HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٠٨

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيبة (واللفظ لقتيبة). قالا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عن الحارث بن سويد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ما تعدون الرقوب فيكم؟» قال قلنا: الذي لا يولد له. قال «ليس ذاك بالرقوب. ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا» قال «فما تعدون الصرعة فيكم؟» قال: قلنا: الذي لا يصرعه الرجال. قال «ليس بذلك. ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص30
ج ٤ ص ٢٠١٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد سنن أبي داود
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٩٧
[٨١٣] (الرَّقُوب) تفسيره في الحديث أنه: (الَّذِي لَم يُقَدِّم مِن وَلَدِهِ شَيئًا)، وكان عندهم أن الرَّقوب هو الذي لم يقدم من ولده شيئا ، قال أبو عبيد : معناه في كلامهم؛ إنما هو على فقد الأولاد في الدنيا، فجعلها رسول الله ﷺ فقدتهم في الآخرة، وليس هذا بخلاف ذلك، ولكنه تحويل الموضع إلى غيره، نحو الحديث الآخر: (إِنَّمَا المَحْرُوبُ مَنْ حُرِبَ دِينَهُ) ، وليس هذا على أن يكون من سلب ماله ليس بمسلوب . قيل: كان الرقوب من المراقبة، والذي يفقد ولده بعد حدوثه؛ يرقب موته ، فسمي رقوبا بذلك، فصرفه النبي ﷺ إلى أن من لم يقدم ولده فهو رقوب، يرقب تقديم ولده ليؤجر على ذلك. [٨١٤] و(الصُّرَعَة) : بنصب الراء: فالذي يَصْرَع الرجال، فأما بسكون الراء، فالذي يصرعه الرجال، جعل النبي ﷺ القوة في المصارعة؛ أن يغلب غضبه.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٢٤
(٢٩) - (بَابُ قُبْحِ الْكَذِبِ، وَحُسْنِ الصِّدْقِ، وَفَضْلِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٦١٤] (٢٦٠٧) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا ، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ، حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (أَبو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وقبله بباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم، وهو مسلسل بالكوفيين، سوى شيخيه: زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، فبغداديّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، على قول من يقول: إن منصورًا من صغار التابعين. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ الصِّدْقَ) - بكسر الصاد، وسكون الدال -: خلاف الكذب، قال الراغب الأصفهانيّ: الصدق والكذب أصلهما في القول، ماضيًا كان أو مستقبلًا، وعدًا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في القول، ولا يكونان في القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام، وقد يكونان بالْعَرَض في غيره من أنواع الكلام، كالاستفهام، والأمر، والدعاء، وذلك نحو قول القائل: أَزَيْد في الدار؟ فإن في ضمنه إخبارًا بكونه جاهلًا بحال زيد، وكذا إذا قال: واسني في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة، وإذا قال: لا تؤذني ففي ضمنه أنه يؤذيه. والصدق: مطابقة القول الضميرَ والْمُخْبَرَ عنه معًا، ومتى انخرم شَرْط من ذلك لم يكن صدقًا، بل إما أن لا يوصف بالصدق، وإما أن يوصف تارة بالصدق، وتارة بالكذب على نَظَرَين مختلفين، كقول الكافر من غير اعتقاد: محمد رسول الله، فإن هذا يصحّ أن يقال: صِدقٌ لكون الْمُخْبَر عنه كذلك، ويصحّ أن يقال: كَذِبٌ لمخالفة قوله ضميره، وبالوجه الثاني إكذابُ الله تعالى المنافقين حيث قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ الآية [المنافقون: ١]. والصِّدّيق من كَثُر منه الصدق. وقيل: بل يقال لمن لا يكذب قطّ لتعوّده الصدق. وقيل: لمن لا يتأتّى منه الكذب لتعوّده الصدق. وقيل: بل لمن صَدَقَ بقوله واعتقاده، وحَقَّقَ صِدْقه بفعله. وقد يُستعمل الصدق والكذب في كل ما يَحِقُّ ويَحْصُل في الاعتقاد، نحو: صَدَقَ ظَنِّي، ويُستعملان في أفعال الجوارح، فيقال: صَدَقَ في القتال إذا وفّى حقّه، وفعلَ ما يجب كما يجبُ، وكَذَبَ في القتال إذا كان بخلاف ذلك، قال الله - ﷿ -: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣]؛ أي: حقّقوا العهد بما أظهروه من أفعالهم، وقال - ﷿ -: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٨]؛ أي: يسأل من صَدَق بلسانه عن صِدْق فِعله تنبيهًا أنه لا يكفي الاعتراف بالحقّ دون تحرّيه بالفعل، وقال - ﷿ -: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]: فهذا صِدق بالفعل، وهو التحقيق؛ أي: حقَّقَ رؤيته، وعلى ذلك قوله - ﷿ -: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ الآية [الزمر: ٣٣]؛ أي: حقّق ما أورده قولًا بما تحرّاه فعلًا. ويُعبّر عن كلّ فعل فاضل ظاهرًا وباطنًا بالصدق، فيُضاف إليه ذلك الفعل الذي يوصف به، نحو قوله - ﷿ -: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٥]، وعلى هذا قوله - ﷿ -: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الآية [يونس: ٢]، وقوله - ﷿ -: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ الآية [الإسراء: ٨٠]، وقوله - ﷿ -: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤]، فإن ذلك سؤال أن يجعله الله تعالى صالحًا، بحيث إذا أثنى عليه مَنْ بَعدَهُ لم يكن ذلك الثناء كذبًا، بل يكون كما قال الشاعر [من الطويل]: إِذَا نَحْنُ أَثْنَيْنَا عَلَيْكَ بِصَالِحٍ … فَأَنْتَ الَّذِي نُثْنِي وَفَوْقَ الَّذِي نُثْنِي انتهى المقصود من كلام الراغب . (يَهْدِي) بفتح أوله، من الهداية، وهي الدلالة الموصلة إلى المطلوب، هكذا وقع أول الحديث من رواية منصور، عن أبي وائل، ووقع في أوله من رواية الأعمش، عن أبي وائل الآتية عند مسلم، وأبي داود، والترمذيّ: «عليكم بالصدق، فإن الصدق»، وفيه: «وإياكم والكذب، فإن الكذب إلخ»، (إِلَى الْبِرِّ) بكسر الموحّدة، أصله التوسع في فعل الخير، وهو اسم جامع للخيرات كلّها، ويُطلق على العمل الخالص الدائم . وقيل: هو العمل الصالح الخالص من كلّ مذموم. قال ابن العربيّ: إذا تحرّى الصدق لم يَعص الله؛ لأنه إن أراد أن يفعل شيئًا من المعاصي خاف أن يقال: أفعلت كذا؟ فإن سكت لم يَأمن الريبة، وإن قال: لا كَذَب، وإن قال: نعم فَسَق، وسقطت منزلته، وانتُهكت حرمته. انتهى . (وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ) قال ابن بطال: مصداقه في كتاب الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ [الانفطار: ١٣]، (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ) زاد في الرواية الآتية: «ويتحرّى الصدق». قال القرطبيّ: معنى «يتحرّى الصدق»: يقصد إليه، ويتوخّاه، ويجتنب نقيضه الذي هو الكذب حتى يكون الصدق غالب حاله، فيُكتب من جملة الصدّيقين، ويُثبتُ في ديوانهم، وكذلك القول في الكذب، وأصل الكَتْب: الضمّ والجمع، ومنه: كَتَبْتُ البغلةَ إذا جمعت بين شُفريها بحلقة. انتهى . (حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا) وفي بعض النُّسخ: «حتى يُكتب عند الله صدّيقًا». قال ابن بطال: المراد أنه يتكرر منه الصدق، حتى يستحقّ اسم المبالغة في الصدق، (وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ) بالضمّ مصدر فَجَر يفجُر من باب قَعَد، يقال: فَجَر العبد فُجُورًا: إذا فسق، وزنى، وفَجَر الحالف فُجورًا: إذا كذب. قاله الفيّوميّ . وقال الراغب الأصفهانيّ - ﵀ -: أصل الفَجْر: الشقّ، فالفجور شَقّ سِتر الديانة، ويُطلق على المَيْل إلى الفساد، وعلى الانبعاث في المعاصي، وهو اسم جامع للشرّ. انتهى بتصرّف . وقال السنديّ - ﵀ -: قيل: لعلّ الكذب بخاصيّته يُفضي بالإنسان إلى القبائح، والصدق بخلافه، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالفجور هو نفس ذلك الكذب، وكذلك البرّ نفس ذلك الصدق، والهداية إليه باعتبار المغايرة الاعتباريّة في المفهوم والعنوان، كما يقال: العلم يؤدّي إلى الكمال، وإليه يشير آخر الحديث. انتهى . (وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ)؛ أي: يوصل إليها، ومِصداق هذا في كتاب الله تعالى قوله - ﷿ -: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٤]. (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ، حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا») قال في«الفتح»: المراد بالكتابة: الحُكم عليه بذلك، وإظهاره للمخلوقين من الملأ الأعلى، وإلقاء ذلك في قلوب أهل الأرض، وقد ذكره مالك بلاغًا عن ابن مسعود، وزاد فيه زيادة مفيدة، ولفظه:«لا يزال العبد يكذب، ويتحرى الكذب، فيُنكت في قلبه نكتةٌ سوداءُ، حتى يسوَدّ قلبه، فيُكتب عند الله من الكاذبين»، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ٦٦١٤ و٦٦١٥ و٦٦١٦ و٦٦١٧] (٢٦٠٧)، و(البخاريّ) في«الأدب»(٦٠٩٤)، و(أبو داود) في«الأدب»(٤٩٨٩)، و(الترمذيّ) في«البرّ والصلة»(١٩٧٢)، و(ابن ماجه) في«المقدّمة»(٤٦)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(١١/ ١١٦)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٥/ ٢٣٥)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٢٧٣ و٢٧٤)، و(الحاكم) في«المستدرك»(١/ ٢١٧)، و(هناد بن السريّ) في«مسنده»(٢/ ٦٣١)، و(الدارميّ) في«سننه»(٢/ ٣٨٨)، و(الطبرانيّ) في«الأوسط»(٨/ ٣٢) و«الكبير»(٩/ ٩٦ و٩٧)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٩/ ٧١ و٢٤٥)، و(الطبريّ) في«تهذيب الآثار»(٣/ ١٣٥)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١٠/ ١٩٥ و٢٤٣) و«شُعَب الإيمان»(٤/ ١٩٩ و٢٠٠)، و(الشاشيّ) في«مسنده»(٢/ ٣٩)، و(القضاعيّ) في«مسند الشهاب»(٢/ ٢٦٣)، و(ابن أبي الدنيا) في«الصمت» (١/ ٢٣٤ و٢٥٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): التحذير عن الكذب، وأنه لا يجوز لا بجدّ، ولا بهزل. قال القرطبيّ: وفيه حجة للطبريّ في تحريمه الكذب مطلقًا وعمومًا، فلا يجوز لرجل أن يَعِد صبيّه بشيء، ثم لا يفي به؛ لأنه من الكذب المحرّم، قال القرطبيّ: وفيه ما يدلّ على وجوب الوفاء بالوعد، ولو كان بالشيء الحقير مع الصبيّ الصغير. ٢ - (ومنها): أن الكذب باب الفجور، وأن الفجور باب النار، أعاذنا الله - ﷾ - منها بمنّه وكَرَمه آمين. ٣ - (ومنها): أن الصدق باب البرّ، وأن البرّ باب الجنّة، جعلنا الله - ﷾ - من أهلها آمين. ٤ - (ومنها): أن الصادق يستحقّ أن يوصف بالصدق والبرّ، والكاذب يوصف بالكذب والفجور. ٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -، قال العلماء: في هذا الحديث حَثّ على تحري الصدق، وهو قصدُهُ، والاعتناءُ به، وعلى التحذير من الكذب، والتساهل فيه، فإنه إذا تساهل فيه كَثُرَ منه، فَيُعرَف به. قال الحافظ: والتقييد بالتحري وقع في رواية أبي الأحوص، عن منصور عند مسلم، ولفظه: «وإن العبد لَيَتَحَرَّى الصدق»، وكذا قال في الكذب، وعنده أيضًا في رواية الأعمش، عن شقيق، وهو أبو وائل، وأوله عنده: «عليكم بالصدق»، وفيه: «وما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق»، وقال فيه: «وما يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب. . .»، فذكره. قال: وفي هذه الزيادة إشارة إلى أن من تَوَقَّى الكذب بالقصد الصحيح إلى الصدق، صار له الصدق سَجِيّةً حتى يَستحقَّ الوصف به، وكذلك عكسه، وليس المراد أن الحمد والذمّ فيهما يَختص بمن يَقصد إليهما فقط، وإن كان الصادق في الأصل ممدوحًا، والكاذب مذمومًا. ثم قال النووي: واعلَم أن الموجود في نُسخ البخاريّ ومسلم في بلادنا وغيرها، أنه ليس في متن الحديث إلا ما ذكرناه، قاله القاضي عياض، وكذا نَقَله الحميديّ، ونَقَل أبو مسعود عن كتاب مسلم في حديث ابن المثنى وابن بشار زيادة، وهي: «إن شر الرَّوَايا رَوَايا الكذب؛ لأن الكذب لا يصلح منه جِدٌّ ولا هزل، ولا يَعِدُ الرجل صبيّه، ثم يُخلِفه». فذكر أبو مسعود أن مسلمًا رَوَى هذه الزيادة في كتابه، وذكرها أيضًا أبو بكر الْبَرْقاني في هذا الحديث، قال الحميديّ: وليست عندنا في كتاب مسلم. والرَّوَايا جَمْع رَوِيّة بالتشديد، وهو ما يَتَرَوَّى فيه الإنسان قبل قوله أو فِعله، وقيل: هو جَمْع رَاوية؛ أي: للكذب، والهاء للمبالغة . قال الحافظ: لم أر شيئًا من هذا في «الأطراف» لأبي مسعود، ولا في «الجمع بين الصحيحين» للحميدي، فلعلهما ذكراه في غير هذين الكتابين. انتهى . ٦ - (ومنها): أن العبد إذا تحرّى الكذب ولازَمه، كَتَبه الله - ﷾ - من الكذابين، وبغّضه إلى خَلْقه أجمعين، وكذلك الصادق إذا تحرّى الصدق ولازَمه، كَتَبه الله تعالى من الصادقين، وحبَّبه إلى خلقه أجمعين، وهذا هو معنى الحديث الآخر الذي أخرجه الشيخان وغيرهما، من حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأَحِبّه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في أهل الأرض»، هذا لفظ البخاريّ، ولفظ مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء. قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا، دعا جبريل فيقول: إني أُبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض»، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٦١٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا»، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) - بكسر الراء الخفيفة - ابن مُصعب التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وله إحدى وتسعون سنةً (عخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥. ٣ - (أَبُو الأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٥. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) بيّن به اختلاف شيخيه، فقال هنّاد بن السريّ: «قال رسول الله - ﷺ -»، وخالف أبو بكر بن أبي شيبة، فرواه بـ «عن»، فقال: «عن النبيّ - ﷺ -»، والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٦١٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح الرُّؤَاسيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الكوفيّ، أحد مشايخ الجماعة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، إلخ) قال القرطبيّ - ﵀ -: «يهدي»: يُرشد ويوصل، والبرّ: العمل الصالح، أو الجنة كما قدّمناه. والفجور: الأعمال السيّئة. و«عليكم» من ألفاظ الإغراء المصرّحة بالإلزام، فحقٌّ على كل مَن فَهِم عن الله تعالى أن يلازم الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمن كان كذلك لَحِقَ بالأبرار، ووصل إلى رضا الغفّار، وقد أرشد الله تعالى إلى ذلك كله بقوله عند ذِكر أحوال الثلاثة التائبين ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]، والقول في الكذب المحذَّر عنه على الضدّ من القول في الصدق، وقد تقدَّم القول في البرّ، والفجور، والهدى. وقوله: (وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا) قال القرطبيّ - ﵀ -: «يتحرى الصدق»: يقصد إليه، ويتوخّاه، ويجتنب نقيضه الذي هو الكذب، حتى يكون الصدق غالب حاله، فيُكتب من جملة الصدِّيقين، ويُثْبَت في ديوانهم، وكذلك القول في الكذب، وأصل الكَتْب: الضمّ، والجمع، ومنه: كتبت البغلة: إذا جمعت بين شُفْريها بِحَلقة. وقوله: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] جَمَعه، وثَبَّته، و﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]؛ أي: حكم وأوجب، فكأنه جمع ما حَكَم به في المحكوم عليه، وكتبتُ الكتاب: جمعت فيه المكتوب وثبّتّه، وقد تقدَّم القول في الصّديق، وخرّج أبو مسعود الدمشقيّ حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا، وزاد فيه: «وإن شرّ الرَّوَايا روايا الكذب، وإن الكذب لا يصلح فيه جِدّ، ولا هَزْل، ولا يَعِد الرجل صاحبه، فيُخلفه»، وذكر أبو مسعود: أن مسلمًا خرّج هذه الزيادة. قال القرطبيّ: ولم تقع لنا هذه الزيادة، ولا لأحد من أشياخنا فيما علمناه، وقال أبو عبد الله الحميديّ: وليست عندنا. والرَّوَايا: جمع راوية؛ يعني به: حامل الكذب، وراويه، والهاء فيه للمبالغة، كعلّامة، ونسّابة، أو يكون استعارةً، شبّه حامل الكذب لِحَمْله إياه بالراوية الحاملة للماء. وفيه حجَّة للطبريّ في تحريمه الكذب مطلقًا وعمومًا، وفيه ما يدلّ على وجوب الوفاء بالوعد، ولو كان بالشيء الحقير مع الصبيّ الصغير. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٦١٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَش، بِهَذَا الإسْنَاد، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ عِيسَى: «وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ»، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ: «حَتَّى يَكْتُبَهُ اللهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) هو: منجاب - بكسر أوله، وسكون ثانية، ثم جيم، ثم موحّدة - ابن الحارث بن عبد الرَّحمن التميميّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣١) (م فق) تقدم في «الإيمان» ٤١/ ٢٧٣. ٢ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو: عليّ بن مُسهر - بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء - القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: روايتا علي بن مسهر، وعيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. (٣٠) - (بَابُ فَضْلِ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ يَذْهَبُ الْغَضَبُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٦١٨] (٢٦٥٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟»، قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوب، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا»، قَالَ: «فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟»، قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ، قَالَ: «لَيْسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ) هو: إبراهيم بن يزيد بن شَريك، أبو أسماء الكوفيّ ثقةٌ عابد، إلَّا أنه يرسل ويدلّس [٥] (ت ٩٢) وله أربعون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٨/ ٤٠٦. ٣ - (الْحَارِثُ بْنُ سُويدٍ) التيميّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] مات بعد سنة سبعين (ع) تقدم في «الأشربة» ٦/ ٥١٦١. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير قتيبة، فبغلانيّ، وفيه ثلاثة من التابعين الكوفيين، روى بعضهم عن بعض. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء (تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ) بفتح الراء، (فِيكُمْ؟» قَالَ) ابن مسعود (قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوب، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا») قال القاضي عياض - ﵀ -: أجابوه بمقتضى اللفظة في اللغة، فأجابهم هو بمقتضاها في المعنى في الآخرة؛ لأنَّ من لَمْ يَعِشْ له وَلَد يَأْسَف عليهم، فقال: بل يجب أن يسمى بذلك، ويأسف من لَمْ يجدهم في الآخرة؛ لِمَا فاته من أجر تقديمهم بين يديه، وأصيب بذلك، وهذا من تحويل الكلام إلى معنى آخر، كقوله: في الصُّرَعة، والمحروب مَنْ حُرِب. انتهى . وقال الأثير - ﵀ -: الرَّقوب في اللغة: الرجل والمرأة ما لَمْ يعش لهما ولد؛ لأنه يَرقُب موته، ويرصُده خوفًا عليه، فَنَقَله النبيّ - ﷺ - إلى الذي لَمْ يُقَدِّم من الولد شيئًا؛ أي: يموت قبله؛ تعريفًا أن الأجر والثواب لمن قَدَّم شيئًا من الولد، وأن الاعتداد به أكثر، والنفع فيه أعظم، وإنّ فَقْدهم، وإنْ كان في الدنيا عظيمًا، فإنّ فَقْد الأجر والثواب على الصبر، والتسليم للقضاء في الآخرة أعظم، وأن المسلم وَلَده في الحقيقة من قدَّمه، واحتسبه، ومن لَمْ يُرزَق ذلك فهو كالذي لا وَلَد له، ولم يقله - ﷺ - إبطالًا لتفسيره اللغويّ، كما قال: إنما المحروب من حُرب دينه، ليس على أنَّ من أُخذ ماله غير محروب. انتهى . (قَالَ) - ﷺ -: («فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ) بضمّ الصاد المهملة، وفتح الراء، من يصرع الناس، ويطرحهم على الأرض؛ لشدّة بأسه، قال المجد - ﵀ -: الصَّرْعُ ويُكسرُ: الطَّرْحُ على الأرْض، كالمَصْرَع، كمَقعدٍ، وهو مَوْضِعهُ - أيضًا، وقد صَرَعهُ، كمَنَعه، والصِّرْعَةُ بالكسر: للنَّوْع، ومنه المَثَلُ: سُوءُ الاسْتمساكِ خيرٌ من حُسنِ الصِّرْعَة، ويُرْوَى بالفتح بمعنَى المَرَّة، وبالضم: من يَصْرَعهُ الناسُ كثيرًا، وكهُمَزةٍ: من يَصْرَعُهُم، كالصِّرِّيع، والصُّرَاعة، كسِكِّينٍ، ودُرَّاعَةٍ، وكأميرٍ: المَصْروعُ، جَمْعه: صَرْعَى. انتهى . (فِيكُمْ؟ «)؛ أي: في معاشر الناس، (قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ)؛ أي: لا يُلقونه، ولا يطرحونه على الأرض؛ لشدّة بأسه.» (قَالَ: لَيْسَ) الصُّرَعة (بِذَلِكَ) لا يصرعه الناس، (وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»)؛ أي: لا تغلبه نفسه، بل يكفّها، ويتغلّب عليها؛ لئلا ترتكب جريمة بسبب الغضب. قال النوويّ - ﵀ -: أما الرقوب فبفتح الراء، وتخفيف القاف، والصَّرَعة بضم الصاد، وفتح الراء، وأصله في كلام العرب: الذي يَصْرَع الناس كثيرًا، وأصل الرَّقُوب في كلام العرب: الذي لا يعيش له وَلَد. ومعنى الحديث: إنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون هو المصاب بموت أولاده، وليس هو كذلك شرعًا، بل هو من لَمْ يمت أحد من أولاده في حياته، فيحتسبه، ويُكتب له ثواب مصيبته به، وثواب صَبْره عليه، ويكون له فَرَطًا، وسَلَفًا، وكذلك تعتقدون أن الصُّرَعة الممدوح القويَّ الفاضل هو القويّ الذي لا يَصْرَعه الرجال، بل يَصْرَعهم، وليس هو كذلك شرعًا، بل هو من يملك نفسه عند الغضب، فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قَلَّ من يقدر على التخلق بخُلُقه، ومشاركته في فضيلته، بخلاف الأول. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: الرَّقُوب: فَعُول، وهو الكثير المراقبة، كضروب، وقتول، لكنه صار في عُرْف استعمالهم عبارة عن المرأة التي لا يعيش لها ولدٌ، كما قال عبيد بن الأبرص: بَاتَتْ عَلَى إِرَمٍ عَذُوبًا … كَأنَّهَا شَيْخَةٌ رَقُوبُ قلت : هذا نقلُ أهل اللغة، ولم يذكروا أن الرّقوب يقال على من لا يولد له، مع أنه قد كان معروفًا عند الصحابة - ﵃ -، ولذلك أجابوا به رسول الله - ﷺ -، والقياس يقتضيه؛ لأنَّ الذي لا يولَد له يكثر ارتقابه للولد، وانتظاره له، وَيطمع فيه إذا كان ممن يرتجى ذلك، كما يقال على المرأة التي ترقُب موت زوجها: رقُوب، وللناقة التي ترقُب الحوض، فتنفر منه، ولا تقربه: رَقُوب. قلت : ويَحْتَمِل أن يُحمل قولهم في الرقُوب: إنه الذي لا يولد له بعد فَقْد أولاده؛ لوصوله من الكِبَر إلى حال لا يولد له، فتجتمع عليه مصيبة الفقد، ومصيبة اليأس، وهذا هو الأَلْيق بمساق الحديث، ألا ترى قوله: «ليس ذلك الرقُوب، ولكنه الرجل الذي لا يقدِّم من ولده شيئًا»؛ أي: هو أحقّ باسم الرقُوب من ذلك؛ لأنَّ هذا الذي أصيب بفَقْد أولاده في الدنيا ينجبر في الآخرة بما يُعوَّض على ذلك من الثواب، وأما من لَمْ يمت له ولدٌ، فيفقد في الآخرة ثواب فَقْد الولد، فهو أحقّ باسم الرّقُوب من الأول، وقد صدر هذا الأسلوب من النبيّ - ﷺ - كثيرًا، كقوله: «ليس المسكين بالطوّاف عليكم»، و«ليس الشديد بالصُّرَعة»، و«ليس الواصل بالمكافئ»، ومثله كثير، ولم يُردْ بهذا السلبِ سلب الأصل، لكن سلب الأَولى، والأحقّ. و«الصُّرَعَةُ» بفتح الواء: هو الذي يَصْرَع الناس كثيرًا، وبالسكون: هو الذي يَصْرَعه الناس، وكذلك: هُزَأَةٌ، وهُزْأَةٌ، وسُخَرَةٌ، وسُخْرَةٌ. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠/ ٦٦١٨ و٦٦١٩] (٢٦٠٨)، و(أبو داود) في «الأدب» (٤٧٧٩)، و(معمر بن راشد) في «الجامع» (١١/ ١٤٠)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (١١/ ١٤٠)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٨٢)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (١/ ٦٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ٩٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٩٥٠)، و(الشاشيّ) في «مسنده» (٢/ ٢٦٠)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٤/ ١٢٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٦٨) و«شُعب الإيمان» (٦/ ٣٠٦ و٧/ ١٣٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان شدّة عناية النبيّ - ﷺ - في تعليم أمته ما يحذرونه، مما يؤدي إلى اعتداء بعضهم على بعض، وذلك في حالة الغضب، فبيّن لهم أن أقوى الناس وأشدّهم هو الذي يملك نفسه عند الغضب، فلا تجري على مقتضى غضبها، بل يكفّها، ويردّ جماحها، فتقف عند ما حدّ الشرع لها. ٢ - (ومنها): بيان فضل موت الأولاد، والصبر عليهم، قال النوويّ: ويتضمن الدلالة لمذهب من يقول بتفضيل التزوج، وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض أصحابنا، وسبقت المسألة في «النكاح» . ٣ - (ومنها): بيان فضل كظم الغيظ، وإمساك النفس عند الغضب عن الانتصار، والمخاصمة، والمنازعة. ٤ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ - ﵀ -: وفي هذا الحديث من الفقه فضل الحلم، وفيه دليل على أنَّ الحلم كتمان الغيظ، وأن العاقل من ملَك نفسه عند الغضب؛ لأنَّ العقل في اللغة ضَبْط الشيء، وحَبْسه، ومنه قيل: عقال الناقة، ومعناه في الشريعة مِلْكُ النفس، وصرفها عن شهواتها الْمُرْدِية لها، وحَبْسها عما حَرَّم الله عليها، قال: وقد جعل رسول الله - ﷺ - للذي يملك نفسه ويغلبها، من القوّة ما ليس للذي يغلب غيره، وفيه دليل على أنَّ مجاهدة النفس أصعب مرامًا، وأفضل من مجاهدة العدوّ . ومما قيل فيمن يملك نفسه عند الغضب، ما قاله ابن عبد البرّ - ﵀ -: وروينا عن محمد بن جُحادة قال: كان الشعبي من أولع الناس بهذا البيت [من الرمل]: لَيْسَ الأَحْلَامُ فِي حِينِ الرِّضَا … إِنَّمَا الأَحْلَامُ فِي حَالِ الْغَضَبْ وقال غيره [من البسيط]: لَا يُعْرَفُ الْحِلْمُ إِلَّا سَاعَةَ الْغَضَبِ وقال أبو العتاهية [من الطويل]: أُقَلِّبُ طَرْفِي مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ … لِأَعْلَمَ مَا فِي النَّاسِ وَالْقَلْبُ يَنْقَلِبْ فَلَمْ أَرَ كَنْزًا كَالْقُنُوعِ لِأَهْلِهِ … وَأَنْ يُجْمِلَ الْإنْسَانُ مَا عَاشَ فِي الطَّلَبْ وَلَمْ أَرَ فَضْلًا صَحَّ إَلَّا عَلَى التُّقَى … وَلَمْ أَرَ عَقْلَا تَمَّ إِلَّا عَلَى أَدَبْ وَلَمْ أَرَ فِي الأعْدَاءِ حِينَ خَبَرْتُهُمْ … عَدُوًّا يَفْعَلُ أَعْدَى مِنَ الْغَضَبْ ٥ - (ومنها): ما نقله صاحب «التكملة» عن الغزاليّ أنه قد أطال في بيان حقيقة الغضب، وأقسامه، وذمّ ما يُذمّ منها، وعلاج ذلك، وحاصله: أن الغضب غريزة أودعها الله تعالى في قلب كل ذي روح، يغلي بها دم قلبه، وينتشر في العروق، ويرتفع إلى أعالي البدن، فلذلك ينصبّ إلى الوجه، ويحمرّ الوجه والعين، وإنما خلق الله هذه الغريزة؛ ليدافع بها الإنسان عن نفسه، وماله، وعِرْضه، فكلما استعمل الإنسان هذه الغريزة في أفعال مشروعة، كالجهاد، والدفاع عن نفسه، وأهله، كان حسنًا، وكلما استعملها في أفعال غير مشروعة، وصدر منه في ثوران الغضب ما لا يجوز فعله، كان قبيحًا، ومَن مَلَكَ نفسه في حالة ثوران الغضب، فأمسك نفسه عن العمل بمقتضاه، فهو القويّ الذي مدحه رسول الله - ﷺ - في هذا الحديث، فمجرّد الغضب الذي يثور في قلب الإنسان بدون اختياره لا مؤاخذة عليه، ولكنّه إنما يؤاخذ بما يصدر منه في هذه الحالة، من أفعال غير مشروعة، فيحتاج إلى رياضة، ومجاهدة. انتهى ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٦١٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَش، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ مَعْنَاهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال:
مصادر المؤلف (٢٦)

١. وفي نسخة:«حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا» في الموضعين.

٢. «مفردات ألفاظ القرآن» ص ٤٧٨ - ٤٧٩.

٣. «الفتح» ١٠/ ٥٢٤.

٤. راجع: «شرح السنديّ» على ابن ماجه ١/ ٣٦.

٥. أي: جانب فَرْجها، وهو بالضمّ جَمْعه أشفار، كقُفْل وأقفال.

٦. «المفهم»٦/ ٥٩٢.

٧. «المصباح المنير»٢/ ٤٦٢.

٨. «مفردات ألفاظ القرآن»ص ٦٢٦.

٩. «شرح السنديّ»١/ ٣٦.

١٠. «الفتح»١٣/ ٦٦٩، كتاب«الأدب»رقم (٦٠٩٤).

١١. وقال القرطبيّ: الروايا: جمع راوية - يعني به حامل الكذب، وراويَهُ، والهاء فيه للمبالغة - كعلّامة، ونسّابة - أو يكون استعارةً، شبّه حامل الكتاب لحمله إياه بالراوية الحاملة للماء. انتهى. «المفهم» ٦/ ٥٩٣.

١٢. «الفتح» ١٠/ ٥٢٤ - ٥٢٥.

١٣. هم: كعب بن مالك، ومُرارة بن الربيع، وهلال بن أُميّة الواقفيّ، وكلهم من الأنصار - ﵃ -.

١٤. «المفهم» ٦/ ٥٩٢ - ٥٩٣.

١٥. «مشارق الأنوار» ١/ ٢٩٨.

١٦. «النهاية في غريب الأثر» ٢/ ٢٤٩.

١٧. «القاموس المحيط» ص ٩٥١.

١٨. «شرح النوويّ»١٦/ ١٦٢.

١٩. القائل هو القرطبيّ.

٢٠. القائل هو القرطبيّ.

٢١. «المفهم» ٦/ ٥٩٤ - ٥٩٥.

٢٢. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٦٢ - ١٦٣.

٢٣. «التمهيد لابن عبد البرّ» ٦/ ٣٢٢ - ٣٢٣.

٢٤. لعلّ الصواب: «ليست الأحلام»، فليُحرّر.

٢٥. «الاستذكار» ٨/ ٢٨٧.

٢٦. «تكملة فتح الملهم» ٥/ ٤٢٣ - ٤٢٤.