HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٦٣

حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَحْيَي. قال: قَرَأْتُ على مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال «إياكم والظن. فإن الظن أكذب الحديث. ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا. وكونوا، عباد الله! إخوانا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص10
ج ٤ ص ١٩٨٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد, موطأ مالك
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٨٤
[٧٨٢] و(التَّجَسُّسُ) : البحث عن أخبار الناس؛ وسوءُ الظن بهم، و(التَّحَسُّسُ) بالحاء: أن يرسلَ من يسأل له عن حال غيره، ومعنى الكلمة: التتبُّع وطلبُ المعايب، وقوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٧]؛ أي: اطلبوا علم خبرِ يوسف، قيل: التحَسُّسُ والتَّجَسُّسُ متقاربان في المعنى، وقيل: التَّجَسُّسُ: البحث عن عورات الناس، والتَّحَسُّسُ: الاستماع لحديث القوم. وقيل: (لَا تَدَابَرُوا) أي: لا يُعرِض أحدكم عن أخيه المسلم بوجهه استثقالا له؛ بل يستقبله بوجه طلْقٍ؛ وخلُق حسنٍ، وفي قوله: (وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَام) دليل أن خير المتصارمَين من بدأ بالسلام، وذلك أنه لا يبدأ بالسلام إلا بعد قمع الهوى وردِّ الشيطان. وقوله: (وَلَا تَنَاجَشُوا)؛ النَّجَشُ: الزيادةُ في ثمن المعروض على البيع، وهو لا يريد أن يعطيها، ولكن يريد أن يغُرَّ بذلك غيرَه.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص٣٥٨
(٩) - (بَابُ تَحْرِيمِ الظَّنِّ، وَالتَّجَسُّس، وَالتَّنَافُس، وَالتَّنَاجُش، وَنَحْوِهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥١٥] (٢٥٦٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيث، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] (ت ١٣٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٢ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم [٣] (١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخل المدينة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁-، وقد سبق القول فيه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ)؛ أي: باعدوا أنفسكم عن ظنّ السوء، فـ»إياكم«منصوب على التحذير، كما قال في»الخلاصة«: إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ قال القرطبيّ ﵀: الظن هنا هو التهمة، ومحلّ التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتّهم شخصًا بالفاحشة، أو بشرب الخمر، ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك، ودليل كون الظنّ هنا بمعنى التهمة قوله بعد هذا:«ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا»، وذلك أنه قد يقع له خاطر التهمة ابتداءً، فيريد أن يتجسّس خبر ذلك، ويبحث عنه، ويتبصّر، ويتسمّع؛ ليحقق ما وقع له من تلك التهمة، فنهى النبيّ - ﷺ - عن ذلك، وقد جاء في بعض الأحاديث:«إذا ظننت فلا تُحقّق»، وقال الله تعالى: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢]، وذلك أن المنافقين تطيّروا برسول الله - ﷺ -، وبأصحابه حين انصرفوا إلى الحديبية، فقالوا: إن محمّدًا وأصحابه أكلة رأس، ولن يرجعوا إليكم أبدًا، فذلك ظنّهم السيّئ الذي وبّخهم الله تعالى عليه، وهو من نوع ما نَهَى الشرع عنه، إلا أنه أقبح النوع، فأما الظن الشرعيّ الذي هو تغليب أحد المجوّزين، أو بمعنى اليقين، فغير مراد من الحديث، ولا من الآية يقينًا، فلا يُلتفت لمن استدلّ بذلك على إنكار الظنّ الشرعيّ، كما قرّرناه في الأصول. انتهى . وقال النوويّ: المراد: النهي عن ظن السوء، قال الخطابيّ: هو تحقيق الظنّ، وتصديقه دون ما يهجس في النفس، فإن ذلك لا يُمْلَك، ومراد الخطابيّ أن المحرَّم من الظنّ ما يستمرّ صاحبه عليه، ويستقرّ في قلبه، دون ما يَعْرِض في القلب، ولا يستقرّ، فإن هذا لا يكلَّف به كما سبق في حديث: «تجاوز الله تعالى عما تحدثت به الأمة، ما لم تتكلم، أو تعمل»، وسبق تأويله على الخواطر التي لا تستقرّ، ونقل القاضي عن سفيان أنه قال: الظن الذي يأثم به هو ما ظنَّه، وتكلَّم به، فإن لم يتكلم لم يأثم، قال: وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن المراد: الحكم في الشرع بظنٍّ مجرَّد من غير بناء على أصل، ولا نَظَرٍ واستدلال، وهذا ضعيف، أو باطل، والصواب الأول. انتهى . وقال في «الفتح»: قال الخطابيّ وغيره: ليس المراد ترك العمل بالظنّ الذي تُناط به الأحكام غالبًا، بل المراد: ترك تحقيق الظنّ الذي يضرّ بالمظنون به، وكذا ما يقع في القلب بغير دليل، وذلك أن أوائل الظنون إنما هي خواطر، لا يمكن دَفْعها، وما لا يُقْدَر عليه لا يكلَّف به، ويؤيده حديث: «تجاوز الله للأمة عما حدّثت به أنفسها»، وقد تقدّم شرحه. وقال القرطبيّ: المراد بالظن هنا: التهمة التي لا سبب لها، كمن يتهم رجلًا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عَطَف عليه قوله: «ولا تجسسوا»، وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة، فيريد أن يتحقق، فيتجسس، ويبحث، ويستمع، فنُهي عن ذلك، وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]، فدل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة؛ لِتقدُّم النهي عن الخوض فيه بالظن، فإن قال الظانّ: أبحث لأتحقق، قيل له: ولا تجسسوا، فإن قال: تحققت من غير تجسس، قيل له: ولا يغتب بعضكم بعضًا. انتهى . (فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ) قد استُشكِل تسمية الظنّ حديثًا، وأجيب بأن المراد عدم مطابقة الواقع، سواء كان قولًا أو فعلًا، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: ما ينشأ عن الظنّ، فوصف الظنّ به مجازًا. (وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا) قال النوويّ: الأول بالحاء، والثاني بالجيم، قال بعض العلماء: التحسس بالحاء: الاستماع لحديث القوم، وبالجيم: البحث عن العورات، وقيل: بالجيم التفتيش عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشرّ، والجاسوس صاحب سرّ الشرّ، والناموس صاحب سرّ الخير، وقيل: بالجيم أن تَطلبه لغيرك، وبالحاء أن تطلبه لنفسك، قاله ثعلب، وقيل: هما بمعنًى، وهو طلب معرفة الأخبار الغائبة، والأحوال. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «ولا تحسسوا، ولا تجسسوا» إحدى الكلمتين بالجيم، والأخرى بالحاء المهملة، وفي كل منهما حذف إحدى التاءين تخفيفًا، وكذا في بقية المناهي التي في حديث الباب، والأصل: تتحسسوا، قال الخطابيّ: معناه: لا تبحثوا عن عيوب الناس، ولا تتبعوها، قال الله تعالى حاكيًا عن يعقوب ﵇: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ الآية [يوسف: ٨٧]، وأصل هذه الكلمة التي بالمهملة من الحاسّة، إحدى الحواسّ الخمس، وبالجيم من الجسّ، بمعنى اختبار الشيء باليد، وهي إحدى الحواسّ، فتكون التي بالحاء أعمّ، وقال إبراهيم الحربيّ: هما بمعنى واحد، وقال ابن الأنباريّ: ذُكِر الثاني للتأكيد، كقولهم: بُعْدًا، وسحقًا، وقيل: بالجيم البحث عن عوراتهم، وبالحاء استماع حديث القوم، وهذا رواه الأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير، أحد صغار التابعين، وقيل: بالجيم البحث عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشرّ، وبالحاء البحث عما يُدرك بحاسة العين والأذن، ورجح هذا القرطبيّ، وقيل: بالجيم تتبّع الشخص لأجل غيره، وبالحاء تتبّعه لنفسه، وهذا اختيار ثعلب. ويُستثنى من النهي عن التجسس ما لو تعيَّن طريقًا إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلًا، كأن يخبر ثقةٌ بأن فلانًا خلا بشخص ليقتله ظلمًا، أو بامرأة ليزني بها، فيشرع في هذه الصورة التجسس والبحث عن ذلك؛ حَذَرًا من فوات استدراكه، نَقَله النوويّ عن «الأحكام السلطانية» للماورديّ، واستجاده، وأن كلامه ليس للمحتسِب أن يبحث عما لم يظهر من المحرّمات، ولو غلب على الظنّ استسرار أهلَها بها، إلا هذه الصورة. انتهى . (وَلَا تَنَافَسُوا)؛ أي: لا تتبارَوْا في الحرص على الدنيا، وأسبابها، وأما التنافس في الخير فمأمور به، كما قال تعالى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]؛ أي: في الجنة وثوابها، وكأنّ المنافسة هي الغبطة، وقد أبعد من فسّرها بالحسد، لا سيما في هذا الحديث، فإنه قد قَرَن بينها وبين الحسد في مساق واحد، فدلّ على أنهما أمران متغايران. انتهى . وقال النوويّ: المنافسة، والتنافس معناهما الرغبة في الشيء، وفي الانفراد به، ونافسته منافسةً: إذا رَغْبتَ فيما رَغِب فيه، قيل: معنى الحديث: التباري في الرغبة في الدنيا، وأسبابها، وحظوظها. انتهى . (وَلَا تَحَاسَدُوا) قد تقدّم أن الحسد تمنّي زوال النعمة عن مستحقّ لها إلى آخِر ما سبق. (وَلَا تَبَاغَضُوا)؛ أي: لا تتعاطوا أسباب البغض، (وَلَا تَدَابَرُوا)؛ أي: لا تفعلوا فِعل المتباغضَين اللذين يُدبر كل واحد منهما عن الآخر؛ أي: يولّيه دُبُره فِعْل المُعْرِض، (وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا») أي: كونوا كإخوان النَّسب في الشفقة والرحمة، والمودّة، والمواساة، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٩/ ٦٥١٥ و٦٥١٦ و٦٥١٧ و٦٥١٨ و٦٥١٩] (٢٥٦٣)، و(البخاريّ) في«النكاح»(٥١٤٣) و«الأدب»(٦٠٦٤ و٦٠٦٦) و«الفرائض»(٦٧٢٤) وفي«الأدب المفرد»(١/ ١٤٨)، و(أبو داود) في«الأدب»(٤٩١٧)، و(الترمذيّ) في«الجامع»(٤/ ٣٥٦)، و(مالك) في«الموطّأ»(٢/ ٩٠٧ - ٩٠٨)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٢٤٥ و٢٧٧ و٢٨٧ و٢٨٨ و٣٦٠ و٣٨٩ و٣٩٣ و٣٩٤ و٤٤٦ و٤٦٥ و٤٦٩ و٤٨٠ و٥٠١ و٥١٢)، و(همام بن منبّه) في«صحيفته»(٦)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٢٠٢٢٨)، و(الحميديّ) في«مسنده»(٢/ ٤٦٥)، و(الطيالسيّ) في«مسنده»(١/ ٣٣٠)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٥٦٨٧)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٦/ ٨٥ و٧/ ١٨٠ و٨/ ٣٣٣ و١٠/ ٢٣١) و«شُعب الإيمان»(٧/ ٥٠٨)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة»(٣٥٣٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥١٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنِ الْعَلَاء، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ:«لَا تَهَجَّرُوا ، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا»). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الذي مرّ قبل حديث. وقوله: (لَا تَهَجَّرُوا) كذا هو في معظم النسخ، وفي بعضها:«لا تهاجروا»، وهما بمعنى واحد، وكلاهما بفتح التاء، حُذف منهما إحدى التاءين، كما تقدّم البحث فيه، والمراد: النهي عن الهِجْرة، ومقاطعة الكلام، وقيل: يجوز أن يكون: لا تَهْجُروا: أي: لا تتكلموا بالْهُجْر، بضم الهاء، وهو الكلام القبيح. وقوله: (وَلَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) قال الحافظ ابن رجب ﵀: قد تكاثر النهي عن ذلك، ففي«الصحيحين»عن أبي هريرة -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال:«لا يبيع المؤمن على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه»، وفي رواية لمسلم:«لا يَسُم المسلم على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبته»، وخرّجاه من حديث ابن عمر -﵄ -، عن النبيّ - ﷺ - قال:«لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له»، ولفظه لمسلم، وخرّج مسلم من حديث عقبة بن عامر، عن النبيّ - ﷺ - قال:«المؤمن أخو المؤمن، فلا يحلّ للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، حتى يَذَرَ». قال: وهذا دليل على أن هذا حقّ المسلم، فلا يساويه الكافر في ذلك، بل يجوز للمسلم أن يبتاع على بيع الكافر، ويخطب على خِطبته، وهو قول الأوزاعيّ، وأحمد، كما لا يثبت للكافر على المسلم حقّ الشفعة عنده، وكثير من الفقهاء ذهبوا إلى أن النهي عامّ في حقّ المسلم والكافر، واختلفوا هل النهي للتحريم، أو التنزيه؟ فمن أصحابنا -يعني: الحنبليّة- من قال: هو للتنزيه دون التحريم، والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه للتحريم، واختلفوا هل يصح البيع على بيع أخيه، والنكاح على خطبته، فقال أبو حنيفة؟ والشافعيّ، وأكثر أصحابنا: يصحّ، وقال مالك في النكاح: إنه إن لم يدخل بها فُرِّق بينهما، وإن دخل بها لا يفرّق، وقال أبو بكر من أصحابنا في البيع والنكاح: إنه باطل على كل حال، وحكاه عن أحمد. ومعنى البيع على بيع أخيه: أن يكون قد باع منه شيئًا، فيبذل للمشتري سلعته؛ ليشتريها، ويفسخ بيع الأول، وهل يختصّ ذلك بما إذا كان البذل في مدة الخيار، بحيث يمكن المشتري من الفسخ فيه أم هو عامّ في مدة الخيار وبعدها؟، فيه اختلاف بين العلماء، وقد حكاه الإمام أحمد في رواية حرب، ومال إلى القول بأنه عامّ في الحالين، وهو قول طائفة من أصحابنا، ومنهم من خصه بما إذا كان في مدة الخيار، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن مشيش، ومنصوص الشافعيّ، والأول أظهر؛ لأن المشتري وإن لم يتمكن من الفسخ بنفسه بعد انقضاء مدة الخيار، فإنه إذا رَغِب في ردّ السلعة الأولى على بائعها، فإنه يتسبب في ردّها عليه بأنواع من الطرق المستفيضة لضرره، ولو بإلحاح عليه في المسألة، وما أدَّى إلى ضرر المسلم كان محرّمًا، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت البحث في هذه المسألة في «كتاب البيوع»، مستوفًى بأدلّته، وترجيح الراجح بأدلّته، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥١٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تبَاغَضُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا. ٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-) ذُكر قبله. وقوله: (وَلَا تَنَاجَشُوا) قال القرطبيّ: قيل فيه: إنه من باب النجش في البيع الذي تقدَّم ذِكره في «البيوع»، وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ صيغة تفاعَل أصلها لا تكون إلا من اثنين، فالتناجش لا يكون من واحد، والنجش يكون من واحد، فافترقا، وإن كان أصلهما واحدًا؛ لأنَّ أصل النجش: الاستخراج، والإثارة، تقول: نجشتُ الصيد، أنجشه، نجشًا: إذا استثرته من مكانه، وقيل: «لا تناجشوا»: لا يُنافر بعضكم بعضًا؛ أي لا يعامله من القول بما يُنَفِّره، كما ينفّر الصيد، بل يسكّنه، ويؤنّسه، كما قال: «سَكِّنوا، ولا تنفّروا» متّفقٌ عليه، وهذا أحسن من الأول، وأَولى بمساق الحديث. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبل حديث. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥١٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَش، بِهَذَا الإِسْنَادِ: «لَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا إِخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمُ الله»). قال الجامع عفا الله عنه: رجال هذا الإسناد تقدّموا ، بعضهم في الباب، وبعضهم قبل باب، وتقدّم الكلام على عليّ بن نصر هذا قبل باب، فلا تغفل. [تنبيه]: رواية شعبة عن الأعمش هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في «الكبرى»، فقال: (٢٠٨٤٩) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدُّوريّ، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، كما أمركم الله ﷿». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٥١٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا»).
مصادر المؤلف (١٣)

١. «المفهم» ٦/ ٥٣٤ - ٥٣٥.

٢. «شرح النوويّ» ١٦/ ١١٨ - ١١٩.

٣. «الأعلام» ٣/ ١٩٧٤ و٢١٨٩.

٤. «الفتح» ١٣/ ٦٢٥ - ٦٢٦، كتاب «الأدب» رقم (٦٠٦٤).

٥. «شرح النوويّ» ١٦/ ١١٩.

٦. «الفتح» ١٣/ ٦٢٥ - ٦٢٦.

٧. «المفهم» ٦/ ٥٣٥.

٨. «شرح النوويّ» ١٦/ ١١٩.

٩. وفي نسخة:«لا تهاجروا».

١٠. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٢٧٠ - ٢٧١.

١١. «المفهم» ٦/ ٥٣٥ - ٥٣٦.

١٢. وحسن الحلوانيّ تقدّم قبل ثلاثة أبواب.

١٣. «سنن البيهقي الكبرى» ١٠/ ٢٣٢.