HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٥٤

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طريف بن عبد الله الثقفي وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (وَهُوَ ابن إسماعيل) عن معاوية (وهو ابن أبي مزرد، مولى بني هاشم). حدثني عمي، أبو الحباب، سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ «أن الله خلق الخلق. حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة. قال: نعم. أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاك لك». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اقرؤا إن شئتم: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾» [٤٧ /محمد و-٢٣ و-٢٤].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص7
ج ٤ ص ١٩٨٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٨٢
[٧٧٦] وفي حديث: (قَامَتِ الرَّحِمُ) ، وحديث: (الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحمَن) ، قوله: (قَامَتِ الرَّحِمُ): هذا مما يجب الإيمان به، وقيل: يصورها الله صورة كما يصور أعمال بني آدم، وفي الأحاديث تأكيد لما يجب من رعاية الرحم، والشُّجْنَة في اللغة: من قولهم شجرة مَتَشَجِّنة؛ أي: متصلة الأغصان بعضها ببعض، قال صاحب المجمل : الشُّجْنَة: الشجر الملتف، وبيني وبينه شُجْنَة رحم، قيل: شجنة من الرحمن؛ أي: مشتقة من لفظ الرحمن، وفي ذلك ما يجب من تعظيم حرمتها.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص٢٨٥
جاء منه، لا أنه التزم أحكام الهجرة من الاستيطان بها، والكون فيها ساكنًا بها مع رسول الله - ﷺ -، وهذا يدلّ على أنَّ الهجرة ما كانت واجبة على كل من أسلم، وقد تقدّم الخلاف في ذلك، وقد بيّن عذره في كونه، لَمْ يلتزم سكنى المدينة، وهو قوله: ما يمنعني من الهجرة إلَّا المسألة؛ أي: الأسئلة التي كان يسأل رسول الله - ﷺ - عنها، وإنما كان ذلك؛ لأنَّ المهاجرين، والقاطنين بالمدينة، كانوا يكلفونه المسائل؛ لأنَّهم ما كانوا يسألون رسول الله - ﷺ - عن شيء، ولذلك قال: كان أحدُنا إذا هاجر لَمْ يسأل رسول الله - ﷺ - عن شيء، وقد تمّم هذا المعنى أنس بن مالك - ﵁ - حيث قال: نُهينا أن نسأل رسول الله - ﷺ - في القرآن عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية، فيسأله، ونحن نسمع، وقد تقدَّم القول في ذلك. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ - وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦) - (بَابُ وُجُوبِ صِلَةِ الرَّحِم، وَتَحْرِيمِ قَطِيعَتِهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٤٩٧] (٢٥٥٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ مُعَاوِيَةَ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ - حَدَّثَنِي عَمِّي أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ، قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَة، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَذَاكَ لَكِ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٤]»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ) أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٣ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، أصله من الكوفة، صحيح الكتاب، صدُوق يَهِم [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٦. ٤ - (مُعَاوِيةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ) - بضم الميم، وفتح الزاي، وتثقيل الراء المكسورة - عبد الرَّحمن بن يسار، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ المدنيّ، ليس به بأس [٦] (خ م س) تقدم في «الزكاة» ١٧/ ٢٣٣٦. ٥ - (عَمُّهُ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) أبو الحباب - بضم الحاء المهملة، وموحّدتين - المدنيّ، اختُلف في ولائه لمن هو؟ وقيل: سعيد بن مرجانة، ولا يصحّ، ثقةٌ متقن [٣] (ت ١١٧) وقيل: قبلها بسنة (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٥/ ١٦١٤. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - ذُكر قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخيه، فالأول بغلانيّ، والثاني مكيّ، ثم بغداديّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ) قال القرطبيّ - ﵀ -:»خَلَقَ« هنا: بمعنى اخترع، وأصله: التقدير، كما تقدَّم، والخَلْق هنا: بمعنى المخلوق، وأصله مصدرٌ، يقال: خَلَق يَخْلُق خَلْقًا: إذا قَدَّر، وإذا اخترع، قال زهير [من الكامل]: وَلأَنْتَ تَقْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـ … ـــــضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَقْرِي أي: تقطع ما قَدّرتَ. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١]؛ أي: مخلوقه . (حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ)؛ أي: قضى خَلْقهم، وأتمّه، وقال القرطبيّ: معنى «فَرَغ منهم»: أي: كَمّل خلقهم، لا أنه اشتغل بهم، ثم فَرَغ مِن شُغْله بهم؛ إذ ليس فعله بمباشرة، ولا بمناولة، ولا خَلْقه بآلة، ولا محاولة، تعالى عما يتوهّمه المتوهِّمون، وسبحانه ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. انتهى . (قَامَتِ الرَّحِمُ) - بفتح الراء، وكسر الحاء المهملة -: أي: القرابة، مشتقة من الرحمة، وهي عَرَضٌ جعلها الله تعالى تقوم، وتتكلّم، والله - ﷾ - على كلِّ شيء قدير، فقيامها قيامٌ على الحقيقة، لا على المجاز، كما ادُّعي؛ إذ لا مانع أن تقوم الأعراض، وتتكلّم حقيقةً، والله - ﷾ - قادر على كل شيء. وقال في «الفتح»: قوله: «قامت الرحم» يَحْتَمِل أن يكون على الحقيقة، والأعراضُ يجوز أن تتجسد، وتتكلم بإذن الله تعالى، ويجوز أن يكون على حذف: أي: قام مَلَك، فتكلم على لسانها، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك على طريق ضَرْب المَثَل، والاستعارة، والمراد: تعظيم شأنها، وفَضْلُ واصلها، وإثم قاطعها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى هذه الاحتمالات سوى الأول؛ فإن ظاهر النصّ بعيد عنها، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ: قوله: «قامت الرحم، فقالت … إلخ» هذا الكلام من المجاز المستعمَل، والاتّساع المشهور؛ إذ الرّحِم عبارة عن قرابات الرجل من جهة طَرَفَيْ آبائه، وإن عَلَوا، وأبنائه، وإن نزلُوا، وما يتصل بالطرفين، من الأعمام، والعمات، والأخوال، والخالات، والإخوة، والأخوات، ومن يتصل بهم من أولادهم برحم جامعة، والقرابة إذًا نِسبة من النّسَب، كالأبوّة، والأخوّة، والعمومة، وما كان كذلك استحال حقيقة القيام، والكلام، فيُحمل هذا الكلام على التوسّع، ويمكن حَمْله على أحد وجهين، ثم ذَكَر وجهين سخيفين، لا ينبغي أن أشتغل بذكرهما، بل أقول: الحديث ظاهر المعنى، لا يحتاج إلى هذه التكلّفات، فمن الذي أحال كلام الرحم؟ فالذي أنطق الجسم العاقل قادر على جعل المعاني أجسامًا تتكلّم، بل ثبت لدينا بالنصوص الصحيحة كلام الجمادات، كحنين الجِذْع، وتسبيح الحصي، وتسبيح الطعام، وهو يؤكل، فالله - ﷾ - على كل شيء قدير، فدعوى الاستحالة باطلة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ هنا قوله: «فأخذت، فقال له: مه »، قال في «الفتح»: قوله: «فأخذت» كذا للأكثر بحذف مفعول «أخذت»، وفي رواية ابن السكن: «فأخذت بحقو الرَّحمن»، وفي رواية الطبريّ: بحقوي الرَّحمن بالتثنية، قال القابسي: أبي أبو زيد المروزيّ أن يقرأ لنا هذا الحرف؛ لإشكاله، ومشى بعض الشراح على الحذف، فقال: أخذت بقائمة من قوائم العرش، وقال عياض: الحَقْو مَعْقِد الإزار، وهو الموضع الذي يُستجار به، ويحتزم به على عادة العرب؛ لأنه مِن أحقّ ما يُحامَى عنه، ويُدفَع، كما قالوا: نمنعه مما نمنع منه أُزُرنا، فاستعير ذلك مجازًا للرحم في استعاذتها بالله من القطيعة. انتهى. وقد يُطلق الحقو على الإزار نفسه، كما في حديث أم عطية - ﵂ -: «فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه»؛ يعني: إزاره، وهو المراد هنا، وهو الذي جَرَت العادة بالتمسك به عند الإلحاح في الاستجارة، والطلب، والمعنى على هذا صحيح مع اعتقاد تنزيه الله عن الجارحة. قال الطيبيّ: هذا القول مبني على الاستعارة التمثيلية، كأنه شبَّه حالة الرحم، وما هي عليه من الافتقار إلى الصلة، والذب عنها بحالِ مستجير، يأخذ بحقو المستجار به، ثم أسند على سبيل الاستعارة التخييلية ما هو لازم للمشبَّه به، من القيام، فيكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة، ثم رُشحت الاستعارة بالقول، والأخذ، وبلفظ الحقو، فهو استعارة أخرى، والتثنية فيه للتأكيد؛ لأنَّ الأخذ باليدين آكَد في الاستجارة من الأخذ بيد واحدة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره القاضي عياض، والطيبيّ من أن الكلام من باب المجاز، لا من الحقيقة غير مقبول؛ بل الجواب أن نؤمن بما جاء عن رسول الله - ﷺ -، ونُثْبته على مراد الله تعالى. وقد كتب بعض المحقّقين على هامش «الفتح» في هذا المكان كلامًا حسنًا، فقال: ومن خير ما يقال في هذا المقام قول الشافعيّ - ﵀ -: آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله - ﷺ -، وقول شيخ الإسلام - ﵀ - في «نقض التأسيس، (٣/ ١٢٧):»هذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات التي نصّ الأئمّة على أنه يُمرّ كما جاء، ورَدّوا على من نفى موجبه«. انتهى. وخلاصة القول: أن الواجب على العاقل تجاه آيات الصفات، وأحاديثه أن يُمِرّها، كما جاءت، ويُثبتها على ظواهرها، وينزّه الله - ﷿ - عن التشبيه، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تحريف، ولا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ثم رأيت لابن أبي جمرة - ﵀ - كلامًا أعجبني، قال - ﵀ -: قوله:«قامت الرحم، فقالت»: يَحْتَمِل أن يكون بلسان الحال، ويَحْتَمِل أن يكون بلسان المقال، قولان مشهوران، والثاني أرجح، وعلى الثاني فهل تتكلم كما هي، أو يخلق الله لها عند كلامها حياةً، وعقلًا؛ قولان أيضًا مشهوران، والأول أرجح؛ لصلاحية القدرة العامّة لذلك، ولمَا في الأَوَّلَين من تخصيص عموم لفظ القرآن والحديث بغير دليل، ولمَا يلزم منه من حصر قدرة القادر التي لا يحصرها شيء. انتهى كلام ابن أبي جمرة - ﵀ - ، وهو كلام نفيسٌ ينبغي أن يُكتب بماء الذهب، والله تعالى أعلم. (فَقَالَت) الرحم: (هَذَا مَقَامُ)؛ أي: مكان (الْعَائِذِ) بالذال المعجمة: أي: المستجير، والمعتصم بك ، (مِنَ الْقَطِيعَةِ)؛ أي: أن يُقطع. وقال في «الفتح»: قوله: «هذا مقام العائذ بك من القطيعة» هذه الإشارة إلى المقام؛ أي: قيامي في هذا مقام العائذ بك، ووقع في رواية الطبريّ: «هذا مقام عائذٍ من القطيعة»، والعائذ: المستعيذ، وهو المعتصم بالشيء، المستجير به. انتهى . (قَالَ) الله - ﷿ -: (نَعَمْ)؛ أي: هذا مقام العائذ بي، فـ «نعم» حرف إيجاب مقرّرٌ لِمَا سَبَق، استفهامًا كان، أو خبرًا. (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح، وتنبيه، مثلُ «ألا»، والهمزة للاستفهام، على سبيل التقرير لِمَا بعد «لا» النافية . (تَرْضَيْنَ) خطاب للرحم، (أَنْ) مصدريّة، (أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ) بأن أعْطِف عليه، وأحسن إليه، فهو كناية عن عظيم إحسانه، (وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟) فلا أعْطِفُ عليه، فهو كناية عن حرمان إنعامه، وامتنانه . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل: إنه كناية، والظاهر أن هذا من باب تأويل صفة الوصل، وفيه نَظَر لا يخفى، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ) الرحم: (بَلَى)؛ أي: رضيت به، (قَالَ) الله - ﷿ -، وقوله: (فَذَاكَ لَكِ») بكسر الكاف فيهما، وهو إشارةٌ إلى قوله:«ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ »؛ أي: ذاك حصل لك. وصلةُ الرحم بالمال ونحو عَوْن على حاجة، ودَفْع ضرر، وطلاقة وجه، ودعاء، والمعنى الجامع لها: إيصال الممكن من خير، ودَفْع الممكن من شرّ، وهذا إنما يطّرد إن استقام أهل الرحم، فإن كفروا، وفَخَروا، فقطيعتهم في الله صِلَتُهم بشرط بذل الجهد في وعظهم، ومن ثَمَّ قَتَل أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح أباه يوم بدر كافرًا؛ غضبًا لله، ونصرة لدينه . وخلاصة القول: أن مقصود هذا الكلام الإخبار بتأكّد صلة الرحم، فإنها قد استجارت بالله - ﷾ -، فأجارها، وأدخلها في ذمته، وخفارته، وإذا كان كذلك، فجار الله تعالى غير مخذول، وعهده غير منقوض، ولذلك قال مخاطبًا لها:«أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ »وهذا كما قال - ﷺ -:«من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنّكم الله من ذمته بشيء، فإنَّه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبّه على وجهه في نار جهنم»، رواه مسلم، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:) هكذا في رواية حاتم بن إسماعيل عند الشيخين مرفوعًا، ووقع في رواية سليمان بن بلال عند البخاريّ بلفظ:«قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم»، موقوفًا، ووافق حاتمًا على رَفْعه ابنُ المبارك عند البخاريّ . («اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ) مصداق هذا الحديث، (﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾) مفعول »اقرؤوا« محكيّ؛ لِقَصْد لفظه، وقرأه نافع بكسر السين، والباقون بالفتح، وقد حَكَى عبد الله بن المغفَّل أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقرؤها بكسر السين ، وإلى هذين الضبطين مع اختيار الفتح أشار ابن مالك - ﵀ - في »الخلاصة« حيث قال: وَالْفَتْحَ وَالْكَسْرَ أَجِزْ فِي السِّينِ مِنْ … نَحْوِ «عَسِيتُ» وَانْتِقَا الْفَتْحِ زُكِنْ وقال القرطبيّ - ﵀ -: «عسى»: من أفعال المقاربة، ويكون رجاء، وتحقيقًا، قال الجوهريّ: «عسى» من الله واجبة في جميع القرآن، إلَّا قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، وإذا اتصل بعسى ضمير فاعل، كان فيها لغتان: فتح السين، وكسرها، وقرئ بهما. (﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾) قال في «الفتح»: اختُلف في تأويله، فالأكثر على أنَّها من الولاية، والمعنى: إن وُلِّيتم الحكمَ، وقيل: بمعنى الإعراض، والمعنى: لعلكم إن أعرضتم عن قبول الحقّ أن يقع منكم ما ذُكِر، والأول أشهر، ويَشهد له ما أخرجه الطبري في «تهذيبه» من حديث عبد الله بن مغفّل، قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [محمد: ٢٢] قال: هم هذا الحيّ من قريش، أخذ الله عليهم إن وُلُّوا الناسَ أن لا يفسدوا في الأرض، ولا يقطّعوا أرحامهم«. وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر - ﵀ -: اختُلف في معنى«إن توليتم»، فقيل: هو من الولاية، قال أبو العالية: المعنى: فهل عسيتم إن توليتم الحكمَ، فجُعِلتم حُكّامًا أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا؟ وقال الكلبيّ: أي: فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمّة أن تفسدوا في الأرض بالظلم؟ وقال ابن جريجٍ: المعنى: فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي، وقَطْع الأرحام؟ وقال كعب: المعنى: فهل عسيتم إن توليتم الأمر أن يَقتُل بعضُكم بعضًا؟ وقيل: من الإعراض عن الشيء، قال قتادة: أي: فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام، وتقطعوا أرحامكم؟ وقيل: «فهل عسيتم»؛ أي: فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن، وفارقتم أحكامه، أن تفسدوا في الأرض، فتعودوا إلى جاهليتكم؟ وقال بكر المزني: إنها نزلت في الحرورية، والخوارج، وفيه بُعد، والأظهر أنه إنما عُني بها المنافقون، وقال ابن حيان: قريش، ونحوه قال المسيب بن شريك، والفراء، قالا: نزلت في بني أمية، وبني هاشم، ودليل هذا التأويل ما رَوَى عبد الله بن مغفّل، قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [محمد: ٢٢]، ثم قال: هم هذا الحيّ من قريش، أخذ الله عليهم إن وُلُّوا الناس ألا يفسدوا في الأرض، ولا يقطّعوا أرحامهم». وقرأ عليّ بن أبي طالب:«إن تُوُلِّيتم أن تفسدوا في الأرض»بضم التاء والواو، وكسر اللام، وهي قراءة ابن أبي إسحاق، ورواها رُوَيس عن يعقوب، يقول: إن وليتكم ولاةً جائرةً خرجتم معهم في الفتنة، وحاربتموهم. انتهى . (﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾) بالبغي، والظلم، والقتل، وقرأ يعقوب، وسلام، وعيسى، وأبو حاتم:«وتَقْطعوا»بفتح التاء، وتخفيف القاف، من القطع، اعتبارًا بقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧]، وروى هذه القراءة هارون، عن أبي عمرو، وقرأ الحسن:«وتَقَطَّعوا»مفتوحة الحروف مشدّدة، اعتبارًا بقوله تعالى:« ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٩٣]، والباقون: ﴿وَتُقَطِّعُوا﴾ بضم التاء، مشدّدة الطاء، من التقطيع على التكثير، وهو اختيار أبي عبيد . (﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾)؛ أي: طردهم، وأبعدهم من رحمته، (﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾) عن الحق (﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾)؛ أي: قلوبهم عن الخير، فأتْبَع الإخبار بأن من فعل ذلك حقّت عليه لَعْنته، وسَلَبه الانتفاع بسمعه، وبصره، حتى لا ينقاد للحقّ، وإن سَمِعه، فجعله كالبهيمة التي لا تعقل، وقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، فرجع من الخطاب إلى الغَيْبة على عادة العرب في ذلك . (﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: يتفهمونه، فيَعْلَمون ما أَعَدَّ اللهُ للذين لَمْ يتولوا عن الإسلام، (﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾) (محمد: ٢٢ - ٢٤] «)؛ أي: بل على قلوب أقفال، أقفلها الله - ﷿ - عليهم، فهم لا يعقلون، وهذا يَرُدّ على القدرية، والإمامية مذهبهم، وفي حديث مرفوع أن النبيَّ - ﷺ - قال:»إن عليها أقفالًا كأقفال الحديد، حتى يكون الله يفتحها«، وأصل القفل: الْيُبْس والصلابة، ويقال لما يَبِس من الشجر: القَفْل، والقَفِيل مثله، والقفيل أيضًا نَبْت، والقفيل: الصوت، فالأقفال هاهنا إشارة إلى ارتتاج القلب، وخلؤه عن الإيمان؛ أي: لا يدخل قلوبهم الإيمان، ولا يخرج منها الكفر؛ لأنَّ الله تعالى طَبَع على قلوبهم، وقال: ﴿عَلَى قُلُوبٍ﴾؛ لأنه لو قال: على قلوبهم لَمْ يدخل قلب غيرهم في هذه الجملة، والمراد: أم على قلوب هؤلاء، وقلوب من كانوا بهذه الصفة أقفالها . وقال أبو السعود - ﵀ - في«تفسيره»: قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ … إلخ بطريق الالتفات لتأكيد التوبيخ، وتشديد التقريع؛ أي: هل يُتوقع منكم ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أمورَ الناس، وتأمّرتم عليهم ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ تناحُرًا على المُلْك، وتهالكًا على الدنيا، فإن مَن شاهد أحوالكم الدالة على الضَّعف في الدين، والحرص على الدنيا، حين أُمرتم بالجهاد الذي هو عبارة عن إحراز كل خير وصلاح، ودَفْع كل شرّ وفساد، وأنتم مأمورون شأنكم الطاعة، والقول المعروف، يَتوقَّع منكم إذا أُطلقت أَعِنتكم، وصرتم آمرين، ما ذُكِر من الإفساد، وقَطْع الأرحام. وقيل: إن أعرضتم عن الإسلام، أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاوُر، والتناهب، وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضًا، ووأد البنات، وفيه أن الواقع في حَيِّز الشرط في مِثْل هذا المقام لا بدّ أن تكون محذوريته باعتبار ما يستتبعه من المفاسد، لا باعتبار ذاته، ولا ريب في أن الإعراض عن الإسلام رأس كل شرّ وفساد، فحقه أن يُجعل عمدة في التوبيخ، لا وسيلة للتوبيخ بما دونه من المفاسد. وقرئ: «وُلِّيتم» على البناء للمفعول؛ أي: جُعلتم وُلاةً، وقرئ: «تُوُلِّيتم»؛ أي: تولاكم ولاة جَوْر خرجتم معهم، وساعدتموهم في الإفساد، وقطيعة الرحم، وقرئ: «وتَقَطّعوا» من التقطع، بحذف إحدى التاءين، فانتصاب ﴿أَرْحَامَكُمْ﴾ حينئذ على نزع الجارّ؛ أي: في أرحامكم، وقرئ: «وتَقْطَعوا» من القطع. وإلحاق الضمير بـ «عسى» لغة أهل الحجاز، وأما بنو تميم، فيقولون: عسى أن تفعل، وعسى أن تفعلوا. ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى المخاطَبين بطريق الالتفات إيذانًا بأنّ ذِكر هَنَاتهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب، وحكاية أحوالهم اللفظية لغيرهم، وهو مبتدأ خبره: ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: أبعدهم من رحمته، ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ عن استماع الحقّ؛ لتصامّهم عنه بسوء اختيارهم، ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ لتعاميهم عما يشاهدونه من الآياتِ المنصوبة في الأنفس، والآفاق. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: ألا يلاحظونه، ولا يتصفحونه، وما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات، ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ فلا يكاد يَصِل إليها ذِكر أصلًا، و«أم» منقطعة، وما فيها من معنى «بل» للانتقال من التوبيخ بعدم التدبر إلى التوبيخ بكون قلوبهم مقفلة، لا تقبل التدبر والتفكر، والهمزة للتقرير، وتنكير القلوب؛ إما لتهويل حالها، وتفظيع شأنها، بإيهام أمرها في القساوة، والجهالة، كأنه قيل: على قلوب مُنكَرة، لا يُعرف حالها، ولا يقادر قَدْرها في القساوة، وإما لأنَّ المراد بها قلوب بعضٍ منهم، وهم المنافقون، وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أنَّها أقفال مخصوصة بها، مناسبة لها، غير مجانسة لسائر الأقفال المعهودة. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٦٤٩٧] (٢٥٥٤)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٨٣١ و٤٨٣٢) و«الأدب» (٥٩٨٧) و«التوحيد» (٧٥٠٢) وفي «الأدب المفرد» (٥٠)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٤٦١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٣٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٤١)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ١٧٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٢٦) و«شُعَب الإيمان» (٦/ ٢١٤)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٤٣١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب صلة الرحم، وتحريم قَطْعها. ٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ المفسّر - ﵀ -: ظاهر الآية أنَّها خطاب لجميع الكفار، وقال قتادة وغيره: معنى الآية: فلعلكم، أو يُخاف عليكم، إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض بسفك الدماء، قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله تعالى؟ ألم يسفكوا الدماء الحرام، ويقطعوا الأرحام، وعصوا الرَّحمن؟ فالرَّحِم على هذا رَحِم دين الإسلام والإيمان، التي قد سمّاها الله إخوة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]. وعلى قول الفراء: إن الآية نزلت في بني هاشم، وبني أمية، والمراد من أضمر منهم نفاقًا، فأشار بقطع الرحم إلى ما كان بينهم وبين النبيّ - ﷺ - من القرابة بتكذيبهم النبيّ - ﷺ -، وذلك يوجب القتال. وبالجملة فالرحم على وجهين: عامة وخاصة، فالعامة رَحِم الدين، ويجب مواصلتها بملازمة الإيمان، والمحبة لأهله، ونُصرتهم، والنصيحة، وترك مضارّتهم، والعدل بينهم، والنَّصَفة في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة؛ كتمريض المرضي، وحقوق الموتى، مِن غَسْلهم، والصلاة عليهم، ودَفْنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم. وأما الرَّحِمُ الخاصة، وهي رَحِمُ القرابة من طَرَفَي الرجل: أبيه، وأمه، فتجب لهم الحقوق الخاصة، وزيادة، كالنفقة، وتفقُّد أحوالهم، وترْك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة، حتى إذا تزاحمت الحقوق بُدئ بالأقرب فالأقرب. وقال بعض أهل العلم: إن الرحم التي تجب صِلَتها هي كل رحم مَحْرم، وعليه فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال، وقيل: بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث، محرمًا كان أو غير محرم، فيخرج من هذا أن رحم الأم التي لا يُتوارث بها لا تجب صلتهم، ولا يحرم قطعهم، وهذا ليس بصحيح، والصواب أن كل ما يشمله، ويعمّه الرحم تجب صلته على كل حال: قرابة، ودينية، على ما ذكرناه أولًا، والله أعلم. وقد روى أبو داود الطيالسيّ في «مسنده» قال: حَدَّثَنَا شعبة، قال: أخبرني محمد بن عبد الجبار، قال: سمعت محمد بن كعب القُرَظيّ يحدث عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن للرحم لسانًا يوم القيامة، تحت العرش، يقول: يا رب قُطعت، يا رب ظُلمت، يا رب أُسيء إليّ، فيجيبها ربها: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك». وفي «صحيح مسلم» عن جبير بن مُطْعِم عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا يدخل الجَنَّة قاطع»، قال سفيان: يعني: قاطع رحم. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض - ﵀ -: لا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة، وقطيعتها معصية كبيرة، قال: والأحاديث في الباب تشهد لهذا، ولكن الصلة درجات، بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجَرة، وَصِلَتها بالكلام، ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة، والحاجة، فمنها واجب، ومنها مستحبّ، لو وصل بعض الصلة، ولم يَصِلْ غايتها، لا يسمى قاطعًا، ولو قَصّر عما يقدر عليه، وينبغي له، لا يسمى واصلًا. انتهى . ٤ - (ومنها): ما قاله عياض أيضًا: اختلفوا في حدّ الرحم التي تجب صلتها، فقيل: هو كل رحم محرم، بحيث لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى حَرُمت مناكحتهما، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام، ولا أولاد الأخوال، واحتَجّ هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها في النِّكَاح ونحوه، وجواز ذلك في بنات الأعمام، والأخوال، وقيل: هو عامّ في كل رحم من ذوي الأرحام في الميراث، يستوي المحرم وغيره، ويدل عليه قوله - ﷺ -: «ثم أدناك، أدناك». قال النوويّ - بعد نقل كلام عياض هذا -: وهذا القول الثاني هو الصواب، ومما يدلُّ عليه الحديث السابق في أهل مصر: «فإن لهم ذمّةً، ورَحِمًا»، وحديث: «إن أبرّ البرّ أن يصل أهل وُدّ أبيه»، مع أنه لا محرمية. انتهى .
مصادر المؤلف (٢٣)

١. «المفهم»٦/ ٥٢٢.

٢. «المفهم» ٦/ ٥٢٤.

٣. «المفهم» ٦/ ٥٢٤.

٤. قوله: «فقال له: مه» هو اسم فعل معناه الزجر: أي اكفُفْ، وقال ابن مالك: هي هنا «ما» الاستفهامية، حُذفت أَلِفها، ووُقف عليها بهاء السكت، والشائع أن لا يُفْعَل ذلك إلَّا وهي مجرورة، لكن قد سُمع مثل ذلك، فجاء عن أبي ذؤيب الْهُذَليّ قال: قَدِمت المدينة، ولأهلها ضجيج بالبكاء؛ كضجيج الحجيج، فقلت: مه، فقالوا: قُبِض رسول الله - ﷾ -. انتهى. «الفتح» ١٠/ ٥٩٥.

٥. هو: الشيخ عبد الرَّحمن بن ناصر البرّاك.

٦. «الفتح»١٠/ ٤١٧.

٧. راجع:«عمدة القاري»١٩/ ١٧٣.

٨. «الفتح»١٠/ ٥٩٥، كتاب«التفسير»رقم (٤٨٣٠).

٩. «فيض القدير على الجامع الصغير»للمناويّ ٢/ ٢٣٤.

١٠. «فيض القدير على الجامع الصغير»للمناويّ ٢/ ٢٣٤.

١١. «فيض القدير على الجامع الصغير» للمناويّ ٢/ ٢٣٤.

١٢. «المفهم» ٦/ ٥٢٥.

١٣. راجع: «الفتح» ١٠/ ٤٩٦.

١٤. «عمدة القاري» ١٩/ ١٧٣.

١٥. «الفتح»١٠/ ٥٩٦، كتاب«التفسير»رقم (٤٨٣٠).

١٦. «تفسير القرطبيّ»١٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦.

١٧. «تفسير القرطبي»١٦/ ٢٤٦.

١٨. «تفسير القرطبيّ»١٦/ ٢٤٦.

١٩. «تفسير القرطبيّ» ١٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧.

٢٠. «تفسير أبي السعود» ٨/ ٩٨ - ٩٩.

٢١. «تفسير القرطبيّ» ١٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨.

٢٢. «شرح النوويّ» ١٦/ ١١٣.

٢٣. «شرح النوويّ» ١٦/ ١١٣.