HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٨٧

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ) عَنِ العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال «المستبان ما قالا. فعلى البادئ، ما لم يعتد المظلوم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص20
ج ٤ ص ٢٠٠٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٩٣
[٧٩٩] وفي قوله: (الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا) : نهى عن السَّب وإدخال الأذى على المسلم. [٨٠٠ إلى ٨٠٣] وفي حديث عائشة ﵂: (إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ) استحباب الرفق، واختيار المداراة، وبيان أن الاحتمال أزين بالمرء من العجلة والخُرق، وأن الرفق يؤدي إلى نجاح الطِّلْبَة، وفيه دليل أن من ستر على مسلم زلته؛ ستر الله عليه يوم القيامة، وفيه تحريم الاغتياب وإن كان صادقا فيه، وفي قوله: (بِئْسَ أَخُ العَشِيرَةِ) دليل على أن إظهار أمر الخائن؛ والمتهم في الرواية جائز، وفيها استحباب الرفق في المعاملة وأسباب المعيشة. ومن باب كراهية اللعن [٨٠٤ - ٨٠٥] حديث عمران بن حصين ﵁ : فيه دليل أن على المسلم أن يحفظ لسانه، ولا يلعن أحدا من المسلمين، ولا شيئا من الحيوان، فإن ذلك ربما يستجاب في المدعو عليه فيهلَك، وقوله: (لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاء) ؛ أي لا يشفعون يوم القيامة، ولا يرزقون الشهادة في الدنيا، وقيل: لا تقبل شهادتهم، و(الوَرقَاءُ): السوداء، قال صاحب المجمل : الأورق: البعير لونه لون الرماد، والحمامة ورقاء؛ سميت للونها، و(ايْمُ اللهِ): قسم. [٨٠٦ - ٨٠٧] وفي هذه الأحاديث دلالة أن لعن النبي ﷺ دعاء له، وفي ذلك بيان لرجاحة فضل النبي ﷺ على غيره من الأنبياء؛ إذ كان يشارط ربه تعالى أنه إن دعا على من لا يستوجب؛ أن يحوله إلى ضده، وقوله: (فَحَطَأَنِي حَطأَةً) ؛ قال صاحب المجمل : حَطَأَتُ الرجل بالأرض: ضربته، وقال في قوله: (فَحَطَأَنِي حَطْأَةً) أي: دَفَعنِي دَفعَة، وقال المغيرة لمعاوية ﵄ حين ولى عمروا: والله ما لبَّثَك السهمي أن حطأ بك ، أي: دفعك، وحطأت القِدر بزبدها رَمَته، وقوله: (لَا أَشبَعَ اللهُ بَطَنَك) دعاء له بالضد، لقوله ﷺ: (فَاجعَلهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا) ، وفي رواية: (قَالَ ابن المُثَنَّى: قُلتُ لِأُمَيَّةَ: مَا حَطَأَنِي؟ قَالَ: قَفَدَنِي قَفدَةً)، قال صاحب المجمل : القَفْدُ: التواء رصغ اليد إلى الوحشي، فعلى هذا؛ القَفْدُ: نوع من اللَّيِّ والحطِّ.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص٦١٠
رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حُميد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسيّ، أبو عوف الكوفيّ، ثقة [٨]، (ت ١٨٩) وقيل: (١٩٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الصلاة» ٢٠/ ٩٣٤. ٢ - (خَيْثَمَةُ) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الجعفيّ الكوفيّ، ثقةٌ، وكان يرسل [٣] مات بعد سنة ثمانين (ع) تقدم في «الزكاة» ١٢/ ٢٣١٢. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث سبق القول فيه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٦٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وهم المذكورون قبله، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٨) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ السِّبَابِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٦٨] (٢٥٨٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ»). قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل بابين، فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الْمُسْتَبَّانِ) بتشديد الموحّدة: تثنية اسم الفاعل، من باب الافتعال؛ أي: المتشاتمان، وهما اللذان سبّ كل منهما الآخرَ، لكن الآخر أراد ردّ الآخر، أو قال شيئًا من معائبه الموجودة فيه، وهو مبتدأ أولُ، وقوله: (مَا قَالَا)؛ أي: إثم قولهما من السبّ والشتم، مبتدأ ثانٍ، وقوله: (فَعَلَى الْبَادِئِ) بالهمز؛ أي: على المبتدئ، خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر الأول، والفاء إما لكون«ما»شرطية، أو لأنها موصولة متضمنة للشرط ، وإنما كان الإثم كله عليه؛ لأنه كان سببًا لتلك المخاصمة، قال في«اللمعات»: أما إثم ما قاله البادئ فظاهر، وأما إثم الآخَر؛ فلكونه الذي حمله على السبّ، وظلمه. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«المستبَّان ما قالا، فعلى البادئ. . . إلخ» «المستبّان»: تثنية مستبّ، من السبّ، وهو الشتم والذمّ، وهو مرفوع بالابتداء، و«ما»موصولة، وهي في موضع رَفْع بالابتداء أيضًا، وَصِلتها«قالا»، والعائد محذوف تقديره: قالاه، وقوله:«فعلى البادئ»خبر«ما»، ودخلت الفاء على الخبر؛ لِمَا تضمّنه الاسم الموصول من معنى الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ الآية [النحل: ٥٣]، و«ما»وخبرها خبر المبتدأ الأول الذي هو«المستبّان». انتهى . وقال الطيبيّ: يجوز أن تكون«ما»شرطية، وقوله:«فعلى البادئ»جزاؤها، أو موصولة«فعلى البادئ»خبرها، والجملة سببيّة، ومعناه: إثم ما قالاه على البادئ، إذا لم يَعْتَدِ المظلوم، فإذا تعدّى يكون عليهما، إلا إذا تجاوز غاية الحدّ، فيكون إثم القولين عليه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله:«فيكون إثم القولين عليه»فيه نظر لا يخفى؛ لأن الذي يقتضيه السياق أن عليه إثم ما تجاوز به، لا إثم القولين، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. وقوله: (مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ») «ما» مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّة عدم اعتداء المظلوم على البادئ بمجاوزته الحدّ، بأن سبّه أكثر، أو أفحش منه، فإذا اعتدى كان إثم ما اعتدى عليه، والباقي على البادئ. كذا في «اللمعات». وقال النوويّ - ﵀ -: معناه أن إثم السباب الواقع من اثنين مختصّ بالبادئ منهما كلّه، إلا أن يتجاوز الثاني قدر الانتصار، فيقول للبادئ أكثر مما قال له. انتهى . وقال المناويّ - ﵀ -: «المستبّان»؛ أي: الذي يسبّ كل منهما الآخر، «ما قالا»؛ أي: إثم ما قالاه من السبّ والشتم، «فعلى البادئ منهما»؛ لأنه السبب لتلك المخاصمة، فللمسبوب أن ينتصر، ويسبّه بما ليس بقذف، ولا كذب، كيا ظالم، ولا يأثم، ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ [الشورى: ٤١]، والعفو أفضل. [فإن قيل]: إذا لم يسكت المسبوب، ويرى البادئ من ظلمه بوقوع التقاصّ، فكيف صح أن يقدّر فيه إثم ما قالا؟. [قلنا]: إضافته بمعنى «في»، والمعنى: الإثم الكائن فيما قالاه، وإثم الابتداء على البادئ، ويستمرّ هذا الحكم حتى يتعدى المظلوم؛ أي: يتعدى الحدّ في السب، فلا يكون الإثم على البادئ فقط، بل عليهما، وقيل: المراد أنه يحصل إثم ما قالا، وللبادئ أكثر من المظلوم، ما لم يَتَعَدَّ، فيربو إثم المظلوم، وقيل: المعنى: أنه إذا سبّه، فردَّ عليه كان كَفَافًا، فإن زاد بالغضب، والتعصب لنفسه، كان ظالِمًا، وكان كل منهما فاسقًا. انتهى . والحاصل أنه إذا سبّ كل واحد الآخر، فإثم ما قالا على الذي بدأ في السبّ، وهذا إذا لم يتعدّ ويتجاوز المظلوم الحدّ، وإلا فعليه إثم ما جاوز به. [تنبيه]: أخرج ابن حبّان في «صحيحه» عن عياض بن حمار - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله الرجل يشتمني من قومي، وهو دوني، أعليَّ من بأس أن أنتصر منه؟ قال: «المستبّان شيطانان، يتهاتران، ويتكاذبان» . قال أبو حاتم: أطلق - ﷺ - اسم الشيطان على المستبّ على سبيل المجاورة؛ إذ الشيطان دلّه على ذلك الفعل، حتى تهاتر، وتكاذب، لا أن المستبّين يكونان شيطانين. انتهى . وقال ابن الأثير - ﵀ -: معنى «المستبّان شيطانان، يتهاتران، ويتكاذبان»؛ أي: يتقاولان، ويتقابحان في القول، من الْهِتْر بالكسر ، وهو الباطل، والسَّقَط من الكلام، وفي حديث ابن عمر - ﵁ -: اللَّهُمَّ إني أعوذ بك أن أكون من المستهترين. يقال: استهتر فلان، فهو مستهتر: إذا كان كثير الأباطيل، والْهِتر: الباطل، قال ابن الأثير؛ أي: المُبْطلين في القول، والمسقطين في الكلام، وقيل: الذين لا يبالون ما قيل لهم، وما شتموا به، وقيل: أراد: المستهترين بالدنيا. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٦٥٦٨] (٢٥٨٧)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (٤٢٣)، و(أبو داود) في «الأدب» (٤٨٩٤)، و(الترمذيّ) في «البرّ والصلة» (١٩٨١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٥ و٤٨٨ و٥١٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ٣٦٦ و٣٩٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٧٢٨ و٥٧٢٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٢٣٥) و«شُعب الإيمان» (٥/ ٢٨٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٥٥٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الزجر عن التسابّ؛ لأن واجب المسلم تجاه أخيه المسلم نَصْره، واحترامه، وتعظيمه، لا خُذلانه، واحتقاره، وإيذاؤه، فقال - ﷺ -: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذُله، ولا يحقره». ٢ - (ومنها): بيان جواز الانتصار، قال النوويّ - ﵀ -: ولا خلاف في جوازه، وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسُّنَّة، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ [الشورى: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ [الشورى: ٣٩]، ومع هذا فالصبر، والعفو أفضل، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣]، وللحديث المذكور بعد هذا: «ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا». ٣ - (ومنها): أن سباب المسلم بغير حقّ حرام، كما قال - ﷺ -: «سِباب المسلم فسوق». ٤ - (ومنها): بيان أنه لا يجوز للمسبوب أن ينتصر إلا بمثل ما سبّه، ما لم يكن كذبًا، أو قذفًا، أو سبًّا لأسلافه، فمِن صُوَر المباح أن ينتصر بيا ظالم، يا أحمق، أو يا جافي، أو نحو ذلك؛ لأنه لا يكاد أحد ينفك من هذه الأوصاف، قال العلماء: إذا انتصر المسبوب استوفى ظُلامته، وبرئ الأول من حقّه، وبقي عليه إثم الابتداء، أو الإثم المستحقّ لله تعالى، وقيل: يرتفع عنه جميع الإثم بالانتصار منه، ويكون معنى «على البادئ»؛ أي: عليه اللوم، والذمّ، لا الإثم، قاله النوويّ - ﵀ - . وقال القرطبيّ - ﵀ -: معنى الحديث: أن المبتدئ بالسبّ هو المختصّ بإثم السبّ؛ لأنَّه ظالم به؛ إذ هو مبتدئ من غير سبّ، ولا استحقاق، والثاني منتصر فلا إثم عليه، ولا جناح، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ [الشورى: ٤١]، لكن السبّ المنتصَر به وإن كان مباحًا للمنتصِر، فعليه إثم من حيث هو سبّ، لكنه عائد إلى الجاني الأول؛ لأنَّه هو الذي أحْوَج المنتصر إليه، وتسبّب فيه، فيرجع إثمه عليه، ويَسْلَم المنتصر من الإثم؛ لأنَّ الشرع قد رَفَع عنه الإثم، والمؤاخذة، لكن ما لم يكن من المنتصِر عدوان إلى ما لا يجوز له، كما قال: «ما لم يَعْتَدِ المظلوم»؛ أي: ما لم يجاوز ما سبّ به إلى غيره، إما بزيادة سبّ آخر، أو بتكرار مثل ذلك السبّ، وذلك أن المباح في الانتصار أن يردّ مثل ما قال الجاني، أو يقاربه؛ لأنَّه قصاص، فلو قال له: يا كلب مثلًا فالانتصار أن يردّ عليه بقوله: بل هو الكلب، فلو كرّر هذا اللفظ مرتين، أو ثلاثًا لكان متعديًا بالزائد على الواحدة، فله الأُولى، وعليه إثم الثانية، وكذلك لو ردّ عليه بأفحش من الأُولى، فيقول له: خنزير مثلًا كان كل واحد منهما مأثومًا؛ لأنَّ كلًّا منهما جانٍ على الآخر، وهذا كلّه مقتضى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الآية [الشورى: ٤٠]. قال: وكلُّ ما ذكرناه من جواز الانتصار، إنما هو فيما إذا لم يكن القول كذبًا، أو بهتانًا، وإلا فلا يجوز أن يتكلّم بذلك، لا ابتداءً، ولا قصاصًا، وكذلك لو كان قَذْفًا، فلو ردّه كان كلّ واحد منهما قاذفًا للآخَر، وكذلك لو سبّ المبتدئ أبا المسبوب، أو جدّه لم يَجُز له أن يردّ ذلك؛ لأنَّه سبٌّ لمن لم يَجْنِ عليه، فيكون الردّ عدوانًا، لا قصاصًا. قال بعض علمائنا: إنما يجوز الانتصار فيما إذا كان السبّ مما يجوز سبّ المرء به عند التأديب؛ كالأحمق، والجاهل، والظالم؛ لأنَّ أحدًا لا ينفكّ عن بعض هذه الصفات، إلا الأنبياء، والأولياء، فهذا إذا كافاه بسبّه، فلا حرج عليه، ولا إثم، وبقي الإثم على الأول بابتدائه، وتعرّضه لذلك. قال الجامع عفا الله عنه: تخصيص هؤلاء السبّ بهذا النوع الذي ذكروه محلّ نظر؛ إذ النصّ عامّ، فلا ينبغي تخصيصه إلا بدليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ [الشورى: ٤١] أن الانتصار مباح، وعلى ذلك يدلّ الحديث المذكور، لكنّ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ [الشورى: ٣٩] مَدْح من الله تعالى للمنتصِر، والمباح لا يُمدح عليه، فاختَلَف العلماء في ذلك، فقال السّدّيّ: إنما مَدَح الله من انتصر ممن بَغَى عليه من غير زيادة على مقدار ما فَعَل به؛ يعني: أنه إنما مُدِح من حيث أنه اتقى الله في انتصاره؛ إذ أوقعه على الوجه المشروع، ولم يفعل ما كانت الجاهلية تفعل، من الزيادة على الجناية. وقال غيره: إنما مَدَح الله من انتصر من الظالم الباغي الْمُعْلِن بظلمه الذي يعمّ ضرره، فالانتقام منه أفضل، والانتصار عليه أَولى، قال معناه إبراهيم النّخعيّ، ولا خفاء في أن العفو عن الجناة، وإسقاط المطالبة عنهم بالحقوق
مصادر المؤلف (١١)

١. «تحفة الأحوذيّ» ٦/ ٩٨.

٢. «عون المعبود» ١٣/ ١٦٢.

٣. «المفهم» ٦/ ٥٦٦.

٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١١٤.

٥. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٤٠ - ١٤١.

٦. «فيض القدير» ٦/ ٢٦٧.

٧. حديث صحيح.

٨. «صحيح ابن حبان» ١٣/ ٣٥.

٩. قال في «القاموس المحيط» ١/ ٦٣٧: الهَتْرُ - أي: بفتح، فسكون -: مَزْقُ العِرْضِ، وهَتَرَهُ يَهْتِرُهُ وهَتَّرَهُ، وبالكسر: الكذِبُ، والدَّاهِيَةُ، والأمْرُ العَجَبُ، والسَّقَطُ من الكلامِ، والخَطأُ فيه. انتهى.

١٠. «النهاية في غريب الأثر» ٥/ ٢٤٢، و«لسان العرب» ٥/ ٢٥٠.

١١. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٤١.