HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٥٨٩

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قالوا: حدثنا إسماعيل عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ إن رسول الله ﷺ قال «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال «ذكرك أخاك بما يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال «إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته. وإن لم يكن فيه، فقد بهته».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص21
ج ٤ ص ٢٠٠١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٠ ص٦٢٤
(٢٠) - (بَابُ تَحْرِيمِ الْغِيبَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٥٧٠] (٢٥٨٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟»، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ»، قِيلَ: أفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَقَدْ بَهَتَّهُ»). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد المذكور في الحديثين السابقين، فتنبّه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟») بكسر الغين المعجمة، قيل: معناه: أتعلمون ما جواب هذا السؤال؟، والأظهر أن يقال: أتدرون ما الغيبة التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]؟ قاله القاري . وقال القرطبيّ - ﵀ -: كأن هذا السؤال صدر عنه - ﷺ - بعد أن جرى ذِكر الغيبة، ولا يبعد أن يكون ذلك بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، ففسّر النبيّ - ﷺ - هذه الغِيبة المنهيّ عنها، ووَزْنها فِعْلةٌ، وهي مأخوذة من الغيبة، بفتح الغين مصدر غاب؛ لأنَّها ذِكر الرجل في حال غَيبته بما يكرهه لو سمعه، يقال من ذلك المعنى: اغتاب فلانٌ فلانًا يغتابه اغتيابًا، واسم ذلك المعنى: الْغِيبة. (قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون لديه - ﷺ -: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) - ﷺ - («ذِكْرُكَ)؛ أي: أن تذكر أيها المخاطب خطابًا عامًّا بلفظ، أو كتابة، أو رمز، أو إشارة، أو محاكاة، (أَخَاكَ) في الدِّين في غَيْبته (بِمَا يَكْرَهُ»)؛ أي: بالشيء الذي يكرهه أخوك لو بلغه في دِينه، أو دنياه، أو خَلْقه، أو خُلُقه، أو أهله، أو خادمه، أو ماله، أو ثوبه، أو حركته، أو طلاقته، أو عبوسته، أو غير ذلك، مما يتعلق به، سواء ذَكَره بلفظ، أو إشارة، أو رمز. (قِيلَ) لم يُعرف القائل؛ أي: قال بعض الصحابة: (أفَرَأَيْتَ)؛ أي: أخبرني يا رسول الله (إِنْ كَانَ) موجودًا (فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟)؛ أي: من المَنقصة، والمعنى: أيكون حينئذ ذِكره بها أيضًا غيبة؟ كما هو المتبادَر من عموم ذِكره بما يَكره، (قَالَ) - ﷺ -: («إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ)؛ أي: من العَيب، (فَقَدِ اغْتَبْتَهُ)؛ أي: لا معنى للغيبة إلا هذا، وهو أن تكون المنقصة موجودة فيه، (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) ما قلته موجودًا (فِيهِ)؛ أي: في أخيك، (فَقَدْ بَهَتَّهُ») بفتح الهاء المخففة، وتشديد التاء، على الخطاب؛ أي: قذفته بالباطل، وافتريت عليه، وهو أشدّ من الغيبة، يقال: بَهَتَه بَهْتًا، من باب نَفَعَ: قذفه بالباطل، وافترى عليه الكذب، والاسم: الْبُهتان، واسم الفاعل بَهُوتٌ، والجمع: بُهُتٌ، مثلُ رَسُول ورُسُل، والْبَهْتَة مثلُ البهتان، أفاده الفيّوميّ - ﵀ - . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «فقد بهتّه» هو بتخفيف الهاء، وتشديد التاء؛ لإدغام تاء المخاطب في التاء التي هي لام الفعل، وكذلك رَوَيْتُه، ويجوز أن تكون مخففة على إسقاط تاء الخطاب، يقال: بَهَتَّه بَهَتًا، وبَهْتًا، وبُهتانًا؛ أي: قال عليه ما لم يَقُل، وهو بهّات، والمقول مبهوت، ويقال: بَهِت الرجل - بالكسر - إذا دُهش، وتحيّر، وبَهُت - بالضم - مثله، وأفصح منها: بُهِت، كما قال تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]؛ لأنَّه يقال: رجل مبهوت، ولا يقال: باهت، ولا بَهِيت، قاله الكسائيّ ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٦٥٧٠] (٢٥٨٩)، و(أبو داود) في «الأدب» (٤٨٧٤)، و(الترمذيّ) في «البرّ والصلة» (١٩٣٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٨٤ و٣٨٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٩٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٧٥٨ و٥٧٥٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٢٤٧) وفي «الأدب» (١٥٤) و«شُعب الإيمان» (٥/ ٣٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في تعريف الغيبة: قال في «الفتح»: قد اختُلِف في حدّ الغيبة، فقال الراغب: هي أن يذكر الإنسان عيب غيره من غير مُحْوِج إلى ذِكر ذلك. وقال الغزاليّ: حدّ الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه. وقال ابن الأثير في «النهاية»: الغيبة أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء، وإن كان فيه. وقال النوويّ في «الأذكار» تبعًا للغزاليّ: ذِكر المرء بما يكرهه، سواء كان ذلك في بدن الشخص، أو دِينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خَلْقه، أو خُلُقه، أو ماله، أو والده، أو ولده، أو زوجته، أو خادمه، أو ثوبه، أو حركته، أو طلاقته، أو عُبوسته، أو غير ذلك، مما يتعلق به، سواء ذكرته باللفظ، أو بالإشارة والرمز. قال النوويّ: وممن يستعمل التعريض في ذلك كثيرٌ من الفقهاء في التصانيف، وغيرها؛ كقولهم: قال بعض من يَدَّعي العلم، أو بعض من يُنسب إلى الصلاح، أو نحو ذلك، مما يَفهَم السامعُ المراد به، ومنه قولهم عند ذِكره: الله يعافينا، الله يتوب علينا، نسأل الله السلامة، ونحو ذلك، فكل ذلك من الغيبة. وتمسَّك من قال: إنها لا يُشترط فيها غَيْبَةُ الشخصِ بالحديث المشهور الذي أخرجه مسلم، وأصحاب «السنن» عن أبي هريرة - ﵁ -، رفعه: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذِكْرُك أخاك بما يكرهه»، قال: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان في أخيك ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول، فقد بهتّه»، وله شاهد مرسَل عن المطلب بن عبد الله عند مالك، فلم يقيد ذلك بغَيبة الشخص، فدلّ على أن لا فرق بين أن يقول ذلك في غَيبته، أو في حضوره، والأرجح اختصاصها بالغَيبة؛ مراعاةً لاشتقاقها، وبذلك جزم أهل اللغة. قال ابن التين: الغيبةُ: ذكر المرء بما يكرهه بظهر الغيب، وكذا قيّده الزمخشريّ، وأبو نصر القشيريّ، في «التفسير» وابن خميس في جزء له مفرد في الغيبة، والمنذريّ، وغير واحد من العلماء، من آخرهم الكرمانيّ قال: الغيبة أن تتكلم خلف الإنسان بما يكرهه لو سمعه، وكان صدقًا، قال: وحُكم الكناية، والإشارة مع النية كذلك، وكلام من أطلق منهم محمول على المقيّد في ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قول من قال: إن الغيبة لا يُشترط فيها غَيبة الشخص هو الأظهر عندي؛ لظاهر حديث الباب، وأما تقوّل الحافظ خلافه بقول أهل اللغة، فليس مما ينبغي؛ لأن ظاهر النص لا يُعارَض إلا بمثله، أو بالإجماع، ولا يوجد هنا لا هذا، ولا هذا، فيترجّح القول بالإطلاق، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (المسألة الرابعة): في بيان حكم الغيبة: قال النوويّ - ﵀ -: الغيبة من أقبح القبائح، وأكثرها انتشارًا في الناس، حتى لا يَسْلَم منها إلا القليل من الناس، وذِكرك أخاك بما يكرهه عامّ سواء كان في بدنه، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خَلْقه، أو ماله، أو ولده، أو والده، أو زوجه، أو خادمه، أو ثوبه، أو مشيه، وحركته، وبشاشته، وعبوسته، وطلاقته، أو غير ذلك، مما يتعلق به، سواءٌ ذكرته بلفظك، أو كتابك، أو رمزت، أو أشرت إليه بعينك، أو يدك، أو رأسك، ونحو ذلك، وضابطه أن كلَّ ما أفهمتَ به غيرك نقصان مسلم، فهو غيبة محرَّمة، ومن ذلك المحاكاة، بأن يمشي متعارجًا، أو مطأطئًا، أو على غير ذلك من الهيئات، مريدًا حكاية هيئة من ينقصه بذلك. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: لا شك في أن الغيبة محرّمة، وكبيرة من الكبائر بالكتاب والسُّنَّة، فالكتاب قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [الحجرات: ١٢]، وأما السُّنَّة فكثيرة مِن أنصّها: ما أخرجه أبو داود، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من أكبر الكبائر استطالةَ المرء في عرض رجل مسلم بغير حقّ» . وفي كتابه أيضًا من حديث أنس عنه - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لمّا عُرج بي مررت بقوم لهم أظفارُ نُحاس يَخْمِشون بها وجوههم، وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم» . قال في «الفتح»: وأما حُكمها فقال النوويّ في «الأذكار»: الغيبة والنميمة محرّمتان بإجماع المسلمين، وقد تظاهرت الأدلة على ذلك، وذكر في «الروضة» تبعًا للرافعيّ أنها من الصغائر، وتعقّبه جماعة، ونَقَل أبو عبد الله القرطبيّ في «تفسيره» الإجماع على أنها من الكبائر؛ لأن حدّ الكبيرة صادق عليها؛ لأنها مما ثبت الوعيد الشديد فيه، وقال الأذرعيّ: لم أر من صَرَّح بأنها من الصغائر إلا صاحب «العدة»، والغزاليّ، وصرّح بعضهم بأنها من الكبائر، وإذا لم يثبت الإجماع فلا أقلّ من التفصيل، فمن اغتاب وليًّا لله، أو عالمًا ليس كمن اغتاب مجهول الحالة مثلًا، وقد قالوا: ضابطُها ذِكر الشخص بما يكره، وهذا يختلف باختلاف ما يقال فيه، وقد يشتدّ تأذّيه بذلك، وأذى المسلم محرّم. وذَكر النوويّ من الأحاديث الدالة على تحريم الغيبة حديث أنس - ﵁ -، رفعه: «لمّا عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يَخْمِشون بها وجوههم، وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم»، أخرجه أبو داود، وله شاهد عن ابن عباس عند أحمد، وحديث سعيد بن زيد، رفعه: «إن من أربى الربا الاستطالةَ في عِرْض المسلم بغير حقّ»، أخرجه أبو داود. وله شاهد عند البزار، وابن أبي الدنيا، من حديث أبي هريرة، وعند أبي يعلى، من حديث عائشة، ومن حديث أبي هريرة، رفعه: «من أكل لحم أخيه في الدنيا، قُرِّب له يوم القيامة، فيقال له: كله ميتًا كما أكلته حيًّا، فيأكله، ويَكْلَح ، ويصيح»، سنده حسن. وفي «الأدب المفرد» عن ابن مسعود، قال: ما التقم أحد لقمة شرًّا من اغتياب مؤمن، الحديث. وفيه أيضًا، وصححه ابن حبان، من حديث أبي هريرة، في قصة ماعز، ورَجْمه في الزنا، وأن رجلًا قال لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم يَدَع نفسه حتى رُجم رجم الكلب، فقال لهما النبيّ - ﷺ -: «كُلَا من جيفة هذا الحمار - لحمار ميت - فما نِلتما من عِرض هذا الرجل أشدّ من أكْل هذه الجيفة». وأخرج أحمد، والبخاريّ في «الأدب المفرد» بسند حسن، عن جابر قال: كنا مع النبيّ - ﷺ -، فهاجت ريح منتنة، فقال النبيّ - ﷺ -: «هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين». وهذا الوعيد في هذه الأحاديث يدلّ على أن الغيبة من الكبائر، لكن تقييده في بعضها بغير حقّ قد يُخرج الغيبة بحقّ لِمَا تقرر أنها ذِكر المرء بما فيه، ذكره في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلّة أن القول الراجح أن الغيبة من كبائر الذنوب؛ لوضوح الأدلّة على ذلك، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): في ذكر ما يُستثنى من الغيبة: قال القرطبيّ - ﵀ -: إذا تقررت حقيقة الغيبة، وأن أصلها على التحريم، فاعلم أنها قد تَخرج عن ذلك الأصل صُوَرٌ، فتجوز الغيبة في بعضها، وتجب في بعضها، ويُندب إليها في بعضها: فالأُولى: كغيبة الْمُعْلِن بالفسق، المعروف به، فيجوز ذكره بفسقه، لا بغيره، مما يكون مشهورًا به؛ لقوله - ﷺ -: «بئس أخو العشيرة» كما يأتي، وقوله - ﷺ -: «لا غيبة لفاسق» ، ولقوله - ﷺ -: «لَيُّ الواجد يُحِلّ عرضه، وعقوبته» . والثاني: جرحُ شاهد عند خوف إمضاء الحكم بشهادته، وجرح المحدِّث الذي يُخاف أن يُعمل بحديثه، أو يُروَى عنه، وهذه أمور ضرورية في الدين معمول بها، مجمَع من السلف الصالح عليها، ونحو ذلك ذِكر عيب من استُنصِحتَ في مصاهرته، أو معاملته، فهذا يجب عليك الإعلام بما تعلم من هَنَاته عند الحاجة إلى ذلك على جهة الإخبار، كما قال النبيّ - ﷺ -: «أما معاوية فصُعلوك، لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» . وقد يكون من هذين النوعين ما لا يجب، بل يُندب إليه؛ كفعل المحدِّثين حين يُعَرِّفون بالضعفاء؛ مخافةَ الاغترار بحديثهم، وكتحريز مَن لم يسأل مخافةَ معاملة من حاله تُجهَل. وحيث حكمنا بوجوب النصّ على الغيبة، فإنما ذلك إذا لم نجد بُدًّا من التصريح والتنصيص، فأمَّا لو أغنى التعريض، والتلويح، لَحَرُم التنصيص، والتصريح، فإنَّ ذلك أمرٌ ضروريّ، والضرورة تُقدَّر بقدر الحاجة، والله تعالى أعلم. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: تباح الغيبة لغرض شرعيّ، وذلك لستة أسباب: أحدها: التظلُّم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان، والقاضي، وغيرهما، ممن له ولاية، أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان، أو فعل بي كذا. الثاني: الاستغاثة على تغيير المنكر، وردّ العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته: فلان يعمل كذا، فازجره عنه، ونحو ذلك. الثالث: الاستفتاء، بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان، أو أبي، أو أخي، أو زوجي بكذا، فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه، ودَفْع ظلمه عني، ونحو ذلك، فهذا جائز؛ للحاجة، والأجود أن يقول فيه: رجل، أو زوج، أو والد، أو ولد، كان من أمره كذا، ومع ذلك فالتعيين جائز؛ لحديث هند، وقولها: إن أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ. الرابع: تحذير المسلمين من الشرّ، وذلك من وجوه: منها: جرح المجروحين من الرواة، والشهود، والمصنفين، وذلك جائز بالإجماع، بل واجب؛ صونًا للشريعة. ومنها: الإخبار بعيبه عند المشاورة في مواصلته. ومنها: إذا رأيت من يشتري شيئًا مَعِيبًا، أو عبدًا سارقًا، أو زانيًا، أو شاربًا، أو نحو ذلك، تَذْكُره للمشتري، إذا لم يعلمه؛ نصيحةً، لا بقصد الإيذاء والإفساد. ومنها: إذا رأيت متفقهًا يتردد إلى فاسق، أو مبتدع، يأخذ عنه علمًا، وخِفْت عليه ضرره، فعليك نصيحته ببيان حاله؛ قاصدًا النصيحة. ومنها: أن يكون له ولايةٌ لا يقوم بها على وجهها؛ لعدم أهليته، أو لِفِسقه، فيذكره لمن له عليه ولاية؛ ليستدلّ به على حاله، فلا يغتر به، ويُلزم الاستقامة. الخامس: أن يكون مجاهرًا بفسقه، أو بدعته؛ كالخمر، ومصادرة الناس، وجباية المكوس، وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذِكره بما يُجاهر به، ولا يجوز بغيره، إلا بسبب آخر. السادس: التعريف، فإذا كان معروفًا بلقب؛ كالأعمش، والأعرج، والأزرق، والقصير، والأعمى، والأقطع، ونحوها، جاز تعريفه به، ويحرم ذكره به تنقّصًا، ولو أمكن التعريف بغيره، كان أَولى، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت هذه المواضع، فقلت: يَا طَالِبًا فَائِدَةً جَلِيلَهْ … اعْلَمْ هَدَاكَ اللهُ لِلْفَضِيلَهْ أَنَّ اغْتِيَابَ الشَّخْصِ حَيًّا أَوْ لَا … مُحَرَّمٌ قَطْعًا بِنَصٍّ يُتْلَى لَكِنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحِ … أُبِيحَ عَدَّهَا أُلُو التَّرْجِيحِ فَذَكَرُوهَا سِتَّةً تَظَلَّمِ … وَاسْتَفْتِ وَاسْتَعِنْ لِرَدْعِ مُجْرِمِ
مصادر المؤلف (١٤)

١. «المرقاة» ٨/ ٥٧١.

٢. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٦٣.

٣. «المفهم» ٦/ ٥٧١.

٤. «الفتح» ١٣/ ٦٠٦.

٥. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٤٢.

٦. حديث ضعيف، رواه أبو داود برقم (٤٨٧٧).

٧. حديث صحيح، رواه أبو داود برقم (٤٨٧٨).

٨. أي: يتكشّر في عُبُوس.

٩. «الفتح» ١٣/ ٦٠٧ - ٦٠٨.

١٠. حديث مُنكَر، بل قال بعضهم: باطل.

١١. حديث صحيح.

١٢. رواه مسلم.

١٣. «المفهم» ٦/ ٥٧٠ - ٥٧١.

١٤. شرح النوويّ» ١٦/ ١٤٢ - ١٤٣.