HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٣٨

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ) عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أن رسول الله ﷺ قال «الأرواح جنود مجندة. فما تعارف منها ائتلف. وما تناكر منها اختلف».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص41
ج ٤ ص ٢٠٣١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن أبي داود, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٢٥٠
وعلى كلٍّ فالغرض منه مَدْح ابنه سهيل حيث وافق ما قاله حديث أبي هريرة -﵁- المرفوع، فأثنى عليه بفطنته، وإصابته الحقّ، والله تعالى أعلم. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، عَنْ سُهَيْلٍ) فاعل «ذَكَر» ضمير عبد العزيز الماجشون. [تنبيه]: رواية عبد العزيز الماجشون عن سهيل بن أبي صالح هذه ساقها البيهقيّ ﵀ في «كتاب الزهد الكبير»، فقال: (٨٠١) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن المؤمل، ثنا الفضل بن محمد بن المسيب، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا عبد العزيز الماجشون، عن سهيل بن أبي صالح، أنه قال: كنت مع أبي غداة عرفة، قال: فوقفنا لعمر بن عبد العزيز للنظر إليه، وهو أمير الحاجّ، قال: فقلت: يا أبتاه والله إني لأرى الله يحب عمر، قال: لِمَ أيْ بُنَيّ؟ قال: قلت: لِمَا أراه دخل له قلوبَ الناس من المودّة، قال: فقال: بأبيك أنت، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل، إن الله قد أحب فلانًا، فأحبوه، قال: فإذا كان ذلك كان له القبول، والمودة عند أهل الأرض، وإذا أبغض الله عبدًا نادى جبريل، فقال: يا جبريل إن الله قد أبغض فلانًا، فأبغضوه، فينادي جبريل في السماء، إن الله قد أبغض فلانًا، فأبغضوه، فإذا كان ذلك وُضعت له البغضة عند أهل الأرض». انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٩) - (بَابٌ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٨٥] (٢٦٣٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذكروا في الباب الماضي، والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يأتي في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى-. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٦٨٦] (. . .) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرٌ بْن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرٌ بْن هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِحَدِيثٍ يَرْفَعُهُ، قَالَ: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَب، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة، خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَام، إِذَا فَقُهُوا، وَالأَرْوَاحُ جُنُودٌ مجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (كَثِيرُ بْن هِشَامٍ) الْكِلابيّ، أبو سهل الرَّقِّيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت ٧ أو ٢٠٨) (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٧. ٢ - (جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ) -بضمّ الموحّدة، وسكون الراء، بعدها قاف- الْكِلّابيّ، أبو عبد الله الرَّقّيّ، ثقة يَهِمُ في حديث الزهريّ [٧] (ت ١٥٠) وقيل: بعدها (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٧. ٣ - (يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية الْبَكّائيّ -بفتح الموحّدة، وتشديد الكاف- أبو عوف الكوفيّ، نزيل الرَّقَّة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين -﵂-، يقال: له رؤبة، ولا يثبت، وهو ثقة [٣] (ت ١٠٣) (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٣/ ٣٥٧. والباقيان ذُكرا في السند الماضي، والباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وفيه أبو هريرة -﵁-، أحفظ من روى الحديث في عصره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (بِحَدِيثٍ) متعلّق بـ «حدّثنا يزيد»، وقوله: (يَرْفَعُهُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ «حديث»؛ أي: يرفع أبو هريرة -﵁- ذلك الحديث إلى النبيّ - ﷺ -، وهذه من صيغ الرفع حكمًا، كما قال السيوطيّ -﵁- في «ألفيّة الأثر» عند تعداد صيغ الرفع حكمًا: وَهَكَذَا يَرْفَعُهُ يَنْمِيهِ … رِوَايَةً يَبْلُغْ بِهِ يَرْوِيهِ والحامل للتابعيّ على العدول عن قول الصحابيّ: سمعت رسول الله - ﷺ -، أو نحوها إلى قوله: يرفعه، مع تحقّقه بأن الصحابيّ رفعه إلى النبيّ - ﷺ - كونه يشك في صيغ الرفع بعينها، هل هي سمعت، أو قال رسول الله - ﷺ -، أو نبيّ الله، أو حدّثني، أو نحوها؟ راجع تمام البحث في المسألة «شرحي» على الألفيّة المذكورة ، تستفد علمًا، وبالله تعالى التوفيق. (قَالَ) النبيّ - ﷺ -: («النَّاسُ مَعَادِنُ) جمع مَعْدن بكسر الدال، من عَدَن: إذا أقام؛ لإقامة الذهب والفضة به، أو لإقامة الناس فيها شتاءً وصيفًا، قاله الزرقانيّ ﵀ . وقال ابن منظور ﵀:«المعدن»بكسر الدال، هو المكان الذي يثبت فيه الناس؛ لأن أهله يقيمون فيه، ولا يتحوّلون عنه شتاءً، ولا صيفًا، ومعدن كل شيء من ذلك، ومعدن الذهب والفضة سُمِّي معدنًا؛ لإنبات الله فيه جوهرهما، وإثباته إياه في الأرض، حتى عَدَن؛ أي: ثبت فيها، وقال الليث: المعدن: مكانُ كل شيء يكون فيه أصله ومبدؤه، نحو معدن الذهب والفضة، والأشياء، وفي الحديث:«فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم»؛ أي: أصولها التي يُنْسَبون إليها، ويتفاخرون بها، وفلان معدن للخير والكرم: إذا جُبِل عليهما، على المَثَل. انتهى . وقال المناويّ ﵀:«الناس معادن»؛ أي: أصولٌ مختلفةٌ، ما بين نفيس، وخسيس، كما أن المعدن كذلك فخيارهم في الجاهلية هم خيارهم في الإسلام، وقوله: (كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ) قال الرافعيّ ﵀: وجه الشبه أن اختلاف الناس في الغرائز والطبائع، كاختلاف المعادن في الجواهر، وأن رسوخ الاختلاف في النفوس، كرسوخ عروق المعادن فيها، وأن المعادن كما أن منه ما لا تتغير صفته، فكذا صفة الشرف لا تتغير في ذاتها، بل من كان شريفًا في الجاهلية فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس، فإن أسلم استمرّ شَرَفه، فكان أشرف ممن أسلم من المشروفين في الجاهلية، وهذا معنى قوله: (خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة، خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ) ثم لمّا أَطلق الحكم خصّه بقوله: (إِذَا فَقُهُوا) بضم القاف على الأجود، ذكره أبو البقاء؛ أي: صاروا فقهاء، ففيه إشارة إلى أن نوع الإنسان إنما يتميز عن بقية الحيوان بالعلم، وأن الشرف الإسلامي لا يتمّ إلا بالفقه، وأنه الفضيلة العظمى، والنعمة الكبرى، والمراد بالخيار في هذا ونحوه: من كان متصفًا بمحاسن الأخلاق، كالكرم، والفقه، والحِلم، وغيرها، متوقّيًا لمساوئها، كالبخل، والفجور، والظلم، وغيرها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «بضمّ القاف إلخ» ويجوز كسرها، كما أشار إليه، قال المجد ﵀: الفِقْهُ بالكسر: العِلْمُ بالشيء، والفَهْمُ له، والفِطْنَةُ، وغَلَبَ على عِلمِ الدينِ؛ لشَرَفِه، وفَقُهَ ككَرُمَ، وفَرِحَ، فهو فَقِيهٌ، وفَقُهٌ، كَنَدُسٍ، جَمْعه: فُقَهاءُ، وهي فَقيهَةٌ، وفَقُهَةٌ، جَمْعها: فُقَهاءُ، وفَقائِهُ، وفَقِهَهُ كَعَلِمَهُ: فَهِمَهُ، كتَفَقَّهَهُ، وفَقَّهَهُ تَفْقيهًا: عَلَّمَهُ، كأَفْقَهَهُ. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: الفِقْهُ فَهْمُ الشيء، قال ابن فارس: وكلّ علم لشيء فهو فِقْهٌ، والفِقْهُ على لسان حملة الشرع علم خاصّ، وفَقِهَ فَقَهًا، من باب تَعِبَ: إذا عَلِم، وفَقُهَ بالضم مثله، وقيل: بالضم إذا صار الفقه له سَجِيّة، قال أبو زيد: رجل فَقُهٌ، بضم القاف، وكسرها، وامرأة فَقُهَةٌ، بالضم ويتعدى بالألف، فيقال: أَفْقَهْتُكَ الشيءَ، وهو يَتَفقَّهُ في العلم، مثلُ يتعلم. انتهى . وقال الطيبيّ ﵀: قوله: «الناس معادن»: المعدن: الْمُستقَرّ، والمستوطَنُ، من عدنت البلد: إذا توطّنته، ومنه: المعدن المستقَرّ للجواهر والفلزات، و«معادن» خبر المبتدأ، ولا يستقيم حَمْله عليه إلا بأحد وجهين: إما أن يكون محمولًا عليه بالتشبيه، كقولك: زيد أسدٌ، فيكون «كمعادن الذهب» بدلًا منه. وإما بأن يكون المعادن مجازًا من التفاوت، فالمعنى: الناس متفاوتون تفاوتًا مثل تفاوت معادن الذهب والفضّة، فالمراد بالتفاوت: تفاوت النسب في الشرف والضَّعَة، يدلّ عليه قوله - ﷺ - في حديث آخر: «فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم»؛ أي: أصولها التي يُنسبون إليها، ويتفاخرون بها، وإنما جُعلت معادن لها؛ لِمَا فيها من الاستعدادات المتفاوتة، فمنها قابلة لفيض الله تعالى على مراتب المعادن، ومنها غير قابلة لها. وقوله: «خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» جملة مبيّنة بعد التفاوت الحاصل بعد فيض الله تعالى عليها من العلم والحكمة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، شبّههم بالمعادن في كونها أوعيةً للجواهر النفيسة، والفلزات المنتفعة بها المعنيّ بهما في الإنسان كونه أوعية العلوم والْحِكَم، فالتفاوت في الجاهليّة بحسب الأنساب، وشَرَف الآباء، وكَرَم الأصل، وفي الإسلام بحسب العلوم والحِكم، فالشرف الأول موروث، والثاني مكتسب. [فإن قلت]: ما فائدة التقييد بقوله: «إذا فقُهُوا»؛ لأن كل من أسلم، وكان شريفًا في الجاهليّة فهو خير من الذي لم يكن له شرف فيها، سواء فقه، أو لم يفقه؟. [قلت]: ليس كذلك، فإن الإيمان يرفع التفاوت المعتبر في الجاهليّة، فإذا تحلَّى الرجل بالعلم والحكمة استجلب النسب الأصليّ، فيجتمع شرف النسب مع شرف الحسب، انظر إلى المنقبة السنيّة، كيف ردّ تيمّنها وبركتها ما رَفَعه الإسلام من الشرف الموروث؟، وفُهم من ذلك أن الوضيع المسلم المتحلّي بالعلم أرفع منزلةً من الشريف المسلم العاطل، ونِعْم ما قال الأحنف [من الرمل]: كُلُّ عِزٍّ لَمْ يُوَطَّدْ بِعِلْمٍ … فَإِلَى ذُلٍّ مَا يَصِيرُ وقال آخر [من الطويل]: وَلَا الشَّرَفُ الْمَوْرُوثُ لَا دَرَّ دَرُّهُ … بِمُحْتَسَب إِلَّا بِآخَرَ مُكْتَسَبْ وقال آخر [من الكامل]: إِنَّ السَّرِيَّ إِذَا سَرَى فَبِنَفْسِهِ … وَابْنُ السَّرِيِّ إِذَا سَرَى أَسْرَاهُمَا رُوي أن فزاريًّا شكى إلى عمر بن الخطّاب -﵁- من لطمة لطمها جبلة بن الأيهم، فأمر بالقصاص، فقال جبلة: أيُقتصّ منّي، وأنا ملِكٌ، وهو سوقةٌ؟ فقال عمر: شملك وإياه الإسلام، فما تفضله إلا بالعاقبة. انتهى . وقال المناويّ ﵀: قوله: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة»: معدن كل شيء أصله؛ أي: أصول بيوتهم تُعْقِب أمثالَها، ويَسري كَرَم أعراقها إلى فروعها، والمعادن جَمْع مَعْدِن، مِن عَدَن بالمكان أقام، ومنه سمّي المعدن؛ لأن الناس يقيمون فيه صيفًا وشتاءً، ومعدن كل شيء مركزه، كما في «الصحاح»، وبه يُعرف أن إطلاق اسم المعدن على بعض الأجساد كالذهب، من تسمية الشيء باسم مركزه، والحديث ورد على منهج التشبيه في التفاضل في الصفات الوهبية، والكسبية، كالأخلاق الجِبِلّية، والآداب الحاصلة بواسطة الأدلة، وشتان في القياس بين الذهب والفضة، والرصاص والنحاس، فبقدر ما بين ذلك من التفاوت تكون الصفة في الأشخاص، فكانه قال: الناس يتفاوتون في الصفات الذاتية، والعَرَضية، كما تتفاوت المعادن في ذواتها، وأعراضها القائمة بها، من العلل، والأدناس، ذَكَره بعضهم. وقال القاضي: المعدن المستَقَرّ، والمستوطَن، مِن عَدَن بالبلد: إذا توطّنه، فكما أن المعادن منها ما يحصل منه شيء يُعبا به، ومنها ما يحصل منه بكدّ، وتَعَب كثير شيء قليل، ومنها ما هو بعكسه، ومنها ما يُظفر منه بمغارات مملوءة ذهبًا، فمن الناس من لا يعي، ولا يفقه، ولا تُغني عنه الآيات والنذر، ومنهم من يحصل له علم قليل، واجتهاد طويل، ومنهم من هو بالعكس، ومنهم من تَفِيض عليه من حيث لا يحتسب بلا سوق، وطلب، معالم كثيرة، وتنكشف له المغيّبات، ولم يبق بينه وبين القدس حجاب، وذا من جوامع الكلم الذي أوتيها المصطفى - ﷺ -، وأفاد الترغيب في تطبّع الأوصاف الجميلة، والتوصل إليها بكل حيلة، والعِرْق دسّاس، وأدب السَّوْء كعِرْق السَّوْء، فعلى العاقل أن يتخير لنطفته، ولا يضعها إلا في أصل أصيل، وعنصر طاهر، فإن الولد فيه عِرْق ينزع إلى أمه، فهو تابع لها في الأخلاق والطباع، إشارة إلى أن ما في معادن الطباع من جواهر مكارم الأخلاق وضدها، ينبغي استخراجه برياضة النفس، كما يستخرج جوهر المعدن بالمقاساة والتعب. قال بعضهم: ومن كان وليًّا في علم الله فلا تتغير ولايته، وإن وقع في معصية؛ لأن الحقائق الوضعية لا يقدح فيها النقائص الكسبية، فالذهب والفضة موجودان في المعادن، والمعدن الأصلي صحيح، لكن قد يدخل عليه علل نفسية في ظاهره، فيعالَج لتزول، فكما أن المعدن في أصله صحيح، لا يخرج عن معدنيته، فكذا المؤمن الحقيقيّ أو الولي الحقيقيّ لا يُخرجه ما جرى على جوارحه من النقائص عن حقيقة إيمانه، أو ولايته. وقال بعضهم: المراد أن كل من كان أصله عند الله مؤمنًا، فهو يرجع إلى أصله، كالمعدن، ومن كان عنده كافرًا رجع إلى أصله كذلك، وحقيقة الأمر مستورة عنّا الآن؛ لأنه تعالى يفعل ما يشاء، فيقلب التراب ذهبًا، وعكسه، والجماد مائعًا، وعكسه، والنبات حيوانًا، وعكسه. انتهى . وقوله: (وَالأَرْوَاحُ)؛ أي: أرواح الناس، وهو مبتدأ خبره قوله: (جُنُودٌ) جَمْع جُنْد؛ أي: جُموع (مُجَنَّدَةٌ) بفتح النون المشدّدة؛ أي: مجتمعة متقابلة، أو مختلطة، منها حزب الله: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ومنها حزب الشيطان: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] وفي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح: ٤] إشارة إلى أن الجندين: أحدهما علويّ الهمة، والآخر سفليّ النَّهْمة . وقال النوويّ: قال العلماء: معناه جموع مجتمعة، أو أنواع مختلفة، وأما تعارفها فهو لأمر جعلها الله عليه، وقيل: إنها موافقة صفاتها التي جعلها الله عليها، وتناسبها في شِيَمها، وقيل: لأنها خُلقت مجتمعة، ثم فُرِّقت في أجسادها، فمن وافق بشِيَمه أَلِفَه، ومن باعده نافره، وخالفه، وقال الخطابيّ وغيره: تآلُفها هو ما خلقها الله عليه من السعادة، أو الشقاوة في المبتدأ، وكانت الأرواح قسمين، متقابلين، فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت، واختلفت، بحسب ما خُلقت عليه، فيميل الأخيار إلى الأخيار، والأشرار إلى الأشرار، والله أعلم. انتهى . وقال في «الفتح»: قال الخطابيّ: يَحْتَمِل أن يكون إشارةً إلى معنى التشاكل في الخير والشر، والصلاح والفساد، وأن الْخَيِّرَ من الناس يَحِنّ إلى شكله، والشرير نظير ذلك، يميل إلى نظيره، فتعارُف الأرواح يقع بحَسَب الطباع التي جُبلت عليها من خير وشرّ، فإذا اتفقت تعارفت، وإذا اختلفت تناكرت. ويَحْتَمِل أن يراد الإخبار عن بدء الخلق في حال الغيب، على ما جاء أن الأرواح خُلقت قبل الأجسام، وكانت تلتقي، فتتشامّ فلمّا حَلّت بالأجسام تعارفت بالأمر الأول، فصار تعارُفها وتناكرها على ما سَبَق من العهد المتقدّم. وقال غيره: المراد أن الأرواح أول ما خُلقت خُلقت على قسمين، ومعنى تقابُلها؛ أن الأجساد التي فيها الأرواح إذا التقت في الدنيا ائتلفت، أو اختلفت، على حسب ما خُلقت عليه الأرواح في الدنيا إلى غير ذلك بالتعارف. قال الحافظ: ولا يعكر عليه أن بعض المتنافِرَين ربما ائتلفا؛ لأنه محمول على مبدأ التلاقي، فإنه يتعلق بأصل الخلقة، بغير سبب، وأما في ثاني الحال فيكون مكتسَبًا؛ لتجدُّد وصْفِ يقتضي الألفة بعد النفرة، كإيمان الكافر، وإحسان المسيء. انتهى . (فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا) التعارف جَرَيَان المعرفة بين اثنين، والتناكر ضدّه؛ أي: فما تعرّف بعضها من بعض قبل حلولها في الأبدان (ائْتَلَفَ) بهمزة وصل، ثم همزة ساكنة تُبدل ألفًا في الوصل جوازًا، وتبدل ياءً حال الابتداء وجوبًا؛ أي: حصل بينهما الألفة والرأفة حال اجتماعهما بالأجساد في الدنيا، (وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا)؛ أي: في عالم الأرواح، (اخْتَلَفَ»)؛ أي: في عالم الأشباح، والإفراد والتذكير في الفعلين باعتبار لفظ«ما»، والمراد منه بطريق الأجمال -والله أعلم بحقية الحال- أن الأرواح البشرية مجبولة على مراتب مختلفة، وشواكل متباينة، وكل ما شاكل منها في عالم الأمر في شاكلته تعارفت في عالم الخلق، وائتلفت، واجتمعت، وكل ما كان على غير ذلك في عالم الأمر، تناكرت في عالم الخلق، فاختلفت، وافترقت، فالمراد بالتعارف ما بينهما من التناسب، والتشابه، وبالتناكر ما بينهما من التنافر، والتباين، فتارة على وجه الكمال، وتارة على وجه النقصان؛ إذ قد يوجد كل من التعارف والتناكر بأدنى مشاكلة بينهما، إما ظاهرًا، وإما باطنًا، قاله القاري . وقال في «النهاية»: قوله: «جنود مجندة»؛ أي: مجموعة، كما يقال: ألوفٌ مؤلّفة، وقناطيرُ مقنطرةٌ، ومعناه: الإخبار عن مبدأ كون الأرواح، وتقدمها الأجسادَ؛ أي: أنها خُلقت أول خِلقتها على قسمين، من ائتلاف واختلاف، كالجنود المجندة المجموعة؛ إذا تقابلت، وتواجهت، ومعنى تقابُل الأرواح ما جعلها الله عليها من السعادة والشقاوة، والأخلاق، في مبدأ الخلق، يقول: إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا، فتأتلف، وتختلف على حسب ما خُلقت عليه، ولهذا ترى الْخيِّر يحبّ الأخيار، ويميل إليهم، والشِّرِّير يحبّ الأشرار، ويميل إليهم. انتهى . وقال الطيبيّ ﵀: الفاء في قوله: «فما تعارف» للتعقيب، أتبعت المجمل بالتفصيل، فدلّ قوله: «ما تعارف» على تقدّم اشتباك واختلاط في الأزل، ثم تفرّق بعد ذلك فيما لا يزال أزمة متطاولة، ثم ائتلاف بعد التعارف، كمن فَقَد أنيسه، وأليفه، ثم اتّصل به، فلزمه، وأنِسَ به، ودلّ قوله: «وما تناكر» على أن ذلك الفقيد لحق بمن لم يكن له سبق اختلاط معه، فاشمأزّ منه، وفارقه إلى من كان معه في السابق. ودلّ تشبيه الأرواح بالجنود المجنّدة على أن ذلك الاجتماع في الأول كان لأمر عظيم، وخَطْب جسيم، من فَتْح بلاد، وقهر أعداء، ودل ذلك على أن أحد الحزبين حزب الله، والآخر حزب الشيطان، فمن تألّف في الأزل بحزب الله فاز وأفلح: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ومن تألّف بحزب الشيطان خاب وخسر: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩]، ومن عادة الأجناد المتحزّبة أن يسوم كل واحد من أحد الحزبين بعلاقة ترفع التناكر من البَيْن، فمتى شاهدوها ائتلفوا. فعلى هذا بنى قوله: «فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»، فهي تفريع على التشبيه بمنزلة ترشيح الاستعارة، وهذا التعارف إلهامات من الله تعالى في قلوب العباد من غير إشعار منهم بالسابقة، ولا يمنع من هذا التعارف فَصْله بالأباعد والأجانب، ولا تضمّه شجنة الأرحام والأواصر، قال الشاعر: [من البسيط]: كَانَتْ مَوَدَّةُ سَلْمَانَ لَهُ نَسَبًا … وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُوحِ وَابْنِهِ رَحِمُ ولم يَحْظَ آل قصيّ به، وحَظِيت به أم معبد قال [من الطويل]: فَيَا لَقُصَيٍّ مَا زَوَى اللهُ عَنْكُمُ … بِهِ مِنْ فِعَالٍ لَا تُجَارَى وَسُودَدِ لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَقَامُ فَتَاتِهَا … وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ ولا يدفعه بُعْدُ الدار، ولا يجمعه قرب الْمَزَار [من الطويل]: مُنَاسَبَةُ الأَرْوَاحِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا … وَإِلَّا فَأَيْنَ التُّرْكُ مِنْ سَاكِنِي نَجْدِ قال حكيم: أقرب القُرْب مودة القلب، وإن تباعَد جسم أحدهما من الثاني، وأبعدُ البُعْد تنافر المتداني، والله تعالى أعلم. انتهى . [تنبيه]: هذا الحديث أخرجه الحافظ أبو يعلى ﵀ في «مسنده» من حديث عائشة -﵂-، وذكر له قصّة، فقال: (٤٣٨١) - حدّثنا يحيى بن معين، حدّثنا سعيد بن الحكم، حدّثنا يحيى بن أيوب، قال: حدّثني يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، قالت: كان بمكة امرأة مَزّاحة، فنزلت على امرأة مثلِها، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: صَدَق حِبِّي، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتَلَف، وما تناكر منها اختَلف»، قال: ولا أعلم إلا قال في الحديث: ولا تُعْرَف تلك المرأة. انتهى . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثاثية): في تخريجه: فأما الجزء الأول، فأخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ٦٦٨٦] (٢٦٣٨) وتقدّم في «فضائل الصحابة» [٤٩/ ٦٤٣٣] (٢٥٢٦)، وأخرج (البخاريّ) الجزء الأول منه في «الأنبياء» (٣٣٥٣ و٣٣٧٤ و٣٤٩٣ و٣٤٩٦ و٣٥٨٨ و٤٦٨٩)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٦٧)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٢٧٩)، و(عبد الرزّاق) في «مسنده» (١١/ ٣١٦)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٠٤٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٥٧ و٢٦٠ و٣٩١ و٤٣٨ و٤٨٥ و٤٩٨ و٥٢٥ و٥٣٩) وفي «فضائل الصحابة» (١٥١٨ و١٥١٩ و١٦٧٣)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٨٤)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ٢٢٦)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٤/ ٣١٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٩٢)، و(القضاعيّ) في «مسند الشهاب» (٦٠٦)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٨٤٤ و٣٨٤٥). وأما الجزء الثاني فاخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ٦٦٨٥ و٦٦٨٦] (٢٦٣٨)، و(البخاريّ) في «الأنبياء» (٣٣٣٦) وفي «الأدب المفرد» (٩٠١)، و(أبو داود) في «الأدب» (٤٨٣٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٩٥ و٥٢٧ و٥٣٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١٦٨)، و(تمام الرازيّ) في «الفوائد» (١/ ٢٥١)، و(أبو الشيخ) في «الأمثال» (١٠٢)، و(أبو نعيم) في «تاريخ أصبهان» (٢/ ٩٤)، و(الخطيب البغداديّ) في «تاريخ بغداد» (٣/ ٣٢٩)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٤٧١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة. ٢ - (ومنها): بيان فضل الفقه في الدين؛ لأن من تحلّى بها كان أفضل من غيره، ولو كان شريف النسب، وقد قال النبيّ - ﷺ -: «من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين»، فالفقه علامة الخيريّة، وعلامة السعادة في الدنيا والآخرة. ٣ - (ومنها): ذمّ الجهل، وذمّ أهله؛ لأنه وإن كان شريف النسب فجَهْله يجعله وضيعًا، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: الْعِلْمُ يَرْفَعُ بَيْتًا لَا عِمَادَ لَهُ … وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ العِزِّ وَالشَّرَفِ ٤ - (ومنها): بيان أن الأرواح جنود مجنّدة؛ أي: أجناس مجنّسة، أو جموع مجمعة، تتعارف، وتتناكر حسب ما جُبلت عليه، من الخير والشرّ، فأهل الخير يأنسون بأهل الخير، وأهل الشرّ يأنسون بأهل الشرّ. قال المناويّ ﵀: التعارف هو التشاكل المعنويّ الموجب لاتحاد الذوق الذي يُدرك ذوق صاحبه، فذلك علة الائتلاف، كما أن التناكر ضدّه، ولذلك قيل فيه [من الطويل]: وَلَا يَصْحَبُ الإِنْسَانُ إِلَّا نَظِيرَهُ … وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ قَبِيلٍ وَلَا بَلَدْ وقيل: انظر من تصاحب، فقَلَّ من نواة طُرِحت مع حصاة، إلا أشبهتها، ولهذا قال الغزاليّ تبعًا لبعض الحكماء: لا يتفق اثنان في عِشْرة، إلا وفي أحدهما وَصْف من الآخر، حتى الطير، ورأى بعضهم مرّة غُرابًا مع حمامة، فاستبعد المناسبة بينهما، ثم تامل، فوجدهما أعرجين، فإذا أردت أن تعرف من غابت عنك خِلالُه بموت، أو غَيبة، أو عدم عِشْرة امتَحِن أخلاق صاحبه، وجليسه بذلك، وذلك يدل على كماله، أو نقصه، كما يدل الدخان على النار، وإذا صاحب الرجل غير شَكْله لم تَدُم صحبته. انتهى . ٥ - (ومنها): ما قاله ابن الجوزيّ ﵀: ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نَفْرةً ممن له فضيلة، أو صلاح، ينبغي أن يبحث عن المقتضي لذلك؛ ليسعى في إزالته، حتى يتخلص من الوصف المذموم، وكذلك القول في عكسه. وقال القرطبيّ ﵀: معنى «أجناد مجندة»: أصناف مصنّفة، وقيل: أجناس مختلفة، ويعني بذلك أن الأرواح، وإن اتفقت في كونها أرواحًا، لكنها تتمايز بأمور وأحوال مختلفة، تتنوع بها، فتتشاكل أشخاص النوع الواحد، وتتناسب بسبب ما اجتمعت فيه من المعنى الخاصّ لذلك النوع للمناسبة، ولذلك نشاهد أشخاص كلِّ نوع تأْلَف نوعها، وتنفُر من مخالفها، ثم إنا نجد بعض أشخاص النوع الواحد يتآلف، وبعضها يتنافر، وذلك بحسب أمور تتشاكل فيها، وأمور تتباعد فيها، كالأرواح المجبولة على الخير، والرحمة، والشفقة، والعدل، فتجد من جُبل على الرحمة يميل بطبعه لكل من كان فيه ذلك المعنى، ويألفه، ويسكن إليه، وينفر ممن اتّصف بنقيضه، وهكذا في الجفاء والقسوة، ولذلك قد شاع في كلام الناس قولهم: المناسبة تؤلِّف بين الأشخاص، والشكل يألف شَكْله، والْمِثْل يجذب مثله، وهذا المعنى هوأحد ما حُمل عليه قوله - ﷺ -: «فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»، وعلى هذا فيكون معنى «تعارف»: تناسب، وقيل: إن معنى ذلك هو ما تعرّف الله به إليها من صفاته، ودلّها عليه من لطفه، وأفعاله، فكل رُوح عَرَف من الآخر أنه تعرّف إلى الله بمثل ما تعرّف هو به إليه، وقال الخطابيّ: هو ما خلقها الله تعالى عليه من السعادة والشقاوة في المبدأ الأول. قال القرطبيّ: وهذان القولان راجعان إلى القول الأول، فتدبّرهما. ويُستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا وَجَد من نفسه نفرة ممن له فضيلة، أو صلاح فَتَّش عن الموجب لتلك النفرة، وبَحَث عنه بنور العلم، فإنَّه ينكشف له، فيتعيّن عليه أن يسعى في إزالة ذلك، أو في تضييقه بالرياضة السياسية، والمجاهدة الشرعية، حتى يتخلّص من ذلك الوصف المذموم، فيميل لأهل الفضائل والعلوم، وكذلك القول فيما إذا وَجَد ميلًا لمن فيه شرّ، أو وصف مذموم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (١٩)

١. «كتاب الزهد الكبير» للبيهقيّ ٢/ ٣٠٠.

٢. «إسعاف ذوي الوطر في شرح ألفيّة الأثر»١/ ١٢٧ - ١٢٨.

٣. شرح الزرقانيّ» ٢/ ١٣٧.

٤. «لسان العرب» ١٣/ ٢٧٩.

٥. «فيض القدير على الجامع الصغير» للمناويّ ٣/ ٢٢٩.

٦. «القاموس المحيط» ص ١٦١٤.

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤٧٩.

٨. الشطر الثاني فيه انكسار، فليحرّر.

٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٦٦١ - ٦٦٢.

١٠. «فيض القدير» ٦/ ٢٩٥.

١١. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٤/ ٢٩٥.

١٢. «شرح النوويّ» ١٦/ ١٨٥.

١٣. «الفتح» ٥/ ٦١٧، كتاب «بدء الخلق» رقم (٣٣٣٦).

١٤. «مرقاة المفاتيح» ٨/ ٧٣٣ - ٧٣٤.

١٥. «مرقاة المفاتيح» ٨/ ٧٣٣ - ٧٣٤.

١٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١٩٨ - ٣١٩٩.

١٧. «مسند أبي يعلى» ٧/ ٣٤٤.

١٨. «فيض القدير» ١/ ٥٥٣.

١٩. «المفهم» ٦/ ٦٤٤ - ٦٤٦.