HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٣٠

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا بَكْرٌ (يَعْنِي ابْنَ مضر) عن ابن الهاد؛ أن زياد بن أبي زياد، مولى ابن عياش. حدثه عن عراك بن مالك. سمعته يحدث عمر بن عبد العزيز عن عائشة؛ أنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها. فأطعمتها ثلاث تمرات. فأعطت كل واحدة منهما تمرة. ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها. فاستطعمتها ابنتاها. فشقت التمرة، التي كانت تريد أن تأكلها، بينهما. فأعجبني شأنها. فذكرت الذي صنعت لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ «إن الله قد أوجب لها بها الجنة. أو أعتقها بها من النار».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص38
ج ٤ ص ٢٠٢٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص١٧٦
١ - (منها): بيان فضل الإحسان إلى البنات، والنفقة عليهنّ، والصبر عليهنّ، وعلى سائر أمورهنّ. ٢ - (ومنها): تأكيد حقّ البنات؛ لِمَا فيهنّ من الضعف غالبًا عن القيام بمصالح أنفسهنّ، بخلاف الذكور؛ لِمَا فيهم من قوة البدن، وجزالة الرأي، وإمكان التصرف في الأمور المحتاج إليها في أكثر الأحوال. ٣ - (ومنها): جواز سؤال المحتاج، ولا سيّما إذا كانت امرأة معها البنات. ٤ - (ومنها): سخاء عائشة - ﵂ -؛ لكونها لم تجد إلا تمرة فآثرت بها. ٥ - (ومنها): أن القليل لا يمتنع التصدق به؛ لحقارته، بل ينبغي للمتصدق أن يتصدق بما تيسَّر له قَلّ أو كثر. ٦ - (ومنها): جواز ذِكر المعروف، إن لم يكن على وجه الفخر، ولا المنّة. ٧ - (ومنها): ما قاله ابن بطال -﵀-: إنما سمّاه ابتلاء؛ لأن الناس يكرهون البنات، فجاء الشرع بزجرهم عن ذلك، ورَغَّب في إبقائهنّ، وتَرْك قتلهنّ بما ذُكر من الثواب الموعود به مَنْ أحسن إليهنّ، وجاهد نفسه في الصبر عليهنّ، وقال الحافظ العراقيّ -﵀- في «شرح الترمذيّ»: يَحْتَمِل أن يكون معنى الابتلاء هنا: الاختبار؛ أي: من اختُبِر بشيء من البنات؛ ليُنظَر ما يفعل، أيُحسِن إليهنّ، أو يسيء؟ ولهذا قيّده في حديث أبي سعيد - ﵁ - بالتقوى، فإن من لا يتقي الله لا يأمن أن يتضجر بمن وَكَله الله إليه، أو يُقصّر عما أُمر بفعله، أو لا يقصد بفعله امتثال أمر الله، وتحصيل ثوابه ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٧١] (٢٦٣٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ -يَعْنِي: ابْنَ مُضَرَ- عَنِ ابْنِ الْهَاد، أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى ابْنِ عَيَّاش، حَدَّثَهُ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيز، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ، تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتى كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا، فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ، أوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم المصريّ، أبو محمد، أو أبو عبد الملك، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ٣ أو ١٧٤) وله نيف وسبعون سنةً (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٤٩. ٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٤ - (زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى ابْنِ عَيَّاشٍ) هو ابن ميسرة المخزوميّ المدنيّ، مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة، قَدِمَ دمشق، ثقةٌ عابدٌ [٥]. رَوَى عن مولاه، وأنس، وعِراك بن مالك، ومحمد بن كعب القرظيّ، وغيرهم. وروى عنه عبد الله بن سعيد بن أبي هند، ومحمد بن إسحاق، ويزيد بن الهاد، ومالك، وموسى بن عقبة، وأسامة بن زيد الليثيّ، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان عابدًا زاهدًا، وقال مالك: كان عمر بن عبد العزيز يُكرمه، وقال أيضًا: كان رجلًا عابدًا، معتزلًا، لا يزال يكون وحده، وقال ابن عبد البرّ: كان أحد الفضلاء العبّاد الثقات، لم يكن في عصره أفضل منه، وذكر أبو القاسم الجوهريّ في سند «الموطأ» أنه تُوُفّي سنة خمس وثلاثين ومائة، قال: وكان من أفضل أهل زمانه، ويقال: إنه كان من الأبدال. أخرج له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٥ - (عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ) الغِفَاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات في خلافة يزيد بن عبد الملك بعد المائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. و«عائشة» - ﵂ - ذُكرت قبله. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ الْهَادِ) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، (أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ) اسمه ميسرة، (مَوْلَى) عبد الله (بْنِ عَيَّاشِ) بن أبي ربيعة المخزوميّ، (حَدَّثَهُ)؛ أي: حدّث ابنَ الهاد، (عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ) بكسر العين المهملة، وتخفيف الراء، قال زياد: (سَمِعْتُهُ)؛ أي: سمعت عراكًا (يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الأمويّ الخليفة الراشد المتوفّى سنة (١٠١) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٤٦. (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - (أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ)؛ أي: فقيرة، قال الفيّوميّ: القياس حذف الهاء؛ لأن بناء مِفْعِيل، ومِفْعَال في المؤنث لا تلحقه الهاء، نحو: امرأةٍ مِعْطيرٍ، ومِكْسَالٍ، لكنها حُمِلت على فَقيرةٍ، فدخلت الهاء، والْمِسْكِينُ مأخوذ من سَكَنَ المتحرك سُكُونًا: ذهبت حركته؛ لسكونه إلى الناس، وهو بفتح الميم في لغة بني أسد، وبكسرها عند غيرهم، قال ابن السِّكِّيت: الْمِسْكِينُ الذي لا شيء له، والْفَقِيرُ الذي له بُلْغَة من العيش، وكذلك قال يونس، وجعل الْفَقِيرَ أحسن حالًا من الْمِسْكِين، قال: وسألت أعرابيًّا: أفقير أنت؟ فقال: لا والله، بل مِسْكِينٌ، وقال الأصمعيّ: المِسْكِينُ أحسن حالًا من الْفَقِير، وهو الوجه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩]، وكانت تساوي جملةً، وقال في حقّ الفقراء: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقال ابن الأعرابيّ: الْمِسْكِينُ هو الفقير، وهو الذي لا شيء له، فجَعَلهما سواءً، والْمِسْكِينُ أيضًا الذليلُ المقهورُ، وإن كان غنيًّا، قال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] انتهى . (تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأَطْعَمْتُهَا)؛ أي: أعطيتها طعامًا، (ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ) تقدّم في الرواية السابقة أن قالت: «فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها»، والأقرب في الجمع عندي: الحمل على تعدّد القصّة، والله تعالى أعلم. (فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ) من ابنتيها، (مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا) «في» لغة في الفم، وهي من الأسماء الستّة التي تُرفع بالواو، وتُنصب بالألف، وتُجرّ بالياء. (تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتْهَا) وفي نسخة: «فاستطعمها» بحذف التاء، (ابْنَتَاهَا)؛ أي: سألتاها تلك التمرة، (فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا) هذا من شدّة رأفتها بابنتيها، ولذا وجب لها الجنّة، قالت عائشة - ﵂ -: (فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا)؛ أي: حالها الذي جرى بينها وبين ابنتيها في تلك التمرة، وفي رواية ابن حبّان: «فأعجبني حَنَانها»، (فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ) - ﷺ -: («إِنَّ اللهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا)؛ أي: للمرأة، (بِهَا)؛ أي: بسبب هذه الصنعة، وهي إيثارها ابنتيها على نفسها بتلك التمرة، (الْجَنَّةَ، أَو) للشكّ من الراوي، ولم يتبيّن لي من هو؟، شكّ هل قال:»قد أوجب لها بها الجنّة«، أو قال: (أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ») وفي رواية ابن حبّان: «إن الله قد أوجب لها الجنّة، وأعتقها بها من النار»، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ٦٦٧١] (٢٦٣٠)، و(ابن ماجه) في «الآداب» (٣٦٦٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٩٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٤٨)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٤/ ٢٤٤ و٦/ ٢٧٨)، و(البيهقيّ) في «شُعب الإيمان» (٧/ ٤٦٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في انتقاد الحفّاظ على مسلم في هذا الحديث: قال الحافظ أبو الحسين العطّار -﵀- في «غرر الفوائد»: وفي سماع عراك من عائشة - ﵂ - نظر؛ فإنه إنما يروي عن عروة، عن عائشة، وقد ذكر الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل: أن حديثه عن عائشة مرسل، وقال موسى بن هارون الحافظ: لا نعلم له سماعًا من عائشة، وقال أبو الفضل الحافظ حفيد أبي سعد الزاهد في كلامه على هذا الحديث: هذا عندنا حديث مرسلٌ، واستدَلّ بما ذكرناه من قول أحمد بن حنبل، وموسى بن هارون، ولم يُخرج البخاريّ لعراك عن عائشة شيئًا، وأخرج له ابن ماجه عنها حديثين، وحديثه عن رجل عنها لا يدلّ على عدم سماعه بالكلية منها، لا سيّما، وقد جمعهما بلد واحد، وعصر واحد، وهذا ومثله محمول على السماع عند مسلم، حتى يقوم الدليل على خلافه، كما نصّ عليه في مقدمة كتابه، فسماع عراك من عائشة - ﵂ - جائز ممكن، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة وغيره من الصحابة - ﵃ -، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: كلام الحافظ العطّار هذا قد تقدّم في مقدّمة شرح المقدّمة، وإنما أعدته؛ لطول العهد به. وخلاصة الجواب عن مسلم: أن هذا الإسناد جارٍ على قاعدته المعروفة، وهي أنه إذا كان الراويان في عصر واحد، وأمكن لقاء أحدهما للآخر دون مانع حُملت عنعنته على السَّماع، إلا أن يتبيّن خلاف ذلك، قال الزيلعيّ -﵀- في «نصب الراية»: وقد ذكروا سماع عراك من أبي هريرة، ولم يُنكروه، وأبو هريرة تُوُفّي هو وعائشة في سنة واحدة، فلا يَبْعُد سماعه من عائشة، مع كونهما في بلدة واحدة، ولعل هذا هو الذي أوجب لمسلم أن أخرج في «صحيحه» هذا الحديث. انتهى . والحاصل: أن هذا الحديث قد تحقّق فيه شرط مسلم، فسماع عراك من عائشة - ﵂ - جائز ممكن، فيُحمل عليه. وقد أخرج الحديث ابن ماجه بسند آخر صحيح، فقال في «سننه»: (٣٦٦٨) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن بشر، عن مسعر، أخبرني سعد بن إبراهيم، عن الحسن، عن صعصعة، عَمِّ الأحنف، قال: دخلت على عائشة امرأة، معها ابنتان لها، فأعطتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ثم صَدَعَت الباقية بينهما، قالت: فأتى النبيّ - ﷺ -، فحدَّثَته،
مصادر المؤلف (٥)

١. «الفتح» ١٣/ ٥٣٨.

٢. وفي نسخة: «فاستطعمها».

٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٨٣.

٤. «غرر الفوائد» ١/ ٢٥٥ - ٢٥٧.

٥. «نصب الراية» ٢/ ١٠٧.