HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٣٨

حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُولُ، قَبْلَ أَنْ يموت بشهر «تسألوني عن الساعة؟ وإنما علمها عند الله. وأقسم بالله! ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص187
ج ٤ ص ١٩٦٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٧٨
[٧٦٤] وقوله: (مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ) ، قوله: (مَنْفُوسَةٍ)؛ أي: مولودة، يقال: نُفِسَ الغلام يُنْفَسُ فهو منفوس، ويقال: كان هذا قبل أن يُنْفَسَ فلان، أي: قبل أن يولد، ويقال: نُفِسَت المرأة غلاما فهي نُفَسَاء.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص١٢٩
الأرض أحدٌ»، فوَهَل الناس في مقالة رسول الله -ﷺ- إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال النبيّ -ﷺ-:«لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض»يريد بذلك أنها تَخْرِم ذلك القرنَ. انتهى . ورواية عبد الرحمن بن خالد عن الزهريّ المعلّقة ساقها البخاريّ ﵀ أيضًا فقال: (١١٦) - حدّثنا سعيد بن عُفير، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم وأبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة؛ أن عبد الله بن عمر قال: صلى بنا النبيّ -ﷺ- العشاء في آخر حياته، فلما سَلّم قام، فقال:«أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحدٌ». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٦٠] (٢٥٣٨) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ:«تَسْأَلُونِي عَنِ السَّاعَة، وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ الله، وَأُقْسِمُ بِاللهِ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو موسى الحمّال البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور الْمِصِّيصيّ، أبو محمد ترمذيّ الأصل، نزل بغداد، ثم المصِّيصَة، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه اختلط في آخر عمره لَمّا قَدِم بغداد قبل موته [٩] مات ببغداد سنة ست ومائتين (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٩٤. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و«ابن جريج»هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، و«أبو الزبير»هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع، فزالت تهمة التدليس عن ابن جريج، وأبي الزبير، فإنهما مدلّسان، وفيه جابر -﵁- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: عن أبي الزُّبَيْرِ؛ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) -﵄ - (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ:«تَسْأَلُونِي) الخطاب للصحابة -﵃ -، (عَنِ السَّاعَةِ)؛ أي: قيامها، ومتى وقتها، (وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ) هو كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: ١٨٧]. (وَأُقْسِمُ) بضمّ أوله، من الإقسام: أي: أحلف (بِاللهِ) تعالى، (مَا) نافية، (عَلَى الأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ) قال في «المشارق»: «من» هنا يسمّيها بعضهم زائدة؛ كقوله: ما جاءني من أحد؛ أي: أحدٌ، وأبى ذلك سيبويه، وقال: قولك: ما رأيت أحدًا، أو ما جاءني أحدٌ، قد يُتأوّل أنه أراد واحدًا منفردًا، بل جاءه أكثر، فإذا قال: «من أحد» أكّد الاستغراق، والعموم، وارتفع التأويل، هذا معنى كلامه. انتهى . (مَنْفُوسَةٍ)؛ أي: مولودة، يقال: نَفِست المرأة، ونُفِست، فهي منفوسة، ونُفساء: إذا ولدت، فأما الحيض فلا يقال فيه: إلا نَفِست بالفتح، قاله ابن الأثير . وقوله: (تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ) جملة في محل جرّ نعت لـ «نفس» بعد النعت بالمفرد، أو هو في محل نصب حال، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله -﵄ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤/ ٦٤٦٠ و٦٤٦١ و٦٤٦٢ و٦٤٦٣ و٦٤٦٥] (٢٥٣٨)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (١/ ٣٣٣)، و(الترمذيّ) في «الفتن» (٢٢٥٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣١٤ و٣٢٢ و٣٤٥ و٣٨٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٩٨٧ و٢٩٩٠)، و(الطحاويّ) في، مشكل الآثار«(٣٧٥ و٣٧٦)، و(الحاكم) في»المستدرك«(٤/ ٤٩٩)، و(أبو يعلى) في»مسنده«(٤/ ١٥٢ و١٩٨)، و(عبد بن حميد) في»مسنده«(١/ ٣١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): مما يُستفاد من هذا الحديث فساد ما فشا بين العوامّ من بقاء الخضر حيًّا بين الناس إلى الآن، وقد حقّقت هذا فيما سبق في«فضائل الخضر ﵇»، لكن لمّا تكلّم النوويّ هنا، ومَالَ إلى بقائه، وأن هذا قول الجمهور أحببت أن أتعقّبه بما كتبه بعض المحقّقين، فأذكر أولًا قوله، ثم أتبعه ذلك. قال النوويّ ﵀: في حديث جابر -﵁ -؛ أنه سمع النبيّ -ﷺ- قبل وفاته بشهر يقول:«ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة، وهي حية يومئذ»، وفي رواية أبي سعيد مثله، لكن النبيّ -ﷺ- قال ذلك لمّا رجع من تبوك، هذه الأحاديث قد فَسَّر بعضها بعضًا، وفيها عَلَمٌ من أعلام النبوة، والمراد أن كل نفس منفوسة كانت تلك الليلة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مائة سنة، سواء قلّ عمرها قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة، ومعنى«نفس منفوسة»: أي: مولودة، وفيه احتراز من الملائكة، وقد احتَجّ بهذه الاحاديث من شذّ من المحدثين، فقال: الخضر ﵇ ميت، والجمهور على حياته، كما سبق في باب فضائله، ويتأولون هذه الأحاديث على أنه كان على البحر، لا على الأرض، أوأنها عام مخصوص. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قوله:«من شذّ من المحدّثين … إلخ»ليس كما قال، بل هو قول المحقّقين من المحدّثين وغيرهم، فالحقّ أن الخضر ﵇ مات قبل النبيّ -ﷺ-، وقد كتب بعض المحقّقين كتابًا في الأحاديث الموضوعة، وعقد فيه فصلًا نفيسًا في الخضر، فقال: [فصل]: من الأحاديث الموضوعة أحاديث حياة الخضر ﵇. ومنها الأحاديث التي ذُكر فيها الخضر، وحياته، وكلها كذب، ولا يصح في حياته حديث واحد. ٨٤ - كحديث: إن رسول الله -ﷺ- كان في المسجد، فسمع كلامًا من ورائه، فذهبوا ينظرون، فإذا هو الخضر. ٨٥ - وحديث: يلتقي الخضر وإلياس كل عام. ٨٦ - وحديث: يجتمع بعرفة جبريل وميكائيل والخضر، الحديث المفترى الطويل. سئل إبراهيم الحربي عن تعمير الخضر، وأنه باق، فقال: من أحال على غائب لم ينتصف منه، وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان. وسئل البخاري عن الخضر وإلياس هل هما أحياء؟ فقال: كيف يكون هذا؟ وقد قال النبيّ -ﷺ-: «لا يبقى على رأس مئة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد». وسئل عن ذلك كثير غيره من الأئمة، فقالوا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء: ٣٤]. وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: لو كان الخضر حيًّا لوجب عليه أن يأتي النبيّ -ﷺ-، ويجاهد بين يديه، ويتعلم منه، وقد قال النبيّ -ﷺ- يوم بدر: «اللَّهُمَّ إن تهلك هذه العصابة، لا تُعبد في الأرض»، وكانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلًا معروفين بأسمائهم، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، فأين كان الخضر حينئذ؟. وقد قال أبو الفرج ابن الجوزيّ: والدليل على أن الخضر ليس بباق في الدنيا أربعة أشياء: القرآن، والسُّنَّة، وإجماع المحققين من العلماء، والمعقول. أما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، فلو دام الخضر كان خالدًا. وأما السُّنَّة فذكر حديث: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مئة سنة منها لا يبقى على ظهر الأرض ممن هو عليها أحد»، متّفق عليه. وفي «صحيح مسلم» عن جابر بن عبد الله -﵄ - قال: قال رسول الله -ﷺ- قبل موته بقليل: «ما من نفس منفوسة، يأتي عليها مئة سنة، وهي يومئذ حية»، ثم ذكر عن البخاريّ، وعلي بن موسى الرضا، أن الخضر مات، وأن البخاريّ سئل عن حياته، فقال: كيف يكون ذلك؟ وقد قال النبيّ -ﷺ-: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مئة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ». قال: وممن قال: إن الخضر مات: إبراهيم بن إسحاق الحربيّ، وأبو الحسين ابن المنادي، وهما إمامان، وكان ابن المنادي يُقَبِّح قول من يقول: إنه حيّ. وحكى القاضي أبو يعلى موته عن بعض أصحاب أحمد، وذكر عن بعض أهل العلم أنه احتجّ بأنه لو كان حيًّا لوجب عليه أن يأتي إلى النبيّ -ﷺ-، وقال: حدّثنا أحمد، عن شريح بن النعمان، حدّثنا هشيم، أخبرنا مجالد، عن الشعبيّ، عن جابر بن عبد الله -﵄ -؛ أن رسول الله -ﷺ- قال: «والذي نفسي بيده، لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا أن يتّبعني» ، فكيف يكون حيًّا، ولا يصلي مع رسول الله -ﷺ- الجمعة، والجماعة، ويجاهد معه؟ ألا ترى أن عيسى ﵇ إذا نزل إلى الأرض يصلي خلف إمام هذه الأمة، ولا يتقدم؛ لئلا يكون ذلك خدشًا في نبوّة محمد -ﷺ-. قال أبو الفرج: وما أبعدَ فَهْم من يُثبت وجود الخضر، وينسى ما في طيّ إثباته من الإعراض عن هذه الشريعة. أما الدليل من المعقول فمن عشرة أوجه: أحدها: أن الذي أثبت حياته يقول: إنه ولدُ آدم لِصُلبه، وهذا فاسد لوجهين: أحدهما: أن يكون عمره الآن ستة آلاف سنة، فيما ذُكر في كتاب يوحنا المؤرخ، ومثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق البشر. والثاني: أنه لو كان ولده لِصُلبه أو الرابع مِن وَلَد وَلَده، كما زعموا، وأنه كان وزير ذي القرنين، فإن تلك الخلقة ليست على خلقتنا، بل مفرط في الطول والعرض. وفي «الصحيحين» من حديث أبي هريرة -﵁ -، عن رسول الله -ﷺ-؛ أنه قال: «خلق الله آدم طوله ستون ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص بعدُ»، وما ذَكَر أحد ممن رأى الخضر أنه رآه على خلقة عظيمة، وهو من أقدم الناس. الوجه الثالث: أنه لو كان الخضر قبل نوح لركب معه في السفينة، ولم يَنقل هذا أحد. الوجه الرابع: أنه اتفق العلماء أن نوحًا لمّا نزل من السفينة مات مَن كان معه، ثم مات نَسْلهم، ولم يبق غير نَسْل نوح. والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]، وهذا يُبطل قول من قال: إنه كان قبل نوح. الوجه الخامس: أن هذا لو كان صحيحًا أن بَشَرًا من بني آدم يعيش من حين يولد إلى آخر الدهر، ومولده قبل نوح، لكان هذا من أعظم الآيات والعجائب، وكان خبره في القرآن مذكورًا في غير موضع؛ لأنه من أعظم آيات الربوبية، وقد ذكر الله ﷾ مَن أحياه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وجعله آية، فكيف بمن أحياه إلى آخر الدهر. ولهذا قال بعض أهل العلم: ما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان. والوجه السادس: أن القول بحياة الخضر قول على الله بلا علم، وذلك حرام بنص القرآن، أما المقدمة الثانية فظاهرة، وأما الأُولى، فإن حياته لو كانت ثابتة لدلّ عليها القرآن، أو السُّنَّة، أو إجماع الأمة، فهذا كتاب الله تعالى، فأين فيه حياة الخضر؟ وهذه سُنَّة رسول الله -ﷺ-، فأين فيها ما يدل على ذلك بوجه من الوجوه؟ وهؤلاء علماء الأمة، هل أجمعوا على حياته؟. الوجه السابع: أن غاية ما يتمسك به من ذهب إلى حياته حكايات منقولة يُخبر الرجل بها أنه رأى الخضر، فيالله العجب، هل للخضر علامات يعرفه بها من رآه، وكثير من هؤلاء يغتر بقوله: أنا الخضر، ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من الله، فأين للرائي أن المخبر له صادق، لا يكذب؟ الوجه الثامن: أن الخضر فارق موسى بن عمران كليم الرحمن، ولم يصاحبه، وقال له: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]، فكيف يرضى لنفسه بمفارقته لمثل موسى، ثم يجتمع بجهلة العباد الخارجين عن الشريعة الذين لا يحضرون جمعة، ولا جماعة، ولا مجلس علم، ولا يعرفون من الشريعة شيئًا، وكل منهم يقول: قال الخضر، وجاءني الخضر، وأوصاني الخضر؟ فيا عجبًا له، يفارق كليم الله تعالى، ويدور على صحبة الجهال، ومن لا يعرف كيف يتوضأ؟، ولا كيف يصلي؟. الوجه التاسع: أن الأمة مجمعة على أن الذي يقول: أنا الخضر لو قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول كذا وكذا، لم يُلْتَفَت إلى قوله، ولم يُحتجّ به في الدين، إلا أن يقال: إنه لم يأت رسول الله -ﷺ-، ولا بايعه، أو يقول هذا الجاهل: إنه لم يُرسَل إليه، وفي هذا من الكفر ما فيه. الوجه العاشر: أنه لو كان حيًّا لكان جهاده الكفار، ورباطه في سبيل الله، ومقامه في الصف ساعة، وحضور الجمعة والجماعة، وتعليم العلم أفضل له بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار، والفلوات، وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه، والعيب له؟ انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الحقّ والصواب في الخضر ﵇ أنه نبيّ، وأن القول ببقائه إلى الآن زعم باطلٌ، والأدلّة على ذلك واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار، نسأل الله تعالى أن يرينا الحقّ حقًّا، ويرزقنا اتّباعه، ويرينا الباطل باطلًا، ويرزقنا اجتنابه، فإنه وليّ التوفيق، والهادي إلى سواء السبيل. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٦١] (…) - (حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَاد، وَلَمْ يَذْكُرْ: «قَبْلَ مَوْتهِ بِشَهْرٍ»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ، قد يخطئ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٩. و«ابن جُريج» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية محمد بن بكر عن ابن جريج ساقها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (١٤٤٩١) - حدّثنا محمد بن بكر، أنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: «يسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأُقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة اليوم، يأتي عليها مائة سنة». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٦٢] (…) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِر، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-؛ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ، أَو نَحْوِ ذَلِكَ: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ الْيَوْمَ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ»، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبِ السِّقَايَة، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيَّ -ﷺ-، بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَفَسَّرَهَا عَبْدُ الرَّحْمَن، قَالَ: نَقْصُ الْعُمُرِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) وقيل: بعدها (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٩٢/ ٥٠٣. ٣ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلَقَّب الطُّفَيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. ٤ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن سبع وتسعين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٥ - (أَبُو نَضْرَةَ) -بنون، وضاد معجمة ساكنة - المنذر بن مالك بن قُطَعة -بضمّ القاف، وفتح الطاء المهملة - الْعَبْديّ الْعَوَقيّ - بفتح العين المهملة، والواو، ثم قاف - البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. ٦ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ السِّقَايَةِ) هو: عبد الرحمن بن آدم البصريّ المعروف بصاحب السقاية، مولى أم بُرْثُن -بضمّ الموحّدة، وسكون الراء، بعدها مثلثة مضمومة، ثم نون - وربما قيل له: ابن بُرْثُن، وقد تُبْدل النون ميمًا، صدوقٌ [٣]. رَوَى عن عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وجابر، ورجل من الصحابة لم يسمّه. وروى عنه قتادة، وأبو العالية، وسليمان التيميّ، وعوف الأعرابيّ، وأبو الورد بن ثمامة. قال ابن معين: عبد الرحمن بن برثن، وابن برثم سواء، وقال الدارقطنيّ: عبد الرحمن بن آدم، إنما نُسب إلى آدم أبي البشر، ولم يكن له أب يُعْرَف، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال المدائني: استعمله عبيد الله بن زياد، ثم عزله، وأغرمه مائة ألف، ثم رحل إلى يزيد بن معاوية، فكتب إلى عبيد الله بن زياد أن يُخلف له ما أخذ منه، قال: وكان من شأنه فيما ذكر جويرية بن أسماء أن أم برثن كانت امرأة تعالج الطيب، فأصابت غلامًا لقطة، فربّته حتى أدرك، وسمّته عبد الرحمن، فكلّمت نساء عبيد الله بن زياد، فكلّمته فيه مولاه، فكان يقال له: عبد الرحمن ابن أم برثن، وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: لا بأس به، حكاه ابن أبي حاتم، وقال ابن عبديّ: ثنا محمد بن عليّ، ثنا عثمان بن سعيد، سألت ابن معين عن عبد الرحمن بن آدم، فقال: لا أعرفه، فإما أن يكون آخر، أو لم يستحضره عند سؤال عثمان. أخرج له المصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. و«جابر بن عبد الله -﵄ -» ذُكر قبله. وقوله: (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ … إلخ) قال النوويّ ﵀: هو معطوف على قول المعتمر بن سليمان: سمعت أبي، قال: حدثنا أبو نضرة، ثم قال بعد تمام الحديث: وعن عبد الرحمن، فالقائل: وعن عبد الرحمن هو سليمان والد المعتمر، فسليمان يرويه بإسناد مسلم إليه عن اثنين: أبي نضرة، وعبد الرحمن صاحب السقاية، كلاهما عن جابر -﵁ -، والله أعلم. انتهى . وقوله: (صَاحِبِ السِّقَايَةِ) لم أجد من بيّن سبب تسميته بهذا اللقب، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَفَسَّرَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هكذا في رواية مسلم أن التفسير لعبد الرحمن، ووقع في «مصنّف ابن أبي شيبة»، و«مسند أحمد» بلفظ: «وفسَّر جابر: نقصان من العمر» ، فجعل التفسير من كلام جابر، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَفَسَّرَهَا عَبْدُ الرَّحْمَن، قَالَ: نَقْصُ الْعُمُرِ)؛ أي: فسّر المائة المذكورة في الحديث، فقال: المراد بها: نَقْص عُمُر الناس، فلا تتجاوز أعمارهم المائة، إلا قليلًا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٦٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيّ، تقدّم قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. [تنبيه]: رواية يزيد بن هارون عن سليمان التيميّ لم أجد من ساقها
مصادر المؤلف (١٠)

١. «صحيح البخاريّ»١/ ٢١٦.

٢. «صحيح البخاريّ»١/ ٥٥.

٣. «مشارق الأنوار» ١/ ٣٨١.

٤. «النهاية في غريب الأثر» ٥/ ٩٤.

٥. «شرح النوويّ» ١٦/ ٩٠.

٦. حديث حسن، راجع: «مختصر العلوّ» للشيخ الألباني ص ٥٩.

٧. «نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول» ١/ ٦٢ - ٦٧.

٨. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ٣٢٢.

٩. «شرح النوويّ» ١٦/ ٩٠ - ٩٢.

١٠. راجع: «مصنّف ابن أبي شيبة» ٧/ ٥٠٣، و«مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ٣٧٩.