HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦١٧

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول اللَّهِ ﷺ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح. فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده. فيقع في حفرة من النار».
ج ٤ ص ٢٠٢٠

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٩٥
ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٣. والباقون ذُكروا في السند الماضي، وفي الباب الماضي. [تنبيه]: رواية ابن عون عن محمد بن سيرين هذه ساقها البيهقيّ -﵀- في «الكبرى»، فقال: (١٥٦٤٩) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ إملاءً، ثنا إبراهيم بن عبد الله، أنبأ يزيد بن هارون، أنبأ ابن عون، عن محمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الملائكة تلعن أحدكم؛ إذا أشار إلى أخيه بحديدة، وإن كان أخاه لأبيه وأمه». انتهى. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٤٥] (٢٦١٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاح، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزعُ فِي يَدِه، فَيَقَعُ في حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ الحافظ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قبل أربعة أبواب. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد اليمني، تقدّم أيضًا قبل أربعة أبواب. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عُتْبة، أخو وهب، ثقةٌ [٤] (١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. و«أبو هريرة» - ﵁ - تقدم قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبّهٍ)؛ أنه (قَالَ: هَذَا)؛ أي: ما يأتي من الأحاديث، وهو مبتدأ خبره قوله: (مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرَ) همّام (أَحَادِيثَ)، وقوله (مِنْهَا) خبر مقدّم وقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:) مبتدأ مؤخّر؛ لِقَصْد لفظه، («لَا يُشِيرُ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في جميع النُّسخ:»لا يشير«بالياء بعد الشين، وهو صحيح، وهو نهي بلفظ الخبر، كقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقد قدّمنا مرّات أن هذا أبلغ من لفظ النهي. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«لا يشير»كذا فيه بإثبات الياء، وهو نفي بمعنى النهي، ووقع لبعضهم:«لا يُشِرْ»بغير ياء، وهو بلفظ النهي، وكلاهما جائز. انتهى. وقال وليّ الدين -﵀-: قوله:«لا يشير»من الإشارة، وهو المعروف، ووقع أيضًا بإثبات الياء مرفوعًا، وهو نهي بلفظ الخبر، كقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾، وهو أبلغ وآكد من صيغة النهي. انتهى . (أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاح، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ) قال النوويّ -﵀-:«ينزع»ضبطناه بالعين المهملة، وكذا نقله القاضي عن جميع روايات مسلم، وكذا هو في نُسخ بلادنا، ومعناه: يرمي في يده، ويُحَقِّق ضربته، ورَمْيَته، ورُوي في غير مسلم بِالْغين المعجمة، وهو بمعنى الإغراء؛ أي: يَحْمِل على تحقيق الضرب به، ويزيّن ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله:«وروي في غير مسلم»هي رواية البخاريّ، ولفظه:«فإنه لا يدري لعلّ الشيطان ينزغ في يده». قال في«الفتح»: قوله:«ينزغِ في يده»بالغين المعجمة، قال الخليل في«العين»: نزغ الشيطان بين القوم نزْغًا: حَمَل بعضهم على بعض بالفساد، ومنه: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠]، وفي رواية الكشميهني بالعين المهملة، ومعناه قَلَعَ، ونَزَع بالسهم: رمى به، والمراد: أنه يُغري بينهم، حتى يضرب أحدهما الآخر بسلاحه، فيحقّق الشيطان ضربته له، وقال ابن التين: معنى ينزعه: يقلعه من يده، فيصيب به الآخر، أو يشدّ يده، فيصيبه. انتهى . وقال وليّ الدين -﵀-: قوله:«ينزع في يده»بكسر الزاي، وبالعين المهملة، ومعناه: يرمي في يده، ويحقّق ضربته، كأنه يرفع يده، ويحقق إشارته، والنزع: العمل باليد، كالاستقاء بالدلو، ونحوه، وأصله الجذب، والقلع، قال في«المشارق»: وأصل فَعَلَ إذا كان عينه أو لامه حرف حلق أن يكون مستقبَله كذلك مفتوحًا، ولم يأت في المستقبَل مكسورًا إلا ينزع، ويهنئ، قلت : ومثله يَرْجِع، وما ذكرناه من ضَبْط هذه اللفظة هو الذي حكاه القاضي عياض عن جميع روايات مسلم، ونقله النوويّ عن نُسخ بلادنا، وهو المشهور في رواية البخاريّ، ورُوي فيه أيضًا:«ينزغ»بفتح الزاي، وبِالغين المعجمة، وهو كذلك في رواية أبي ذرّ الهرويّ، ومعناه: يَحْمِله على تحقيق ضَرْبه، ويزيّن ذلك له، ونَزْغُ الشيطان: إغراؤه، وإغواؤه. انتهى . (فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ») قال الحافظ وليّ الدين -﵀-: رَوَيناه في «صحيح البخاريّ» بالنصب، والرفع؛ لكونه في جواب الترجي، وقد قُرئ بهما قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] قرأ حفص عن عاصم بالنصب، والباقون بالرفع. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «فيقع في حفرة من النار» هو كناية عن وقوعه في المعصية التي تُفضي به إلى دخول النار، قال ابن بطال -﵀-: معناه: إن أُنفذ عليه الوعيد. وفي الحديث: النهي عما يفضي إلى المحذور، وإن لم يكن المحذور محقّقًا، سواءٌ كان ذلك في جدّ، أو هزل. وقد وقع في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند ابن أبي شيبة وغيره مرفوعًا، من رواية ضمرة بن ربيعة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عنه: «الملائكةُ تلعن أحدكم إذا أشار إلى الآخر بحديدة، وإن كان أخاه لأبيه وأمه»، وأخرجه الترمذيّ من وجه آخر، عن أبي هريرة، موقوفًا من رواية أيوب، عن ابن سيرين، عنه، وأخرج الترمذيّ أصله موقوفًا من رواية خالد الحذاء، عن ابن سيرين، بلفظ: «من أشار إلى أخيه بحديدة، لعنته الملائكة»، وقال: حسن صحيح غريب، وكذا صححه أبو حاتم من هذا الوجه، وقال في طريق ضمرة: منكر. وأخرج الترمذيّ بسند صحيح، عن جابر: «نَهَى رسول الله - ﷺ - أن يُتَعَاطَى السيفُ مسلولًا». ولأحمد، والبزار، من وجه آخر، عن جابر: «أن النبيّ - ﷺ - مَرّ بقوم في مجلس يَسُلُّون سيفًا، يتعاطونه بينهم، غير مغمود، فقال: ألم أَزجُر عن هذا؟ إذا سَلّ أحدكم السيف، فليغمده، ثم ليُعْطِه أخاه». ولأحمد، والطبرانيّ، بسند جيّد، عن أبي بكرة نحوه، وزاد: «لعن الله مَن فعل هذا؛ إذا سَلَّ أحدكم سيفه، فأراد أن يناوله أخاه، فليغمده، ثم يناوله إياه». قال ابن العربيّ -﵀-: إذا استحَقَّ الذي يشير بالحديدة اللعنَ، فكيف الذي يصيب بها؟ وإنما يستحقّ اللعن إذا كانت إشارته تهديدًا، سواء كان جادًّا أم لاعبًا، كما تقدم، وإنما أوخذ اللاعب؛ لِمَا أدخله على أخيه من الرَّوْع، ولا يخفى أن إثم الهازل دون إثم الجادّ، وإنما نُهي عن تعاطي السيف مسلولًا؛ لِمَا يخاف من الغفلة عند التناول، فيسقط، فيؤذي ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥/ ٦٦٤٥] (٢٦١٧)، و(همام بن منبّه) في «صحيفته» (ص ١٠٠)، و(البخاريّ) في «الفتن» (٧٠٧٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٨٦٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣١٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٩٤٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ٢٣) و«شُعَب الإيمان» (٤/ ٣٤٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢٥٧٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه النهيَ عن الإشارة إلى المسلم بالسلاح، وهو نهي تحريم، فإن في الرواية السابقة: «من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه»، ولَعْن الملائكة لا يكون إلا بحقّ، ولا يستحق اللعن إلا فاعل المحرَّم، ولا فرق في ذلك بين أن يكون على سبيل الجدّ أو الهزل، وقد دلّ على ذلك قوله: «وإن كان أخاه لأبيه وأمه»، فإن الإنسان لا يشير إلى شقيقه بالسلاح على سبيل الجِدّ، وإنما يقع منه معه هزلًا، وبتقدير أن يكون ذلك على سبيل الجدّ، فتحريم ذلك أغلظ من تحريم غيره، فلا يصح جعله غايةً، فدلّ على أن المراد: الهزل، فإن تحريمه على طريق الجدّ واضح؛ لأنه يريد قَتْل مسلم أو جَرْحه، وكلاهما كبيرة، وأما الهزل؛ فلأنه ترويع مسلم، وأذى له، وذلك مُحَرَّم أيضًا، وقد جاء في الحديث: «لا يحل لمسلم أن يُرَوِّع مسلمًا»، قاله العراقيّ . ٢ - (ومنها): أن المراد بالأخوّة أخوّة الإسلام، ويلتحق به الذميّ أيضًا؛ لتحريم أذاه، وخَرَج الحديث مخرج الغالب، ودخل في السلاح ما عَظُم منه، وصَغُر، وهل تدخل العصا في ذلك؟ فيه احتمال؛ لأن الترويع حاصل، وكذلك احتمال سقوطها من يده عليه، وقد يقال: لا يراد بذلك إلا ما له نصل، بدليل قوله في الرواية الأخرى: «بحديدة» . ٣ - (ومنها): فيه تأكد حرمة المسلم، والنهي الشديد عن ترويعه، وتخويفه، والتعرض له بما قد يؤذيه. ٤ - (ومنها): أنه يَحْتَمِل أن يكون الحديث على ظاهره في أن الشيطان يتعاطى بيده جَرْح المسلم، أو يُغري المشير حتى يفعل ذلك على اختلاف الروايتين، ويَحْتَمِل أنه مجاز على طريق نسبة الأشياء القبيحة المستنكرة إلى الشيطان، والمراد: سَبْق السلاح بنفسه من غير قصد، قاله وليّ الدين -﵀- ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٦) - (بَابُ فَضْلِ إِزَالَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٤٦] (١٩١٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيق، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا. ٣ - (سُمَيٌّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات سنة ثلاثين ومائة مقتولًا بقديد (ع) تقدم في «الصلاة» ١٨/ ٩١٨. ٤ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. و«أبو هريرة - ﵁ -» ذُكر قبله. من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين سوى شيخه، فنيسابوريّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ -، رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ:)، وقوله: («بَيْنَمَا) تقدّم غير مرّة أن»بينما«هي»بين«الظرفيّة زيدت عليها»ما«، ويقال فيها أيضًا:»بينا«بإشباع الفتحة، فتتولّد منها الألف، وهما ظرفا زمان، بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتمّ به المعنى، ويقترن جوابهما كثيرًا بـ»إذ«، و»إذا«، فتقول: بينا زيد جالس إذ دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه، ومنه قول الْحُرَقة بنت النعمان [من الطويل]: فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنَا … إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ وقال السنديّ -﵀- في«حاشيته على البخاريّ»: قوله:«بينما رجل يمشي»:«بينما»ظرف يضاف إلى جملة، و«رجل»مبتدأ، خبره جملة:«يمشي بطريق»، والجملة مضاف إليها الظرف، والعامل في الظرف:«وَجَدَ غُصن شوك»، والأفعال الثلاثة بعده معطوفة عليه، والظرف إذا أضيف إلى الجملة يكون في الحقيقة مضافًا إلى مضمون الجملة، وهو هاهنا: مشى رجل في الطريق، ولا يخفى أن«بين» تقتضي التعدد في المضاف إليه، ولا تعدد هاهنا، فيقدر مضاف يحصل به التعدد، وهو الأوقات، فيصير التقدير: بين أوقاتِ مَشْي رجل في الطريق، وَجَدَ ذلك الرجل غصن شوك إلخ، قال: والابتداء بالنكرة إما لأن المدار على الإفادة، والظاهر: أن من يشترط التخصيص في النكرة عند وقوعها مبتدأ إنما يشترطه فيها عند كونها في جملة مقصودة بالإفادة، لا عند كونها في جملة تابعة لجملة أخرى، هي المقصودة بالإفادة، كما هاهنا يدلّ عليه تعليلاتهم، ولو سُلِّم اشتراط التخصيص في النكرة مطلقًا، فالظاهر أن هاهنا يقدّر الصفة؛ أي: رجل مذنب، بقرينة المغفرة على أنهم عَدُّوا «إذا» التي للمفاجأة من المسوّغات، نَصّ عليه البعض، والله تعالى أعلم. قال: وأما قول القسطلاني -﵀-: إن قوله: «يمشي بطريق» صفة «رجلٌ» وخبره: «وَجَد غصن شوك»، والجملة مضافة للظرف، فعجيب؛ إذ لا يتمّ الكلام حينئذٍ أصلًا؛ إذ يصير تمام الحديث كلمةَ «بين» مع ما أُضيف إليها من الجملة، ولا يتم الكلام من المضاف والمضاف إليه، ولا يبقى للظرف عامل أصلًا، اللَّهُمَّ إلا أن يقال: «فأخَّره» عامل في الظرف، وليس بمعطوف على قوله: «وَجَدَ»، وهذا مما يأتي عنه الفاء، وشهادة الذوق، فافهم. انتهى كلام السنديّ -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى على المصنف المتأمل أن إعراب السنديّ المذكور فيه تكلّف ظاهر، والصواب ما قاله القسطلّانيّ -﵀-، ولا إشكال فيه، لمن تأملّه بالإمعان، فتبصّر، والله تعالى أعلم. فقوله: (رَجُلٌ) مبتدأ سوّغه الوصف بقوله: (يَمْشِي بِطَرِيقٍ)، وقوله: (وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ) خبر المبتدأ، و«الغصن»: بضمّ الغين المعجمة، وسكون الصاد المهملة، آخره نون: ما تشعّب من ساق الشجر دِقاقها وغِلاظها، والصغيرة بِهاء، جَمْعه غُصُونٌ، وغِصَنَةٌ، وأغصان، قاله المجد -﵀- . و«الشوك» بفتح الشين المعجمة، وسكون الواو: شوك الشجرة معروف، والواحدة شوكة، والجمع أشواك. (عَلَى الطَّرِيقِ) متعلِّق بـ «وَجَدَ»، (فَأَخَّرَهُ)؛ أي: أبعد ذلك الشوك عن الطريق؛ لئلا يؤذي أحدًا من المسلمين، (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ)؛ أي: أثنى عليه، يقال: شكرته، وشكرت له بمعنى واحد ، وقال المجد -﵀-: «الشُّكْرُ» بالضمّ: عِرْفان الإحسان، ونشرُهُ، أو لا يكون إلا عن يَدٍ، ومن الله تعالى الْمُجَازاة، والثناء الجميل، شَكَره، وله شُكْرًا، وشُكُورًا، وشُكْرانًا، وشكر اللهَ، ولله، وبالله، ونِعمةَ الله، وبها. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: شَكَرتُ للهِ: اعترفتُ بنعمه، وفعلتُ ما يجب من فعل الطاعة، وترك المعصية، ولهذا يكون الشكر بالقول والعمل، ويتعدّى في الأكثر باللام، فيقال: شكرت له شُكرًا، وشُكرانًا، وربّما تعدّى بنفسه، فيقال: شكرته، وأنكره الأصمعيّ، في السَّعَة، وقال: بابه الشعر، وقول الناس في القنوت: «نشكرك، ولا نكفرك» لم يثبُت في الرواية المنقولة عن عمر - ﵁ -، على أن له وجهًا، وهو الازدواج، وتشكّرت له مثلُ شكَرتُ له. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فشكر الله له» أي: أظهر لملائكته، أو لمن شاء من خِلْقه الثناء عليه بما فعل من الإحسان لعبيده، وقد تقدَّم: أن أصل الشكر: الظهور، أو يكون جازاه جزاء الشاكر، فسمَّى الجزاء شكرًا، وعبّر عنه بِشَكَر، كما قال في الرواية الأخرى: «فأُدخل الجنة»، وكلّ ذلك إنما حصل لذلك الرجل بحسن نيته في تنحيته الأذى، ألا ترى قوله: «والله لأُنَحِّيَنّ هذا عن المسلمين، لا يؤذيهم». انتهى . (فَغَفَرَ لَهُ») بالبناء للفاعل، وفي رواية لابن حبّان:«حُوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير إلا غُصن شوك كان على الطريق، كان يؤذي الناس، فعزله، فغُفر له»، وفي رواية له:«غُفر لرجل أخذ غُصن شوك عن طريق الناس ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر». قال النوويّ -﵀-: وفيه فضيلة إماطة الأذى عن الطريق، وهو كلُّ مُؤْذٍ، وهذه الإماطة أدنى شُعَب الإيمان، كما سبق الحديث في ذلك في«كتاب الإيمان»، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٣٦/ ٦٦٤٦ و٦٦٤٧ و٦٦٤٨ و٦٦٤٩] (٢٦١٧)، وتقدّم في«الإمارة»[٥١/ ٤٩٣٢] (١٩١٤)، و(البخاريّ) في«الأذان»(٦٥٢) و«المظالم»(٢٤٧٢) و«الجهاد»(٢٨٢٩) و«الطبّ»(٥٧٣٣)، و(أبو داود) في«الأدب»(٥٢٤٥)، و(الترمذيّ) في«الجنائز»(١٠٦٣) و«البرّ والصلة»(١٩٥٨)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٤/ ٣٦٣)، و(ابن ماجه) في«الأدب»(٣٦٨٢)، و(مالك) في«الموطأ»(١/ ١٣١)، و(الحميديّ) في«مسنده»(١١٣٤)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٣٢٤ و٣٢٥ و٥٣٣)، و(ابن حبّان) في [تنبيه]: هذا الحديث تقدّم في«الإمارة» مطوّلًا برقم [٥١/ ٤٩٣٢]، وإنما أعدته؛ لكون تخريجه هناك مختصرًا، فتنبّه. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل إماطة ما يؤذي الناس عن طريقهم، وأن الشخص يؤجر على إماطة الأذى، وكل ما يؤذي الناس في الطريق. ٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن من طرح الشوك في الطريق، والحجارة، والكناسة، والمياه المفسدة للطرق، وكل ما يؤذي الناس يُخشى العقوبة عليه في الدنيا والآخرة، ولا شك أن نَزْع الأذى عن الطريق من أعمال البِرّ، وأن أعمال البرّ تكفّر السيئات، وتوجب الغفران، ولا ينبغي للعاقل أن يحقر شيئًا من أعمال البرّ، أما ما كان من شجر فقطعه، وألقاه، وأما ما كان موضوعًا فأماطه، والأصل في هذا كله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]، وإماطة الأذى عن الطريق شعبة من شُعَب الإيمان. ٣ - (ومنها): التنبيه على فضيلة كل ما نفع المسلمين، وأزال عنهم ضررًا، وأن قليل الأجر قد يغفر الله به كثير الذنوب. ٤ - (ومنها): أن فيه إثبات صفة الشكر لله -﷾- على ما يليق بجلاله، فهي كسائر صفاته التي أثبتتها النصوص الصحيحة، من الرضى، والرحمة، والقبول، والعجب، والمحبّة، وغير ذلك، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ -﵀- في الحديث: أن إماطة الأذى عن الطريق من أعمال البرّ، وأنها توجب الغفران، فلا ينبغي للمؤمن العاقل أن يحتقر شيئًا من أعمال البرّ، فربما غُفر له بأقلّها، وقد قال - ﷺ -: «الإيمان بضع وسبعون شعبةً، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]، وقال الشاعر [من الخفيف]: وَمَتَى تَفْعَلِ الْكَثِيرَ مِنَ الْخَيْـ … رَ إِذَا كنْتَ تَارِكًا لِأَقَلِّهِ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٤٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ، فَقَالَ: وَاللهِ لأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ، لَا يُؤْذِيهِمْ، فَأدْخِلَ الْجَنَّةَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح المدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَاللهِ لأُنَحِّيَنَّ إلخ) من التنحية، وهي الإزالة؛ أي: لأُزيلنّ. وقوله: (لَا ئؤْذِيهِمْ)؛ أي: لئلا يؤذي المسلمين، فالجملة تعليليّة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٤٨] (. . .) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، حَدَّثَنَا شَيْبَان، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْت رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ، قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيق، كَانَتْ تؤْذِي النَّاسَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن موسى بن أبي المختار باذام العبسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ، كان يتشيع [٩] (ت ٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم، النحويّ، أبو معاوية
مصادر المؤلف (٢١)

١. «شرح النوويّ»١٦/ ١٧٠.

٢. «طرح التثريب»٧/ ٤٤٥.

٣. «شرح النوويّ»١٦/ ١٧٠.

٤. «الفتح»١٣/ ٤٦٧، كتاب«الفتن»رقم (٧٠٧٢).

٥. القائل صاحب«طرح التثريب»، فتنبّه.

٦. «طرح التثريب في شرح التقريب»٧/ ٤٤٥.

٧. «طرح التثريب في شرح التقريب»٧/ ٤٤٥.

٨. «الفتح» ١٣/ ٤٦٧، كتاب «الفتن» رقم (٧٠٧٢).

٩. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٧/ ٤٤٦.

١٠. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٧/ ٤٤٦.

١١. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٧/ ٤٤٦.

١٢. هذا رقم مكرر، فقد مضى.

١٣. «حاشية السنديّ على صحيح البخاريّ» ١/ ١١٦.

١٤. «القاموس المحيط» ص ٩٥٠.

١٥. «عمدة القاري» ٥/ ١٧١.

١٦. «القاموس المحيط» ص ٧٥٠.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٠.

١٨. «المفهم»٦/ ٦٠٣.

١٩. «شرح النوويّ»١٣/ ٦٢.«صحيحه»(٥٣٦ و٣١٨٨ و٥٤٠ و٥٣٨ و٥٣٩)، و(البيهقيّ) في«شعب الإيمان»(٧/ ١٦٩)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة»(٣٨٤ و٤١٤٦)، والله تعالى أعلم.

٢٠. متّفقٌ عليه، وهذا اللفظ لمسلم.

٢١. «التمهيد لابن عبد البرّ» ١٢/ ٢٢.