(٤٦) - (بَاب دُعَاءِ النَّبِيِّ -ﷺ- لِغِفَارَ، وَأَسْلَمَ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٠٨] (٢٥١٤) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ) بفتح الهاء، وتشديد الدال، بعدها موحّدة - ويقال له: هدبة -بضم أوله، وسكون الدال- ابن خالد بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ تفرَّد النسائي بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع وثلاثين ومائتين (خ م د) تقدم في «الإيمان» ١١/ ١٥١
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثقةٌ قاله يحيى بن معين [٧] أخرج له البخاريّ مقرونًا، وتعليقًا. مات سنة خمس وستين ومائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١١.
٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقةٌ عالمٌ، توقف فيه ابن سيرين؛ لدخوله في عمل السلطان [٣] (ع) تقدم في «الحيض» ٢١/ ٧٩١.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّامِتِ) الغفاريّ البصريّ، ابن أخي أبي ذرّ، ثقةٌ [٣] مات بعد السبعين (خت م ٤) تقدم في «الصلاة» ٥٢/ ١١٤٢.
٥ - (أَبُو ذَرٍّ) الغِفاريّ الصحابي المشهور، اسمه جُندب بن جُنادة على الأصح، وقيل: بُرير -بموحّدة مصغرًا، أو مكبرًا- واختلف في أبيه، فقيل: جندب، أو عشرقة، أو عبد الله، أو السكن، تقدّم إسلامه، وتأخرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، ومناقبه كثيرة جدًّا، مات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان -﵄- (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، وفيه رواية الراوي عن عمه.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ)؛ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ) الغِفاريّ -﵁-: (قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) وفي الرواية التالية: «قَالَ لي رسول الله -ﷺ-: ائْتِ قَوْمَكَ، فَقُلْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ». («غِفَارُ) -بكسر الغين المعجمة- يُصْرَف باعتبار الحيّ، ولا يصرف باعتبار القبيلة ، وهم بنو غفار بن مُليل -بميم، ولامين مصغرًا- ابن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وسبق منهم إلى الإسلام أبو ذرّ الغفاريّ، وأخوه أُنيس كما سبق بيان ذلك مطوّلًا، ورجع أبو ذرّ إلى قومه، فأسلم الكثير منهم. (غَفَرَ اللهُ لَهَا) هو لفظ خبر يراد به الدعاء، ويَحْتَمِل أن يكون خبرًا على بابه، ويؤيده قوله في آخر الرواية الآتية: »وعُصَيّة عصت الله ورسوله« .
(وَأَسْلَمُ) أسلم بن أفصى -بفتح الهمزة، وسكون الفاء، بعدها مهملة، مقصورًا- ابن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، قال الرشاطيّ: الأزد جُرثومة من جراثيم قحطان، وفيهم قبائل، فمنهم الأنصار، وخُزاعة، وغَسّان، وبارق، وغامد، والعتيك، وغيرهم، وهو الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان .
(سَالَمَهَا اللهُ») قال النوويّ: قال العلماء: هو من المسالمة، وتَرْك الحرب، قيل: هو دعاء، وقيل: خبر، قال القاضي في«المشارق»: هو من أحسن الكلام، مأخوذ من سَالَمْته: إذا لم تَر منه مكروهًا، فكأنه دعا لهم بأن يَصنع الله بهم ما يوافقهم، فيكون«سالمها»بمعنى: سَلَّمها، وقد جاء فاعل بمعنى فَعَلَ، كقاتله الله؛ أي: قتله. انتهى .
وقال ابن الأثير -﵁-:«غِفار غفر الله لها»: يَحْتَمِل أن يكون دعاء لها
بالمغفرة، أو إخبارًا بأن الله تعالى قد غفر لها، وكذلك معنى«أسلم سالمها الله»: يَحتمِل أن يكون دعاء لها أن يسالمها الله تعالى، ولا يأمر بحربها، أو يكون إخبارًا بأن الله قد سالمها، ومَنَع من حربها، وإنما خُصَّت هاتان القبيلتان بالدعاء؛ لأن غفارًا أسلموا قديمًا، وأسلم سالموا النبيّ -ﷺ- .
وقال في«العمدة»: قوله:«وأسلم سالمها الله»من المسالمة، وتَرْك الحرب، أو هو دعاء بأن الله يصنع بهم ما يوافقهم، أو«سالمها» بمعنى: سَلّمها الله، نحو: قاتله الله بمعنى: قتله الله، وفيهما من جناس الاشتقاق ما يَلِذّ على السمع؛ لسهولته، وهو من الاتفاقات اللطيفة.
وقال الخطابيّ: يقال: إن النبيّ -ﷺ- دعا لهاتين القبيلتين؛ لأن دخولهما في الإسلام كان من غير حرب، وكانت غفار تُتَّهَم بسرقة الحاجّ، فأحب رسول الله -ﷺ- أن يمحو عنهم تلك المسبّة، وأن يُعْلِم أن ما سلف منهم مغفور لهم. انتهى ، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٦٤٠٨ و٦٤٠٩ و٦٤١٠] (٢٥١٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣١٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل هاتين القبيلتين: غفار، وأسلم.
٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة الدعاء بما يشتق من الاسم كما يقال لأحمد: أحمد اللهُ عاقِبَتَك، ولعليّ: أعلاك الله، وهو من جناس الاشتقاق، ولا يُختص بالدعاء، بل يأتي مثله في الخبر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ الآية [النمل: ٤٤]، وسيأتي في الباب حديث: «وعُصيّة عَصَتِ الله ورسوله».
٣ - (ومنها): مشروعيّة الدعاء على الظالم بالهلاك، والدعاء للمؤمنين بالنجاة، وقال بعضهم: إن كانوا منتهكين لحرمة الدِّين يُدعى عليهم بالهلاك، وإلا يدعى لهم بالتوبة، كما قال -ﷺ-: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وأْتِ بهم»، ورُوي أن أبا بكر وزوجته -﵄- كانا يدعوان على عبد الرحمن ابنهما يوم بدر بالهلاك إذا حَمَل على المسلمين، وإذا أدبر يدعوان له بالتوبة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤٠٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «ائْتِ قَوْمَكَ، فَقُلْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ، وَغِفَارُ غَفَرَ اللهُ لَهَا»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصح، وله خمس وثمانون سنةً (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٥.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) البصريّ الإمام، تقدّم قبل بابين.
٣ - (أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) عبد الملك بن حبيب الأزديّ، أو الكنديّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ، من كبار [٤] (ت ١٢٨) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٦/ ٤٥٥.
والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين.
والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٤١٠] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي، غير أبي داود، وهو سليمان بن داود الطيالسيّ، وقد تقدّم قبل باب.