HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٥٣

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا ابن مهدي عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النواس بن سمعان الأنصاري. قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عن البر والإثم؟ فقال «البر حسن الخلق. والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص6
ج ٤ ص ١٩٨٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٨٢
[٧٧٥] وقوله: (وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدرِكَ) ، قال الليث : الحَيْكُ: أن يأخذ القولُ قلبَك، يقال: ما يَحيك كلامُك في فلان، وحاك الفأسُ في الشجرة: أي أثَّر فيها، وحاك في قلبي شيء أي: أهمَّني.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص٢٦٩
(٥) - (بَابُ تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّلَ الكتاب قال: [٦٤٩٥] (٢٥٥٣) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوَيةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ، فَقَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُق، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) السمين البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (ابْنُ مَهْدِيٍّ) هو: عبد الرَّحمن بن مهديّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ) بن حُدَير - بالمهملة، مصغرًا - الحضرميّ، أبو عمرو، وأبو عبد الرَّحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، ثقةٌ، له أوهام [٧] (ت ١٥٨) وقيل: بعد السبعين (ز م ٤) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ) هو: عبد الرَّحمن بن جبير - بجيم، وموحّدة، مصغرًا - ابن نُفير - بِنون، وفاء، مصغرًا - الحضرميّ الحمصيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١١٨) (بخ م ٤) تقدم في «الجنائز» ٢٥/ ٢٢٣٢. ٥ - (أَبُوهُ) جُبير بن نُفير بن مالك بن عامر الحضرميّ الحمصيّ، ثقةٌ جليلٌ مخضرم [٢] ولأبيه صحبة، مات سنة ثمانين، وقيل: بعدها (بخ م ٤) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. ٦ - (النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ الأَنْصَارِيُّ) هو: النوّاس - بتشديد الواو، ثم سين مهملة - ابن سمعان بن خالد الكلابيّ، أو الأنصاريّ، الصحابي المشهور، سكن الشام (بخ م ٤) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٤٣/ ١٨٧٦. [تنبيه]: قوله: «الأنصاريّ» قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ - ﵀ -: هكذا نُسب في هذا الإسناد: «الأنصاريّ»، والمشهور فيه: النوّاس الكلابيّ، من بني أبي بكر بن كلاب، إلَّا أن يكون حليفًا للأنصار، وهو النوّاس بن سِمْعان بن خالد بن عمرو بن قُرْط بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، هكذا نسبه المفضّل بن غسّان الْغَلابيّ عن يحيى بن معين. انتهى . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالشاميين من معاوية بن صالح، وشيخه بغداديّ، وابن مهديّ بصريّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ: عبد الرَّحمن عن أبيه. شرح الحديث: (عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ) بفتح السين المهملة، وكسرها، وقوله: (الأَنْصَارِيِّ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا وقع في نسخ «صحيح مسلم»: «الأنصاريّ»، قال أبو عليّ الجيّانيّ: هذا وَهَمٌ، وصوابه «الكلابي»، فإن النوّاس كلابيّ مشهور، قال المازريّ، والقاضي عياض: المشهور أنه كلابيّ، ولعله حليف للأنصار، قالا: وهو النوّاس بن سِمعان بن خالد بن عمرو بن قُرْط بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، كذا نسبه العلاليّ، عن يحيى بن معين. انتهى . وتقدّم ما قاله الجيّانيّ فيه قريبًا. (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ) قال القرطبيّ - ﵀ -: أي: عما يَبرّ فاعله، فيلحق بالأبرار، وهم المطيعون لله تعالى، وعما يأثم فاعله، فيلحق بالآثمين، فأجابه النبيّ - ﷺ - بجواب جُمليّ أغناه به عن التفصيل، فقال له: («الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ)؛ يعني: أن حُسن الخُلق أعظم خصال البرّ، كما قال:»الحج عرفة«؛ ويعني بحسن الخلق: الإنصاف في المعاملة، والرّفق في المجادلة، والعدل في الأحكام، والبذل، والإحسان. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: البرّ يكون بمعنى الصلة، وبمعنى اللطف، والمبرّة، وحسن الصحبة، والعِشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق. (وَالإِثْمُ مَما حَاكَ فِي صَدْرِكَ)؛ أي: ما شككت فيه، أنه حلال، أو حرام (وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ) فالاحتياط أن تتركه، وقال النوويّ - ﵀ -: معنى«حاك في صدرك»: أي: تحرّك فيه، وتردّد، ولم ينشرح له الصدر، وحصل في القلب منه الشكّ، وخَوْف كونه ذنبًا . وقال ابن منظور: قوله:«ما حكّ في نفسك»: أي: إذا لَمْ تكن منشرح الصدر به، وكان في قلبك منه شيء من الشكّ، والرَّيب، وأوهمك أنه ذنب وخطيئة، ومنه الحديث الآخر:«ما حكّ في صدرك، وإن أفتاك المفتون»، قال الأزهريّ: ومنه حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -:«الإثم حَوّاز القلوب»؛ يعني: ما حَزّ في نفسك، وحَكّ فاجتنبه، فإنه الإثم، وإن أفتاك فيه الناس بغيره . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«والإثم ما حاك في نفسك … إلخ»؛ أي: الشيء الذي يؤثر نفرةً، وحَزَازة في القلب، يقال: حاك الشيء في قلبي: إذا رَسَخ فيه، وثَبَت، ولا يحيك هذا في قلبي؛ أي: لا يثبت فيه، ولا يستقر، قال شَمِر: الكلام الحانك: هو الراسخ في القلب، وَإنما أحاله النبيّ - ﷺ - على هذا الإدراك القلبيّ؛ لِمَا عَلِم من جودة فهمه، وحسن قريحته، وتنوير قلبه، وأنه يُدرك ذلك من نفسه، وهذا كما قال في الحديث الآخر:«الإثم حَزَّاز القلوب»؛ يعني به: القلوب المنشرحة للإسلام، المنوّرة بالعلم الذي قال فيه مالك: العلم نور يقذفه الله تعالى في القلب، وهذا الجواب لا يصلح لغليظ الطبع، قليل الفهم، فإذا سأل عن ذلك مَن قَلَّ فهمه، فصّلت له الأوامر، والنواهي الشرعيّة، وقد قالت عائشة - ﵂ -:«أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نُنَزّل الناس منازلهم». انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث النّوّاس بن سِمْعان - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٦٤٩٥ و٦٤٩٦] (٢٥٥٣)، و(الترمذيّ) في«الزهد»(٢٣٨٩)، و(البخاريّ) في«الأدب المفرد»(٢٩٥ و٣٠٢)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ١٨٢)، و(الدارميّ) في«سننه»(٢/ ٣٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٥/ ٢١٢)، و(الطبرانيّ) في«مسند الشاميين»(٢/ ٩٦)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٣٩٧)، و(الحاكم) في«المستدرك»(٢/ ١٧)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١٠/ ١٩٢) و«شُعب الإيمان»(٥/ ٤٥٧)، و(البغويّ) في«شرح السُّنة»(٣٤٩٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): وردت أحاديث في حُسن الخُلُق، فمنها: حديث النوّاس بن سِمعان - ﵁ - المذكور في الباب، وحديث:«إن خياركم أحاسنكم أخلاقًا»، رواه البخاريّ، وأخرج أبو يعلى من حديث أنس رفعه:«أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا»، وللترمذيّ، وحَسّنه، والحاكم، وصححه، من حديث أبي هريرة، رَفَعه:«إن من أكمل المؤمنين أحسنهم خُلُقًا»، ولأحمد بسند رجاله ثقات، من حديث جابر بن سمرة نحوه، بلفظ:«أحسن الناس إسلامًا»، وللترمذيّ من حديث جابر، رَفَعه:«إن من أحبكم إليّ، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحسنكم أخلاقًا»، وأخرجه البخاريّ في«الأدب المفرد»من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ولأحمد، والطبرانيّ، وصححه ابن حبان، من حديث أبي ثعلبة نحوه، وقال:«أحاسنكم أخلاقًا»، وسياقه أتمّ. وللبخاريّ في«الأدب المفرد»، وابن حبان، والحاكم، والطبرانيّ، من حديث أسامة بن شَرِيك:«قالوا: يا رسول الله من أحبّ عباد الله إلى الله؟ قال: أحسنهم خُلُقًا»، وفي رواية عنه:«ما خَيْر ما أُعطي الإنسان؟ قال: خُلُق حسن». وحديثُ أبي الدرداء رفعه:«ما شيء أثقل في الميزان من حُسْن الخلق»، أخرجه البخاريّ في«الأدب المفرد»، وأبو داود، والترمذيّ، وصححه هو وابن حبان، وزاد الترمذيّ فيه، وهو عند البزار:«وأن صاحب حُسْن الخلق ليبلغ درجة صاحب الصوم والصلاة»، وأخرج أبو داود، وابن حبان أيضًا، والحاكم، من حديث عائشة - ﵂ - نحوه، وأخرجه الطبرانيّ في«الأوسط»، والحاكم، من حديث أبي هريرة، وأخرجه الطبرانيّ من حديث أنس نحوه، وأخرج أحمد، والطبرانيّ، من حديث عبد الله بن عمرو، وأخرج الترمذيّ، وابن حبان، وصححاه، وهو عند البخاريّ في«الأدب المفرد»من حديث أبي هريرة:«سئل النبيّ - ﷺ - عن أكثر ما يدخل الناس الجَنَّة، فقال: تقوى الله، وحسن الخلق»، وللبزار بسند حسن، من حديث أبي هريرة، رفعه:«إنكم لن تَسَعُوا الناس بأموالكم، ولكن يَسَعُهُم منكم بَسْط الوجه، وحُسْن الخُلُق». قال الحافظ: والأحاديث في ذلك كثيرة، وحَكَى ابن بطال تبعًا للطبريّ خلافًا، هل حسن الخلق غريزة، أو مكتسب؟ وتمسَّك من قال: إنه غريزة بحديث ابن مسعود:«إن الله قَسَم أخلاقكم، كما قَسَم أرزاقكم. . .»الحديث، وهو عند البخاري في«الأدب المفرد». وقال القرطبيّ في«المفهم»: الخُلُق جِبِلّة في نوع الإنسان، وهم في ذلك متفاوتون، فمن غلب عليه شيء منها، إن كان محمودًا، وإلَّا فهو مأمور بالمجاهدة فيه، حتى يصير محمودًا، وكذا إن كان ضعيفًا، فيرتاض صاحبه حتى يقوى. انتهى. وقد وقع في حديث الأشجّ الْعَصَريّ عند أحمد، والنسائيّ، والبخاريّ في«الأدب المفرد»، وصححه ابن حبان:«أن النبيّ - ﷺ - قال: إن فيك لخصلتين، يحبهما الله: الحِلْم، والأناة، قال: يا رسول الله! قدِيمًا كانا فيّ، أو حديثًا؟ قال: قديمًا، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلُقين يحبهما»، فترديده السؤال، وتقريره عليه، يُشعر بأن في الخُلُق ما هو جِبِليّ، وما هو مكتسب. ذكر هذا كلّه في«الفتح». وقال الحافظ ابن رجب - ﵀ -: - عند شرح حديث النوّاس - ﵁ - المذكور هنا -: وقد رُوي هذا الحديث عن النبيّ - ﷺ - من وجوه متعدّدة، وبعض طرقه جيّدة: فخرّجه الإمام أحمد، وابن حبان في«صحيحه»من طريق يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جدّه ممطور، عن أبي أمامة:«قال: قال رجل: يا رسول الله، ما الإثم؟ قال: إذا حاك في صدرك شيء فَدَعْه»، وهذا إسناد جيّد على شرط مسلم، فإنه خرّج حديث يحيى بن كثير، عن زيد بن سلام، وأثبت أحمد سماعه منه، وإن أنكره ابن معين. وخرَّج الإمام أحمد، من رواية عبد الله بن العلاء بن زبر، قال: سمعت مسلم بن مشكم، قال: سمعت أبا ثعلبة الْخُشَنِيّ يقول: قلت: يا رسول الله أخبرني ما يَحِلّ لي، وما يحرم عليّ، قال:«البرّ ما سكنت إليه النفس، واطمأنّ إليه القلب، والإثم ما لَمْ تسكن إليه النفس، ولا يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون»، وهذا أيضًا إسناد جيّد، وعبد الله بن علاء بن زبر ثقةٌ مشهورٌ، وخرّج له البخاريّ، ومسلم بن مشكم ثقةٌ مشهورٌ أيضًا. وخرّج الطبرانيّ وغيره بإسناد ضعيف، من حديث واثلة بن الأسقع - ﵁ -:«قال: قلت للنبيّ - ﷺ -: أفتني عن أمر لا أسألك عنه أحدًا بعدك، قال: استفت نفسك، قلت: كيف لي بذلك؟ قال: تَدَعُ ما يُريبك إلى ما لا يُريبك، وإن أفتاك المفتون، قلت: كيف بذلك؟ قال: تضع يدك على قلبك، فإن الفؤاد لَيَسْكُن للحلال، ولا يسكن للحرام»، ويُروَى نحوه من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف أيضًا. ورَوَى ابن لَهِيعة عن يزيد بن أبي حبيب، أن سُويد بن قيس أخبره، عن عبد الرَّحمن بن معاوية: أن رجلًا سأل النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله ما يحل لي، وما يحرم عليّ؟ وردّد عليه ثلاث مرّات، كلَّ ذلك يسكت النبيّ - ﷺ -، ثم قال:«أين السائل؟ »فقال له: أنا يا رسول الله، فقال بأصبعه:«ما أنكر قلبك فدعه»، خرّجه أبو القاسم البغويّ في«معجمه»، وقال: لا أدري عبد الرَّحمن بن معاوية، سمع من النبيّ - ﷺ - أم لا؟ ولا أعلم له غير هذا الحديث. قال ابن رجب: هو عبد الرَّحمن بن معاوية بن خَدِيج، جاء منسوبًا في«كتاب الزهد»لابن المبارك، وعبد الرَّحمن هو تابعيّ مشهور، فحديثه مرسل، وقد صحّ عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال:«الإثم حوّاز القلوب»، واحتجّ به الإمام أحمد، ورواه عن جرير، عن منصور، عن محمد بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، قال: قال عبد الله: إياكم وحزّاز القلوب، وما حَزّ في قلبك فَدَعْه، قال أبو الدرداء: الخير في طمأنينة، والشرّ في ريبة. ورَوَى ابن مسعود من وجه منقطع، أنه قيل له: أرأيت شيئًا يحيك في صدورنا، لا ندري حلال هو، أم حرام؟ فقال: وإياكم والحكّاكات، فإنهن الإثم. والحكّ، والحزّ متقاربان في المعنى، والمراد: ما أثّر في القلب ضِيقًا، وحَرَجًا، ونفُورًا، وكراهة. انتهى . (المسألة الرابعة): ذكر الحافظ ابن رجب - ﵀ - بحثًا نفيسًا يتعلّق بهذه الأحاديث، فقال بعد أن أوردها: وهذه الأحاديث مشتملة على تفسير البرّ والإثم، وبعضها في تفسير الحلال، والحرام، فحديث النّوّاس بن سِمعان فسّر به النبيّ - ﷺ - البرّ بحُسن الخُلُق، وفسّره في حديث وابصة وغيره بما اطمأنت إليه النفس والقلب، كما فسَّر الحلال والحرام بذلك في حديث أبي ثعلبة، وإنما اختُلِف في تفسير البرّ؛ لأنَّ البرّ يُطلق باعتبارين معيَّنين: أحدهما: باعتبار معاملة الخَلْق بالإحسان إليهم، وربما خُصّ بالإحسان إلى الوالدين، فيقال: برّ الوالدين، ويُطلق كثيرًا على الإحسان إلى الخَلْق عمومًا، وقد صنّف ابن المبارك كتابًا سمّاه«كتاب البرّ والصلة»، وكذلك في«صحيح البخاريّ»، و«جامع الترمذيّ»، و«كتاب البرّ والصلة»، ويتضمن هذا الكتاب الإحسان إلى الخَلْق عمومًا، ويقدَّم فيه برّ الوالدين على غيرهما. وفي حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، أنه قال: يا رسول الله من أَبَرّ؟ قال:«أمك»، قال: ثم من؟ قال:«أباك»، قال: ثم من؟ قال:«ثم الأقرب، فالأقرب»، ومن هذا المعنى قول النبيّ - ﷺ -:«الحج المبرور ليس له جزاء إلَّا الجَنَّة». وفي«المسند»أنه - ﷺ - سئل عن بِرّ الحج، فقال:«إطعام الطعام، وإفشاء السلام»، وفي رواية أخرى:«قال: وطِيْب الكلام»، وكان ابن عمر - ﵄ - يقول: البرّ شيء هَيِّن: وجهٌ طَلْقٌ، وكلامٌ ليّن. وإذا قُرن البرّ بالتقوي، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] فقد يكون المراد بالبرّ: معاملة الخلق بالإحسان، وبالتقوى: معاملة الحقّ بفعل طاعته، واجتناب محرماته، وقد يكون أريدَ بالبرّ فِعْل الواجبات، وبالتقوى اجتناب المحرمات، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ = واستفت نفسك - ثلاث مرات - البرّ ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس، وتردّد في الصدر، وإن أفتاك الناس، وأفتوك». انتهى. قال النوويّ - ﵀ - في«الأربعين»: حديث حسن، وكذا حسّنه الألبانيّ - ﵀ - لغيره، وضعّفه ابن رجب، لضعف بعض رجاله، ولانقطاعه، راجع:«جامع العلوم والحكم»٢/ ٩٣ - ٩٤. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن تحسينه لشواهده هو الحقّ، فإن أحاديث الباب التي أوردناها في الشرح تشهد له، فتأملها بالإمعان، وبالله تعالى التوفيق. [المائدة: ٢] قد يراد بالإثم: المعاصي، وبالعدوان: ظُلْم الخَلْق، وقد يراد بالإثم: ما هو محرّم في نفسه، كالزنا، والسرقة، وشُرْب الخمر، وبالعدوان: تجاوُز ما أُذن فيه إلى ما نُهي عنه مما جنسه مأذون فيه، كقَتْل ما أبيح قَتْله بقصاص، ومن لا يباح فيه، وأخْذ زيادة على الواجب من الناس في الزكاة ونحوها، ومجاوزة الجَلْد الذي أُمر به في الحدود ونحو ذلك. والمعنى الثاني من معنى البرّ: أن يراد به فِعْل جميع الطاعات الظاهرة والباطنة، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقد رُوي عن النبيّ - ﷺ - أنه سئل عن الإيمان، فتلا هذه الآية، فالبرّ بهذا المعنى يدخل فيه جميع الطاعات الباطنة، كالإيمان بالله، وملائكته، وكُتُبه، ورسله، والطاعات الظاهرة، كإنفاق الأموال فيما يحبه الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر على الأقدار، كالمرض، والفقر، وعلى الطاعات؛ كالصبر على لقاء العدوّ. وقد يكون جواب النبيّ - ﷺ - في حديث النّوّاس شاملًا لهذه الخصال كلِّها؛ لأنَّ حُسْن الخُلُق قد يراد به التخلق بأخلاق الشريعة، والتأدب بآداب الله تعالى التي أدّب بها عباده في كتابه، كما قال لرسوله - ﷺ -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وقالت عائشة - ﵂ -: كان خُلُقه - ﷺ - القرآن، تعني أنه يتأدّب بآدابه، فيفعل أوامره، ويتجنب نواهيه، فصار العمل بالقرآن له خُلُقًا، كالجبلَّة، والطبيعة، لا يفارقه، وهذا من أحسن الأخلاق، وأشرفها، وأجملها، وقد قيل: إن الدين كلّه خُلُقٌ. وأما في حديث وابصة، فقال: «البر ما اطمأنّ إليه القلب، واطمأنت إليه النفس»، وفي رواية: «ما انشرح إليه الصدر»، وفسّر الحلال بنحو ذلك، كما في حديث أبي ثعلبة وغيره، وهذا يدلّ على أنَّ الله فَطَر عباده على معرفة الحقّ، والسكون إليه، وقَبوله، ورَكز في الطباع محبة ذلك، والنفور عن ضدّه، وقد يدخل هذا في قوله في حديث عياض بن حِمَار: «إني خَلَقت عبادي حنفاء، مسلمين، فأتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، فحرَّمَتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمَرَتْهم أن يُشركوا بي ما لَمْ أُنَزِّل به سلطانًا»، وقولِهِ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه، أو ينصرانه، أو يمجّسانه، كما تُنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسُّون فيها من جدعاء؟»، قال أبو هريرة - ﵁ -: «اقرأوا إن شئتم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ الآية [الروم: ٣٠]، ولهذا سَمَّى الله تعالى ما أمره به معروفًا، وما نهى عنه منكرًا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ الآية [النحل: ٩٠]، وقال تعالى في صفة الرسول - ﷺ -: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، وأخبر أن قلوب المؤمنين تطمئنّ بذكره، فالقلب الذي دخله نور الإيمان، وانشرح به، وانفسح سكن للحقّ، واطمأنّ به، ويقبله، وَينْفُر عن الباطل، ويكرهه، ولا يقبله. وقال معاذ بن جبل - ﵁ -: أُحَذِّركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحقّ، فقيل لمعاذ: ما يدريني أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحقّ؟ قال: اجتَنِب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال: ما هذه؟ ولا يَثنِينّك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلقّ الحقَّ إن سمعته، فإن على الحقّ نورًا. خرّجه أبو داود، وفي رواية له: قال: بل ما تشابه عليك من قول الحكيم حتى تقول: ما أراد بهذه الكلمة؟. فهذا يدلّ على أنَّ الحقّ والباطل لا يلتبس أمرهما على المؤمن البصير، بل يَعْرِف الحقّ بالنور عليه، فيقبله قلبه، وينفر عن الباطل، فينكره، ولا يعرفه. ومن هذا المعنى قول النبيّ - ﷺ -: «سيكون في آخر الزمان قوم يُحدّثونكم بما لا تسمعون أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم»؛ يعني: أنهم يأتون بما تستنكره قلوب المؤمنين، ولا تعرفه، وفي قوله: «أنتم ولا آباؤكم» إشارة إلى أن ما استقرّت معرفته عند المؤمنين، مع تقادم العهد، وتطاول الزمان، فهو الحقّ، وأن ما أُحدث بعد ذلك، فما يُستنكَر فلا خير فيه. فدلّ حديث وابصة - ﵁ -، وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، فما سكن إليه القلب، وانشرح إليه الصدر، فهو البرّ، والحلال، وما كان خلاف ذلك، فهو الإثم، والحرام. وقوله في حديث النوّاس بن سِمعان - ﵁ -: «الإثم ما حاك في الصدر، وكَرِهت أن يطّلع عليه الناس» إشارة إلى أن الإثم ما أَثّر في الصدر حرجًا، وضِيقًا، وقَلَقًا، واضطرابًا، فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا فهو عند الناس مستنكر، بحيث ينكرونه عند اطّلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكر الناس فاعله، وغير فاعله. ومن هذا المعنى قول ابن مسعود - ﵁ -: ما رآه المؤمنون حسنًا، فهو عند الله حسنٌ، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح . وقوله في حديث وابصة، وأبي ثعلبة: «وإن أفتاك المفتون»؛ يعني: أن ما حاك في حدر الإنسان، فهو إثم، وإن أفتاه غيره بأنه ليس بإثم، فهذه مرتبة ثانية، وهو أن يكون الشيء مستنكَرًا عند فاعله، دون غيره، وقد جعله أيضًا إثْمًا، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شُرِح صدره للإيمان، وكان المفتي يفتي له بمجرد ظنّ، أو ميل إلى هوي، من غير دليل شرعيّ، فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعيّ، فالواجب على المستفتي الرجوع إليه، وإن لَمْ ينشرح له صدره، وهذا كالرخصة الشرعية، مثل الفِطْر في السفر، والمرض، وقَصْر الصلاة في السفر، ونحو ذلك، مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال، فهذا لا عبرة به، وقد كان النبيّ - ﷺ - أحيانًا يأمر أصحابه بما لا تنشرح به صدور بعضهم، فيمتنعون من قوله، فيغضب من ذلك، كما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، فكرهه من كرهه منهم، وكما أمرهم بنحر هَدْيهم، والتحلل من عمرة الحديبية، فكرهوه، وكرهوا مفاوضته لقريش على أنَّ يرجع من عامة، وعلى أنَّ من أتاه منهم يردّه إليهم. وفي الجملة، فما ورد النصّ به، فليس للمؤمن إلَّا طاعة الله تعالى ورسوله - ﷺ -، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦]، وينبغي أن يُتَلَقَّى ذلك بانشراح الصدر والرضا، فإن ما شرعه الله تعالى ورسوله - ﷺ - يجب الإيمان، والرضا به، والتسليم له، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وأما ما ليس فيه نصّ من الله، ولا رسوله - ﷺ -، ولا عمن يُقتدَى بقوله من الصحابة، وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئنّ قلبه بالإيمان، المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين، منه شيءٌ، وحَكّ في صدره بشبهة موجودة، ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلَّا من يُخْبر عن رأيه، وهو ممن لا يوثَق بعلمه، وبدينه، بل هو معروف باتباع الهوي، فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره، وإن أفتاه هؤلاء المفتون. وقد نَصّ الإمام أحمد على مثل هذا أيضًا، قال المروزيّ في «كتاب الورع»: قلت لأبي عبد الله: إن القُطَيعة أرفق بي من سائر الأسواق، وقد وقع في قلبي من أمرها شيء، فقال: أمْرها أمر قذر، متلوث، قلت: فتكره العمل فيها؛ قال: دع عنك هذا، إن كان لا يقع في قلبك شيء، قلت: قد وقع في قلبي منها، فقال: قال ابن مسعود: الإثم حَوّاز القلب، قلت: إنما هذا على المشاورة، قال: أي شيء يقع في قلبك؟ قلت: قد اضطرب على قلبي، قال: الإثم هو حوّاز القلوب. قال ابن رجب - ﵀ -: وقد سبق في شرح حديث النعمان بن بشير - ﵄ -: «الحلال بَيّن، والحرام بين» ، وفي شرح حديث الحسين بن عليّ - ﵄ -: «دع ما يريبك …»، وشرح حديث: «إذا لَمْ تستح فاصنع ما شئت»، شيء يتعلق بتفسير هذه الأحاديث المذكورة هاهنا. وقد ذكر طوائف من الفقهاء من الشافعية، والحنفية، المتكلمين في أصول الفقه مسألة الإلهام هل هو حجّة أم لا؟ وذكروا فيه اختلافًا بينهم، وذكر طائفة من أصحابنا -يعني: الحنبليّة - أن الكشف ليس بطريق إلى الإحكام، وأخذه القاضي أبو يعلى من كلام أحمد في ذمّ المتكلمين في الوساوس، والخطرات، وخالفهم طائفة من أصحابنا في ذلك، وقد ذكرنا نصًّا عن أحمد هاهنا بالرجوع إلى حَوّاز القلوب، وإنما ذَمّ أحمد وغيره المتكلمين على الوساوس، والخطرات من الصوفية، حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعيّ، بل إلى مجرد رأي، وذوق، كما كان يُنكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي، من غير دليل شرعيّ، فأما الرجوع إلى الأمور المشتبهة إلى حَوّاز القلوب، فقد دلت عليه النصوص النبوية، وفتاوي الصحابة، فكيف ينكره الإمام أحمد بعد ذلك؛ لا سيما، وقد نَصّ على الرجوع إليه موافقة لهم، وقد سبق الحديث: «إن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة» ، فالصدق يتميز من الكذب بسكون القلب إليه، ومعرفته، وبنفوره عن الكذب، وإنكاره، كما قال الربيع بن خُثيم: إن للحديث نورًا كنور النهار، تعرفه، وظلمةً كظلمة الليل، تُنْكره. وخرّج الإمام أحمد من حديث ربيعة، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد، عن أبي حميد، وأبي أسيد بأن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا سمعتم الحديث عني، تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم، وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني، تُنْكره قلوبكم، وتنفر عنه أشعاركم، وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فانا أبعدكم منه»، وإسناده قد قيل: على شرط مسلم؛ لأنه خرّج بهذا الإسناد بعينه حديثًا، لكن هذا الحديث معلول، فإنه رواه بكرٍ بن الأشجّ عن عبد الملك بن سعيد، عن عباس بن سهل، عن أُبَيّ بن كعب من قوله، قال البخاريّ: هو أصح من يحيى بن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: «إذا حُدّثتم عني حديثًا تعرفونه، ولا تنكرونه، فصدقوه، فإني أقول ما يُعْرَف، ولا يُنكَر، وإذا حُدّثتم عني بحديث تنكرونه، ولا تعرفونه، فلا تصدّقوا به، فإني لا أقول ما يُنْكَر، ولا يُعرَف»، وهذا الحديث معلول أيضًا، وقد اختلفوا في إسناده على ابن أبي ذئب، ورواه الحفاظ عنه، عن سعيد مرسلًا، والمرسل أصحّ عند الأئمة الحفاظ، منهم: ابن معين، والبخاريّ، وأبو حاتم الرازيّ، وابن خزيمة، وقال: ما رأيت أحدًا من علماء الحديث يُثْبت وَصْله. وإنما تُحمل مثل هذه الأحاديث على تقدير صحتها على معرفة أئمة أهل الحديث الجهابذة النقاد الذين كثرت دراستهم لكلام النبيّ - ﷺ -، ولكلام غيره؛ لحال رواة الأحاديث، ونقلة الأخبار، ومعرفتهم بصدقهم، وكذبهم، وضبطهم، وحفظهم، فإن هؤلاء لهم نقد خاصّ في الحديث، مختصون بمعرفته، كما يختص الصيرفيّ الحاذق بمعرفة النقود، جيِّدها، ورديئها، وخالصها، ومَشُوبها، والجوهريّ الحاذق في معرفة الجوهر بانتقاد الجواهر، وكل من هؤلاء لا يمكن أن يعبر عن سبب معرفته، ولا يقيم عليه دليلًا لغيره، وآية ذلك أنه يُعْرَض الحديث الواحد على جماعة، ممن يعلم هذا العلم، فيتفقون على الجواب فيه، من غير مواطأة، وقد امتُحِن هذا منهم غير مرّة، في زمن أبي زرعة، وأبي حاتم، فوُجِد الأمر على ذلك، فقال السائل: أشهد أن هذا العلم إلهام. قال الأعمش: كان إبراهيم النخعيّ صيرفيًّا في الحديث، كنت أسمع من الرجال، فأَعْرِض عليه ما سمعته. وقال عمرو بن قيس: ينبغي لصاحب الحديث أن يكون مثل الصيرفيّ الذي ينقُد الدرهم الزائف، والبهرج، وكذا الحديث. وقال الأوزاعيّ: كنا نسمع الحديث، فنَعْرِضه على أصحابنا، كما نَعرِض الدرهم الزائف على الصيارفة، فما عرفوا أخذنا، وما أنكروا تركنا. وقيل لعبد الرَّحمن بن مهديّ: إنك تقول للشيء: هذا يصحّ، وهذا لَمْ يثبت، فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد، فأريته دراهمك، فقال: هذا جيّد، وهذا بَهْرَج، أكنت تسأله عن ذلك، أو تُسَلّم الأمر إليه؟ قال: لا، بل كنت أسلم الأمر إليه، فقال: فهذا كذلك؛ لطول المجالسة، والمناظرة، والخبرة. وقد رُوي نحو هذا المعنى عن الإمام أحمد أيضًا، وأنه قيل له: يا أبا عبد الله تقول: هذا الحديث منكَر، فكيف علمت، ولم تكتب الحديث كله؟، قال: مَثَلُنا كمَثَل ناقد العين، لَمْ تقع بيده العين كلّها، فإذا وقع بيده الدينار يعلم بأنه جيد، أو أنه رديء. وقال ابن مهديّ: معرفة الحديث إلهام، وقال: إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة. وقال أبو حاتم الرازيّ: مَثَل معرفة الحديث، كمَثَل فَصّ ثمنه مائة دينار، وآخر مِثْله على لونه، ثمنه عشرة دراهم، قال: وكما لا يتهيأ للناقد أن يُخبِر بسبب نقده، فكذلك نحن رُزقنا علمًا، لا يتهيأ لنا أن نُخبِر كيف عَلِمنا بأن هذا حديث كذب، وأن هذا حديث منكر، إلَّا بما نعرفه، قال: ويُعْرَف جودة الدينار بالقياس إلى غيره، فإن تخلّف عنه في الحمرة والصفاء عُلم أنه مغشوش، ويُعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره، فإن خالفه في المائية، والصلابة، عُلم أنه زُجاج، ويُعْلَم صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلامًا يصلح مثلُهُ أن يكون كلام النبوة، ويعرف سَقَمه وإنكاره بتفرد من لَمْ تصحّ عدالته بروايته، والله أعلم. وبكل حال فالجهابذة النقّاد العارفون بعلل الحديث أفراد قليل من أهل الحديث جدًّا، وأول من اشتَهَر بالكلام في نقد الحديث ابن سيرين، ثم خلفه أيوب السختيانيّ، وأخذ ذلك عنه شعبة، وأخذ عن شعبة يحيى القطان، وابن مهديّ، وأخذ عنهما أحمد، وعليّ بن المدينيّ، وابن معين، وأخذ عنهم مثل البخاريّ، وأبي داود، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وكان أبو زرعة في زمانه يقول: قَلّ من يفهم هذا، وما أعزّه، إذا دفعت هذا عن واحد واثنين، فما أقلّ من تجد من يُحْسن هذا، ولما مات أبو زرعة قال أبو حاتم: ذهب الذي كان يُحسن هذا -يعني: أبا زرعة- ما بقي بمصر، ولا بالعراق واحد يُحْسِن هذا، وقيل له بعد موت أبي زرعة: تعرف اليوم أحدًا يعرف هذا؛ قال: لا. وجاء بعد هؤلاء جماعة، منهم: النسائيّ، والعُقيليّ، وابن عديّ، والدارقطنيّ، وقلَّ من جاء بعدهم من هو بارع في معرفة ذلك، حتى قال أبو الفرج بن الجوزيّ في أول كتابه«الموضوعات»: قَلّ من يفهم هذا، بل عُدم، والله أعلم. انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب - ﵀ - بطوله ، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيس، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٩٦] (. . .) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ - يَعْنِي: ابْنَ صَالِحٍ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ، قَالَ: أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالْمَدِينَةِ سَنَةً، مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَّا الْمَسْأَلةُ، كَانَ أَحَدُنَا إِذَا هَاجَرَ لَمْ يَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ شَيْءٍ، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُق، وَالإِثْم مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) أبو جعفر التميميّ، نزيل مصر، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالْمَدِينَةِ سَنَةً، مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَّا الْمَسْأَلَةُ … إلخ) قال القاضي وغيره: معناه: أنه أقام بالمدينة كالزائر، من غير نقله إليها من وطنه لاستيطانها، وما مَنَعه من الهجرة، وهي الانتقال من الوطن، واستيطان المدينة، إلَّا الرغبة في سؤال رسول الله - ﷺ - عن أمور الدين، فإنه كان سَمَح بذلك للطارئين، دون المهاجرين، وكان المهاجرون يفرحون بسؤال الغرباء الطارئين، من الأعراب، وغيرهم؛ لأنهم يُحتَمَلون في السؤال، ويُعذرون، ويَستفيد المهاجرون الجواب، كما قال أنس - ﵁ - في الحديث الذي ذكره مسلم في «كتاب الإيمان»: «فكان يُعجبنا أن يجيء الرجل العاقل، من أهل البادية، فيسأله، ونحن نسمع»، والله أعلم. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالْمَدِينَةِ سَنَةً … إلخ»؛ يعني: أنه أقام بالمدينة في صورة العازم على الرجوع إلى الوطن الذي
مصادر المؤلف (١٧)

١. «تقييد المهمل»٣/ ٩٢٠.

٢. «شرح النوويّ»١٦/ ١١٠ - ١١١.

٣. حديث صحيح، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذفي، والنسائيّ، وابن ماجه.

٤. «المفهم»٦/ ٥٢٢.

٥. «شرح النوويّ» ١٦/ ١١١.

٦. صحيح موقوف.

٧. راجع: «لسان العرب» ١٠/ ٤١٤.

٨. تقدّم في«شرح مقدّمة مسلم»أنه حديث مختلَف فيه، والصحيح أنه ضعيف للانقطاع، فارجع إليه هناك، وبالله تعالى التوفيق.

٩. «الفتح»١٠/ ٤٥٩.

١٠. «جامع العلوم والحكم» لابن رجب ٢/ ٩٥ - ٩٧.

١١. حديث وابصة - ﵁ -: هو ما أخرجه أحمد في «مسنده» (٤/ ٢٢٨) عن وابصة بن معبد - ﵁ -، قال: أتيت رسول الله - ﷺ -، وأنا أريد أن لا أدع شيئًا من البرّ والإثم إلَّا سألته عنه، وحوله عصابة من المسلمين، يستفتونه، فجعلت أتخطاهم، فقالوا: «إليك يا وابصة عن رسول الله - ﷺ -»، فقلت: دعوني، فأدنوَ منه، فإنه أحب الناس إليّ أن أدنو منه، قال: «دعوا وابصة، ادْنُ يا وابصة» مرتين، أو ثلاثًا، قال: فدنوت منه، حتى قعدت بين يديه، فقال: «يا وابصة أخبرك، أو تسألني؟» قلت: لا، بل أخبرني، فقال: «جئت تسألني عن البرّ والإثم»، فقال: نعم، فجَمَع أنامله، فجعل ينكت بهنّ في صدري، ويقول: «يا وابصة استفت قلبك، =

١٢. حديث صحيح، رواه أحمد، والبخاريّ في«الأدب المفرد»، وأبو داود، والترمذيّ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ.

١٣. نصّ الحديث: عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قال: «إن الله - ﷿ - نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد - ﷺ - خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالاته، ثم نظر في قلوب العباد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه - ﷺ - يقاتلون عن دينه، فما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئًا، فهو عند الله سيئ»، رواه أحمد، والبزار، والطبرانيّ، في «الكبير»، قال الحافظ الهيثميّ: ورجاله موثقون. انتهى. «مجمع الزوائد» (١/ ١٧٧)، وصححه الحاكم (٣/ ٧٨ - ٧٩) ووافقه الذهبيّ، وقال الشيخ الألبانيّ - ﵀ -: حسن موقوف. «تخريج الطحاويّة» ٥٣٠.

١٤. تقدّم في«البحر المحيط»برقم [٤١/ ٤٠٨٧] (١٥٩٩) فراجعه تجد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.

١٥. حديث صحيح.

١٦. «جامع العلوم والحكم» للحافظ ابن رجب - ﵀ - ٢/ ٩٥ - ١٠٨.

١٧. راجع: «شرح النوويّ» ١٦/ ١١١.