HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٨٨

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قالوا: حدثنا إسماعيل (وهو ابن جعفر) عن الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ رسول الله ﷺ قال «ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا. وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص21
ج ٤ ص ٢٠٠١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص٦١٦
مندوب إليه، مُرَغَّب فيه على الجملة، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣]، ولقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، وقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ الآية [البقرة: ٢٣٧]، ولقوله - ﷺ -: «ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا» ، وقوله: «تعفو عمن ظلمك، وتعطي مَن حَرَمك، وتَصِل من قطعك» ، ونحوه كثير. انتهى، والله تعالى أعلم . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٩) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الْعَفْوِ، وَالتَّوَاضُعِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٦٩] (٢٥٨٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ»). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد المذكور قبله، فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيه، فتنبّه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَا) نافية، (نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ)»من«زائدة، أو تبعيضية، أو بيانية؛ أي: ما نقصت صدقة مالًا، أو بعضَ مال، أو شيئًا من مال، بل تزيد أضعاف ما يُعطَى منه، بأن ينجبر بالبركة الخفيّة، أو بالعطيّة الجليّة، أو بالمثوبة العليّة . وقال أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: معناه: لا تُنقص الصدقة المال؛ لأنه مال مباركٌ فيه، إذ أُدِّيت زكاته، وتَطَوَّع منه صاحبه؛ لأن الصدقة تُضاعَف إلى سبعمائة ضعف، ويجدها صاحبها وقت الحاجة إليها كجبل أُحُد، مضاعفةً أضعافًا كثيرةً، فأيُّ نقصان مع هذا؟. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله:«ما نقصت صدقة من مال»: ذكروا فيه وجهين: أحدهما: معناه أنه يبارَك فيه، ويُدفَع عنه المضرّات، فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفيّة، وهذا مُدْرَك بالحس والعادة. والثاني: أنه وإن نقصت صورته كان في الثواب المرتَّب عليه جَبْر لنقصه، وزيادة إلى أضعاف كثيرة. انتهى . وقال الزرقانيّ - ﵀ -:«ما نقصت صدقة من مال»بل يزيد الله فيه ما نقص منه، ويَحْتَمِل أنه وإن نقص، فله في الآخرة من الأجر ما يجبر ذلك النقص، ويَحتمل أن يُجمع له الأمران، قاله عياض. وقال الطيبيّ: يَحْتَمِل أن«مِنْ»زائدة؛ أي: ما نقصت صدقة مالًا، ويَحتمل أنها صلة لـ«نقصت»، والمفعول الأول محذوف؛ أي: ما نقصت شيئًا من مال، بل يزيد في الدنيا بالبركة فيه، ودَفْع المفاسد عنه، والإخلافِ عليه بما هو أجدى، وأنفع، وأكثر، وأطيب، ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، أو في الآخرة بإجزال الأجر، وتضعيفه، أو فيهما، وذلك جائز لإضعاف ذلك النقص، بل وقع لبعض العلماء أنه تصدَّق من ماله، فلم يجد فيه نقصًا، قال الفاكهانيّ: أخبرني من أثق به أنه تصدَّق من عشرين درهمًا بدرهم، فوَزَنَها فلم تنقص، قال: وأنا وقع لي ذلك. وقول الكلاباذيّ: يراد بالصدقة: الفرض، وبإخراجها ما لم ينقص ماله؛ لكونها دَينًا، فيه بُعْدٌ لا يخفى. انتهى . (وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ)؛ أي: بسبب عفوه عن شيء من المظلمة، وتجاوُزه عن الانتصار مع قدرته على الانتقام، (إِلَّا عِزًّا)؛ أي: رفعة في الدنيا، فإن من عُرف بالعفو عَظُم في القلوب، أو في الآخرة، بأن يَعْظُم ثوابه، أو فيهما. وقال النوويّ قوله: «ما زاد الله عبدأ بعفو إلا عزًّا» فيه أيضًا وجهان: أحدهما: أنه على ظاهره، وأنَّ من عُرف بالصّفح، والعفو سادَ، وعَظُم في القلوب، وزاد عزّه، وإكرامه. والثاني: أن يكون أجره وثوابه وَجَاهُه وعزّه في الآخرة أكثر. (وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ) بأن أنزل نفسه عن مرتبة يستحقّها؛ لرجاء التقرب إلى الله، دون غرض غيره. وقال النوويّ: فيه أيضًا وجهان: أحدهما: يرفعه في الدنيا، ويُثْبت له بتواضعه في القلوب منزلةً، ويرفعه الله عند الناس، ويُجِلّ مكانه. والثاني: أن المراد: ثوابه في الآخرة، ورَفْعه فيها بتواضعه في الدنيا، قال العلماء: وهذه الأوجه في الألفاظ الثلاثة موجودة في العادة، معروفة، وقد يكون المراد الوجهين معًا في جميعها في الدنيا والآخرة، والله أعلم. انتهى . وفي رواية «الموطّأ»: «وما تواضع عبد»، قال المناويّ : وما تواضع أحد لله من المؤمنين رِقًّا وعبوديةً في ائتمار أمره، والانتهاء عن نهيه، ومشاهدته لحقارة النفس، ونفي العجب عنها، (إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ«) في الدنيا، بأن يُثبت له في القلوب بتواضعه منزلة عند الناس، ويُجلّ مكانه، وكذا في الآخرة على سرير خُلْد لا يفنى، ومنبر مُلك لا يبلى. وقد ظهر صِدق الحديث، فإن هذه الوجوه كلها موجودة في الدنيا، وفي هذا كله ردّ قولَ من يقول: الصبر، والحِلم والذلّ، ومن قاله من الأجلّة، فإنما أراد أنه يُشْبهه في الاحتمال، وعدم الانتصار، قاله عياض. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«وما تواضع أحد لله إلّا رفعه الله»، التواضع: الانكسار، والتذلّل، ونقيضه: التكبّر، والترفع، والتواضع يقتضي متواضَعًا له، فإنْ كان المتواضَع له هو الله تعالى، أو من أَمَر الله بالتواضع له؛ كالرسول - ﷺ -، والإمام، والحاكم، والوالد، والعالم، فهو التواضع الواجب المحمود الذي يرفع الله تعالى به صاحبه في الدنيا والآخرة، وأما التواضع لسائر الخلق فالأصل فيه أنه محمودٌ، ومندوب إليه، ومُرغّبٌ فيه، إذا قُصد به وجه الله تعالى، ومن كان كذلك رَفَع الله تعالى قَدْره في القلوب، وطيّب ذِكره في الأفواه، ورَفَع درجته في الآخرة، وأما التواضع لأهل الدنيا، ولأهل الظلم، فذلك هو الذلّ الذي لا عزّ معه، والخسّة التي لا رفعة معها، بل يترتب عليها ذلّ الآخرة، وكلُّ صفقة خاسرة - نعوذ بالله من ذلك. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . وقال غيره: من تواضع لله في تحمّل مُؤَن خَلْقه، كفاه الله مؤنة ما يرفعه إلى هذا المقام، ومن تواضع في قبول الحقّ ممن دونه قَبِل الله منه مدخول طاعته، ونَفَعه بقليل حسناته، وزاد في رَفْع درجاته، وحَفِظه بمعقّبات رحمته، من بين يديه، ومِنْ خلفه. [واعلم]: أن من جِبِلّة الإنسان الشحَّ بالمال، ومشايعة السبعية من إيثار الغضب، والانتقام، والاسترسال في الكِبْر الذي هو من نتائج الشيطنة، فأراد الشارع أن يَقْلَعَها، فحثّ أوّلًا على الصدقة؛ ليتحلى بالسخاء والكرم، وثانيًا على العفو؛ ليتعزز بعزّ الْحِلْم والوقار، وثالثًا على التواضع؛ ليرفع درجاته في الدارين ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. [تنبيه]: قال أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: حديث العلاء بن عبد الرحمن هذا أسنده عن مالك جماعة، وهو في «الموطأ» من قول العلاء، وكان مالك يشكّ في رَفْعه، ومثله لا يكون رأيًا، وهو محفوظ مسندٌ: مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمعه يقول: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع عبد لله إلا رفعه الله»، قال مالك: لا أدري أَيُرفَع هذا الحديث إلى النبيّ - ﷺ - أم لا؟. هكذا رَوَى هذا الحديث جماعة الرُّواة عن مالك، منهم ابن وهب، وابن القاسم، والقعنبيّ، ومعن بن عيسى، وغيرهم، وهو حديث محفوظ للعلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، رواه عنه جماعة هكذا، ومثله لا يقال من جهة الرأي، فلذلك كلّه ذكرناه، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٦٥٦٩] (٢٥٨٨)، و(الترمذيّ) في «البرّ والصلة» (٢٠٢٩)، و(مالك) في «الموطّأ» (٢/ ١٠٠٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٥ و٣٨٦ و٤٣٨)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٩٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٤٣٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٢٤٨)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٥/ ٢٠٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ٣٤٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٨٧ و٨/ ١٦٢ و١٠/ ٢٣٥) و«شُعب الإيمان» (٣/ ٢٣٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٦٣٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الصدقة، وأنها لا تنقص من المال، بل تكون سببًا لزيادته، ونمائه، وزيادة صاحبها فضلًا ورفعةً عند الله تعالى، ومحمدة عن الناس. ٢ - (ومنها): بيان فضل العفو والصفح عمن أساء، وأن من فعل ذلك يزيده الله تعالى عزًّا، ورفعةً في الدنيا والآخرة. ٣ - (ومنها): بيان فضل التواضع لله - ﷾ -، وأن من تواضع لله - ﷾ - رفعه الله في الدنيا والآخرة، وقد ورد الأمر به، ففي «صحيح مسلم» من حديث عياض بن حمار - ﵁ -، مرفوعًا: «وإن الله أوحى إليّ أنْ تواضَعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغيَ أحدٌ على أحد»، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في محاللة الحقوق: قال أبو العبّاس القرطبيّ في «المفهم»: اختَلَف العلماء في المحاللة من الحقوق، فقال سعيد بن المسيِّب: لا أحلِّل أحدًا، وظاهره أنه كان لا يُجيز أن يعفو عن حقّ وجب له، ولا يُسقطه، ولم يفرّق بين الظالم، ولا غيره، وهذا هو الذي فَهِمه مالك عنه. وذهب غيره إلى أنه تجوز المحاللة من جميع الحقوق، وإسقاطها، وإليه ذهب محمد بن سيرين، والقاسم بن محمد كان يُحلّل مَن ظلمه، ويكره لنفسه الخصوم. وفرّق آخرون بين الظالم، فلم يحللوه، وبين غيره، فحلّلوه، وإليه ذهب إبراهيم النخعيّ، وهو ظاهر قول مالك، وقد سئل، فقيل له: أرأيت الرجل يموت، ولك عليه دَين، ولا وفاء له به؟ قال: أفضل عندي أن أحلّله، وأما الرجل يظلم الرجل فلا أرى ذلك، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ الآية [الشورى: ٤٢] فظاهر هذا: أن الظالم لا يجوز أن يُحلَّل، ولم يفرّق بين الحقوق، فيكون مذهبه كمذهب النخعيّ المتقدّم، غير أنه قد رُوي قول مالك هذا بلفظ آخر، فقال: أما الرجل يغتاب الرجل، وينتقصه، فلا أرى ذلك، ففَهِم بعضُ أصحابنا من هذا أن ترك المحاللة إنما مَنَعه في الأعراض خاصّة، وأما في سائر الحقوق فيجوز. وسبب هذا الخلاف، هل تلك الأدلة مُبْقاةٌ على ظواهرها من التعميم، أو هي مُخَصّصة، فيخرج منها الظالم؛ لأنَّ تحليله من المظالم يجرّؤه على الإكثار منها، وهو ممنوع بالإجماع، ثم ذلك عون له على الإثم والعدوان، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الآية [المائدة: ٢]؟ وأما الفرق بين الأعراض وغيرها فمبالغة في سدّ ذريعة الأعراض ليَسَارتها، وتساهُل الناس في أمرها، فاقتضى ذلك المبالغة في الردع عنها، فاذا عَلِم الذي يريد أن يغتاب مسلمًا أن الغِيبة، وأعراض المسلمين لا يُعفَى عنها، ولا يُخرج منها، امتنع من الوقوع فيها. قال القرطبيّ - ﵀ -: ويردّ على هذه التخصيصات سؤالات يطول الكلام بإيرادها، والانفصال عنها، والتمسك بالعموم هو الأصل المعلوم، لا سيما مع قوله - ﷺ -: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا أصبح يقول: اللَّهُمَّ إني تصدقت بعرضي على عبادك» ، ومع الأصل الكليّ في حقوق بني آدم من جواز تصرّفهم فيها بالإعطاء، والمنع، والأخذ والإسقاط، والله تعالى أعلم. [تفريع]: القائلون بجواز التحلّل، وإسقاط الحقوق، اختلفوا هل تُسقط عن الظالم مطالبة الآدميّ فقط، ولا تسقط عنه مطالبة الله - ﷿ -؟، أو يَسْقُط عنه الجميع؟ لأهل العلم فيه قولان. انتهى كلام أبي العبّاس القرطبيّ - ﵀ - . وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر - ﵀ - في «تفسيره»: اختَلَف العلماء في التحليل، فكان ابن المسيِّب لا يحلل أحدًا من عرض، ولا مال، وكان سليمان بن يسار، ومحمد بن سيرين يحللان من العرض والمال، ورأى مالك التحليل من المال دون العرض، رَوَى ابن القاسم، وابن وهب عن مالك، وسئل عن قول سعيد بن المسيِّب: لا أُحلِّل أحدًا، فقال: ذلك يَختلف، فقلت له: يا أبا عبد الله، الرجل يُسلِف الرجلَ، فيهلك ولا وفاء له؟ قال: أرى أن يحلّله، وهو أفضل عندي، فإن الله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]. فقيل له: الرجل يظلم الرجل؟ فقال: لا أرى ذلك، هو عندي مخالف للأول، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾، ويقول تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، فلا أرى أن يجعله مِن ظُلمه في حِلّ. قال ابن العربيّ: فصار في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: لا يحلِّله بحال، قاله سعيد بن المسيِّب. الثاني: يحلله، قاله محمد بن سيرين. الثالث: إن كان مالًا حلّله، وإن كان ظلمًا لم يُحلّله، وهو قول مالك. وجه الأول: ألا يحلل ما حرّم الله، فيكون كالتبديل لحكم الله. ووجه الثاني: أنه حقه، فله أن يُسقط كما يُسقط دمه، وعرضه. ووجه الثالث: الذي اختاره مالك هو أن الرجل إذا غُلب على أداء حقك، فمن الرفق به أن تتحلله، وإن كان ظالمًا فمن الحقّ ألا تتركه؛ لئلا تغترّ الظَّلَمة، ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة. وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي الْيَسَر الطويل، وفيه: «أنه قال لغريمه: اخرُجْ إليّ، فقد علمت أين أنت، فخرج، فقال: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أُحَدِّثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدّثك، فأكذبك، وأن أعدك، فأُخلفك، وكنتَ صاحب رسول الله - ﷺ -، وكنتُ والله مُعْسِرًا، قال: قلت: آلله؟ قال: الله، قال: فأتى بصحيفته، فمحاها، فقال: إن وجدت قضاءً فاقضني، وإلا فأنت في حِلّ. . .»، وذكر الحديث. قال ابن العربي: وهذا في الحي الذي يُرجى له الأداء لسلامة الذمة، ورجاء التحلّل، فكيف بالميت الذي لا محاللة له، ولا ذمة معه؟. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح أن التحلّل جائز في الحقوق كلّها، مالِهَا، وعِرْضِها؛ - كما مال إليه القرطبيّ في كلامه السابق - لإطلاق النصوص في ذلك، مثلُ قوله - ﷿ -: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، فهذه الآيات قد عمّمت، ولم تخصّ حقًّا دون حقّ. وقد أخرج البخاريّ في «صحيحه»: عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كانت له مظلمة لأحد من عِرضه، أو شيء، فليتحلّله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار، ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقَدْر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه، فحُمِل عليه». فهذا الحديث أصرح النصوص في هذه المسألة؛ إذ نصَّ على العِرْض، ثم عمّم جميع الحقوق بقوله: «أو شيء». والحاصل أن التحلّل مشروع مطلقًا، فتبصَّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٦)

١. رواه مسلم برقم (٢٥٨٨).

٢. رواه البزّار، وقال الهيثميّ: وفيه سليمان بن داود اليماميّ: متروك. انتهى.«مجمع الزوائد»٨/ ١٥٤.

٣. «المفهم»٦/ ٥٦٨.

٤. «تحفة الأحوذيّ» ٦/ ١٤٩.

٥. «الاستذكار» ٨/ ٦١٢.

٦. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٤١.

٧. «شرح الزرقانيّ» ٤/ ٥٤٨ - ٥٤٩.

٨. «شرح النوويّ»١٦/ ١٤٢.

٩. «فيض القدير» ٥/ ٥٠٤.

١٠. «المفهم» ٦/ ٥٧٥.

١١. «شرح الزرقانيّ» ٤/ ٥٤٩.

١٢. «التمهيد لابن عبد البرّ»٢٠/ ٢٦٩.

١٣. «صحيح مسلم»٤/ ٢١٩٨.

١٤. صححه الشيخ الألباني موقوفًا، وضعّفه مرفوعًا.

١٥. «المفهم» ٦/ ٥٦٦ - ٥٦٩.

١٦. «تفسير القرطبيّ» ١٦/ ٤٢ - ٤٣.