أو من الناس» فقلت: ولي يا رسول الله! فاستغفر. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «اللَّهُمَّ! اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه. وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما». قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر. والأخرى لأبي موسى.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص170
ج ٤ ص ١٩٤٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٩ ص٦٣٥
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٣٨٦] (٢٤٩٨) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ أَبُو عَامِرٍ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ -وَاللَّفْظُ لأَبِي عَامِرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ، فَقُتِلَ دُرَيْدٌ، وَهَزَمَ اللهُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَني مَعَ أَبِي عَامِرٍ، قَالَ: فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمٍ بِسَهْمٍ، فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ أَبُو عَامِرٍ إِلَى أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ قَاتِلِي تَرَاهُ ذَلِكَ الَّذِي رَمَانِي، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَقَصَدْتُ لَهُ، فَاعْتَمَدْتُهُ، فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى عَنِّي ذَاهِبًا، فَاتَّبَعْتُهُ، وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلَا تَسْتَحْيِي؟ أَلَسْتَ عَرَبِيًّا؟ أَلَا تَثْبُتُ؟ فَكَفَّ، فَالْتَقَيْتُ أَنَا وَهُوَ، فَاخْتَلَفْنَا أَنَا وَهُوَ ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ، فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ اللهَ قَدْ قَتَلَ صَاحِبَكَ، قَالَ: فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ، فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَبُو عَامِرٍ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: وَاسْتَعْمَلَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، وَمَكَثَ يَسِيرًا، ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي بَيْتٍ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ، وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ، وَقَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا، وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وَقُلْتُ لَهُ: قَالَ: قُلْ لَهُ: يَسْتَغْفِرْ لِي، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ»، حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ، أَو مِنَ النَّاسِ»، فَقُلْتُ: وَلِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا»، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: إِحْدَاهُمَا لأَبِي عَامِرٍ، وَالأُخْرَى لأَبِي مُوسَى). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي، فلا حاجة إلى شرحه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) تقدّم أن الأصحّ أن اسمه كنيته، وقيل: عامر، وقيل: الحارث. (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعريّ عبد الله بن قيس -﵁-؛ أنه (قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ حُنَيْنٍ)؛ أي: من غزوة حُنين، وهو مُصَغّرٌ: وادٍ بين مكة والطائف، وهو مذكّر منصرف، وقد يؤنث على معنى البقعة . وقصة حنين: أن النبيّ -ﷺ- فتح مكة في رمضان سنة ثمان، ثم خرج منها لقتال هوازن وثقيف، وقد بقيت أيام من رمضان، فسار إلى حُنين، فلما التقى الجمعان انكشف المسلمون، ثم أمدّهم الله بنصره، فعطفوا، وقاتلوا المشركين، فهزموهم، وغَنِموا أموالهم، وعيالهم، ثم صار المشركون إلى أوطاس، فمنهم من سار على نخلة اليمانية، ومنهم من سلك الثنايا، وتَبِعَت خيل رسول الله -ﷺ- من سلك نخلة، ويقال: إنه -ﷺ- أقام عليها يومًا وليلةً، ثم صار إلى أوطاس، فاقتتلوا، وانهزم المشركون إلى الطائف، وغَنِم المسلمون منها أيضًا أموالهم وعيالهم، ثم صار إلى الطائف، فقاتلهم بقية شوال، فلما أهلّ ذو القعدة ترك القتال؛ لأنه شهر حرام، ورحل راجعًا، فنزل الجعرانة، وقسم بها غنائم أوطاس، وحُنينٍ، ويقال: كانت ستة آلاف سبي، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في «كتاب الجهاد» في «بابٌ في غزوة حُنين» برقم [٢٨/ ٤٦٠٣] (١٧٧٥) فراجعه تستفد علْمًاَ جَمًّا، وبالله تعالى التوفيق. (بَعَثَ) بالبناء للفاعل؛ أي: بعث النبيّ -ﷺ- (أَبَا عَامِرٍ) هو عُبيد بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ، وهو عمّ أبي موسى، وقال ابن إسحاق: هو ابن عمه، والأول أشهر، قاله في «الفتح» . وقال القرطبيّ -﵀-: بعثُ أبي عامر إنما كان لتتبّع مُنهزِمة هوازن بحُنين، ويُسمَّى خيله: خيل الطلب، وكان أبو عامر هذا من كبار الصحابة -﵃-، عقد له رسول الله -ﷺ- لواءً يوم ولّاه على هذا الجيش، وختم الله تعالى له بالشهادة، وبدعاء رسول الله -ﷺ- بالمغفرة. انتهى . (عَلَى جَيْشٍ)؛ أي: أميرًا على جيش، وذلك أن هوازن بعد الهزيمة اجتمع بعضهم في أوطاس، فأراد رسول الله -ﷺ- استئصالهم، فبعثه إليهم . وقوله: (إِلَى أَوْطَاسٍ) بفتح الهمزة، قال القاضي عياض -﵀-: هو واد في دار هوازن، وهو موضع حرب حنين. انتهى، قال الحافظ -﵀-: وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السِّيَر، والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين، ويوضّح ذلك ما ذَكَر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لمّا انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بَجِيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبيّ -ﷺ- عسكرًا، مقدّمهم أبو عامر الأشعريّ إلى من مضى إلى أوطاس، كما يدلّ عليه حديث الباب، ثم توجه هو وعساكره إلى الطائف، وقال أبو عبيدة البكريّ: أوطاس وادٍ في ديار هوازن، وهناك عسكروا هم وثقيف، ثم التقوا بحنين. انتهى . (فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ) «دُريد» بضم الدال، مصغَّر الدرد بالمهملتين، والراء، و«الصمة» -بكسر الصاد المهملة، وتشديد الميم- ابن بكر بن علقمة، ويقال: ابن الحارث بن علقمة الْجُشَميّ -بضم الجيم، وفتح الشين المعجمة- من بني جُشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، والصمّة لقب لأبيه، واسمه الحارث، ودريد شاعر مشهور . (فَقُتِلَ دُرَيْدٌ) قال الحافظ: رَوَيناه على البناء للمجهول، واختُلِف في قاتله، فجزم محمد بن إسحاق بأنه ربيعة بن رُفيع -بفاء مصغرًا- ابن وهبان بن ثعلبة بن ربيعة السَّلميّ، وكان يقال له: ابن الذّعِنَة -بمعجمة، ثم مهملة، ويقال: بمهملة، ثم معجمة- وهي أمه، وقال ابن هشام: يقال: اسمه عبد الله بن قبيع بن أهبان، وساق بقية نَسَبه، ويقال له أيضًا: ابن الدغنة، وليس هو ابن الدغنة المذكور في قصة أبي بكر في الهجرة. وروى البزار في مسند أنس بإسناد حسن ما يُشعر بأن قاتل دُريد بن الصمة هو الزبير بن العوّام، ولفظه: «لمّا انهزم المشركون انحاز دُريد بن الصمة في ستمائة نفس على أكمة، فرأوا كتيبة، فقال: خلّوهم لي، فخلّوهم، فقال: هذه قُضاعة، ولا بأس عليكم، ثم رأوا كتيبة مثل ذلك، فقال: هذه سُليم، ثم رأوا فارسًا وحده، فقال: خلّوه لي، فقالوا: معتجر بعمامة سوداء، فقال: هذا الزبير بن العوّام، وهو قاتِلكم، ومُخرجكم من مكانكم هذا، قال: فالتفت الزبير، فرآهم، فقال: علام هؤلاء ها هنا؟ فمضى إليهم، وتبعه جماعة، فقتلوا منهم ثلاثمائة، فحَزَّ رأس دريد بن الصمة، فجعله بين يديه». ويَحْتَمِل أن يكون ابن الدغنة كان في جماعة الزبير، فباشر قَتْله، فنُسب إلى الزبير مجازًا، وكان دُريد من الشعراء الفرسان المشهورين في الجاهلية، ويقال: إنه كان لَمّا قُتل ابن عشرين، ويقال: ابن ستين ومائة سنة . (وَهَزَمَ اللهُ أَصْحَابَهُ)؛ أي: كَسَر أصحاب دُريد، يقال: هَزَمتُ الجيش هَزْمًا، من باب ضَرَبَ: كسرتُهُ، والاسم: الهزيمة . (فَقَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ -﵁-: (وَبَعَثَنِي)؛ أي: النبيّ -ﷺ- (مَعَ أَبِي عَامِرٍ)؛ أي: إلى من التجأ من جيش المشركين إلى أوطاس، وقال ابن إسحاق: بعث النبيّ -ﷺ- أبا عامر الأشعري في آثار مَن توجه إلى أوطاس، فأدرك بعضَ من انهزم، فناوشوه القتال. (قَالَ: فَرُمِيَ) بالبناء للمفعول، (أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُشَمٍ) بضمّ الجيم، وفتح الشين المعجمة، كصُرَدٍ قال المجد -﵀-: أحياء من مضر، ومن تَغْلِب، وفي ثقيف. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: المناسب هنا كونه من ثقيف، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: قوله: «رماه جُشَمي» بضم الجيم، وفتح المعجمة؛ أي: رجل من بني جُشَم، واختُلِف في اسم هذا الجشميّ، فقال ابن إسحاق: زعموا أن سلمة بن دريد بن الصِّمّة هو الذي رمى أبا عامر بسهم، فأصاب ركبته، فقتله، وأخذ الراية أبو موسى الأشعريّ، فقاتَلهم، ففتح الله عليه. وقال ابن هشام: حدّثني من أثق به أن الذي رمى أبا عامر أخوان من بني جُشَم، وهما أوفي، والعلاء، «ابنا الحارث، وفي نسخة:»وافي«بدل»أوفى«، فأصاب أحدهما ركبته، وقتلهما أبو موسى الأشعريّ. وعند ابن عائذ، والطبرانيّ في«الأوسط»من وجه آخر عن أبي موسى الأشعريّ بإسناد حسن:«لمّا هزم الله المشركين يوم حنين، بعث رسول الله -ﷺ- على خيل الطلب أبا عامر الأشعريّ، وأنا معه، فقَتَل ابن دُريد أبا عامر، فعدلت إليه، فقتلته، وأخذت اللواء. . .»الحديث. فهذا يؤيد ما ذكره ابن إسحاق، وذَكَر ابن إسحاق في«المغازي»أيضًا أن أبا عامر لقي يوم أوطاس عشرة من المشركين إخوة، فقتلهم واحدًا بعد واحد، حتى كان العاشر، فحَمَل عليه، وهو يدعوه إلى الإسلام، وهو يقول: اللَّهُمَّ اشهد عليه، فقال الرجل: اللَّهُمَّ لا تشهد عليّ، فكفّ عنه أبو عامر ظنّا منه أنه أسلم، فقتله العاشر، ثم أسلم بعدُ، فحَسُن إسلامه، فكان النبيّ -ﷺ- يسمّيه شهيد أبي عامر، وهذا يخالف الحديث الصحيح في أن أبا موسى قَتَل قاتل أبي عامر، وما في«الصحيح»أَولى بالقبول، ولعل الذي ذكره ابن إسحاق شارك في قَتْله، قاله في«الفتح». (بِسَهْمٍ) متعلّق بـ«رماه»، (فَأَثْبَتَهُ)؛ أي: أثبت السهم (فِي رُكْبَتِهِ)؛ أي: ركبة أبي عامر -﵁-. قال أبو موسى: (فَانْتَهَيْتُ)؛ أي: وصلت (إِلَيْهِ)؛ أي: إلى أبي عامر، (فَقُلْتُ: يَا عَمِّ) هذا يردّ قول ابن إسحاق المتقدّم أنه ابن عمّه، فتنبّه. [تنبيه]: قوله:«يا عمّ »تقدّم أن فيه تسع لغات، أشار ابن مالك -﵀- في«الخلاصة»إلى خمسة منها، فقال: وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا … كَـ«عَبْدِ» «عَبْدِي» «عَبْدَ» «عَبَدَا» «عَبْدِيَا»فيجوز في«عَمّ»هنا هذه الأوجه الخمسة، ويزيد الضمّ، وهو أضعفها ، والله تعالى أعلم. (مَنْ رَمَاكَ؟)«من»استفهاميّة؛ أي: أي شخص رماك؟ (فَأَشَارَ أَبُو عَامِرٍ) -﵁- (إِلَى أَبِي مُوسَى) -﵁- (فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ) مشيرًا إلى رجل، (قَاتِلِي)، وقوله: (تَرَاهُ) بتقدير همز الاستفهام؛ أي: أتراه؟ وقوله: (ذَلِكَ الَّذِي رَمَانِي) مؤكّد لقوله:«إن ذاك قاتلي». وقال القرطبيّ -﵀-: وقول أبي عامر:«إن ذلك قاتلي، تراه ذلك الذي رماني»؛ كذا الرواية الصحيحة، تراه: بالتاء باثنتين من فوقها، والكلام كله لأبي عامر، وكأن الذي رمى أبا عامر كان قريبًا منهما، فأشار إليه بذلك مرتين تقريبًا له، وأكد ذلك بقوله: تراه، فكأنه قال: الذي تراه، ووقع في بعض النُّسخ ذلك بلام البعد، وفيه بُعد، وقرأه بالفاء، فكأنه من قول الراوي خبرًا عن أبي موسى أنه رأى القاتل، والأول أصح. انتهى . (قَالَ أَبُو مُوسَى) -﵁-: (فَقَصَدْتُ لَهُ)؛ أي: لذلك الرجل، يقال: قَصَدتُ الشيءَ، وله، وإليه، قصدًا، من باب ضَرَبَ: طلبته بعينه، قاله الفيّوميّ ، وقوله: (فَاعْتَمَدْتُهُ) بمعنى قصدت له، فهو مؤكّد له، (فَلَحِقْتُهُ) بكسر الحاء المهملة، يقال: لحِقته، ولحقت به ألحَقُ، من باب تَعِبَ لَحَاقًا بالفتح: أدركته، والحقته بالألف مثله . (فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى)؛ أي: أدبر (عَنِّي ذَاهِبًا) حال مؤكّد لـ «ولّى»، كما في «الخلاصة»: وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا … فِي نَحْوِ «لَا تَعْثُ فِي الأَرْضِ مُفْسِدًا» (فَاتَّبَعْتُهُ) قال في «العمدة»: ضُبط بقطع الألف، وصوابه بوصلها، وتشديد التاء؛ لأنَّ معناه: سِرْتُ في أثره، ومعنى أتبعته -بقطع الألف-: لحقته، والمراد هنا: سِرْت في أثره. انتهى . (وَجَعَلْتُ)؛ أي: شرعت، وأخذت (أَقُولُ لَهُ: أَلَا) أداة تحضيض، (تَسْتَحْيِي؟) بياءين، ويجوز بياء واحدة، من استحى يستحي، لغة في استحيا يستحيي. (أَلَسْتَ عَرَبِيًّا؟) إنما قال له ذلك؛ لأنَّ العرب لفرط شجاعتها تعيب الفرار من الأقران أشدَّ عيب، وقوله: (أَلَا تَثْبُتُ؟) تأكيد لِمَا قبله. (فَكَفَّ)؛ أي: توقّف، أو كفّ نفسه، يتعدّي، ولا يتعدّى. (فَالْتَقَيْتُ أَنَا وَهُوَ، فَاخْتَلَفْنَا أَنَا وَهُوَ ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ، فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ اللهَ قَدْ قَتَلَ صَاحِبَكَ، قَالَ: فَانْزعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ، فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ)؛ أي: انصبّ الماء من موضع السهم، وقال القرطبيّ؛ أي: خرج الماء بسرعة إثر خروج السهم، وأصل النزو: الارتفاع والوثب. انتهى . (فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي) هذا أيضًا يردّ ما تقدّم عن ابن إسحاق أنه ابن عمّه، قال في «الفتح»: ويَحْتَمِل إن كان ضَبَطه أن يكون قال له ذلك؛ لكونه كان أسنّ منه. (انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَبُو عَامِرٍ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: وَاسْتَعْمَلَنِي أَبُو عَامِرِ عَلَى النَّاسِ، وَمَكَثَ يَسِيرًا، ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ) وفي رواية ابن عائذ: «فلما رآني رسول الله -ﷺ-، معي اللواء، قال:»يا أبا موسى قُتل أبو عامر؟ «. (وَهُوَ فِي بَيْتٍ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ) براء مهملة، ثم ميم ثقيلة؛ أي: معمول بالرِّمَال، وهي حِبَال الحصر التي تُضَفَّر بها الأسرّة. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«فوجدته على حصير مُرْمل. . . إلخ» صحيح الرواية فيه: مُرْمَل بضم الميم الأولى، مُسكَّن الراء، مفتوح الميم الثانية، وهو من أرملت الحصيرَ؛ أي: شققته ونسجته بشريط، أو غيره، قال الشاعر [من الكامل]: إِذْ لَا يَزالُ عَلَى طَرِيقٍ لَاحِب … وَكَأَنَّ صَفحَتَه حَصِيرٌ مُرْمَلُ ويقال: رملت الحصير أيضًا -ثلاثيًّا-، ورمال الحصير: هو ما يؤثر منه في جنب المضطجع عليه. انتهى . (وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ) قال ابن التين: أنكره الشيخ أبو الحسن، وقال: الصواب: «ما عليه فراش»، فسقطت«ما». انتهى. وتعقّبه الحافظ، فقال: وهو إنكار عجيب، فلا يلزم من كونه رَقَد على غير فراش، كما في قصة عمر أن لا يكون على سريره دائمًا فراش. انتهى . وقال القرطبيّ: قوله: «وعليه فراش» كذا صحَّت الرواية بإثبات الفراش، وقال القابسيّ: الذي أعرف: وما عليه فراش. قال القرطبيّ: واستبعَدَ أن يكون عليه فراش، ويؤثِّر في ظهره؛ وإنَّما يستبعد ذلك إذا كان الفراش كثيفًا، وثيرًا، ولم يكن فراش النبيّ -ﷺ- كذلك، فلا يستبعد. انتهى . (وَقَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا، وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وَقُلْتُ لَهُ: قَالَ: قُلْ لَهُ: يَسْتَغْفِرْ لِي، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ). قال القرطبيّ -﵀-: ظاهر هذا الوضوء: أنه كان للدُّعاء؛ إذ لَمْ يذكر أنه -ﷺ- صلى في ذلك الوقت بذلك الوضوء، ففيه ما يدلّ على مشروعية الوضوء للدُّعاء، ولذِكر الله، كما تقدَّم من قوله -ﷺ-: «إني كرهت أن أذكر الله إلَّا على طهارة». انتهى . (ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ)؛ أي: إلى السماء، (ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ») تصغير عبد تصغير تلطّف، وحنان، وقوله: (أَبِي عَامِرٍ) بدل من «عبيد»، أو عطف بيان. (حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) فيه المبالغة في رفع اليدين عند الدعاء، (ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ)؛ أي: أبا عامر، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ)؛ أي: في المرتبة، وفي رواية ابن عائذ:»في الأكثرين يوم القيامة«. (أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال: (مِنَ النَّاسِ») بدل من «خلقك»، قال أبو موسى: (فَقُلْتُ: وَلِي)؛ أي: متعلّق بـ «استغفر»، (يَا رَسُولَ اللهِ، فَاسْتَغْفِرْ)؛ أي: اطلب من الله تعالى أن يغفر ذنوبي، (فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا) بضمّ الميم، وفتحها؛ أي: محلًّا (كَرِيمًا»)؛ أي: ذات كرامة، وتبجيل. (قَالَ أَبُو بُرْدَةَ) الراوي عن أبي موسى، وهو موصول بالإسناد المذكور. (إِحْدَاهُمَا)؛ أي: إحدى الدعوتين (لأَبِي عَامِرٍ، وَالأُخْرَى)؛ أي: الدعوة الأخرى (لأَبِي مُوسَى) المعنى: أن أبا بُردة تيقّن بالدعوتين المذكورتين، لكنه شكّ أيهما لأيّهما؟، وهذا لا يضرّ؛ لأنَّ معناهما متقاربان، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٦٣٨٦] (٢٤٩٨)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٢٨٨٤) و«المغازي» (٤٣٢٣) و«الدعوات» (٦٣٨٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٤٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٣/ ٣٠٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧١٩٨)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٣٩٨)، و(ابن عساكر) في «تاريخ دمشق» (٣٢/ ٣٧ و٣٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل أبي عامر، وأبي موسى الأشعريين -﵄-. ٢ - (ومنها): أن الوالي إذا عَرَض له أمر جاز أن يستنيب غيره، فإنه -ﷺ- أقرّ ما فعله أبو عامر -﵁- حيث ولّى على الجيش أبا موسى -﵁-. ٣ - (ومنها): استحباب الطهارة عند إرادة الدعاء. ٤ - (ومنها): استحباب رفع اليدين في الدعاء خلافًا لمن خَصّ ذلك بالاستسقاء، وقد رُوي كراهته عن مالك، ويمكن أن يقال: إنما كره أن يُتَّخذ ذلك سُنَّة راتبة على أصله في هذا الباب. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل لمالك ليس بشيء؛ لأن القول بكراهيته منابذ للسُّنَّة الصحيحة الكثيرة في «الصحيحين»، وفي غيرهما، وإنما يُعتذر عن مالك -﵀-: أن يقال: إنه لم تبلغه السُّنَّة في ذلك. وقال النوويّ -﵀- في شرحه: فيه استحباب الدعاء، واستحباب رفع اليدين فيه، وأن الحديث الذي رواه أنس أنه لَمْ يرفع يديه إلَّا في ثلاثة مواطن محمول على أنه لَمْ يره، وإلا فقد ثبت الرفع في مواطن كثيرة فوق ثلاثين موطنًا. انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢١)

١. «المصباح المنير» ١/ ١٥٤.

٢. «الفتح» ٩/ ٤٤٧، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٢٣).

٣. «المفهم» ٦/ ٣٣٤٤٨.

٤. «عمدة القاري» ١٧/ ٣٠٢.

٥. «الفتح» ٩/ ٤٤٧، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٢٣).

٦. «عمدة القاري» ١٧/ ٣٠٢.

٧. «الفتح» ٩/ ٤٤٧، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٢٣).

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٨.

٩. «القاموس المحيط» ص ٢١٨.

١٠. «الفتح»٩/ ٤٤٨، كتاب«المغازي»رقم (٤٣٢٣).

١١. راجع:«شرح ابن عقيل»، و«حاشية الخضريّ»عليه ٢/ ٧٨.

١٢. «المفهم» ٦/ ٤٤٨ - ٤٤٩.

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٤.

١٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٠.

١٥. «عمدة القاري» ١٧/ ٣٠٢.

١٦. «المفهم» ٦/ ٤٤٩.

١٧. «المفهم» ٦/ ٤٤٩.

١٨. «الفتح» ٩/ ٤٤٨ - ٤٤٩، كتاب «المغازي» رقم (٤٣٢٣).

١٩. «المفهم» ٦/ ٤٤٩.

٢٠. «المفهم» ٦/ ٥٠.

٢١. «شرح النوويّ» ١٦/ ٦٠.