HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٦٤

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عن ربيعة بن عثمان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله. ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله. وما شاء فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص56
ج ٤ ص ٢٠٥٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن ابن ماجه, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٠٨
[٨٣٣] وحديث أبي هريرة ﵁: (وَاسْتَعِن بِاللهِ وَلَا تَعجَز) ؛ فيه نفي لقول القدرية، إذ قال: (استَعِن بِاللهِ)، وفيه الأمر بالتسليم لأقدار الله إذ قال: (فَلَا تَقُل لَو أَنِّي فَعَلتُ لكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُل قَدَرُ اللهِ)؛ أي: مضى بقدر الله. ومن كتاب العلم
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٥٤٦
(٨) - (بَابٌ فِي الأَمْرِ بِالْقُوَّة، وَتَرْكِ الْعَجْز، وَالاسْتِعَانَةِ بِاللهِ تَعَالَى، وَتَفْوِيضِ الْمَقَادِيرِ للهِ -﷿-) [٦٧٥١] (٢٦٦٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ، وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيف، وَلمحي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِالله، وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ الله، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ»لَوْ«تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ -بسكون الواو- أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابد [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٢ - (رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ) بن ربيعة بن عبد الله بن الْهُدير التيميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٦]. أرسل عن سهل بن سعد، وروى عن زيد بن أسلم، وعامر بن عبد الله بن الزبير، ومحمد بن يحيىى بن حبان، وابن المنكدر، ونافع، وهشام بن عروة. وروى عنه ابن عجلان، وهو من أقرانه، وابن المبارك، وابن إدريس، وابن أبي فُديك، ووكيع، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: إلى الصدق ما هو، وليس بذاك القويّ، وقال أبو حاتم: منكَر الحديث، يُكتب حديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن سعد عن الواقديّ: وكان ثقةً، قليل الحديث، وكان فيه عسر، وقال ابن وضاح: سمعت ابن نمير يقول: ربيعة بن عثمان ثقةٌ، وقال مسعود السجزيّ عن الحاكم: كان من ثقات أهل المدينة، ممن يُجمع حديثه، وذَكَره ابن حبان في «الثقات». وقال الواقديّ: مات سنة (١٥٤) وهو ابن سبع وسبعين سنةً، وكذا أرّخه ابن حبان في «الثقات». أخرج له المصنّف، والنسائيّ في «اليوم والليلة»، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث الواحد فقط، قال الحافظ: ووقع له ذِكر في البخاريّ ضمنًا في إثر علّقه. انتهى. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة - ابن مُنقِذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيةٌ [٤] (١٢١) وهو ابن أربع وسبعين سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٥٠. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من ربيعة، والباقون كوفيّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: محمد بن يحيىى عن الأعرج، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في عصره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ)؛ أي: القادر على تكثير الطاعة، وهو مبتدأ خبره قوله: (خَيْرٌ)، وقوله: (وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ) عَطْف تفسير لـ»خير«، (مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ) متعلّق بـ»أحبّ«؛ أي: العاجز عن تكثير الطاعة، (وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ)؛ أي: أصل الخير موجود في كل منهما. وقال النوويّ -﵀-: القوة هنا يراد بها عزيمة النفس في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا أكثر إقدامًا على الغزو، والجهاد، وأسرع خروجًا وذهابًا في طلبه، وأشدَ عزيمةً في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاقّ في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة، والصوم، والأذكار، وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها، ومحافظةً عليها، ونحو ذلك. وقوله: «وفي كل خيرٌ» معناه: في كل من القويّ والضعيف خير؛ لاشتراكهما في الإيمان، مع ما يأتي به الضعيف من العبادات. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «المؤمن القويّ خيرٌ إلخ»؛ أي: القويّ البدن، والنفس، الماضي العزيمة، الذي يَصلح للقيام بوظائف العبادات، من الصوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على ما يُصيبه في ذلك، وغير ذلك مما يقوم به الدِّين، وتنهض به كلمة المسلمين، فهذا هو الأفضل، والأكمل، وأما من لم يكن كذلك من المؤمنين، ففيه خيرٌ من حيث كونه مؤمنًا، قائمًا بالصلوات، مكثّرًا لسواد المسلمين، ولذلك قال - ﷺ -: «وفي كل خيرٌ»، لكنه قد فاته الحظ الأكبر، والمقام الأفخر. انتهى . وقال الطيبيّ -﵀-: قيل: أراد بالمؤمن القويّ: الذي قوي في إيمانه، وصَلُب في إيقانه بحيث لا يرى الأسباب، ووَثِق بمسبِّب الأسباب، والمؤمن الضعيف بخلافه، وهو أدنى مراتب الإيمان. قال: ويمكن أن يُذهَب إلى اللفّ والنشر، فيكون قوله: «احرص على ما ينفعك» بيانًا للقويّ، وقوله: «ولا تعجز» بيانًا للضعيف. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: «لا يرى الأسباب» إن أراد أنه لا يعتمد على الأسباب، فمسلَّم، وإن أراد أنه لا يأخذ بالأسباب أصلًا، فهذا لا مدح فيه؛ لأنه خلاف هدي النبيّ - ﷺ -، فإنه - ﷺ - كان يأخذ بالأسباب، ويحثّ عليها، وهو سيّد المتوكلين. وبالجملة فالواجب على العبد أن يأخذ بالأسباب، ولا يعتمد عليها، بل يعتمد على الله -﷾ -، والله تعالى أعلم. وقال القاري -﵀-: قيل: المراد بالمؤمن القويّ: الصابر على مخالطة الناس، وتحمّل أذيّتهم، وتعليمهم الخير، وإرشادهم إلى الهدى، ويؤيّده ما أخرجه أحمد وغيره، عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا: «المؤمن الذي يُخالط الناس، ويصبر على أذاهم أفضل عن المؤمن الذي لا يُخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم» . (احْرِصْ) بكسر الراء، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾ [النحل: ٣٧]، ويجوز فتحها، ففي القاموس: الْحِرْصَ بالكسر: الْجَشَعُ، وقد حَرَصَ، كضرب، وسَمِع، فهو حريص، وزاد في «التاج» ضبطًا ثالثًا، وهو كنصر. [تنبيه]: اختُلِف في اشتقاق الحْرِصْ -بكسر، فسكون- وهو الْجَشَعُ، فقيل: مشتق عن حَرَصَ القصّارُ الثوبَ: إذا قشره بدقّة، وهذا قول الراغب، وقال الأزهريّ: أصلُ الحرص: الشقّ، وقيل للشَّرِهِ: حريصٌ؛ لأنه يَقشِر بحرصه وجوهَ الناس، وقيل: هو مأخوذ من السحابة الحارصة التي تقشر وجه الأرض، كأن الحارص ينال من نفسه بشدّة اهتمامه بتحصيل ما هو حريصٌ عليه، وهذا قول صاحب «الاقتطاف»، وقد نقله محمد بن الطيب الفاسي في شرح «القاموس»، واستبعده . والمعنى: كن حريصًا (عَلَى مَا يَنْفَعُكَ)؛ أي: من أمور الدين والدنيا، (وَاسْتَعِنْ بِاللهِ)؛ أي: على فِعلك، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، (وَلَا تَعْجِزْ) بكسر الجيم، ومنه قوله -﷿ -: ﴿أَعَجَزْتُ﴾ [المائدة: ٣١]، ويجوز فتحها على قلّة، ففي «القاموس»: عَجَز كضرب، وسَمِع ؛ أي: ولا تعجز عن الحرص، والاستعانة، فإن الله -﷾ - قادر على أن يعطيك قوّة على طاعته؛ إذا استقمت على استعانته، وقيل: معناه: لا تعجز عن العمل بما أُمرت، ولا تتركه مقتصرًا على الاستعانة به، فإن كمال الإيمان أن يُجمَع بينهما. قال الطيبيّ: -﵀-: يمكن أن يُذهب إلى اللفّ والنشر، فيكون قوله: «احرص على ما ينفعك»؛ أي: لا تترك الجهد بيانًا للقويّ، وقوله: «ولا تعجز» بيانًا للضعيف . وقال النوويّ: معناه: احرص على طاعة الله تعالى، والرغبة فيما عنده، واطلب الإعانة من الله تعالى على ذلك، ولا تعجز، ولا تَكْسِل عن طلب الطاعة، ولا عن طلب الإعانة. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «احرص على ما ينفعك إلخ»؛ أي: استعمل الحرص، والاجتهاد في تحصيل ما تنتفع به في أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك، وصيانة عيالك، ومكارم أخلاقك، ولا تفرّط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه متّكلًا على القدر، فتُنْسَب للتقصير، وتلام على التفريط شرعًا وعادةً، ومع إنهاء الاجتهاد نهايته، وإبلاغ الحرص غايته، فلا بدّ من الاستعانة بالله تعالى، والتوكّل عليه، والالتجاء في كل الأمور إليه، فمن سلك هذين الطريقين حصل على خير الدارين. انتهى . (وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ)؛ أي: من المكروه الدينيّ، أو الدنيويّ، وفي رواية لابن ماجه من طريق ابن عجلان، عن الأعرج: «فإن غلبك أمرٌ»، (فَلَا تَقُلْ: لَوْ) شرطيّة، وجوابها «كان كذا وكذا»، (أَنِّي فَعَلْتُ) مفعوله محذوف؛ أي: كذا وكذا، (كَانَ)؛ أي: لصار (كَذَا وَكَذَا)؛ أي: لا تقل هذا القول متأسّفًا على ما فات، فإن هذا القول غير سديد، ومع هذا غير مفيد، فقد قال تعالى جل شأنه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، وقد قال: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]، وقال - ﷺ -: «ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». وقال الطيبيّ -﵀-: أي: لو كان الأمر لي، وكنت مستبدًّا بالفعل والترك كان كذا وكذا، وفيه تأسّف على الفائت، ومنازعة للقدر، وإيهام بأن ما يفعله باستبداده، ومقتضى رأيه خير مما ساقه القدر إليه، من حيث إن «لو» تدلّ على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيما مضى، ولذلك استكرهه، وجعله يفتح عمل الشيطان. انتهى . (وَلَكِنْ قُلْ)؛ أي: بلسان القال، أو لسان الحال، قاله القاري، والأول أظهر. (قَدَرُ اللهِ) يَحْتَمِل أن يكون اسمًا بمعنى التقدير، مضافًا إلى الجلالة، وهو خبرٌ لمحذوف؛ أي: هذا الأمر الذي أصابني قَدَرُ الله تعالى؛ أي: تقدير منه -﷾-، أو هو مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: قَدَرُ الله تعالى أصابني. وَيحْتَمل أن يكون فعلًا ماضيًا بتشديد الدال، وتخفيفها، ورفع الجلالة على الفاعليّة؛ أي: قدّر الله عليّ هذا الأمر، وقع ذلك بمقتضى قضائه، وعلى وفِق قَدَره، ويؤيّد هذا الوجه ليتناسب مع قوله: «وما شاء فعل». (وَمَا شَاءَ) وفي نسخة: «وما شاء الله»، (فَعَلَ) بحذف العائد؛ أي: فعله، فإنه فعّال لِمَا يريد، ولا رادّ لقضائه، ولا معقِّب لحكمه. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «وإن أصابك شيء فلا تقل إلخ»؛ يعني: أن الذي يتعيّن بعد وقوع المقدور التسليمُ لأمر الله تعالى، والرضا بما قدّره، والإعراض عن الالتفات لِمَا مضى وفات، فإن افتكر فيما فاته من ذلك، وقال: لو أني فعلت كذا لكان كذا، جاءته وساوس الشيطان، ولا تزال به حتى تُفضي به إلى الخسران؛ لِتعارُض توهّم التدبير سابق المقادير، وهذا هو عمل الشيطان الذي نَهَى عنه النبيّ -﵀- بقوله: «فلا تقل: لو … فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان»، ولا يُفهم من هذا: أنه لا يجوز النطق بـ «لو» مطلقًا؛ إذ قد نطق بها النبيّ - ﷺ -، فقال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أَسُق الهدي، ولجعلتها عمرة» ، و«لو كنت راجمًا أحدًا بغير بيّنة لرجمت هذه» . وقال أبو بكر - ﵁ -: «لو أنّ أحدهم نظر إلى رجليه لرآنا»، ومثله كثير؛ لأنَّ محل النهي عن إطلاقها إنما هو فيما إذا أُطلقت في معارضة القدر، أو مع اعتقاد أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور، فأمَّا لوأخبر بالمانع على جهة أن تتعلّق به فائدة في المستقبل، فلا يُختلَف في جواز إطلاقه؛ إذ ليس في ذلك فتحٌ لعمل الشيطان، ولا شيء يُفضي إلى ممنوع، ولا حرام، والله تعالى أعلم. انتهى . (فَإِنَّ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن («لَوْ)؛ أي: كلمة»لو«الشرطيّة، (تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ») وفي رواية ابن ماجه المذكورة: «وإيّاك واللّوّ، فإن اللَّوّ تفتح عمل الشيطان»، قال الشاطبيّ -﵀-: «لِمَ»، و«لو»، و«ليت» تورث القلب انفلاقًا. وقال بعض شراح «المصابيح»؛ أي: إن قول «لو»، واعتقاد معناها يُفضي بالعبد إلى التكذيب بالقدر، أو عدم الرضا بصنع الله تعالى؛ لأن القدر إذا ظهر بما يَكره العبد قال: لو فعلت كذا لم يكن كذا، وقد قَدَّر في علم الله أنه لا يفعل إلا الذي فَعَل، ولا يكون إلا الذي كان، وقد أشار بقوله قبل ذلك: «ولكن قدّر الله، وما شاء فعل»، ولم يُرد كراهة التلفظ بـ «لو» في جميع الأحوال، وسائر الصور، وإنما عني الإتيان بها في صيغة تكون فيها منازعة القدر، والتأسف على ما فاته من أمور الدنيا، وإلا فقد ورد في القرآن، مثل: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وفي الحديث: «لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ»؛ لأنه لم يُرد به منازعة القدر. وقال القاضي -﵀-: قوله: «فإن لو تفتح»؛ أي: لو كان الأمر لي، وكنت مستبدًّا بالفعل والترك، كان كذا وكذا، وفيه تأسّف على الفائت، ومنازعة للقدر، وإيهام بأن ما كان يفعله باستبداده، ومقتضى رأيه خير مما ساقه القدر إليه، من حيث إن «لو» تدلّ على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيما مضى، ولذلك استكرهه، وجعله مما يَفتح عمل الشيطان، وقوله في حديث فسخ الحج إلى العمرة: «ولو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ»، ليس من هذا القبيل، وإنما هو كلام قُصد به تطييب قلوبهم، وتحريضهم على التحلل بأعمال العمرة. وقال القاضي عياض -﵀-: قال بعض العلماء: هذا النهي إنما هو لمن قاله معتقدًا ذلك حتمًا، وأنه لو فَعَل ذلك لم تُصبه قطعًا، فأما من رَدّ ذلك إلى مشيئة الله تعالى بأنه لن يصيبه إلا ما شاء الله، فليس من هذا، واستَدَلَّ بقول أبي بكر الصديق - ﵁ - في الغار: «لو أن أحدهم رفع رأسه لرآنا». قال القاضي: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه إنما أخبر عن مُستَقبَلٍ، وليس فيه دعوى لردّ قدر بعد وقوعه، قال: وكذا جميع ما ذكره البخاري في «باب ما يجوز من اللَّوّ»، كحديث: «لولا حِدْثانُ عهد قومك بالكفر، لأتممت البيت على قواعد إبراهيم»، و«لو كنت راجمًا بغير بيِّنة لرجمت هذه»، و«لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك»، وشِبْه ذلك، فكله مستقبل لا اعتراض فيه على قدر، فلا كراهة فيه؛ لأنه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان يَفعَل لولا المانع، وعما هو في قدرته، فأما ما ذهب فليس في قدرته. قال القاضي: فالذي عندي في معنى الحديث أن النهي على ظاهره وعمومه، لكنه نهي تنزيه، ويدل عليه قوله - ﷺ -: «فإن»لو«تفتح عمل الشيطان». انتهى. قال النوويّ بعد نقل كلام القاضي ما نصّه: وقد جاء من استعمال «لو» في الماضي قوله - ﷺ -: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي»، وغير ذلك، فالظاهر أن النهي إنما هو عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه، فيكون نهيَ تنزيه لا تحريم، فأما من قاله تأسفًا على ما فات من طاعة الله تعالى، أو ما هو متعذر عليه من ذلك، ونحو هذا، فلا بأس به، وعليه يُحمَل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث. انتهى كلام النوويّ -﵀- . وهو بحثٌ نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم. [فائدة مهمّة]: إنما دخلت «ال» على دالو«في رواية ابن ماجه المتقدّمة؛ لأنها أُريد لفظها، فاستُعملت استعمال الأسماء، وهذه قاعدة عامّة في كل ما أريد لفظه، سواء كان حرفًا، أو غيره، قال ابن مالك -﵀- في»شرح الكافية«: وإذا نُسب إلى حرف أو غيره حكمٌ هو للفظه دون معناه جاز أن يُحكى، وجاز أن يُعرب بما يقتضيه العوامل، فمن الحكاية قول النبيّ - ﷺ -:»إياك و«لو»، فإن «لو» تفتح عمل الشيطان«، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: بُثَيْنُ الْزَمِي«لا»إِنَّ«لا»إِنْ لَزِمْتِهِ … عَلَى كَثْرَةِ الْوَاشِينَ أيُّ مَعُونِ ومن الأعراب قول الشاعر [من الخفيف]: لَيْتَ شِعْرِي وَأَيْنَ مِنِّي«لَيْتٌ»… إِنَّ«لَوًّا»وَإِنَّ«لَيْتًا»عَنَاءُ وفي حديث رسول الله - ﷺ -:«ونهاكم عن قِيلَ وقَالَ»على الحكاية، و«عن قيلٍ وقالٍ على الإعراب. وإذا كانت الكلمة على حرفين ثانيهما حرف لِيْن، وجُعلت اسمًا ضُعِّف ثانيهما، فقيل في «لَو»: «لَوٌّ»، وفي «في»: فِيٌّ، وفي «ما»: «ماءٌ»، فُعِل بألف «ما» من التضعيف ما فُعِل بواو «لو»، وياء «في»، فاجتمعت ألِفان، فقُلبت الثانية همزةً. ثم إنّ الأداة التي يُحكم لها بالاسميّة في هذا الاستعمال إن أُوّلت بـ «كلمة» مُنِعَ الصرف، وجاز أيضًا إن كانت ثُلاثيّة ساكنة الوسط، وإن أُوّلت بـ «لفظ» صُرِفت قولًا واحدًا. وإلى هذا أشار في «الكافية» بقوله: وَإِنْ نَسَبْتَ لأَدَاةٍ حُكْمَا … فَابْنِ أَوَ اعْرِبْ وَاجْعَلَنَّهَا اسْمَا وَضَعِّفَنْ ثَانِيَ «فِي» و«لَو» و«مَا» … وِشِبْهِهَا وَإِنْ نَوَيْتَ الْكَلِمَا فَأَنِّثَنْ وَذَكِّرِ إنْ لَفْظٌ قُصِدْ … وَصَرْفٌ اوْ مَنْعٌ عَلَى ذَيْنِ يَرِدْ انتهى كلام ابن مالك رحمه الله تعالى . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٦٧٥١] (٢٦٦٤)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (١٠٤٥٧ و١٠٤٦١)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (٧٩) وفي «الزهد» (٤١٦٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٦٦ و٣٧٠)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٤٧٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١١٢٤ و٢٣٠)، و(ابن حبّان«في»صحيحه«(٥٧٢١ و٥٧٢٢) وابن أبي عاصم في»السُّنَّة«(٣٥٦)، و(الطحاويّ) في»مشكل الآثار«(٢٥٩ و٢٦٠ و٢٦١ و٢٦٢)، و(أبو نعيم) في»الحلية«(١٠/ ٢٩٦)، و(اللالكائيّ) في»اعتقاد أهل السُّنَّة«(١٠٢٨)، و(ابن أبي عاصم) في»السُّنَّة«(٣٥٦)، و(البيهقيّ) في»الكبرى«(١٠/ ٨٩) وفي»الأسماء والصفات«(١/ ٢٦٣) وفي»شُعب الإيمان«(١/ ٢١٦) وفي»الاعتقاد«(١/ ١٥٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الإيمان بالقدر. ٢ - (ومنها): بيان فضل المؤمن القويّ على غير القويّ؛ لأنه ينفع نفسه، وينفع المؤمنين. ٣ - (ومنها): بيان فضل الإيمان، وإن كان صاحبه ضعيفًا. ٤ - (ومنها): الحثّ على الحرص على تحصيل ما ينفع المؤمن من خير الدنيا والآخرة، وعدم التواني في طلب ذلك. ٥ - (ومنها): الحثّ على الاستعانة بالله -﷾ - في تحقيق ما يريده؛ لأن مجرّد الحرص لا يُجدي شيئًا إلا بعون من الله تعالى على حصوله، بل يكون حرصه وبالًا عليه، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال أمن الطويل،: إِذَا كَانَ عَوْنُ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مُسْعِفًا … تَهَيَّا لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ مُرَادُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللَّهِ لِلْفَتَى … فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ٦ - (ومنها): ذمّ العجز، والتواني في طلب المنافع. ٧ - (ومنها): أنه إذا وقع بعد حرصه على طلب ما ينفعه خلاف مطلوبه، لا ينبغي له التأسّف، وقول: «لوأني فعلتُ كذا كان كذا» تسخّطًا لقدر الله تعالى، بل الواجب أن يستسلم لقضائه وقدره، ولا يتسخّط؛ لأن الله -﷾ - أعلمُ بمصالح عباده، فربما يكون عكس ما حرص عليه خيرًا إما في الدنيا، وإما في الآخرة، قال الله -﷿ -: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]. وقال: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، بل الواجب عليه حينئذ أن يقول: «قدّر الله، وما شاء فعل». والحاصل: أن نزول المكروه الدنيوي على العبد المؤمن خير له؛ لأنه إنما أصابه بما كسب من المخالفات، كما قال الله -﷾ -: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]، ثم إن هذا الذي أصابه إما أن يكون تكفيرًا لِمَا اقترفه من السيئات، وهذا مطلب عظيم، وإما أن يكون رفعًا لدرجاته، وهذا أعلى وأغلى، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): أن قول العبد: «لو فعلت كذا» يفتح عليه باب الشيطان؛ إذ يحمله على تسخّط ما قدّر الله تعالى عليه، والتبرّم منه، وعدم الرضا بالقضاء، وسوء الظنّ بربه -﷾ -، وكلها من نزغات الشيطان، فلا ينبغي للعبد أن يفتح بابها؛ إذ يخسر دنياه وآخرته، نسأل الله -﷾ - أن يجعلنا من عباده الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الآية [الحجر: ٤٢]، وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٩]، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. * * *
مصادر المؤلف (١٦)

١. وفي نسخة: «وما شاء الله».

٢. «شرح مسلم»١٦/ ٢١٥.

٣. «المفهم»٦/ ٦٨٢.

٤. «الكاشف عن حقائق السنن»١٠/ ٣٣٣٤.

٥. حديث صحيح، رواه أحمد في «المسند» رقم (٥٠٢٢ و٢٣١٥٩).

٦. راجع: «تاج العروس في شرح القاموس» ٤/ ٣٧٨.

٧. كونه كسمع لغة رديئة، كما في «التاج».

٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣٣٣٤.

٩. «شرف النوويّ» ١٦/ ٢١٥.

١٠. «المفهم» ٦/ ٦٨٢ - ٦٨٣.

١١. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣٣٣٥.

١٢. متّفقٌ عليه.

١٣. متّفقٌ عليه.

١٤. «المفهم»٦/ ٦٨٣.

١٥. «شرح مسلم» ١٦/ ٢١٦.

١٦. «شرح الكافية الشافية»٤/ ١٧١٦ - ١٧٢٤ في«باب الحكاية».