HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٥٧

حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد (واللفظ لإسحاق). قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ؛ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى. أدرك ذلك لا محالة. فزنى العينين النظر. وزنى اللسان النطق. والنفس تَمَنَّى وتشتهي. والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». قال عبد في روايته: ابن طاوس عن أبيه. سمعت ابن عباس.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص52
ج ٤ ص ٢٠٤٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٠٣
[٨٢٧] وحديث أبي هريرة ﵁: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا) ؛ فيه دلالة أن من رُكِّبت فيه شهوة النساء قلَّ ما يسلم من زنًا ظاهرٍ أو خفيٍّ، فالنظر إلى المحرم؛ والمشي إليه من دواعي الزنا، وجاز إذ كان سببا للزنا أن يسمى زنًا، فإن حقَّق ذلك بالفرج كان زنًا حقيقيا. [٨٢٨ - ٨٢٩] وحديث: (مَا مِن مَولُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ) ، احتج أهل القدر بهذا الحديث وبحديث عياض بن حمار: (إِنِّي خَلَقَتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُم)، وهو في صحيح مسلم ، قال أبو عبيد : سألت محمد بن الحسن عن معنى هذا الحديث فقال: كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل أن يؤمر المسلمون بالجهاد، كأنه يذهب إلى أنه لو كان يولد على الفطرة، ثم مات قبل أن يهوده أبواه أو ينصرانه، ما ورثهما ولا ورثاه، لأنه مسلم وهما كافران، وما كان يجوز أن يسبى، فلما نزلت الفرائض، وحُدت السنن بخلاف ذلك، علم أنه يولد على دينهما.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٤٧٠
تظاهرت الآثار، وتواترت الأخبار فيه عن السلف الأخيار الطيبين الأبرار بالاستسلام، والانقياد، والإقرار بأن علم الله سابق، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] . وقال أيضًا: وجملة القول في القدر أنه سرّ الله، لا يدرك بجدال، ولا نظر، ولا تشفي منه خصومة، ولا احتجاج، وحَسْب المؤمن من القدر أن يعلم أن الله لا يقوم شيء دون إرادته، ولا يكون شيء إلا بمشيئته، له الخلق، والأمر كلّه، لا شريك له، نظام ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾، وحَسْب المؤمن من القدر أن يعلم أن الله لا يظلم مثقال ذرّة، ولا يكلّف نفسًا إلا وسعها، وهو الرحمن الرحيم، فمن ردّ على الله تعالى خبره في الوجهين، أو في أحدهما، كان عنادًا، وكفرًا. وقد ظاهرت الآثار في التسليم للقدر، والنهي عن الجدل فيه، والاستسلام له، والإقرار بخيره وشره، والعلم بعدل مُقدِّره، وحِكْمته، وفي نقض عزائم الإنسان برهانٌ فيما قلنا، وتبيان، والله المستعان. انتهى كلام ابن عبد البرّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابٌ قُدِّرَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَى، وَغَيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣٠] (٢٦٥٧) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ -وَاللَّفْظُ لإِسْحَاقَ- قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ النُّطْقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ، أَو يُكَذِّبُهُ»، قَالَ عَبْدٌ فِي رِوَايَتِهِ: ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ طَاوُس) هو: عبد الله بن طاوس بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن عمّ رسول الله -ﷺ-، وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، ومات سنة ثمان وستين بالطائف (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وقبله بباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قَرَن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء؛ لأن المصنّف سمعه من لفظهما، ولذا قال: «حدّثنا»، وهما أخذاه قراءة، ولذا قالا: «أخبرنا»، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والابن عن أبيه، وأن ابن عباس -﵄- ذو مناقب جمّة، فقد دعا له رسول الله -ﷺ- بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال عمر -﵁-: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحدٌ، وهو أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة -﵃-، وأبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄-؛ أنه (قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ) -بفتح اللام، والميم- هو ما يُلِمّ به الشخص، من شهوات النفس، وقيل: هو مقارفة الذنوب الصغار، وقال الراغب: اللمم: مقارفة المعصية، ويُعَبَّر به عن الصغيرة، ومحصَّل كلام ابن عباس -﵄- تخصيصه ببعضها، ويَحْتَمِل أن يكون أراد: أن ذلك من جملة اللمم، أو في حكم اللمم . وقال الخطابيّ: يريد بذلك: ما عفا الله عنه من صغار الذنوب، وهو معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾، وهو ما يُلمّ به الإنسان من صغار الذنوب التي لا يكاد يَسلم منها إلا من عصمه الله، وحفظه. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «ما رأيت شيئًا أشبه باللمم»: هذا من ابن عباس -﵄- معنى تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، وهو ما دون الكبائر، والفواحش: هي الصغائر، وقال زيد بن ثابت -﵁-: هي ما ألمّوا به في الجاهلية، وقيل: هو مقاربة المعصية من غير إلمام، وقيل: الذنب الذي يُقلع عنه، ولا يُصرّ عليه، وقيل غير هذا، وأشبه هذه الأقوال القول الأول، وعليه يدلّ قوله -ﷺ-: «الصلوات الخمس مكفرات لِمَا بينهنّ؛ إذا اجتُنبت الكبائر»، والفواحش: جمع فاحشة، وهي ما يستفحش من الكبائر، كالزنا بذوات المحارم، واللواط، ونحو ذلك. انتهى . (مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-: (إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-) بكسر «إنّ» لوقوعها محكيّة بالقول، كما قال في «الخلاصة»: فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ … أَوْ حَيْثُ «إِنَّ» لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ أَوْ حُكِيَتْ بِالْقَوْلِ أَوْ حَلَّتْ مَحَلَّ … حَالٍ كَـ «زُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ» (قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ)؛ أي: أثبت في اللوح المحفوظ، (عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ)؛ أي: نصيبه (مِنَ الزِّنَى) بالقصر على الأفصح، قال القاري: والمراد من الحظّ: مقدِّمات الزنى، من التمني، والتخطي، والتكلم لأجله، والنظر، واللمس، والتخلي، وقيل: أثبت فيه سببه، وهو الشهوة، والميل إلى النساء، وخَلَق فيه العينين، والقلب، والفَرْج، وهو الذي يجد لذة الزنى، أو المعنى: قَدَّر في الأزل أن يجري عليه الزنى في الجملة. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «كتب»؛ أي: قَدَّر ذلك عليه، أو أمر الملَك بكتابته، كما تقدم بيانه في شرح حديث ابن مسعود -﵁- الماضي قريبًا، وإطلاق الزنا على اللمس، والنظر، وغيرهما بطريق المجاز؛ لأن كل ذلك من مقدماته . (أَدْرَكَ)؛ أي: أصاب ابن آدم، ووجد (ذَلِكَ)؛ أي: ما كتبه الله تعالى، وقدّره، وقضاه، أو حظه، (لَا مَحَالَةَ) -بفتح الميم- أي: لا بُدّ له من عمل ما قُدِّر عليه أنه يعمله، قاله في «الفتح»، وقال ابن بطّال: «لا محالة» يعني: لا حيلة له في التخلص من إدراك ما كُتب عليه . وقال في «العون»: «لا محالة»: بفتح الميم، ويضم ؛ أي: لا بُدّ له، ولا فِراق، ولا احتيال منه، فهو واقع البتة. انتهى . وقال المناويّ في «الفيض» : «كتب حظه من الزنا،؛ أي: خلق له الحواسّ التي بها يجد لذة الزنا، وأعطاه القوى التي بها يَقْدر عليه، وركّز في جبلّته حب الشهوات، فـ»مِن«للبيان، وهو مع مجروره حال من»حظه«، ذكره القاضي، وقوله:»أدرك ذلك لا محالة«بفتح الميم؛ أي: أصاب ذلك، ووصَل إليه البتة، و»لا، لنفي الجنس، قال الجوهريّ: حال لونه: تغيَّر، وحال عن العهد: انقلب، وحال الشيء بيننا: حجز، والْمَحالة: الحيلة، وقولهم: لا محالة؛ أي: لا بُدّ، قال البيضاويّ: وهذا استئناف جواب عمن قال: هل يخلُص ابن آدم عنه؟ وقال ابن رسلان: كلُّ ما سبق في العلم لا بدّ أن يدركه، لا يستطيع دفعه، لكن يلام على صدوره منه؛ لتمكّنه من التمسك بالطاعة، وبه تندفع شُبَهُ القدرية، والجبرية. وقال الطيبيّ: الجملة الثانية مترتبة على الأُولى، بلا حرف الترتيب؛ تعويضًا لاستفادته إلى ذهن السامع، والتقدير: كَتَب الله ذلك، وما كَتَبه لا بُدّ أن يقع. انتهى . وقال في «الفتح» نقلًا عن ابن بطال: كلُّ ما كتبه الله على الآدميّ، فهو قد سبق في علم الله، وأنه لا بُدّ أن يُدركه المكتوب عليه، وأن الإنسان لا يستطيع أن يدفع ذلك عن نفسه، إلا أنه يلام إذا واقع ما نُهِي عنه بحجب ذلك عنه، وتمكينه من التمسك بالطاعة، فبذلك يندفع قول القدريّة، والمجبرة، ويؤيده قوله: «والنفس تَمَنَّى، وتشتهي»؛ لأن الْمُشْتَهي بخلاف الْمُلْجَأ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل في «الفتح» كلام ابن بطّال، والذي رأيته في «شرحه» أن هذا كلام المهلّب، وعبارته: قال المهلَّب: وكلُّ ما كتبه الله على ابن آدم فهم سابق في علم الله، لا بدّ أن يُدركه المكتوب عليه، وأن الإنسان لا يملك دَفْع ذلك عن نفسه، غير أن الله تعالى تفضَّل على عباده، وجعل ذلك لَمَمًا وصغائر، لا يطالب بها عباده؛ إذا لم يكن للفَرْج تصديق لها، فإذا صدّقها الفرج، كان ذلك من الكبائر، رِفقًا من الله بعباده، ورحمة لهم؛ لِمَا جبلهم عليه من ضَعف الخلقة، ولو آخذ عباده باللمم، أو ما دونه من حديث النفس، لكان ذلك عدلًا منه في عباده، وحكمة، لا يُسأل عما يفعل، وله الحجة البالغة، لكن قَبِل منهم اليسير، وعفا لهم عن الكثير؛ تفضلًا منه، وإحسانًا. انتهى . (فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ)؛ أي: حظها على قصد الشهوة فيما لا يحل له، (النَّظَرُ)؛ أي: النظر إلى الأجنبية، وفي الرواية التالية: «كُتِب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مُدرِك ذلك، لا محالةَ، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرّجل زناها الْخُطا، والقلب يَهْوَى، ويتمنى، ويصدّق ذلك الفرج، ويكذبه». وقال ابن مسعود -﵁-: العينان تزنيان بالنظر، والشفتان تزنيان، وزناهما التقبيل، واليدان تزنيان، وزناهما اللمس، والرجلان تزنيان، وزناهما المشي، وقيل: إنما سميت هذه الأشياء زنا؛ لأنها دواعي إليه . (وَزِنَى اللِّسَانِ النُّطْقُ)؛ أي: التكلم على وجه الحرمة كالمواعدة. وفي رواية للبخاريّ: «المنطق»، وهو بمعنى النطق، (وَالنَّفْسُ)؛ أي: القلب، كما في الرواية التالية، ولعل النفس إذا طلبت تبعها القلب. (تَمَنَّى) بفتح أوله، على حذف إحدى التاءين، والأصل: تتمنى، كما في ﴿تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، و﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في «الخلاصة»: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ «تَبَيَّنُ الْعِبَرْ» (وَتَشْتَهِي)؛ أي: تشتاق إلى أن تقع في الزنا، والشهوة: اشتياق النفس إلى الشيء ، ولعله عَدَل عن سنن السابق؛ لإفادة التجدد؛ أي: زنا النفس تمنيها، واشتهاؤها وقوعَ الزنى الحقيقيّ . (وَالْفَرْجُ) بفتح الفاء، وسكون الراء: يُطلق على القُبُل والدبر؛ لأن كل واحد منفرجٌ؛ أي: منفتح، وأكثر استعماله في العُرف في القُبُل . (يُصَدِّقُ ذَلِكَ، أَو يُكَذِّبُهُ»)؛ أي: إن فَعَل بالفرج ما هو المقصود من ذلك، صار الفرج مصدِّقًا لتلك الأعضاء، وإن ترك ما هو المقصود من ذلك، فقد صار الفرج مكذِّبًا لها. وقال في«العمدة»: قوله:«والفرج يصدق ذلك» المذكور من زنا العين، وزنا اللسان، والتصديق بالفعل، والتكذيب بالترك، وقيل: التصديق والتكذيب من صفات الإخبار، فما معناهما هنا؟. وأجيب بأنه لمّا كان التصديق هو الحكم بمطابقة الخبر للواقع، والتكذيب الحكم بعدمها، فكأنه هو الْمُوقِع، أو الدافع، فهو تشبيه، أو لمّا كان الإيقاع مستلزمًا للحكم بها عادةً فهو كناية، انتهى . وقال الطيبيّ: سُمّيت هذه الأشياء باسم الزنا؛ لأنها مقدمات له، مؤذنة بوقوعه، ونُسِب التصديق والتكذيب إلى الفرج؛ لأنه منشؤه، ومكانه؛ أي: يصدّقه بالإتيان بما هو المراد منه، ويكذّبه بالكفّ عنه. وقيل: معناه إن فعل بالفرج ما هو المقصود من ذلك، فقد صار الفرج مصدّقًا لتلك الأعضاء، وإن ترك ما هو المقصود من ذلك، فقد صار الفرج مكذبًا. وقيل: معنى «كَتَبَ» أنه أثبت عليه ذلك، بأن خلق له الحواسّ التي يجد بها لذة ذلك الشيء، وأعطاه القوى التي بها يقدر على ذلك الفعل، فبالعينين، وبما رُكّب فيهما من القوة الباصرة، تجد لذة النظر، وعلى هذا، وليس المعنى أنه ألجأه إليه، وأجبره عليه، بل رَكَّز في جبلّته حُبّ الشهوات، ثم إنه تعالى برحمته وفضله يعصم من يشاء. وقيل: هذا ليس على عمومه، فإن الخواص معصومون عن الزنى، ومقدماته. ويَحْتَمِل أن يبقى على عمومه، بأن يقال: كتب الله تعالى على كل فرد من بني آدم صدور نفس الزنى، فمن عصمه الله عنه بفضله صدر عنه من مقدماته الظاهرة، ومن عصمه بمزيد فضله ورحمته عن صدور مقدماته، وهم خواص عباده صَدَر عنه لا محالة بمقتضى الجبلّة مقدماته الباطنة، وهي تمني النفس، واشتهاؤها. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «والفرج يصدق ذلك، أو يكذبه» يشير إلى أن التصديق هو الحكم بمطابقة الخبر للواقع، والتكذيب عكسه، فكان الفرج هو الموقع، أو الواقع، فيكون تشبيهًا. ويَحْتَمِل أن يريد: أن الإيقاع يستلزم الحكم بها عادةً، فيكون كنايةً. قال الخطابيّ: المراد باللمم: ما ذكره الله في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، وهو المعفوّ عنه، وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] فيؤخذ من الآيتين أن اللمم من الصغائر، وأنه يكفَّر باجتناب الكبائر. وقال ابن بطال: تفضَّل الله على عباده بغفران اللمم؛ إذا لم يكن للفرج تصديق بها، فإذا صدّقها الفرج كان ذلك كبيرة. ونقل الفراء أن بعضهم زعم أن «إلا» في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ بمعنى الواو، وأنكره، وقال: إلا صغائر الذنوب، فإنها تكفَّر باجتناب كبارها، وإنما أطلق عليها زنا؛ لأنها من دواعيه، فهو من إطلاق اسم المسبَّب على السبب مجازًا. انتهى . وقوله: (قَالَ عَبْدٌ)؛ أي: عبد بن حُميد شيخه الثاني، (فِي رِوَايَتِهِ: ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) غرضه من هذا بيان اختلاف شيخيه، فإسحاق قال: «عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبّاس»، فرواه بالعنعنة، وعبد بن حميد قال: «عن ابن طاوس، عن أبيه، سمعت ابن عبّاس»، فصرّح بسماع طاوس عن ابن عبّاس، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٦٧٣٠ و٦٧٣١] (٢٦٥٧)، و(البخاريّ) في «الاستئذان» (٦٢٤٣) و«القدر» (٦٦١٢)، و(أبو داود) في «النكاح» (٢١٥٣ و٢١٥٤)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٤٧٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٧٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٤١٩ و٤٤٢٠ و٤٤٢١ و٤٤٢٢ و٤٤٢٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى، (٧/ ٨٩ و١٠/ ١٨٥ - ١٨٦)، و(الطحاويّ) في»مشكل الآثار«(٣/ ٢٩٨)، و(أبو يعلى) في»مسنده« (١١/ ٣٠٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الزنا أنواع يحصل بالأعضاء المذكورة، ولكنه يكون من اللمم التي تكفَّر باجتناب الكبائر، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية. ٢ - (ومنها): إثبات القَدَر، وأن الله تعالى قدّر الأشياء، وكتبها في اللوح المحفوظ، فهي تقع بمشيئته على مقتضى عِلمه -﷾-. ٣ - (ومنها): أن في قوله: «والنفس تشتهي، والفرج يصدّق، أو يكذب» ما يُستدَلّ به على أن العبد لا يخلق فعل نفسه؛ لأنه قد يريد الزنا مثلًا، ويشتهيه، فلا يطاوعه العضو الذي يريد أن يزني به، وتُعجزه الحيلة فيه، ولا يدري لذلك سببًا، ولو كان خالقًا لفعله لَمَا عجز عن فِعل ما يريده، مع وجود الطواعية، واستحكام الشهوة، فدلّ على أن ذلك فعل مقدَّر يُقدّرها الله إذا شاء، ويُعَطِّلها إذا شاء . ٤ - (ومنها): ما قاله في «العمدة»: قوله: «زنا العين»؛ يعني: فيما زاد على النظرة الأُولى التي لا يملكها، فالمراد: النظرة على سبيل اللذة والشهوة، وكذلك زنا المنطق فيما يلتذ به، من محادثة ما لا يحل له ذلك منه، والنفس تمنَّى ذلك، وتشتهيه، فهذا كله يسمى زنًا؛ لأنه من دواعي زنا الفرج، قال: واحتجّ أشهب بقوله: «والفرج يصدّق ذلك أو يكذبه» أنه إذا قال: زَنى يدك، أو رجلك، لا يُحدّ، وخالفه ابن القاسم، وفي «التوضيح»: وقال الشافعيّ: إذا قال: زنت يدك يُحدّ، واعترض عليه بعض من عاصرناه من الشافعية، والأصح أن هذا كناية، ففي «الروضة»: إذا قال: زنت يدك، أو عينك، أو رجلك، أو يداك، أو عيناك، فكناية على المذهب، وبه قطع الجمهور؛ يعني: من الشافعية. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٣١] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَى، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى، وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ، وَيُكَذِّبُهُ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور) بن بَهْرام الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ) المغيرة بن سلمة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٣ - (وُهَيْبُ) -بالتصغير- ابن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه تغيّر قليلًا بآخَرَةٍ [٧] (ت ١٦٥) وقيل: بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤١٣. ٤ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٥ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان، تقدّم أيضًا قريبًا. و«أبو هريرة -﵁-» ذُكر قبله. وقوله: («كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: قُضي، وقُدّر عليه، وهو نصّ في الردّ على القدريّة . وقوله: (مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ) قال القرطبيّ: كذا صحّ، وهو مرفوع، على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهو مدرك ذلك، و«لا محالةَ»؛ أي: لا بدّ من وقوع ذلك منه. وقوله: (وَالْقَلْبُ يَهْوَى، وَيَتَمَنَّى)؛ يعني: أن هواه وتمنّيه هو زناه، وإنَّما أُطلق على هذه الأمور كلها زنا؛ لأنَّها مقدِّماتها؛ إذ لا يحصل الزنا الحقيقيّ في الغالب إلا بعد استعمال هذه الأعضاء في تحصيله، والزنا الحقيقيّ: هو إيلاج الفرج المحرّم شرعًا في مثله، ألا ترى قوله: (وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ، وَيُكَذِّبُهُ)؛ يعني: إن حصل إيلاج الفرج الحقيقي، تمَّ زنا تلك الأعضاء، وثبت إثمه، وإن لم يحصل ذلك، واجتنب كفّر زنا تلك الأعضاء، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٣١] . وقال النوويّ -﵀-: معنى الحديث: أن ابن آدم قُدِّر عليه نصيب من الزنى، فمنهم من يكون زناه حقيقيًّا بإدخال الفرج في الفرج الحرام، ومنهم من يكون زناه مجازًا بالنظر الحرام، أو الاستماع إلى الزنى، وما يتعلق بتحصيله،
مصادر المؤلف (٢٤)

١. «التمهيد لابن عبد البرّ»٦/ ١٣.

٢. «التمهيد لابن عبد البرّ»٦/ ١٣٩ - ١٤٠.

٣. «الفتح» ١٥/ ٢٢٨، كتاب «القدر» رقم (٦٦١٢).

٤. راجع: «عون المعبود» ٦/ ١٣٣.

٥. «المفهم» ٦/ ٦٧٣.

٦. راجع: «عون المعبود» ٦/ ١٣٣.

٧. «الفتح» ١٥/ ٢٢٨، كتاب «القدر» رقم (٦٦١٢).

٨. «شرح صحيح البخاريّ» لابن بطال ١٧/ ٢٧١.

٩. هذا فيه نظر، فإن الضم لم يذكره غيره، فليُنظر.

١٠. راجع: «عون المعبود» ٦/ ١٣٣.

١١. «فيض القدير على الجامع الصغير» ٢/ ٢٤٦.

١٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥٣٩.

١٣. «شرح صحيح البخاريّ» لابن بطال ١٧/ ٢٧١.

١٤. «عمدة القاري» ٢٣/ ١٥٧.

١٥. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٦.

١٦. «عون المعبود» ٦/ ١٣٣.

١٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٦.

١٨. «عمدة القاري» ٢٢/ ٢٤٠.

١٩. «عون المعبود» ٦/ ١٣٣.

٢٠. «الفتح» ١٥/ ٢٢٨ - ٢٢٩، كتاب «القدر» رقم (٦٦١٢).

٢١. «الفتح» ١٥/ ٢٢٩.

٢٢. «عمدة القاري» ٢٢/ ٢٤٠.

٢٣. «المفهم» ٦/ ٦٧٤.

٢٤. «المفهم» ٦/ ٦٧٤ - ٦٧٥.