HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٥٩

حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال. ح وحدثنيه حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يونس عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ.
ج ٤ ص ١٩٨٣

سلسلة الرواة

التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٨٤
[٧٨٠] في هذه الأحاديث : نهي عن التباغض والتحاسد، وأمر بأن يكونوا إخوانا على معنى أن تكون المعاملة بينهم والمعاشرة على ما يوجبه حكم الأخوة؛ من صفاء القلب والنصيحة بظهر الغيب.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص٣٢٦
(٧) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّحَاسُدِ، وَالتَّبَاغُضِ، وَالتَّدَابُرِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٠٥] (٢٥٥٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قريبًا. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبل حديث. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٤٩٧) من رباعيّات الكتاب، وفيه مالك بن أنس أحد الأئمة الأربعة، وفيه أنس -﵁- أحد المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا) بحذف إحدى التاءين في الأفعال الثلاثة، كقول تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، و﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وأصله تتباغضوا، قال في»الخلاصة«: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ«تَبَيَّنُ الْعِبَرْ»والمعنى: لا يُبغض بعضكم بعضًا. وقال القرطبيّ ﵀:«لا تباغضوا»: أي: لا تتعاطوا أسباب البُغض؛ لأنَّ الحبّ والبغض مَعَانٍ قلبية، لا قدرة للإنسان على اكتسابها، ولا يملك التصرّف فيها، كما قال - ﷺ -:«اللَّهُمَّ هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تَلُمْني فيما تملك، ولا أملك«؛ يعني: الحب والبغض. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«ولا تباغضوا»: أي: لا تتعاطوا أسباب البغض؛ لأن البغض لا يُكتسب ابتداءً، وقيل: المراد: النهي عن الأهواء المضِلّة المقتضية للتباغض، قال الحافظ: بل هو لأعمّ من الأهواء؛ لأن تعاطي الأهواء ضَرْب من ذلك، وحقيقة التباغض: أن يقع بين اثنين، وقد يُطلق إذا كان من أحدهما، والمذموم منه ما كان في غير الله تعالى، فإنه واجب فيه، ويثاب فاعله؛ لتعظيم حقّ الله، ولو كانا، أو أحدهما عند الله من أهل السلامة، كمن يؤديه اجتهاده إلى اعتقاد ينافي الآخر، فيبغضه على ذلك، وهو معذور عند الله تعالى. انتهى . [تنبيه]: قوله: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا» هكذا اقتصر الحفاظ من أصحاب الزهريّ عنه على هذه الثلاثة، وزاد عبد الرحمن بن إسحاق عنه فيه: «ولا تنافسوا» ذَكَر ذلك ابن عبد البرّ في «التمهيد»، والخطيب في «المدرج» قال: وهكذا قال سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن ابن شهاب، وقد قال الخطيب، وابن عبد البر: خالف سعيدٌ جميع الرواة عن مالك في «الموطأ» وغيره، فإنهم لم يذكروا هذه الكلمة في حديث أنس -﵁-، وإنما هي عندهم في حديث مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة -﵁-، فأدرجها ابن أبي مريم في إسناد حديث أنس، وكذا قال حمزة الكنانيّ: لا أعلم أحدًا قالها عن مالك في حديث أنس غير سعيد. انتهى . (وَلَا تَحَاسَدُوا)؛ أي: لا يحسد بعضكم بعضًا، قال المجد ﵀: حَسَدَهُ الشيءَ، وعليه يَحْسِدُه، ويَحْسُدُه - من بابي ضرب، ونصر - حَسَدًا، وحُسودًا، وحَسادَةً، وحَسَّدَه: تَمَنَّى أن تَتَحَوَّلَ إليه نِعْمَتُه، وفَضيلَتُه، أو يُسْلَبَهُما، وهو حاسِدٌ من حُسَّدٍ، وحُسَّادٍ، وحَسَدَةٍ، وحَسُودٌ من حُسُدٍ، وحَسَدَنِي اللهُ إن كنْتُ أحْسُدُكَ: أي: عاقَبَنِي على الحَسَد، وتَحاسَدوا: حَسَدَ بعضُهم بعضًا. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: حَسَدْتُهُ على النعمة، وحَسَدْتُهُ النعمةَ حَسَدًا، بفتح السين أكثر من سكونها، يتعدى إلى الثاني بنفسه، وبالحرف: إذا كرهتَهَا عنده، وتمنّيت زوالها عنه، وأما الحَسَدُ على الشجاعة، ونحو ذلك، فهو الْغِبْطة، وفيه معنى التعجب، وليس فيه تمني زوال ذلك عن المحسود، فإن تمنّاه، فهو القِسْم الأول، وهو حرام، والفاعل: حَاسِدٌ، وحَسُودٌ، والجمع: حُسَّادٌ، وحَسَدَةٌ. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: الحسد في اللغة: أن تتمنى زوال نعمة المحسود، وعَوْدها إليك، يقال: حَسَده يحسُده حُسُودًا، قال الأخفش: وبعضهم يقول: يَحْسِد - بالكسر، والمصدر حَسَدًا بالتحريك، وحَسَادةً، وحسدتك على الشيء، وحسدتك الشيءَ: بمعنى واحد، فأمَّا الغِبطة فهي أن تتمنى مثل حال المغبوط، من غير أن تريد زوالها عنه، تقول منه: غَبَطته بما نال غَبْطًا وغِبْطَةً، وقد يوضع الحسد موضع الغبطة؛ لتقاربهما، كما قال - ﷺ -: «لا حسد إلا في اثنتين. . .» متّفقٌ عليه: أي: لا غبطة أعظمُ، ولا أحقُّ من الغبطة بهاتين الخصلتين. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «ولا تحاسدوا»: الْحَسَد: تمنّي الشخص زوال النعمة عن مستحقّ لها، أعمّ من أن يسعى في ذلك، أو لا، فإن سعى كان باغيًا، وإن لم يَسْعَ في ذلك، ولا أظهره، ولا تسبَّب في تأكيد أسباب الكراهة التي نُهِي المسلم عنها في حقّ المسلم نُظِرَ، فإن كان المانع له من ذلك العَجْز، بحيث لو تمكّن لَفَعَل، فهذا مأزور، وإن كان المانع له من ذلك التقوى، فقد يُعْذَر؛ لأنه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانية، فيكفيه في مجاهدتها أن لا يعمل بها، ولا يَعْزِم على العمل بها. وقد أخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، رفعه: «ثلاث لا يَسْلَم منها أحد: الطيرة، والظنّ، والحسد»، قيل: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «إذا تطيّرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تُحَقِّق، وإذا حسدت فلا تَبْغ»، وعن الحسن البصريّ قال: ما من آدميّ إلا وفيه الحسد، فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شيء. انتهى . (وَلَا تَدَابَرُوا)؛ أي: لا تفعلوا فعل المتباغضَين اللذين يُدْبِر كلُّ واحد منهما عن الآخر؛ أي: يولّيه دُبُره فِعْل المُعْرِض. وقال الخطابيّ ﵀: معناه: لا تتهاجروا، فيهجرَ أحدكم أخاه، مأخوذ من تولية الرجل الآخر دُبُره؛ إذا أعرض عنه حين يراه. وقال ابن عبد البرّ: قيل للإعراض: مدابرةٌ؛ لأن من أبغض أعرض، ومن أعرض وَلَّى دُبُره، والمحبّ بالعكس، وقيل: معناه: لا يستأثر أحدكم على الآخر، وقيل للمستأثر: مستدبر؛ لأنه يولِّي دُبُره حين يستأثر بشيء دون الآخر. وقال المازريّ: معنى التدابر: المعاداة، يقال: دابرته: أي: عاديته. وحَكَى عياض: أن معناه: لا تجادلوا، ولكن تعاونوا، والأول أَولى. وقد فسَّره مالك في «الموطأ» بأخصّ منه، فقال - إذ ساق حديث الباب، عن الزهريّ بهذا السند -: ولا أحسب التدابر إلا الإعراض عن السلام، يُدْبر عنه بوجهه، وكأنه أخذه من بقية الحديث: «يلتقيان، فيُعرض هذا، ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، فإنه يُفْهَم أن صدور السلام منهما، أو من أحدهما يرفع ذلك الإعراض، ويؤيّده ما أخرجه الحسين بن الحسن المروزيّ في زيادات «كتاب البرّ والصلة» لابن المبارك بسند صحيح، عن أنس، قال: التدابر: التصارم. انتهى . (وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ)؛ أي: يا عباد الله، ففيه حَذْف حرف النداء، وهو جائز في سعة الكلام، قال الحريريّ ﵀ في «ملحته»: وَحَذْفُ «يَا» يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ «رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي» وقال في «الخلاصة»: وَغَيْرُ مُضْمَرٍ وَمَنْدُوبٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا (إِخْوَانًا)؛ أي: كونوا كإخوان النسب في الشفقة، والرحمة، والمودّة، والمواساة، والمعاونة، والنصيحة ، وفيه إشارة إلى أنكم عبيد الله، فحقكم أن تتواخَوْا بذلك. وقال الطيبيّ ﵀: قوله: «إخوانًا» يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، وأن يكون بدلًا، أو هو الخبرُ، وقوله: «عبادَ الله» منصوب على الاختصاص، أو بالنداء، وهذا الوجه أوقع؛ يعني: أنكم مستوون في كونكم عباد الله تعالى، وملّتكم واحدةٌ، فالتحاسد، والتباغض، والتقاطع منافية لحالكم، فالواجب عليكم أن تكونوا إخوانًا متواصلين متآلفين، كقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣]، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [الأنبياء: ٩٢، ٩٣]. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «وكونوا عباد الله إخوانًا» بلفظ المنادَى المضاف، زاد في الرواية الآتية: «كما أمركم الله»، ومثله في حديث أبي هريرة -﵁- الآتي. قال الحافظ ﵀: وهذه الجملة تشبه التعليل لِمَا تقدم، كأنه قال: إذا تركتم هذه المنهيّات كنتم إخوانًا، ومفهومه: إذا لم تتركوها تصيروا أعداء؛ ومعنى: «كونوا إخوانًا»: اكتسبوا ما تصيرون به إخوانًا مما سبق ذِكره، وغير ذلك من الأمور المقتضية لذلك إثباتًا ونفيًا، ولعل قوله في الرواية الزائدة: «كما أمركم الله»؛ أي: بهذه الأوامر المقدَّم ذِكرها، فإنها جامعة لمعاني الإخوة، ونسبتُها إلى الله تعالى لأن الرسول - ﷺ - مبلّغ عن الله تعالى. ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: «كما أمركم الله» الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فإنه خبر عن الحالة التي شُرعت للمؤمنين، فهو بمعنى الأمر. انتهى . (وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ») الهجرة بكسر الهاء، وسكون الجيم: ترك الشخص مكالمة الآخر إذا تلاقيا، وهي في الأصل الترك فعلًا كان، أو قولًا، وليس المراد بها مفارقة الوطن، فإن تلك ذُكرت في غير هذا المحلّ. قال القرطبيّ ﵀: دليل خطابه أن الهجرة دون الثلاث معفوّ عنها، وسببه أن البشر لا بدّ له غالبًا من سوء خُلُق وغضب، فسامَحَه الشرع في هذه المدّة؛ لأنَّ الغضب فيها لا يكاد الإنسان ينفك عنه، ولأنه لا يمكنه ردّ الغضب في تلك الحالة غالبًا، وبعد ذلك يضعُف، فيمكن ردّه، بل قد يُمحَى أثره. وظاهر هذا الحديث تحريم الهجرة فوق ثلاث، وقد أكد هذا المعنى قوله: «لا هجرة بعد ثلاث»، وكون المتهاجِرَين لا يُغْفَر لهما حتى يصطلحا. انتهى . وقال النوويّ: قال العلماء: تَحْرُم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال بالنصّ، وتباح في الثلاث بالمفهوم، وإنما عُفِي عنه في ذلك؛ لأن الآدميّ مجبول على الغضب، فسومح بذلك القدر؛ ليرجع، ويزول ذلك العارض. وقال أبو العباس القرطبيّ: المعتبَر ثلاث ليال، حتى لو بدأ بالهجرة في أثناء النهار ألغي البعض، وتُعتبَر ليلة ذلك اليوم، وينقضي العفو بانقضاء الليلة الثالثة. وتعقّبه الحافظ، قائلًا: وفي الجزم باعتبار الليالي دون الأيام جمود، فقد جاء في رواية بلفظ: «ثلاثة أيام»، فالمعتمَد أن المرخَّص فيه ثلاثة أيام بلياليها، فحيث أُطلقت الليالي أريد بأيامها، وحيث أُطلقت الأيام أريد بلياليها، ويكون الاعتبار مضيّ ثلاثة أيام بلياليها ملفّقةً؛ إذا ابتدئت مثلًا من الظهر يوم السبت، كان آخرها الظهر يوم الثلاثاء، ويَحْتَمِل أن يُلْغَى الكسر، ويكون أول العدد من ابتداء اليوم أو الليلة، والأول أحوط. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٦٥٠٥ و٦٥٠٦ و٦٥٠٧ و٦٥٠٨ و٦٥٠٩ و٦٥١٠] (٢٥٥٩)، و(البخاريّ) في «الأدب» (٦٠٦٥ و٦٠٧٦) وفي «الأدب المفرد» (٣٩٨)، و(أبو داود) في «الأدب» (٤٩١٠)، و(الترمذيّ) في «البرّ والصلة» (١٩٣٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١١٠ و١٦٥ و١٩٩ و٢٥٥)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١١٨٣)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٠٩١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠٢٢٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٦٦٠)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٣/ ٣٧٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣٢٦١ و٣٧٧١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٣٠٣ و١٠/ ٢٣٢) وفي «الآداب» (٣٠٠)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٥٢٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): تحريم التباغض والتشاحن لأجل الحظوظ النفسيّة، فيحرم على المسلم بغض أخيه المسلم، والإعراض عنه، وقطيعته بعد صحبته بغير ذنب شرعيّ. ٢ - (ومنها): تحريم التحاسد، فيحرم على المسلم حَسَد أخيه على ما أنعم الله تعالى به عليه. ٣ - (ومنها): تحريم التدابر، والتقاطع، فلا يحلّ لمسلم أن يولّي أخاه ظهره، ويهجره بغير سبب شرعيّ، قال البغويّ ﵀: معنى التدابر: التهاجر، والتصارم، مأخوذ من تولية الرجل دُبُره إذا رأى أخاه، وإعراضه عنه. انتهى . ٤ - (ومنها): وجوب التآخي، والتعاون بين المسلمين، فيعامل الأخ أخاه المسلم في الدين معاملة الأخ النسيب، وأن لا يَنقُب عن معايبه، ولا فرق في ذلك بين الحاضر والغائب، وقد يشترك الميت مع الحيّ في كثير مما ذُكر. ٥ - (ومنها): تحريم هجر المسلم أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام، وهذا إذا كان للحظوظ النفسيّة، وأما إذا كان لأمر دينيّ، فيهجره حتى يتوب منه، كما نهى النبيّ - ﷺ - عن كلام كعب بن مالك، وصاحبيه -﵃ - حتى تِيْبَ عليه بمضيّ خمسين ليلة، قال البغويّ ﵀: فأما النهي عن الهجران أكثر من ثلاث، إنما كان في هجران الرجل أخاه لعَتْب ومَوْجِدة، أو لِنَبْوَة تكون منه، فرُخّص له في مدّة الثلاث؛ لقلّتها، وحُرّم ما وراءها، فأما هجران الوالد الولد، والزوج الزوجة، ومن كان في معناهما، فلا يُضيّق أكثر من ثلاث، وقد هَجَر رسول الله - ﷺ - نساءه شهرًا، هذا قول الخطّابيّ، قال البغويّ: فأما هجران أهل العصيان، وأهل الرِّيَب في الدِّين، فشُرع إلى أن تزول الريبة عن حالهم، وتظهر توبتهم، قال كعب بن مالك -﵁- حين تخلّف عن غزوة تبوك: ونَهَى النبيّ - ﷺ - عن كلامنا، وذكر خمسين ليلة. انتهى ، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: ثم بعد كتابتي هذه الفوائد رأيت كلامًا للإمام الحافظ أبي عمر بن عبد البرّ ﵀ شمل ما تقدّم ولخّصه في سياق واحد، فقال ﵀: وفي هذا الحديث من الفقه أنه لا يَحِلّ التباغض؛ لأن التباغض مَفسدة للدِّين، حالقة له، ولهذا أمَر - ﷺ - بالتوادّ، والتحابّ، حتى قال: «تهادَوا تحابوا»، ورَوَى مالك عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيِّب يقول: «ألا أخبركم بخير من كثير من الصلاة، والصدقة؟»، قالوا: بلى، قال: «إصلاح ذات البين، وإياكم والبغضة، فإنها هي الحالقة»، وكذلك لا يحل التدابر، والتدابر: الإعراض، وتَرْك الكلام، والسلام، ونحو هذا، وإنما قيل للإعراض تدابُر؛ لأن مَنْ أبغضتَه أعرضتَ عنه، ومن أعرضت عنه ولَّيته دُبُرك، وكذلك يصنع هو بك، ومن أحببته أقبلت عليه، وواجهته؛ لتسرّه ويسرّك، فمعنى تدابروا، وتقاطعوا، وتباغضوا، معنى متداخل متقارب، كالمعنى الواحد في الندب إلى التواخي، والتحابّ، فبذلك أمَر رسول الله - ﷺ - في معنى هذا الحديث وغيره، وأمرُ رسول الله - ﷺ - على الوجوب، حتى يأتي دليل يُخرجه إلى معنى الندب، وهذا الحديث، وإن كان ظاهره العمومَ، فهو عندي مخصوص بحديث كعب بن مالك -﵁- حيث أمر رسول الله - ﷺ - أصحابه أن يهجروه، ولا يكلِّموه هو وهلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع؛ لتخلّفهم عن غزوة تبوك، حتى أنزل الله ﷿ توبتهم، وعُذْرهم، فأمَر رسول الله - ﷺ - أصحابه أن يراجعوهم الكلام. وفي حديث كعب هذا دليل على أنه جائز أن يَهجُر المرء أخاه إذا بَدَتْ له منه بدعة، أو فاحشة، يرجوأن يكون هجرانه تأديبًا له، وزجرًا عنها، والله أعلم. وكذلك قوله أيضًا في هذا الحديث: «لا تحاسدوا» يقتضي النهي عن التحاسد، وعن الحسد في كل شيء على ظاهره، وعمومه، إلا أنه أيضًا عندي مخصوص بقوله - ﷺ -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل، وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا، فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار»، هكذا رواه عبد الله بن عمر، عن النبيّ - ﷺ -. وروى ابن مسعود عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به ليله، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويعلّمها»، فكأنه - ﷺعلى ترتيب الأحاديث، وتهذيبها قال: لا حسد، ولكن الحسد ينبغي أن يكون في قيام الليل والنهار بالقرآن، وفي نفقة المال في حقّه، وتعليم العلم أهله. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قد ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ تحقيقات نفيسات في شرحه لهذا الحديث، أحببت إيرادها هنا لكثرة فوائدها، وغزارة عوائدها، وإن كان بعضها مضى، إلا أن له اليد الطولى في تحقيق المسائل، لا يوجد عند غيره من المحقّقين، فذكرتها بمسائل مكمِّلة لِمَا سبق، فقلت : (المسألة الرابعة): قوله - ﷺ -: «ولا تباغضوا» نَهْيٌ للمسلمين عن التباغض بينهم في غير الله تعالى،. بل على أهواء النفوس، فإن المسلمين جعلهم الله تعالى إخوة، والإخوة يتحابّون بينهم، ولا يتباغضون، وقال النبيّ - ﷺ -: «والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة، حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلمتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»، خرّجه مسلم، وقد حرّم الله على المؤمنين ما يوقع بينهم العداوة والبغضاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١]، وامتنّ على عباده بالتأليف بين قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٢، ٦٣]. ولهذا المعنى حُرِّم المشي بالنميمة؛ لِمَا فيها من إيقاع العداوة والبغضاء، ورُخِّص في الكذب في الإصلاح بين الناس، ورَغَّب الله في الإصلاح بينهم، كما قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَو مَعْرُوفٍ أَو إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]. وخرّج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، من حديث أبي الدرداء -﵁-، عن النبيّ - ﷺ - قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة، والصيام، والصدقة؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة» . وخرّج الإمام أحمد وغيره، من حديث أسماء بنت يزيد -﵂-، عن النبيّ - ﷺ - قال: «ألا أنبئكم بشراركم؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت» . وأما البغض في الله فهو من أوثق الإيمان عُرًى، وليس داخلًا في النهي، ولو ظهر لرجل من أخيه شرّ فأبغضه عليه، وكان الرجل معذورًا فيه في نَفْس الأمر، أُثيبَ المُبْغِض له، وإن عُذر أخوه، كما قال عمر -﵁-: إنا كنا نعرفكم إذ رسول الله - ﷺ - بين أظهرنا، وإذ ينزل الوحي، وإذ ينبئنا الله من أخباركم، ألا وإن رسول الله - ﷺ - قد انطُلِق به، وانقَطَع الوحي، وإنما نَعْرِفكم بما نَخْبُركم، ألا من أظهر منكم لنا خيرًا ظننا به خيرًا، وأحببناه عليه، ومن أظهر منكم شرًّا، ظننا به شرًّا، وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم ﷿ . وقال الربيع بن خُثيم: لو رأيت رجلًا يُظهر خيرًا، ويُسِرّ شرًّا أحببته عليه، آجرك الله على حبك الخير، ولو رأيت رجلًا يُظهر شرًّا، ويُسرّ خيرًا أبغضته عليه، آجرك الله على بغضك الشرّ. ولَمّا كَثُر اختلاف الناس في مسائل الدِّين، وكَثُر تفرُّقهم كَثُر بسبب ذلك تباغُضهم، وتلاعُنهم، وكلٌّ منهم يُظهر أنه يبغض لله، وقد يكون في نفس الأمر معذورًا، وقد لا يكون معذورًا، بل يكون مُتّبِعًا لهواه، مُقَصِّرًا في البحث عن معرفة ما يُبغض عليه، فإن كثيرًا من البغض كذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحقّ، وهذا الظنّ خطأ قطعًا، وإن أريدَ أنه لا يقول إلا الحقّ فيما خولف فيه، فهذا الظنّ قد يخطئ، ويصيب، وقد يكون الحامل على الميل مجرد الهوى، والألفة، أو العادة، وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله، فالواجب على المؤمن أن يَنصح لنفسه، ويتحرز في هذا غاية التحرز، وما أشكل منه فلا يُدخل نفسه فيه؛ خشيةَ أن يقع فيما نُهِي عنه من البغض المحرّم. وها هنا أمر خفيّ ينبغي التفطن له، وهو أن كثيرًا من أئمة الدين، قد يقول قولًا مرجوحًا، ويكون مجتهدًا فيه، مأجورًا على اجتهاده فيه، موضوعًا عنه خطؤه فيه، ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة؛ لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله، بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة الدين لَمَا قَبِله، ولا انتصر له، ولا وَالَى من وافقه، ولا عادى من خالفه، ولا هو مع هذا يظنّ أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه، وليس كذلك، فإن متبوعه إنما كان قَصْده الانتصار للحقّ، وإن أخطأ في اجتهاده، وأما هذا التابع فقد شابه انتصاره لِمَا يظنه الحقّ إرادة علوّ متبوعه، وظهور كلمته، وأنه لا يُنسَب إلى الخطأ، وهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحقّ، فافهم هذا، فإنه مهمّ عظيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انتهى كلام ابن رجب ﵀ ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، ينبغي العناية بفهمه، وتطبيقه عمليًّا، والله تعالى وليّ التوفيق. (المسألة الخامسة): قوله - ﷺ -: «لا تحاسدوا»؛ يعني: لا يَحْسُدْ بعضكم بعضًا، والحسد مركوز في طباع البشر، وهو أن الإنسان يَكره أن يفوقه أحدٌ من جنسه في شيء من الفضائل، ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام: فمنهم: من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول والفعل، ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه، ومنهم من يسعى في إزالته عن المحسود فقط، من غير نَقْل إلى نفسه، وهو شرّهما، وأخبثهما، وهذا هو الحسد المذموم المنهيّ عنه، وهو كان ذنبَ إبليس، حيث كان حسد آدم ﵇ لمّا رآه قد فاق على الملائكة بأن الله خلقه بيده، وأسجد له ملائكته، وعلَّمه أسماء كل شيء، وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخراجه من الجنة، حتى أخرجه منها، ويُرْوَى عن ابن عمر -﵄ - أن إبليس قال لنوح ﵇: اثنان أُهلك بهما بني آدم: الحسدُ وبالحسد لُعِنتُ، وجُعلت شيطانًا رجيمًا، والحرصُ أبيح آدم الجنة كلها، فأصبت حاجتي منه بالحرص. خرّجه ابن أبي الدنيا. وقد وصف الله ﷿ اليهود بالحسد في مواضع من كتابه القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقوله -﵁-: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]. وخرّج الإمام أحمد، والترمذيّ، من حديث الزبير بن العوّام -﵁-، عن النبيّ - ﷺ -: «دَبّ إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد، والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، حالقةُ الدين، لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده، لا تؤمنوا حتى تحابّوا، أوَ لا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم» . وخرّج أبو داود، من حديث أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ - ﷺ - قال «إياكم والحسدَ، فإن الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب -أو قال -: العشب» . وخرّج الحاكم، وغيره، من حديث أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ - ﷺ - قال: «سيصيب أمتي داء الأمم»، قالوا: يا نبي الله، وما داء الأمم؟ قال: «الأَشَرُ، والبطرُ، والتكاثرُ، والتنافس في الدنيا، والتباغض، والتحاسد، حتى يكون البغي، ثم الْهَرْج» . وقِسْم آخر من الناس إذا حَسَد غيره لم يعمل بمقتضى حسده، ولم يبغ على المحسود بقول، ولا بفعل، وقد رُوي عن الحسن أنه لا يأثم بذلك، ورُوي مرفوعًا من وجوه ضعيفة، وهذا على نوعين: أحدهما: أن لا يمكنه إزالة ذلك الحسد عن نفسه، ويكون مغلوبًا على ذلك، فلا يأثم به. والثاني: من يحدّث نفسه بذلك اختيارًا، ويعيده، ويبدئه في نفسه، مستروحًا إلى تمنّي زوال نعمة أخيه، فهذا شبيه بالعزم المصمّم على المعصية، وفي العقاب على ذلك اختلاف بين العلماء، لكن هذا يبعد أن يَسْلَم من البغي على المحسود بالقول، فيأثم، بل يسعى في اكتساب مثل فضائله، ويتمنى أن يكون مثله، فإن كانت الفضائل دنيوية فلا خير في ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ الآية [القصص: ٧٩]، وإن كانت فضائل دينية، فهو حسن، وقد تمنى النبيّ - ﷺ - الشهادة في سبيل الله ﷿. وفي «الصحيحين» عنه - ﷺ - قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجلٍ آتاه الله مالًا، فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار، ورجلٍ آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل، وآناء النهار»، وهذا هو الغِبْطة، وسمّاه حسدًا من باب الاستعارة. وقِسْم آخر إذا وَجَد في نفسه الحسد سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود بإبداء الإحسان إليه، والدعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالة ما وَجَد له في نفسه من الحسد، حتى يبدله بمحبته أن يكون المسلم خيرًا منه، وأفضل، وهذا من أعلى درجات الإيمان، وصاحبه هو المؤمن الكامل الذي يُحبّ لأخيه ما يحب لنفسه. انتهى كلام ابن رجب ﵀ ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (المسألة السادسة): قوله - ﷺ -: «ولا تدابروا»: قال أبو عبيد: التدابر: المصارمة، والهجران، مأخوذ من أن يولّي الرجل صاحبه دُبُره، ويُعرض عنه بوجهه، وهو التقاطع، وفي «الصحيحين» عن أبي أيوب -﵁-، عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان، فيصدّ هذا، ويصدّ هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». وخرّج أبو داود من حديث أبي خِرَاش السلميّ، عن النبيّ - ﷺ - قال: «من هجر أخاه سنةً، فهو كسفك دمه» . وكلّ هذا في التقاطع للأمور الدنيوية، فأما لأجل الدِّين فتجوز الزيادة على الثلاثة، نصّ عليه الإمام أحمد، واستَدَلّ بقصة الثلاثة الذين خُلّفوا، وأمَر النبيّ - ﷺ - بهجرانهم لمّا خاف منهم النفاق، وأباح هجران أهل البدع المغلظة، والدعاة إلى الأهواء، وذَكَر الخطابيّ أن هجران الوالد لولده، والزوج لزوجته، وما كان في معنى ذلك تأديبًا تجوز الزيادة فيه على الثلاث؛ لأن النبيّ - ﷺ - هجر نساءه شهرًا. واختلفوا هل ينقطع الهجران بالسلام؟ فقالت طائفة: ينقطع بذلك، ورُوي عن الحسن، ومالك، في رواية وهب، وقاله طائفة من أصحابنا -يعني: الحنبليّة -. وخرّج أبو داود، من حديث أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ -: «لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنًا فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث، فلْيَلْقَه، فليسلِّم عليه، فإن ردّ ﵇ فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يردّ عليه، فقد باء بالإثم، وخرج المسلِّم من الهجر» . ولكن هذا فيما إذا امتنع الآخر من الردّ عليه، فأما مع الردّ إذا كان بينهما قبل الهجر مودّة، ولم يعودوا إليها، ففيها نظر. وقد قال أحمد في رواية الأثرم: وسئل عن السلام يقطع الهجران؟، فقال: قد يسلّم عليه، وقد صدّ عنه، ثم قال: قال النبيّ - ﷺ -: «يلتقيان، فيصدّ هذا»، فإذا كان قد عوّده أن يكلمه، أو يصافحه، وكذلك رُوي عن مالك أنه قال: لا يقطع الهجران بدون العودة إلى المودّة. وفرَّق بعضهم بين الأقارب والأجانب، فقال في الأجانب: يزول الهجر بينهم بمجرد السلام، بخلاف الأقارب، وإنما قال هذا؛ لوجوب صلة الرحم. انتهى كلام ابن رجب ﵀ ، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (المسألة السابعة): قوله - ﷺ -: «وكونوا عباد الله إخوانًا» هكذا ذَكَره النبيّ - ﷺ - كالتعليل لِمَا تقدّم، وفيه إشارة إلى أنهم إذا تركوا التباغض، وما ذُكر كانوا إخوانًا، وفيه أمْرٌ باكتساب ما يصير المسلمون به إخوانًا على الإطلاق، وذلك يدخل فيه أداء حقوق المسلم على المسلم، من ردّ السلام، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وإجابة الدعوة، والابتداء بالسلام عند اللقاء، والنصح بالغيب. وفي الترمذيّ عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: «تهادَوْا، فإن الهدية تُذهب وَحَر الصدر» ، وخرّجه غيره، ولفظه: «تهادوا تحابّوا» ، وفي «مسند البزار» عن أنس، عن النبيّ - ﷺ - قال: «تهادَوا، فإن الهدية تَسُلّ السَّخِيمة» . ويُروى عن عمر بن عبد العزيز يرفع الحديث، قال: «تصافحوا، فإنه يُذهب الشحناء، وتهادَوا» . وقال الحسن: المصافحة تزيد في المودّة، وقال مجاهد: بلغني أنه إذا تراءى المتحابّان، فضحك أحدهما إلى الآخر، وتصافحا، تحاتّت خطاياهما كما يتحاتّ الوَرَق من الشجر، فقيل له: إن هذا ليسير من العمل، قال: يقولون: يسير، والله يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣]. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٠٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيد، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن ميمون الأعور، أبو محمد المؤدّب الشاميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٨) (م كد) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» برقم (١١٧٤). ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَوْلانيّ الحمصيّ الأبرش -بالشين المعجمة- ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» برقم (١١٧٤). ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ) - بالزاي، والموحّدة، مصغّرًا - أبو الْهُذيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] (ت ٦ أو ٧ أو ١٤٩) (خ م د س ق) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» برقم (١١٧٤). والباقون ذُكروا في السند الماضي، والباب السابق. [تنبيه]: رواية محمد بن الوليد عن الزهريّ ساقها الطبرانيّ في «مسند الشاميين»، فقال: (١٦٩٤) - حدّثنا إبراهيم بن دُحيم الدمشقيّ، ثنا أبي، ثنا عُمر بن عبد الواحد، ثنا الأوزاعيّ، عن محمد بن الوليد الزُّبيديّ، عن الزهريّ، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لامرئ مسلم أن يهاجر أخاه فوق ثلاثة أيام». انتهى . وأما رواية يونس بن يزيد الأيليّ، عن ابن شهاب، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٠٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَاد، وَزَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: «وَلَا تَقَاطَعُوا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزل الرَّقَّة، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. وقوله: («ولا تقاطعوا»)؛ أي: لا تفعلوا أسباب القطع التي تقطع بعضكم عن بعض، من الحسد، والغيبة، والسبّ، والشتم، والبغض، وهو مِن ذِكر العامّ بعد الخاصّ . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «لا تقاطعوا»: أي: لا تقاطع أخاك، فلا تكلّمه، ولا تعامله، وهو معنى: «لا تَهَاجروا»، وهي رواية ابن ماهان، وهي: من الهجران، وعن الْجُلوديّ: «ولا تهجروا»، وعن أبي بحر: «تِهِجِروا» بكسر التاء، والهاء، والجيم، قال القاضي: معنى الكلمة: لا تهتجروا، وتكون: تفتعلون: يعني: تهاجروا، أو من هُجْر الكلام، وهو الفُحش فيه؛ أي: لا تتسابُّوا، وتتفاحشوا، قال القرطبيّ: والرواية الأُولى أوضح، وأَولى. انتهى . [تنبيه]: رواية ابن عيينة عن الزهريّ هذه ساقها أبو يعلى ﵀ في «مسنده»، فقال: (٣٥٤٩) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا ابن عيينة، عن الزهريّ، سمعه من أنس، عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٠٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ - (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاق، جَمِيعًا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، أَمَّا رِوَايَةُ يَزِيدَ عَنْهُ فَكَرِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، يَذْكُرُ الْخِصَالَ الأَرْبَعَةَ جَمِيعًا، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: «وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حسين الْجحدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنةً، وهو أوثق من عمة كامل بن طلحة (خت م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) - بتقديم الزاي، مصغّرًا - العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ) ضمير التثنية لمحمد بن رافع، وعبد بن حُميد، فكلاهما رويا هذا الحديث عن عبد الرزّاق بن همّام الصنعانيّ. وقوله: (جَمِيعًا عَنْ مَعْمَرٍ)؛ يعني: أن يزيد بن زُريع، وعبد الرزّاق رويا هذا الحديث عن معمر بن راشد. [تنبيه]: رواية عبد الرزّاق عن معمر، ساقها أحمد في «مسنده»، فقال: (١٢٧١٤) - حدّثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهريّ، عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تحاسدوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يَهجُر أخاه فوق ثلاث». انتهى . وأما رواية يزيد بن زريع، عن معمر، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٠٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ غَلِط في أحاديث [٩] (ت ٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٣. ٢ - (قتَادَةُ) بن عامة السَّدُوسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في شرح حديث أول الباب، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥١٠] (..) - (حَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: «كَمَا أَمَرَكُمُ الله»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيُّ) هو: عليّ بن نصر بن علي بن نصر بن علي الْجَهْضَميّ، أبو الحسن البصريّ الصغير الحافظ ، ثقة حافظ [١١]. رَوَى عن وهب بن جرير بن حازم، وأبي داود الطيالسيّ، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وسهل بن حماد أبي عَتّاب الدلّال، ومحمد بن عباد الْهُنَائي، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وأبو عمر والمستملي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري في غير «الجامع»، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي، وسألته عنه، فوثّقه، وأطنب في ذكره، والثناء عليه، وقال أبو زرعة: أرجو أن يكون خَلَفًا، وقال صالح بن محمد: ثقة، صدوق، وقال الترمذيّ: كان حافظًا صاحب حديث، وقال النسائيّ: نصر بن علي الجهضميّ، وابنه عليّ ثقتان، وذكرهما ابن حبان في «الثقات»، وقال هو، والنسائيّ، وغيرهما: مات سنة خمسين ومائتين، زاد البخاريّ في «تاريخه»: في شعبان. روى عنه المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعد باب. ٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم بن زيد، أبو العباس الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٥. و«شُعبة» ذُكر قبله. وقوله: (كما أمركم الله) قال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِل أن يريد به هذا الأمر الذي هو قوله: «كونوا إخوانًا»؛ لأنَّ أمْره هو أمْر الله تعالى، وهو مُبَلِّغ له، ويَحْتَمِل أن يريد بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، فإنَّه خبرٌ عن المشروعية التي ينبغي للمؤمنين أن يكونوا عليها، ففيها معنى الأمر. انتهى . [تنبيه]: وقع اختلاف في اسم شيخ المصنّف في هذا الإسناد، بيّنه الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ﵀ في «تقييده»، فقال بعد أن ساق سند مسلم ما نصّه: هكذا عند أبي أحمد: حدّثنا عليّ بن نصر، وهو أبو الحسن عليّ بن نصر بن عليّ بن نصر الْجَهضميّ، روى مسلم عن أبيه نصر بن عليّ كثيرًا، وروى عن ابنه عليّ بن نصر في هذا الموضع. وفي نسخة أبي العلاء بن ماهان: حدّثنا نصر بن عليّ، قال: نا وهب بن جرير، بدل: عليّ بن نصر، ورواية أبي أحمد الصواب. ذكر مسلم بعد هذا بأحاديث حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تحسّسوا»، ثم أردف على هذا: حدّثنا عليّ بن نصر، قال: نا وهب بن جرير، قال: نا شعبة، عن الأعمش بهذا الإسناد: «لا تقاطعوا، ولا تدابروا. . .» الحديث، ولم تختلف النُّسَخ في هذا الموضع في هذه المتابعة أنها عن عليّ بن نصر، ومات عليّ بن نصر هذا مع أبيه نصر بن عليّ في سنة واحدة سنة (٢٥٠)، توفّي الأب في ربيع الآخر، ومات ابنه في شعبان من السنة المذكورة. انتهى كلام الجيّانيّ ﵀ . وقال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا: «عليّ بن نصر»، وكذا نقله الجيّاني، والقاضي عياض، وغيرهما عن الحفّاظ، وعن عامة النسخ، وفي بعضها: «نصر بن عليّ» بالعكس، قالوا: وهو غلطٌ، قالوا: والصواب: عليّ بن نصر، وهو أبو الحسن عليّ بن نصر بن عليّ بن نصر الْجَهضَميّ، تُوُفّي بالبصرة هو وأبوه نصر بن عليّ سنة خمسين ومائتين، مات الأب في شهر ربيع الآخر، ومات الابن في شعبان تلك السنة، قال القاضي: قد اتَّفَقَ الحفّاظ على ما ذكرناه، وأن الصواب عليّ بن نصر، دون عكسه، مع أن مسلمًا رَوَى عنهما، إلا أن لا يكون لنصر بن عليّ سماع من وهب بن جرير، وليس هذا مذهب مسلم، فإنه يكتفي بالمعاصرة، وإمكان اللقاء، قال: ففي نَفْيهم لرواية النُّسخ التي فيها نصر بن عليّ نَظَر. انتهى. هذا كلام القاضي. وتعقبه النوويّ، فقال: والذي قاله الحفّاظ هو الصواب، وهم أعرف بما انتقدوه، ولا يلزم من سماع الابن مِن وَهَب سماع الأب منه، ولا يقال: يمكن الجمع، فكتاب مسلم وقع على وجه واحد، فالذي نقله الأكثرون هو المعتمَد، لا سيما وقد صوَّبه الحفّاظ. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: تعقّب النوويّ ﵀ وجيهٌ، فالصواب ما قاله الحفّاظ بأن الصواب في هذا الإسناد أنه عليّ بن نصر، لا أبوه نصر بن عليّ، فتأمّل بالإمعان، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: رواية وهب بن جرير عن شعبة هذه ساقها أبو يعلى ﵀ في «مسنده»، فقال: (٣٢٦١) - حدّثنا أحمد، حدّثنا وهب بن جرير، حدّثنا شعبة، عن قتادة،
مصادر المؤلف (٤٤)

١. حديث ضعيف، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه.

٢. «المفهم» ٦/ ٥٣١.

٣. «الفتح» ١٣/ ٦٢٨، كتاب «الأدب» رقم (٦٠٦٥).

٤. «الفتح» ١٣/ ٦٢٨، كتاب «الأدب» رقم (٦٠٦٥).

٥. «القاموس المحيط»(ص ٣٥٣).

٦. «المصباح المنير»١/ ١٣٥.

٧. «المفهم»٦/ ٥٣٢.

٨. «الفتح» ١٣/ ٦٢٨.

٩. «الفتح» ١٣/ ٦٢٨.

١٠. «المفهم» ٦/ ٥٣٢.

١١. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣٢١٠.

١٢. «الفتح» ١٣/ ٦٢٨.

١٣. «المفهم» ٦/ ٥٣٢ - ٥٣٣.

١٤. «الفتح» ١٣/ ١٤٣ - ١٤٤، كتاب «الأدب» رقم (٦٠٧٧).

١٥. «شرح السُّنَّة» ١٠/ ٣٥٨.

١٦. «شرح السُّنَّة» ١٠/ ٣٥٨.

١٧. وأنقل التخريجات التي في الهامش للشيخ شعيب الأرناؤوط وصاحبه باختصار، وبعض زيادات، فليُتنبّه.

١٨. حديث صحيح، أخرجه أحمد ٦/ ٤٤٤ - ٤٤٥، وأبو داود (٤٩١٩)، والترمذيّ (٢٥٠٩)، وصححه ابن حبّان في «صحيحه» (٥٠٩٢).

١٩. حديث حسنٌ، وضعّفه بعضهم بشهر بن حوشب، وقد قدّمنا غير مرّة أن الصحيح أنه ثقة، غاية ما فيه أنه لا ينقص عن درجة الحسن، كما قال الذهبيّ، فتنبّه، والله وليّ التوفيق.

٢٠. رواه أحمد ١/ ٤٦، وأبو يعلى (١٩٦) ورجاله ثقات رجال الصحيح، غير أبي فراس النهديّ راويه عن عمر، فقد ذكره ابن حبّان في «الثقات» ٥/ ٥٨٥، وقال ابن سعد في «الطبقات»: كان شيخًا قليل الحديث، وقال أبو زرعة: لا أعرفه.

٢١. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٢٦٥ - ٢٦٨.

٢٢. رواه أحمد، والترمذيّ، وغيرهما وفي سنده مولى الزبير راويه عنه لا يُعرف، وقد جوّد إسناده المنذريّ في «الترغيب والترهيب» ٣/ ٥٤٨، والهيثميّ في «مجمع الزوائد» ٨/ ٣٠، وحسّنه الشيخ الألبانيّ لغيره، والله تعالى أعلم.

٢٣. ضعيف، في سنده رجل مجهول، وهو الراوي عن أبي هريرة -﵁-.

٢٤. صححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ، وجوّد إسناده الحافظ العراقيّ في «تخريج الإحياء» ٣/ ١٨٧، وصححه الألبانيّ في «الصحيحة» ٢/ ٢٩٠.

٢٥. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٢٦٠ - ٢٦٣.

٢٦. صحيح، رواه أبو داود، وأحمد، والبخاريّ في «الأدب المفرد»، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ.

٢٧. رواه أبو داود، والبيهقيّ، ورجاله ثقات، غير هلال بن أبي هلال المدنيّ راويه عن أبي هريرة، روى عنه اثنان، ووثّقه ابن حبّان، وصححه الحافظ في «الفتح» ١٠/ ٤٩٥.

٢٨. هكذا العبارة، وفيها ركاكة، والظاهر أنها: «فإذا كان كذلك فعَوْده أن يكلمه، ويصافحه»، والله تعالى أعلم.

٢٩. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٢٦٨ - ٢٧٠.

٣٠. في سنده أبو معشر السنديّ، وهو ضعيف.

٣١. حديث حسن، كما قال الحافظ في «التلخيص الحبير» ٣/ ٧٠.

٣٢. في سنده عائذ بن شريح: ضعيف.

٣٣. رواه ابن وهب في «الجامع» عن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، عن أبيه رفعه، وهو مسلسل، وأخرجه مالك في «الموطّأ» ٢/ ٩٠٨ عن عطاء بن أبي مسلم الخراسانيّ، رفعه، وعطاء صدوق يهم كثيرًا، ويرسل، ويدلّس.

٣٤. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢.

٣٥. هذا أولى من قوله في «التقريب»: صدوق، راجع ترجمته في: «تهذيب التهذيب».

٣٦. «مسند الشاميين» ٣/ ٧ - ٨.

٣٧. «شرح الشيخ الهرري» ٢٤/ ٢٩٩ - ٣٠٠.

٣٨. «المفهم» ٦/ ٥٣١ - ٥٣٢.

٣٩. «مسند أبي يعلى» ٦/ ٢٥١.

٤٠. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٣/ ١٦٥.

٤١. أما الكبير فهو جدّ هذا: عليّ بن نصر بن عليّ من كبار الطبقة التاسعة، مات سنة (١٨٧)، وتقدّم في «الإيمان» ٦/ ١٢٦.

٤٢. «المفهم» ٦/ ٥٣٢.

٤٣. «تقييد المهمل» ٣/ ٩٢١ - ٩٢٢.

٤٤. «شرح النوويّ» ١٦/ ١١٦ - ١١٧.