HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٣٧

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قال رسول الله ﷺ «إن الله، إذا أحب عبدا، دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه. قال فيحبه جبريل. ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه. فيحبه أهل السماء. قال ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه. قال فيبغضه جبريل. ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه. قال فيبغضونه. ثم توضع له البغضاء في الأرض».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص40
ج ٤ ص ٢٠٣٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد, موطأ مالك
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٢٣٩
نفسًا إلا وسعها، ولا يخلو أمر من مات في الفترة من أن يموت كافرًا، أو غير كافر؛ إذا لم يكفر بكتاب الله، ولا رسول، فإن كان قد مات كافرًا جاحدًا، فإن الله قد حرَّم الجنة على الكافرين، فكيف يُمتحنون؟ وإن كان معذورًا بأن لم يأته نذير، ولا أُرسل إليه رسول، فكيف يؤمر أن يقتحم النار، وهي أشدّ العذاب؟ والطفل، ومن لا يعقل أحرى بأن لا يُمتحن بذلك. وإنما أدخل العلماء في هذا الباب النظر؛ لأنه لم يصحّ عندهم فيه الأثر، وبالله التوفيق، لا شريك له. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: عندي الحقّ قول من قال: إن أولاد الناس في الجنّة، مسلميهم، وكافريهم؟ لقوّة الحجة في ذلك، ولا سيّما قصّة إبراهيم ﵇ وحوله أولاد الناس، فقد أخرجه البخاريّ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٨) - (بَابٌ إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا حَبَّبَهُ إِلَى عِبَادِهِ) وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٨٢] (٢٦٣٧) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاء، فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاء، قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْض، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاء، إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ في الأَرْضِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:«إِنَّ اللهَ) ﷾ (إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا) من عباده، وفيه إثبات صفة المحبّة لله تعالى، وليس كما قال المؤوّلون: »إذا أحب عبدًا«؛ أي: رضي عنه، وأراد به خيرًا، وهداه، ووفّقه ، فإن هذا تفسير باللازم، والحقّ أن صفة المحبّة ثابتة لله تعالى. ومن التأويل: قول النوويّ في «شرحه»: قال العلماء: محبة الله تعالى لعبده هي إرادته الخير له، وهدايته، وإنما مه عليه، ورحمته، وبغضه: إرادة عقابه، أو شقاوته، ونحوه، وحبّ جبريل والملائكة يَحْتَمِل وجهين: أحدهما: استغفارهم له، وثناؤهم عليه، ودعاؤهم، والثاني: أن محبتهم على ظاهرها، المعروف من المخلوقين، وهو ميل القلب إليه، واشتياقه إلى لقائه، وسبب حبهم إياه كونه مطيعًا لله تعالى، محبوبًا له، ومعنى يوضع له القبول في الأرض؛ أي: الحب في قلوب الناس، ورضاهم عنه، فتميل إليه القلوب، وترضى عنه، وقد جاء في رواية: «فتوضع له المحبة». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «إرادته الخير له إلخ» هذا هو التأويل، والحقّ أن المحبّة ثابتة على ظاهرها على ما يليق بجلال الله ﷾، وقوله: «قال العلماء» يريد به علماء الخلف المؤوِّلين لأحاديث الصفات، لا علماء السلف الذين يُمرّونها على ظواهرها، ويَكِلون علم كيفيّتها إلى الله ﷾، وأما تفسير محبّة الملائكة باحتمالين، فالاحتمال الثاني هو الأرجح، وهو مستلزم للاحتمال الأول، فإنهم إذا أحبوا العبد، واشتاقوا إليه، ومالت قلوبهم إليه دعوا له، واستغفروا له، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: وقع في بعض طرق الحديث بيان سبب هذه المحبة، والمراد بها، ففي حديث ثوبان -﵁- عن النبيّ - ﷺ - قال: «إن العبد ليلتمس مرضاة الله، ولا يزال بذلك، فيقول الله ﷿ لجبريل: إن فلانًا عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه، فيقول جبريل: رحمة الله على فلان، ويقولها حملة العرش، ويقولها مَن حولهم، حتى يقولها أهل السماوات السبع، ثم تَهبِط له إلى الأرض»، رواه أحمد، والطبرانيّ . ويشهد له حديث أبي هريرة -﵁- عند البخاريّ في «الرقاق»، ففيه: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل، حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه. . .» الحديث. (دَعَا) وفي لفظ: نادى (جِبْرِيلَ)؛ (فَقَالَ) الله تعالى في ندائه: (إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّهُ) وفي لفظ «فأحببه» بالفاء، (قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ) ﵇ (ثُمَّ يُنَادِي) جبريل (فِي السَّمَاءِ) وفي رواية: «في أهل السماء»، وفي حديث ثوبان: «أهل السماوات السبع»، (فَيَقُولُ) في ندائه: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبُّوهُ) بهمزة القطع، (فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ) ووقع في حديث ثوبان: «فيقول جبريل: رحمة الله على فلان، وتقوله حملة العرش». (قَالَ) - ﷺ -: (ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ) زاد الطبرانيّ في حديث ثوبان: «ثم يهبط إلى الأرض، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦]»، وثبتت هذه الزيادة في آخر هذا الحديث عند الترمذيّ، وابن أبي حاتم، من طريق سهيل، عن أبيه، وقد أخرج مسلم إسنادها في الحديث التالي، ولم يَسُق اللفظ. ومعنى «يوضع له القبول في الأرض»: أنه يحصل له في قلوب أهل الأرض مودّة، ويزرع له فيها مهابة، فتحبه القلوب، وترضى عنه النفوس، من غير تودّد منه، ولا تعرّض للأسباب التي تُكتسب لها مودات القلوب، من قرابة، أو صداقة، أو اصطناع، وإنما هو منحة منه تعالى ابتداءً اختصاصًا منه لأوليائه، بكرامة خاصّة، كما يقذف في قلوب أعدائه الرعب، والهيبة؛ إعظامًا له، وإجلالًا لمكانه، قال بعضهم: وفائدة ذلك أن يستغفر له أهل السماء والأرض، وينشأ عندهم هيبته، وإعزازهم له، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. وقيل: معنى «يوضع له القبول في الأرض»؛ أي: الحب في قلوب الناس، ورضاهم عنه، فتميل إليه القلوب، وترضى عنه، فذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾. قال ابن كثير ﵀ في «تفسيره»: يُخبر تعالى أنه يَغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وهي الأعمال التي تُرضي الله تعالى لمتابعتها الشريعة المحمدية، يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبةً، ومودةً، وهذا أمر لا بدّ منه، ولا محيد عنه. انتهى . (وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا)؛ أي: كرهه، وفيه إثبات صفة البغض لله تعالى على ما يليق بجلاله ﷾، (دَعَا)؛ أي: نادى الله ﷾ (جِبْرِيلَ) ﵇ (فَيَقُولُ) في ندائه: (إِنِّي أُبْغِضُ) بضمّ الهمزة مضارع أَبغض رباعيًّا، (فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ) بفتح الهمزة؛ لكونها همزة قطع، (قَالَ) - ﷺ -: (فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ) ﵇ (ثُمَّ يُنَادِي) جبريل ﵇ (فِي أَهْلِ السَّمَاءِ) وهم الملائكة، (إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ) بقطع الهمزة، (قَالَ) - ﷺ -: (فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ) بفتح الموحّدة، والمدّ: شدّة البغض، كما قال الفيّوميّ . (فِي الأَرْضِ») ونحو هذا في حديث أبي أمامة عند أحمد، وفي حديث ثوبان عند الطبرانيّ:«وإن العبد يعمل بسخط الله، فيقول الله: يا جبريل إن فلانًا يستسخطني. . .»فذكر الحديث على منوال الحب أيضًا، وفيه:«فيقول جبريل: سخطة الله على فلان»، وفي آخره مثل ما في الحبّ:«حتى يقوله أهل السماوات السبع، ثم يهبط إلى الأرض». والمعنى: أنه يُبغضه أهل الأرض دون أي سبب، وإنما لِمَا كتب الله ﷿ في قلوبهم من بُغضه، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: قوله:«يوضع له القبول في الأرض»: يعني: بالقبول محبة قلوب أهل الذين والخير له، والرضا به، والسرور بلقائه، واستطابة ذِكره في حال غَيبته، كما أجرى الله تعالى عادته بذلك في حق الصالحين من سلف هذه الأئمة، ومشاهير الأئمة، والقول في البغض على النقيض من القول في الحبّ. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«يوضع له القبول»هو من قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]؛ أي: رضيها، قال المطرّزيّ: القبول مصدر لم أسمع غيره بالفتح، وقد جاء مفسّرًا في رواية القعنبي:«فيوضع له المحبة»، والقبول: الرضا بالشيء، وميل النفس إليه، وقال ابن القطاع: قَبِل الله منك قبولًا، والشيء، والهدية، أُخذت، والخبرُ صَدَق، وفي«التهذيب»: عليه قبول: إذا كانت العين تَقبله، والقَبول من الريح الصّبَا؛ لأنها تستقبل الدَّبُور، والقبول أن يقبل العفو، والعافية، وغير ذلك، وهو اسم للمصدر، أُمِيْت الفعل منه، وقال أبو عمرو بن العلاء: القبول بفتح القاف لم أسمع غيره، يقال: فلان عليه قَبول: إذا قَبِلته النفس، وتقبّلتُ الشيءَ قبولًا، ونحوُه لابن الأعرابيّ، وزاد: قَبِلته قبولًا بالفتح، والضمّ، وكذا قَبِلت هديته عن اللحيانيّ، قال ابن بطال: في هذه الزيادة ردّ على ما يقوله القدرية: إن الشرّ من فعل العبد، وليس من خَلْق الله. انتهى. والمراد بالقبول في حديث الباب قبول القلوب له بالمحبة، والميل إليه، والرضا عنه ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ٦٦٨٢ و٦٦٨٣ و٦٦٨٤] (٢٦٣٧)، و(البخاريّ) في «بدء الخلق» (٣٢٠٩) و«الأدب» (٦٠٤٠) و«التوحيد» (٧٤٨٥)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣١٦١)، و(مالك) في «الموطّأ» (٣/ ١٢٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٤٣٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٦٧٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٤١ و٤١٣ و٥٠٩ و٥١٤)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ٣٦٦)، و(ابن حبّان) في «صحيح» (٣٦٤ و٣٦٥)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ١٦١)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٣/ ٢٥٨)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٤٧٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات صفة محبّة الله تعالى عبده على ما يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تأويل ولا تعطيل. ٢ - (ومنها): أن إعلام الله تعالى جبريل ﵇، وإعلام جبريل الملائكة ﵈ بمحبة العبد المذكور تنويه به، وتشريف له في ذلك الملأ الكريم، وليحصل من المنزلة المنيفة على الحظ للعبد العظيم، وهذا من نحو قوله - ﷺ - حكاية عن الله تعالى حيث قال: «أنا مع عبدي إذا ذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» . ٣ - (ومنها): بيان أن محبة قلوب الناس علامة محبة الله تعالى، ويؤيده ما تقدّم في «الجنائز»: «أنتم شهداء الله في الأرض». قال في «الفتح»: والمراد بمحبة الله: إرادة الخير للعبد، وحصول الثواب له. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن تفسير المحبّة بإرادة الخير تفسير باللازم، والحقّ أن صفة المحبّة تعالى على ظاهرها ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلال الله تعالى، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: ومحبة الملائكة استغفارهم له، وإرادتهم خير الدارين له، ومَيْل قلوبهم إليه؛ لكونه مطيعًا لله، محبًّا له، ومحبة العباد له: اعتقادهم فيه الخير، وإرادتهم دَفْع الشر عنه، ما أمكن، وقد تُطلق محبة الله تعالى للشيء على إرادة إيجاده، وعلى إرادة تكميله، والمحبة التي في هذا الباب من القبيل الثاني، وحقيقة المحبة عند أهل المعرفة: من المعلومات التي لا تُحَدّ، وإنما يعرفها من قامت به وجدانًا، لا يمكن التعبير عنه. والحب على ثلاثة أقسام: إلهيّ، ورُوحانيّ، وطبيعيّ، وحديث الباب يشتمل على هذه الأقسام الثلاثة، فحب الله العبد حب إلهيّ، وحب جبريل، والملائكة له حب رُوحانيّ، وحب العباد له حب طبيعيّ. انتهى . ٤ - (ومنها): ما قاله أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ في قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦]: قال أهل العلم بتأويل القرآن، منهم ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: يُحبّهم، ويحببهم إلى الناس، وقالوا في قول الله ﷿: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]: حبّبتك إلى عبادي. وقال الربيع بن أنس: إذا أحب الله ﷿ عبدًا ألقى له مودّة في قلوب أهل السماء، ثم ألقى مودة في قلوب أهل الأرض. وقال كعب الأحبار: والله ما استقرّ لعبد ثناء في أهل الأرض حتى يستقرّ ثناء في أهل السماء. وقال عبد الله بن مسعود: لا تَسَلْ أحدًا عن وُدّه لك، وانظر ما في نفسك له، فإن في نفسه مثل ذلك: «إن الأرواح جنود مجندة، فما تعارَفَ منها ائتلف، وما تناكَر منها اختلف». ورُوي عن أبي الدرداء أنه قال: إياكم ومَن تُبغِضه قلوبكم، وأَخَذه منصور الفقيه الشافعيّ، فقال: شَاهِدِي مَا فِي مُضْمَرِي … مِنْ صِدْقِ وُدِّي مُضْمَرُكْ فَمَا أَرِيدُ وَصْفَهُ … قَلْبُكَ عَنِّي يُخْبِرُكْ وقيل: إنها لداود بن منصور، وهي أصحّ، والله أعلم. ومن حديث هذا المعنى قول صالح بن عبد العزيز: لَا أَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي ضَمَائِرِهِمْ … مَا فِي ضَمِيرِي لَهُمْ من داء يلقين وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٨٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ- وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- (ح) وَحَدَّثنَاهُ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍ والأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ (ح) وَحَدَّثَنِي لَا أَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي نُفُوسِهِمُ … مَا فِي ضَمِيرِي لَهُمْ مِنْ ذَاكَ يَكْفِينِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ -وَهُوَ ابْن أَنَس- كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ البُغْضِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عَبْدٍ القاريّ -بتشديد التحتانية- المدنيّ، نزيل الإسكندرية، حليف بني زُهْرة، ثقة [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٥. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَثِيُّ) هو: سعيد بن عمرو بن سهل الْكِنْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٣ - (عَبْثَرُ) -بفتح أوله، وسكون الموحّدة، وفتح المثلثة- ابن القاسم الزُّبيديّ -بالضم- أبو زُبيد كذلك، الكوفيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدمة في «الإيمان» ٤٨/ ٣٠٥. ٤ - (الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيَّب) بن رافع الكاهليّ، ويقال: التَّغْلِبيّ الكوفيّ، ثقةٌ رُبّما وَهِم [٦]. رَوَى عن أبيه، وعكرمة، وعطاء، وعمرو بن مرّة، وفضيل بن عمرو الفُقيميّ، وغيرهم. وروى عنه عبد الواحد بن زياد، وزهير بن معاوية، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة مأمون، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن عمار: ثقة يُحتج بحديثه، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال العجليّ: ثقة، وأبوه من خيار التابعين، وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال الحاكم: له أوهام في الإسناد والمتن، وقال الأزديّ: في بعض حديثه نظر، وتعقبه النباتي بأنه كان يجب أن يذكر ما فيه النظر، وفي «الميزان»: قال بعضهم: كان يَهِمُ كثيرًا، وهو قول لا يُعبأ به. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه. ٥ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) -بفتح الهمزة، وسكون التحتانية- السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (٢٥٣) وله ثلاث وثمانون سنةً (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٦ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ)؛ أي: كل من هؤلاء الأربعة: يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ، وعبد العزيز الدراورديّ، والعلاء بن المسيَّب، ومالك بن أنس رووا هذا الحديث عن سهيل بن أبي صالح بهذا السند السابق، وهو: عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁-. [تنبيه]: أما رواية يعقوب بن عبد الرحمن عن سهيل، فقد ساقها النسائيّ ﵀ في «السنن الكبرى» بسند المصنّف، فقال: (٧٧٤٧) - أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا يعقوب، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا أحب الله عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحببت فلانًا، فأحبوه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل أهل السماء: إن الله يحب فلانًا، فيحبوه، ثم يضع له القبول في الأرض»، وفي البغض مثل ذلك«. انتهى . وأما رواية عبد العزيز الدراورديّ عن سهيل، فقد ساقها الترمذيّ في«جامعه»بسند المصنّف أيضًا، فقال: (٣١٦١) - حدّثنا قتيبة، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال:«إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانًا، فاحبه، قال: فينادي في السماء، ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾، وإذا أبغض الله عبدًا نادى جبريل: إني أبغضت فلانًا، فينادي في السماء، ثم تنزل له البغضاء في الأرض»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى . وأما رواية العلاء بن المسيَّب عن سهيل، فساقها الطبرانيّ ﵀ في«المعجم الأوسط»، فقال: (٥٠٠١) - حدّثنا محمد بن النضر الأزديّ، قال: حدّثنا معاوية بن عمرو، قال: حدثنا زهير بن معاوية، عن العلاء بن المسيَّب، أن سهيل بن أبي صالح حدّثه، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال:«إن الله إذا أحبّ عبدًا قال لجبريل: إني أحب عبدي فلانًا، فأحبه، فيحبه جبريل، ويقول لأهل السماء: إن الله يحب عبده فلانًا، فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض»، لم يرو هذا الحديث عن العلاء بن المسيب إلا زهير. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قول الطبرانيّ: لم يرو هذا الحديث إلخ فيه نَظَر لا يخفى، فقد رواه عبثر بن القاسم عن مسلم في هذا الإسناد، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وأما رواية مالك عن سهيل، فقد ساقها ابن حبّان ﵀ في«صحيحه»، فقال: (٣٦٥) - أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاريّ، قال: أنبأنا أحمد بن أبي بكر، عن مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال:«إذا أحب الله العبد قال لجبريل: قد أحببت فلانًا، فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلانًا، فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله العبد»، قال مالك: لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٨٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: كُنَّا بِعَرَفَةَ، فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز، وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِم، فَقَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْه، فَقُلْتُ لأَبِي: يَا أَبتِ إِنِّي أَرَى اللهَ يُحِبُّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيز، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: لِمَا لَهُ مِنَ الْحُبِّ فِي قُلُوبِ النَّاس، فَقَالَ: بِأَبِيكَ أَنْتَ سَمِعْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، عَنْ سُهَيْلٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) الواسطيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ) -بكسر الجيم، بعدها شين معجمة مضمومة- المدنيّ، نزيل بغداد، مولى آل الْهُدَير، ثقةٌ فقيهٌ مصنفٌ [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٧. والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي، و«عمرو الناقد» هو: ابن محمد بن بُكير. وقوله: (فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الأمويّ الخليفة الراشد المتوفّى في رجب سنة (١٠١ هـ) تقدّمت ترجمته في «المقدّمة» ٦/ ٤٦. وقوله: (وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أن عمر بن عبد العزيز كان أميرًا على الموسم؛ أي: موسم الحجّ، وهو مُجْتَمعه، قاله المجد. وقال المرتضى في «التاج»: مَوْسِم الحج، كمَجْلِس: مجتمعه، وكذا مَوْسِم السُّوق، والجمع: مواسم، قال اللحيانيّ: وإنما سُمّيت مواسم؛ لاجتماع الناس، والأسواق فيها، وفي «الصحاح»: سُمّي بذلك؛ لأنه مَعْلَمٌ يُجتَمَع إليه، قال الليث: وكذلك كانت أسواق الجاهلية. انتهى . وقوله: (فَقَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى عمر بن عبد العزيز، قال سهيل: (فَقُلْتُ لأَبِي) أبي صالح ذكوان، (يَا أَبَتِ إِنِّي أَرَى اللهَ يُحِبُّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيز، قَالَ) أبو صالح: (وَمَا ذَاكَ؟)؛ أي: وما سبب قولك هذا؟، قال سهيل: (قُلْتُ: لِمَا لَهُ مِنَ الْحُبِّ فِي قُلُوبِ النَّاسِ)؛ أي: لأني رأيت الناس يحبّونه، فاستدللت بذلك على ما قلته، (فَقَالَ) له أبوه: (بِأَبِيكَ) جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف، وهو خبر مقدّم لقوله: (أَنْتَ)؛ أي: أنت مفديّ بأبيك، وإنما فداه بنفسه تعجّبًا مما قاله حيث وافق حديث أبي هريرة -﵁- المرفوع، فأثنى عليه، وَفَدَاه بنفسه. وقوله: (سَمِعْتُ) بضمّ التاء للمتكلّم، (أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وجملة «سمعتُ إلخ» مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، فكأنه قال له: لِمَ قلت: بأبي أنت؟ فقال: لأني سمعت أبا هريرة -﵁-. [تنبيه]: يوجد في بعض النسخ: «سمعتَ» مضبوطًا بفتح التاء ضَبْط قلم، فإن صحّ يكون المعنى على الاستفهام، كأنه قاله له: هل أنت سمعت أبا هريرة يتحدّث إلخ؛ يعني: أن هذا الذي قلتَه كأنك سمعته من حديث أبي هريرة -﵁-، ومعلوم أن سهيلًا لم يلق أبا هريرة، وإنما قاله لموافقة ما قاله سهيل لِمَا سمعه هو عن أبي هريرة -﵁-، فقال ذلك متعجّبًا منه: كأنك سمعته من أبي هريرة كما سمعته أنا منه.
مصادر المؤلف (١٧)

١. «الاستذكار»٣/ ١٠٩ - ١١٤.

٢. «فيض القدير»٢/ ٢٠٤.

٣. «شرح النوويّ»١٦/ ١٨٣ - ١٨٤.

٤. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٥/ ٢٧٩، و«المعجم الأوسط» للطبرانيّ ٢/ ٥٧.

٥. «تفسير ابن كثير»٣/ ١٤٠.

٦. «المصباح المنير»١/ ٥٦.

٧. «المفهم»٦/ ٦٤٤.

٨. «الفتح» ١٣/ ٥٩٤ - ٥٩٥، كتاب «الأدب» رقم (٦٠٤٠).

٩. «المفهم» ٦/ ٦٤٣.

١٠. «الفتح» ١٣/ ٥٩٤ - ٥٩٥، كتاب «الأدب» رقم (٦٠٤٠).

١١. «الاستذكار» ٨/ ٤٥٠.

١٢. هكذا النسخة، وفيها ركاكة، والذي في «الإشراف في منازل الأشراف» ١/ ١١٢ لابن أبي الدنيا:

١٣. «السنن الكبرى» ٤/ ٤١٦.

١٤. «جامع الترمذيّ» ٥/ ٣١٧.

١٥. «المعجم الأوسط» ٥/ ١٧٩.

١٦. «صحيح ابن حبان» ٢/ ٨٦.

١٧. «تاج العروس» ص ٧٩٢٥.