HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٦٩

حدثني سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ. حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ «لتتبعن سنن الذين من قبلكم. شبرا بشبر، وذراعا بذراع. حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم» قلنا: يا رسول الله! آليهود والنصارى؟ قال «فمن؟».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص57
ج ٤ ص ٢٠٥٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٠٩
[٨٣٦] وفي حديث أبي سعيد : دلالة أن هذه الأمة تركب من البدع والذنوب ما ركبه من كان قبلهم، وفي الحديث دلالة على كراهة النبي ﷺ للاختلاف في الدين.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٥٩٩
(٣) - (بَابُ اتِّبَاعِ سُنَنِ الْيَهُود، وَالنَّصَارَى) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٥٨] (٢٦٦٩) - (حَدَّثَنِي سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي زيدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْهَرَويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ، ويقال له: الأنباريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقَيليّ -بالضم - أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ رُبّما وَهِمِ [٨] (ت ١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦١. ٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ، مولى عمر، أبو عبد الله، وأبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، وكان يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة - ﵂ -، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] (٩٤) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك - ﵄ -، تقدّم قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من زيد، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد - ﵁ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَتَتَّبِعُنَّ) بمثناتين مفتوحتين، ثم موحّدة مكسورة، وعين مهملة مضمومة، ونون ثقيلة، وأصله تتّبعون. (سَنَنَ) بالسين المهملة، والنون، بعدها نون أخرى؛ أي: طريق، وقال في«العمدة»:«السنن»بفتح السين: السبيل والمنهاج، وقال الكرمانيّ: ويروى بالضم . وقال النوويّ ﵀:«السنن»بفتح السين، والنون، وهو الطريق، والمراد بالشبر، والذراع، وجُحْر الضبّ: التمثيل بشدّة الموافقة لهم، والمراد: الموافقة في المعاصي، والمخالفات، لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله - ﷺ -، فقد وقع ما أخبر به - ﷺ -. انتهى . وقال الطيبيّ ﵀:«السُّنَن»جمع سُنّة، وهي الطريقة حسنةً كانت أو سيّئةً، والمراد بها هنا: طريقة أهل الأهواء والبِدَع التي ابتدعوها من تلقاء أنفسهم بعد أنبيائهم، من تغيير دِينهم، وتحريف كتابهم، كما أتى علي بني إسرائيل حذو النعل بالنعل. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله:«لتتبعن سنن الذين من قبلكم»قيَّدناه«سَنَن»بفتح السين، وهو الطريق، وبضمّها، وهو جمع سنّة، وهي الطريقة المسلوكة، وذِكر الشبر، والذراع، والْحُجْر أمثال تفيدُ أن هذه الأمة يطرأ عليها من الابتداع، والاختلاف، مثل الذي كان وقع لبني إسرائيل، وقد رَوَى الترمذيّ هذا المعنى بأوضح من هذا، فقال:«ليأتينّ على أمي ما أتى على بني إسرائيل، حَذْوَ النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من يأتي أمه علانية، لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرّقت على ثنتين وسبعين ملّةً، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين، كلها في النار، إلا واحدة»، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال:«ما أنا عليه وأصحابي»، خرّجه من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -، وقد رواه أبو داود من حديث معاوية بن أبي سفيان، وقال:«اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة»؛ يعني: جماعة أصحابي، ومن تابعهم على هديهم، وسلك طريقهم، كما قال في حديث الترمذيّ. وقد تبيّن بهذه الأحاديث أن الافتراق المحذَّر منه إنما هو في أصول الدِّين وقواعده؛ لأنه قد أَطلق عليها مِللًا، وأخبر أن التمسّك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار، ومثل هذا لا يقال على الاختلاف في الفروع، فإنه لا يوجب تعدّد الملل، ولا عذاب النار، وإنما هو على أحد المذهبين السابقَين: إما مُصيب، فله أجران، وإما مخطئ، فله أجر، على ما ذكرناه في الأصول. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) وقال في «الفتح»: قوله: «سنن» بفتح السين للأكثر، وقال ابن التين: قرأناه بضمها، وقال المهلّب: بالفتح أَولى؛ لأنه الذي يُستعمل فيه الذراع والشِّبر، وهو الطريق، قال الحافظ: وليس اللفظ الأخير ببعيد من ذلك، وقوله: (شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ) قال الطيبيّ ﵀: حال مثل «يدًا بيد» . وقال في «العمدة»: نُصِب بنزع الخافض، تقديره: لتتبعن سَنَن من قبلكم اتباعًا بشبر ملتبس بشبر، وذراعٍ ملتبس بذراع، وهذا كناية عن شدة الموافقة لهم في المخالفات، والمعاصي، لا في الكفر، وكذلك قوله: «لو سلكوا جحر ضب» بضم الجيم وسكون الحاء، والضب دويبة تُشبه الوَرَلَ، تأكله الأعراب، والأنثى ضبَّة، قال ابن خالويه: يعيش سبعمائة سنة، فأكثر، ولا يشرب ماءً ، وخصّ، وتقول العرب: هو قاضي الطير والبهائم، يقولون: اجتمعت إليه أول ما خلق الله الإنسان، فوصفته له، فقال الضب: تَصِفُون خَلْقًا يُنزل الطير من السماء، ويُخرج الحوت من الماء، فمن كان له جناح فليطر، ومن كان ذا مِخلب فليحتفر. ووجه التخصيص بجحر الضب؛ لشدة ضيقه، ورداءته، ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم، واتباعهم طرائقهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لوافقوهم. انتهى . وفي رواية للبخاريّ: «شبرًا شبرًا، وذراعًا ذراعًا»، قال عياض: الشبر، والذراع، والطريق، ودخول الْجُحْر تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء، مما نَهَى الشرع عنه وذمّه. (حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ) بضمّ الجيم، وسكون الحاء المهملة، (ضَبٍّ) بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الموحّدة: دُويبة معروفة، يقال: خُصّت بالذِّكر؛ لأن الضب يقال له: قاضي البهائم، قال الحافظ: والذي يظهر أن التخصيص إنما وقع لِجُحر الضب؛ لشدّة ضيقه، ورداءته، ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم، واتّباعهم طرائقهم، لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لتبعوهم. انتهى . وقال المناويّ ﵀: قوله: «حتى لو دخلوا جحر ضبّ إلخ» مبالغة في الاتباع، فإذا اقتصروا في الذي ابتدعوه، فستقتصرون، وإن بسطوا فستبسطوا، حتى لو بلغوا إلى غاية لبلغتموها، حتى كانت تقتل أنبياءها، فلما عصم الله رسوله - ﷺ - قتلوا خلفاءه؛ تحقيقًا لصدق الرسول - ﷺ -. انتهى . وقال الصنعانيّ ﵀: الحديث إعلام، وإخبار بأن الأمة، والمراد غالبها تُشابِه الأمم في المعاصي، وباقي أنواع ما يأتونه غير الكفر، وهو تحذير عن تَشابُه من قبلهم في أفعالهم، وأخلاقهم، وقد صدق إخباره - ﷺ -، فقد سلك الناس مسالك الأمم في الابتداع، والاتّساع، وإقامة الحدود على الضعفاء، دون الشرفاء، وقبول الرِّشا، والاتّساع في شهوات الدنيا، وزخرفة المساجد، واتخاذ القبور أوثانًا، وغير ذلك مما يعرفه كل عارف. انتهى . (لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا) قال الحافظ ﵀: لم أقف على تعيين القائل، (يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟)؛ أي: أتعني بمن نتّبعهم اليهود والنصارى؟، فأجابهم، فـ (قَالَ) - ﷺ -: («فَمَنْ؟ ») استفهام إنكار، والتقدير: فإن لم أُرِدْهم فمن سواهم؟ أي: ليس المراد غيرهم . وقد أخرج الطبرانيّ من حديث المستورِد بن شدّاد، رفعه:«لا تترك هذه الأمة شيئًا من سَنَن الأولين حتى تأتيه»، ووقع في حديث عبد الله بن عمرو عند الشافعيّ، بسند صحيح:«لتركبُنّ سنة من كان قبلكم حُلْوها، ومُرّها»، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٦٧٥٨ و٦٧٥٩] (٢٦٦٩)، و(البخاريّ) في«الأنبياء»(٣٤٥٦) و«الاعتصام»(٧٣٢٠)، و(الترمذيّ) في«الفتن»(٢١٩٥)، و(الطيالسيّ) في«مسنده»(٢١٧٨)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(١١/ ٣٦٩)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٣٠٤ و٣٧٢ و٥٢٣ و٣/ ٨٤ و٨٩ و٩٤)، و(ابن أبي عاصم) في«السُّنَّة»(٧٤ و٧٥) وفي«الزهد»(٢١٨)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦٧٠٣)، و(الفريابيّ) في«صفة المنافق»(١٠١)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة» (٤١٩٦ و٤٢٢٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه بيان عَلَم من أعلام النبوّة، ومعجزة من معجزات النبيّ - ﷺ -، حيث أخبر مآل أمته، وأنها تتبع سنن الأمم الماضية، في قليلها، وكثيرها، فوقع كما أخبر - ﷺ -. ٢ - (ومنها): ما قاله المناويّ ﵀: هذا الحديث لفظه لَفْظ الخبر، ومعناه النهي عن اتباعهم، ومنعهم من الالتفات لغير دين الإسلام؛ لأن نوره قد بَهَر الأنوار، وشريعته نسخت الشرائع، وذا من معجزاته - ﷺ -، فقد اتبع كثير من أمته سنن فارس في مشيهم، ومراكبهم، وملابسهم، وإقامة شعارهم في الحروب، وغيرها، وأهلِ الكتابين في زخرفة المساجد، وتعظيم القبور، حتى عبدها العوامّ، وقبول الرشا، وإقامة الحدود على الضعفاء دون الأقوياء، وترك العمل يوم الجمعة، والتسليم بالأصابع، وعدم عيادة المريض يوم السبت، والسرور بخميس البِيض، وأن الحائض لا تمس عجينًا، إلى غير ذلك، مما هو أشنع، وأبشع. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال ﵀: أَعْلَم النبيّ - ﷺ - أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور، والبدع، والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شرّ، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدِّين إنما يبقى قائمًا عند خاصّة من الناس. قال الحافظ ﵀: وقد وقع معظم ما أنذر به - ﷺ -، وسيقع بقية ذلك. ٤ - (ومنها): أن البخاريّ ﵀ أخرج عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع»، فقيل: يا رسول الله، كفارس، والروم؟ فقال: «ومَنِ الناسُ إلا أولئك؟» . فقال الكرمانيّ: حديث أبي هريرة - ﵁ - مغاير لحديث أبي سعيد؛ لأن الأول فُسِّر بفارس والروم، والثاني باليهود والنصارى، ولكن الروم نصارى، وقد كان في الفرس يهود، أوْ ذَكَر ذلك على سبيل المثال؛ لأنه قال في السؤال: كفارس؟ انتهى. قال الحافظ: ويعكر عليه جوابه - ﷺ - بقوله: «ومَن الناس إلا أولئك»؛ لأن ظاهره الحصر فيهم، وقد أجاب عنه الكرمانيّ بأن المراد: حصر الناس المعهود من المتبوعين. قلت : ووجهه أنه - ﷺ - لَمّا بُعث كان مُلكُ البلاد منحصرًا في الفرس والروم، وجميع مَن عداهم من الأمم مِن تحت أيديهم، أو كل شيء بالنسبة إليهم، فصحّ الحصر بهذا الاعتبار. ويَحْتَمِل أن يكون الجواب اختَلَف بحسب المقام، فحيث قال: فارس والروم، كان هناك قرينة تتعلق بالحكم بين الناس، وسياسة الرعية، وحيث قيل: اليهود والنصارى، كان هناك قرينة تتعلق بأمور الديانات: أصولها وفروعها، ومن ثم كان في الجواب عن الأول: «ومَن الناس إلا أولئك»، وأما الجواب في الثاني بالإبهام، فيؤيد الحمل المذكور، وأنه كان هناك قرينة تتعلق بما ذكرت. [تنبيه]: استَدَلّ ابن عبد البرّ ﵀ في «باب ذم القول بالرأي إذا كان على غير أصل» بما أخرجه من جامع ابن وهب: أخبرني يحيى بن أيوب، عن هشام بن عروة، أنه سمع أباه يقول: لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيمًا حتى حَدَث فيهم المولَّدون، أبناء سبايا الأمم، فأحدثوا فيهم القول بالرأي، وأضلوا بني إسرائيل، قال: وكان أبي يقول: السننَ السننَ، فإن السنن قِوَام الدِّين. وعن ابن وهب: أخبرني بكر بن مضر، عمن سمع ابن شهاب الزهريّ، وهو يذكر ما وقع الناس فيه من الرأي، وتركهم السنن، فقال: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي كان بأيديهم، حين استقلّوا الرأي، وأخذوا فيه. وأخرج ابن أبي خيثمة من طريق مكحول، عن أنس، قيل: يا رسول الله، متى يُترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، إذا ظهر الإدهان في خياركم، والفحش في شراركم، والملك في صغاركم، والفقه في رذالكم». وفي «مصنَّف قاسم بن أصبغ» بسند صحيح، عن عمر: «فساد الدين إذا جاء العلم من قِبَل الصغير، استعصى عليه الكبير، وصلاح الناس إذا جاء العلم من قبل الكبير، تابعه عليه الصغير»، وذكر أبو عبيد: أن المراد بالصِّغَر في هذا: صِغَر القَدْر، لا السنّ، والله تعالى أعلم . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ -وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ. قَال أبو إسْحاقَ، إبراهيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحيى، حَدَّثَنا ابنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثنا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثنا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عطاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَذَكَرَ الحَدِيثَ، نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الْجُمَحيّ بالولاء، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٤) وله ثمانون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٢/ ١٨٨. ٢ - (أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ) هو: محمد بن مُطَرِّف بن داود الليثيّ المدنيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ [٧] مات بعد الستين ومائة (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٢/ ١٥٢٥. و«زيد بن أسلم» ذُكر قبله، وشيوخ مسلم لم يُسمّوا، وقوله: «عِدّة» بكسر العين، وتشديد الدال؛ أي: جماعة من أصحابنا؛ أي: مشايخنا. [تنبيه]: رواية محمد بن مطرّف عن زيد بن أسلم هذه ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٣٢٦٩) - حدّثنا سعيد بن أبي مريم، حدّثنا أبو غسّان، قال: حدّثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد - ﵁ -، أن النبيّ - ﷺ - قال: «لتتبعُنّ سَنَن من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جُحْر ضَبّ لسلكتموه»، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن». انتهى . [تنبيه آخر]: تكلّم الحافظ الرشيد العطّار في «غرر الفوائد» في هذا الحديث، حيث قال فيه مسلم: «حدثني عدّة من أصحابنا إلخ» ولم يسمّ منهم أحدًا، قال: وقد تقدَّم الجواب عن مثل هذا القول بما فيه كفاية، ومع ذلك فقد بَيّنّا أن البخاريّ قد رواه في «صحيحه» عن سعيد بن أبي مريم هذا، ثم ساق رواية البخاريّ بسنده، قال: وهكذا أورده البخاريّ في «صحيحه» في أحاديث بني إسرائيل، فثبت اتّصاله من هذا الوجه الآخر، والحمد لله، وقد وصله أيضًا إبراهيم بن محمد بن سفيان الزاهد، راوي «صحيح مسلم»، فرواه عن الإمام أبي عبد الله محمد بن يحيىى الذُّهْليّ، عن سعيد بن أبي مريم كذلك، ولعل البخاريّ أحد العِدّة الذين سمع منهم مسلم هذا الحديث، ولم يسمِّهم، والله ﷿ أعلم. انتهى مختصر كلام الحافظ العطّار، وقد سبق في مقدّمة شرح المقدّمة بتمامه، فراجعه هناك، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه آخر]: قال النوويّ ﵀: قوله: «حدّثني عدّة من أصحابنا إلخ» قال المازريّ: هذا من الأحاديث المقطوعة في مسلم، وهي أربعة عشر، هذا آخرها، قال القاضي: قَلَّد المازريّ أبا عليّ الغسانيّ الجيانيّ في تسميته هذا مقطوعًا، وهي تسمية باطلة، وإنما هذا عند أهل الصنعة من باب رواية المجهول، وإنما المقطوع ما حُذف منه راوٍ. قال النوويّ: وتسمية هذا الثاني أيضًا مقطوعًا مجاز، وإنما هو منقطع، ومرسل عند الأصوليين، والفقهاء، وإنما حقيقة المقطوع عندهم: الموقوف على التابعيّ، فمن بعده، قولًا له، أو فعلًا، أو نحوه، وكيف كان فمتن الحديث المذكور صحيح، متصلٌ بالطريق الأول، وإنما ذكر الثاني متابعةً، وقد سبق أن المتابعة يُحْتَمَلُ فيها ما لا يُحْتَمَلُ في الأصول، وقد وقع في كثير من النسخ هنا اتّصال هذا الطريق الثاني من جهة أبي إسحاق إبراهيم بن سفيان راوي الكتاب عن مسلم، وهو من زياداته، وعالي إسناده، قال أبو إسحاق: حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا ابن أبي مريم، فذكره بإسناده إلى آخره، فاتَّصَلت الرواية، والله أعلم. انتهى . وقوله: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إلخ) هو الفقيه النيسابوريّ، تلميذ مسلم، وغرضه به بيان علوّ السند، وذلك لأنه وصل إلى سعيد بن أبي مريم في روايته عن مسلم بواسطتين: مسلمٍ، وشيوخِه، بخلاف روايته هذه، فإنه وصل إليه بواسطة واحدة، هي محمد بن يحيى الذُّهليّ، عن سعيد بن أبي مريم. (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن سفيان الفقيه الزاهد النيسابوريّ، تلميذ مسلم، وراوية كتابه هذا، المتوفّى في رجب سنة (٣٠٨ هـ) تقدّمت ترجمته في «المقدّمة» ٦/ ٧٣. (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذُّهْليّ النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ جليلٌ [١١] (ت ٢٥٨) وله (٨٦) سنةً، تقدّم في «المقدمة» ٦/ ٧٣. والباقون ذُكروا قبله.
مصادر المؤلف (١٩)

١. «عمدة القاري»١٦/ ٤٣.

٢. «شرح النوويّ»١٦/ ٢١٩ - ٢٢٠.

٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٣٩٠.

٤. حديث حسنٌ، رواه الترمذي برقم (٢٦٤١).

٥. حديث صحيح، رواه أبو داود برقم (٤٥٩٦).

٦. «المفهم» ٦/ ٦٩٤ - ٦٩٥.

٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٣٩٠.

٨. كلام ابن خالويه يحتاج إلى دليل صحيح، والله أعلم.

٩. «عمدة القاري» ١٦/ ٤٣، و«فيض القدير» ٥/ ٢٦١.

١٠. «الفتح»١٧/ ٢١٢، كتاب«الاعتصام»رقم (٧٣٢٠).

١١. «فيض القدير شرح الجامع الصغير»٥/ ٢٦١.

١٢. «التنوير شرح الجامع الصغير»٩/ ٢٨.

١٣. «الكاشف عن حقائق السنن»١١/ ٣٣٩٠.

١٤. «فيض القدير» ٥/ ٢٦١.

١٥. «صحيح البخاريّ» ٦/ ٢٦٦٩.

١٦. القائل هو الحافظ، فتنبّه.

١٧. «الفتح» ١٧/ ٢١٢، كتاب «الاعتصام» رقم (٧٣٢٠).

١٨. «صحيح البخاريّ» ٣/ ١٢٧٤.

١٩. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٢٠.