HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٧٠

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا حفص بن غياث ويحيى بن سعيد عن ابن جريج، عن سليمان بن عتيق، عن طلق بن حبيب، عن الأحنف بن قيس، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص58
ج ٤ ص ٢٠٥٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن أبي داود, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٠٩
[٨٣٧] و(الْمُتَنَطِّعُونَ) : المتكلفون في القول، المتعمقون في الكلام، لا يبالون بما يجري على ألسنتهم. ومن باب ما روي في رفع العلم وأشراط الساعة
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٦٠٨
[تنبيه]: رواية محمد بن يحيى الذّهْليّ عن ابن أبي مريم هذه ساقها ابن حبّان ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٦٧٠٣) - أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، قال: حدّثنا محمد بن يحيى الذُّهْليّ، قال: حدّثنا ابن أبي مريم، قال: حدّثنا أبو غَسّان، قال: حدّثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لتتبعُنّ سنن الذين قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جُحْر ضبّ، لسلكتموه»، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال رسول الله - ﷺ -: «فمن؟». انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ») وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٦٠] (٢٦٧٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»، قَالَهَا ثَلَاثًا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل باب. ٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان الإمام الناقد، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم قبل باب. ٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ عَتِيقٍ) المدنيّ، صدوقٌ [٤] ومن قال فيه: ابن عتيك، فقد وَهِمَ (م د س ق) تقدم في «البيوع» ١٨/ ٣٩٢٣. ٦ - (طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ) هو: طلق -بسكون اللام- ابن حبيب الْعَنَزيّ -بفتح العين المهملة، والنون- البصريّ، صدوقٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٣] مات بعد التسعين (بخ م ٤) تقدم في «الطهارة» ١٦/ ٦١٠. ٧ - (الأَحْنَفُ بْنُ قَيْسِ) بن معاوية بن حُصين التميميّ السعديّ، أبو بحر، اسمه الضحاك، وقيل: صخر، مخضرمٌ، ثقةٌ [٢] قيل: مات سنة سبع وستين، وقيل: اثنتين وسبعين (ع) تقدم في «الزكاة» ١٠/ ٢٣٠٦. ٨ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود - ﵁ -، تقدّم قبل أربعة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وأن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: سليمان بن عتيق، عن طلق، عن الأحنف، وأن صحابيّه من كبار فقهاء الصحابة -﵃-، ذو مناقب جمّة. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ)؛ أي: المتعمِّقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم، وأفعالهم. (قَالَهَا)؛ أي: قال النبيّ - ﷺ - هذه الكلمة، أو الجملة (ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاث مرّات؛ وإنما رددها ثلاثًا؛ تهويلًا، وتنبيهًا على ما فيه من الغائلة، وتحريضًا على التيقظ، والتبصر دونهم. وقال ابن الأثير ﵀:«المتنطّعون»: هم المتعمّقون المغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم، مأخوذ من النِّطَع وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استُعمل في كل تعمّق قولًا وفعلًا. انتهى . وقال الصنعانيّ ﵀:«المتنطّعون»: المتعمّقون الخائضون فيما لا يَعنيهم، وقيل: المبالغون في عبادتهم بحيث يخرجون عن قوانين الشريعة، أقوالًا وأفعالًا؛ أي: هلكوا في الدين، كما هلك الرهبانيّة، ونحوهم. انتهى . وقال القاري ﵀:«المتنطّعون»؛ أي: المتكلفون في الفصاحة، أو المصوِّتون من قعر حلوقهم، والمردّدون لكلامهم في أفواههم رعونة في القول، قال التوربشتيّ: أراد بهم المتعمقين الغالين في خوضهم فيما لا يعنيهم من الكلام، والأصل في المتنطع الذي يتكلم بأقصى حلقه، مأخوذ من النِّطَع، وهو الغار الأعلى، وإنما ردد القول ثلاثًا تهويلًا وتنبيهًا على ما فيه من الغائلة، وتحريضًا على التيقظ، والتبصر دونهم، وكم تحت هذه الكلمة من مصيبة تعود على أهل اللسان، والمتكلفين في القول الذين يَرُومُون بسبك الكلام سَبْيَ قلوب الرجال، نسأل الله العافية. قال الطيبيّ: لعل المذموم من هذا ما يكون القصد فيه مقصورًا على مراعاة اللفظ، ومجيء المعنى تابعًا للفظ، وأما إذا كان بالعكس، وكلام الله تعالى، وكلام الرسول - ﷺ - مصبوب في هذا القالب، فيرفع الكلام إلى الدرجة القصوى، قال تعالى حكاية عن الهدهد: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢]. قال في «الكشاف»: هذا من جنس الكلام الذي سماه الْمُحْدَثون البديعَ، وهو من محاسن الكلام التي يتعلق باللفظ بشرط أن يجيء مطبوعًا، أو يصوغه عالم بجوهر الكلام، يحفظ معه صحة المعنى، وسَداده، ولقد جاء ها هنا زائدًا على الصحة، فحسُن، وبَدُع لفظًا ومعنى، ألا ترى أنه لو وُضع مكان «بنبأ» «بخبر» لكان المعنى صحيحًا، وهو كما جاء أصحّ؛ لما في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال. وقال أبو الحسين الهرويّ صاحب «دلائل النبوة»: اعلم أن التلاؤم يكون بتلاؤم الحروف، وتلاؤم الحركات والسكنات، وتلاؤم المعنى، فإذا اجتمعت هذه الوجوه خرج الكلام غايةً في العذوبة، وفي حصول بعضها دون بعض انحطاط درجة العذوبة عن الغاية، وسائر أقسام الفصاحة مع عدم التلاؤم يُعدّ تكلّفًا، وكلما ظهرت الصنعة أكثر، كان الكلام أقرب إلى التعسّف، وإذا حصل التلاؤم عظُم معه يُسْر الصنعة، وشَرف تأليف الكلام، ووَضْعه. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٦٧٦٠] (٢٦٧٠)، و(أبو داود) في «السُّنَّة» (٤٦٠٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٨٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٨/ ٤٢٢ و٤٢٤ و٩/ ١٥٨)، و(البزّار) في «مسنده» (٥/ ٢٦٤)، و(ابن عساكر) في «تاريخ دمشق» (٢٤/ ٣٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ذمّ التعمّق في الدِّين بحيث يتجاوز الحد المطلوب فيه، فإن الشريعة سمحة، فقد أخرج أحمد في «مسنده» عن أبي أمامة - ﵁ - قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في سرية من سراياه، قال: فمرّ رجل بغار فيه شيء من ماء، قال: فحدّث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار، فيقوته ما كان فيه من ماء، ويصيب ما حوله من البقل، ويتخلى من الدنيا، ثم قال: لوأني أتيت نبيّ الله - ﷺ -، فذكرت ذلك له، فإن أذن لي فعلتُ، وإلا لم أفعل، فأتاه، فقال: يا نبيّ الله إني مررت بغار، فيه ما يقوتني من الماء والبقل، فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه، وأتخلى من الدنيا، قال: فقال النبيّ - ﷺ -: «إني لم أُبعث باليهودية، ولا بالنصرانية، ولكني بُعثت بالحنيفية السمحة، والذي نفس محمد بيده، لغَدْوة، أو روحة في سبيل الله، خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم في الصفّ خير من صلاته ستين سنة» . انتهى . ٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه كراهة التقعر في الكلام بالتشدّق، وتكلف الفصاحة، واستعمال وحشيّ اللغة، ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام، ونحوهم. انتهى. ٣ - (ومنها): ذمّ التعمّق في البحث، ولا سيّما فيما لا نصّ فيه؛ إذا كان مما لا حاجة إليه في الدِّين، وإلا فلا ذمّ. قال في «الفتح»: قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نصّ على قسمين: أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالة النصّ على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب، لا مكروه، بل ربما كان فرضًا على من تعيَّن عليه من المجتهدين. ثانيهما: أن يدقّق النظر في وجوه الفروق، فيفرِّق بين متماثِلَين بفرق ليس له أثر في الشرع، مع وجود وَصْف الجمع، أو بالعكس، بأن يجمع بين متفرِّقَين بوصف طرديّ مثلًا، فهذا الذي ذمّه السلف، وعليه ينطبق حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا، فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته، ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب، ولا السُّنَّة، ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدًّا، فيصرف فيها زمانًا كان صرفه في غيرها أَولى، ولا سيما إن لزم من ذلك إغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه. وأشد من ذلك في كثرة السؤال البحث عن أمور مغيَّبة، ورَدَ الشرع بالإيمان بها، مع تَرْك كيفيتها، ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحسّ، كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مُدّة هذه الأمة، إلى أمثال ذلك، مما لا يُعرف إلا بالنقل الصِّرف، والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث. وأشد من ذلك ما يوقع كثرةُ البحث عنه في الشكّ والحيرة، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - رفعه: «لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقال: هذا اللهُ خلق الخلق، فمن خلق الله؟». وقال بعض الشُّرّاح: مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يُفتي بالإذن: أن يسأل عن السِّلَع التي توجد في الأسواق، هل يُكره شراؤها ممن هي في يده، من قَبْل البحث عن مصيرها إليه، أوْ لا، فيجيبه بالجواز، فإن عاد، فقال: أخشى أن يكون من نهب، أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع، ويقيّد ذلك إن ثبت شيء من ذلك حَرُم، وإن تردّد كُرِه، أو كان خلاف الأَولى، ولو سكت السائل عن هذا التنطع، لم يَزِد المفتي على جوابه بالجواز. وإذا تقرر ذلك فمن يَسُدّ باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يَقِلّ فهمه، وعلمه، ومن توسع في تفريع المسائل، وتوليدها، ولا سيما فيما يقلّ وقوعه، أو يندُر، ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة، والمغالبة، فإنه يُذَمّ فعله، وهو عَيْن الذي كرهه السلف، ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظًا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله - ﷺ -، وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل، وحصّل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه، ومفهومه، وعن معاني السُّنَّة، وما دلت عليه كذلك، مقتصرًا على ما يصلح للحجة منها، فإنه الذي يُحْمَد، ويُنتفع به، وعلى ذلك يُحْمَل عَمَل فقهاء الأمصار، من التابعين، فمَن بعدهم، حتى حدثت الطائفة الثانية، فعارضتها الطائفة الأُولى، فكَثُر بينهم المراء والجدال، وتولّدت البغضاء، وتَسَمَّوا خُصومًا، وهم من أهل دين واحد، والواسط هو المعتدل من كل شيء، وإلى ذلك يشير قوله - ﷺ - في الحديث الماضي: «فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم»، فإن الاختلاف يجرّ إلى عدم الانقياد. وهذا كله من حيث تقسيم المشتغلين بالعلم، وأما العمل بما ورد في الكتاب، والسُّنَّة، والتشاغل به، فقد وقع الكلام في أيهما أَولى، والإنصاف أن يقال: كلما زاد على ما هو في حقّ المكلَّف فرض عين، فالناس فيه على قسمين: من وجد في نفسه قوّة على الفهم، والتحرير، فتشاغُله بذلك أَولى من إعراضه عنه، وتشاغلِهِ بالعبادة؛ لِمَا فيه من النفع المتعدي، ومن وجد في نفسه قصورًا، فإقباله على العبادة أَولى؛ لعُسْر اجتماع الأمرين، فإن الأول لو ترك العلم لأوشك أن يضيع بعض الأحكام بإعراضه، والثاني لو أقبل على العلم، وتَرَك العبادة، فاته الأمران؛ لعدم حصول الأول له، وإعراضه به عن الثاني. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيس، والله تعالى أعلم. ثم رأيت الحافظ ابن رجب كتب بحثًا نفيسًا، أحببت إيراده هنا، وإن كان تقدّم في كلام الحافظ؛ إلا أن فيه تحقيقات مفيدة - ولعل الحافظ أخذه منه، كما يشير إليه قوله السابق: قال بعض الأئمة إلخ. قال ﵀: قوله - ﷺ -: «هلك المتنطعون إلخ»: المتنطع: هو المتعمق البحّاث عما لا يعنيه، وهذا قد يَتمسك به من يتعلق بظاهر اللفظ، وينفي المعاني، والقياس، كالظاهرية، والتحقيق في هذا المقام -والله أعلم - أن البحث عما لم يوجد فيه نصّ خاصّ، أو عامّ على قسمين: أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالات النصوص الصحيحة من الفتوى، والمفهوم، والقياس الظاهر الصحيح، فهذا حقّ، وهو مما يتعيَّن فِعله على المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية. والثاني: أن يدقّق الناظر نظره، وفكره في وجوه الفروق المستبعدة، فيفرق بين متماثِلَين بمجرد فَرْق، لا يظهر له أثر في الشرع، مع وجود الأوصاف المقتضية للجمع، أو يجمع بين متفرِّقَين بمجرد الأوصاف الطارئة التي هي غير مناسبة، ولا يدلّ دليل على تأثيرها في الشرع، فهذا النظر والبحث غير مرضيّ، ولا محمود، مع أنه قد وقع في طوائف من الفقهاء، وإنما المحمود: النظر الموافق لِنَظر الصحابة - ﵃ -، ومَن بعدهم، من القرون المفضلة، كابن عباس ونحوه، ولعل هذا مراد ابن مسعود - ﵃ - بقوله: «إياكم والتنطع، إياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق»؛ يعني: ما كان عليه الصحابة - ﵃ -. ومن كلام بعض أعيان الشافعية: لا يليق بنا أن نكتفي بالخيالات في الفروق، كدأب أصحاب الرأي، والسر في تلك أن متعلَّق الأحكام في الحال الظنون وغلباتها، فإذا كان اجتماع مسألتين أظهر في الظن من افتراقهما، وجب القضاء باجتماعهما، وإن انقدح فرقٌ على بُعد، فافهموا ذلك، فإنه من قواعد الدين. انتهى. ومما يدخل في النهي عن التعمّق والبحث عنه: أمور الغيب الخبرية التي أُمرنا بالإيمان بها، ولم يبيّن كيفيتها، وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا العالم المحسوس، فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يعني، وهو مما يُنْهَى عنه، وقد يوجب الحيرةَ والشكَّ، ويرتقي إلى التكذيب. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا يزال الناس يسألون، حتى يقال: هذا خلق الله، فمن خلق اللهَ؟ فمن وجد من ذلك شيئًا، فليقل: آمنت بالله»، وفي رواية له: «لا يزال الناس يسألونك عن العلم، حتى يقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟»، وفي رواية له أيضًا: «ليسألنكم الناس عن كل شيء، حتى يقولوا: الله خلق كل شيء، فمن خلقه؟». وخرّجه البخاريّ أيضًا، ولفظه: «يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغة، فليستعذ بالله، ولْيَنْتَهِ». وفي «صحيح مسلم» عن أنس - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: قال الله ﷿: «إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟، ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟». وخرّجه البخاريّ، ولفظه: «لم يزل الناس يسألون، هذا الله خالق كل شيء، فمن خلق الله؟». قال إسحاق بن راهويه: لا يجوز التفكر في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكروا في المخلوقين بما سمعوا فيهم، ولا يزيدون على ذلك؛ لأنهم إن فعلوا تاهوا، قال: وقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ولا يجوز أن يقال: كيف تسبيح القِصَاع، والأَخْونة، والخبز، والمخبوز، والثياب المنسوجة؟ وكل هذا قد صح العلم فيهم أنهم يسبّحون، فذلك إلى الله أن يجعل تسبيحهم كيف شاء، وكما شاء، وليس للناس أن يخوضوا في ذلك، إلا بما علموا، ولا يتكلموا في هذا وشِبهه، إلا بما أخبر الله، ولا يزيدوا على ذلك، فاتقوا الله، ولا تخوضوا في هذه الأشياء المتشابهة، فإنه يُرديكم الخوض فيه عن سنن الحقّ. نَقَل ذلك كله حرب، عن إسحاق رحمه الله تعالى. انتهى ما كتبه ابن رجب ﵀ ، وهو بحثٌ مفيدٌ، وتحقيقٌ سديد، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٠)

١. «صحيح ابن حبان» ١٥/ ٩٥.

٢. بكسر النون، وفتح الطاء بوزن عِنَب: ما ظهر من غار الفم الأعلى، قاله في«المصباح»٢/ ٦١١.

٣. «النهاية في غريب الأثر»٥/ ٧٣.

٤. «التنوير شرح الجامع الصغير» ١١/ ٢٣.

٥. بضمّ الدال؛ ككرُم.

٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣٠٩٨ - ٣٠٩٩، و«مرقاة المفاتيح» ٩/ ٣٣ - ٣٤.

٧. في إسناده: عليّ بن يزيد الألهانيّ: ضعّفوه، وصححه الشيخ الألباني: ﵀. راجع: «الصحيحة» ٦/ ١٠٢٢.

٨. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٥/ ٢٦٦.

٩. «الفتح» ١٢/ ٢٦٧.

١٠. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ١٧١ في شرح الحديث الثلاثين: «إن الله فرض فرائض، فلا تضيّعوها. . .» الحديث.