HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٧١

حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. حدثنا أبو التياح. حدثني أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنى».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص58
ج ٤ ص ٢٠٥٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٦١٦
(٥) - (بَابُ رَفْعِ الْعِلْم، وَقَبْضِه، وَظُهُورِ الْجَهْل، وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٦١] (٢٦٧١) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِث، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاح، حَدَّثَني أنسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، ويَثْبُتَ الْجَهْلُ، ويُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُلّيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد التّنّوريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (أَبُو التَّيَّاحِ) -بمثناة، ثم تحتانية ثقيلة، وآخره حاء مهملة- يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ -بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة - البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٧/ ٦٥٩. ٤ - (أنسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الخادم الشهير، تقدّم قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٤١٧) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسل بالتحديث، وبالبصريين، وفيه أنس - ﵁ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) -بفتح الهمزة -: أي: علاماتها، وهو جمع شَرَط -بفتح الشين، والراء- وبه سمِّيت شُرَط السلطان؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يُعرفون بها ، والجارّ والمجرور خبر مقدّم لقوله: (أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ) لأنه في تأويل المصدر مبتدأ مؤخّر، ولا ينافي هذا ما في الرواية الأخرى:»أن يقلّ العلم«؛ لأن القلة قد يراد بها العدم، أو القلة في ابتداء الأشراط، والعدم في أثنائها، فهو باعتبار الزمانين . ثم إن قوله:«أن يُرفع العلم»فيه إسناد مجازيّ، والمراد: رَفْعه بموت حَمَلته، وقبض العلماء، وليس المراد: محوه من صدور الحفاظ، وقلوب العلماء، والدليل عليه ما رواه الشيخان عن عبد الله بن عَمْرِو بن العاص - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:«إن الله ﷿ لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالِمًا اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا، وأضلوا»، فقد بَيَّن هذا الحديث أن المراد برفع العلم هنا: قَبْض أهله، وهُمُ العلماء، لا محوه من الصدور، لكن بموت أهله، واتخاذ الناس رؤساء جهالًا، فيحكمون في دين الله تعالى برأيهم، ويُفتون بجهلهم، قال القاضي عياض: وقد وُجد ذلك في زماننا، كما أخبر به - ﷺ -، قال الشيخ قطب الدين: قال هذا مع توافر العلماء في زمانه، فكيف بزماننا، قال العينيّ: قال: هذا مع كثرة الفقهاء والعلماء من المذاهب الأربعة، والمحدِّثين الكبار في زمانه، فكيف بزماننا الذي خلت البلاد عنهم، وتصدّر الجهال بالإفتاء، والتعيّن في المجالس، والتدريس في المدارس، فنسأل السلامة والعافية. انتهى . (وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ) ببناء الفعل للفاعل، قال النوويّ ﵀: قوله: «ويثبت الجهل إلخ» هكذا هو في كثير من النسخ: «يَثْبُت الجهل» من الثبوت، وفي بعضها: «يُبَثّ» بضم الياء، وبعدها موحّدة مفتوحة، ثم مثلثة مشدّدة؛ أي: يُنشر، وَيَشيع. انتهى . (ويُشْرَبَ الْخَمْرُ) ببناء الفعل للمفعول، و«الخمر» في اللغة من التخمير، وهو التغطية، سُمّيت به؛ لأنها تُغَطي العقل، ومنه الخمار للمرأة، وفي «العباب»: يقال: خَمْرَةٌ، وخَمْرٌ، وخُمُور، مثال تَمْرة، وتَمْر، وتمور، ويقال: خمرة صِرْفٌ، وفي الحديث: الخمرة ما خامر العقل، وقال ابن الأعرابيّ: سمّيت الخمرة خمرًا؛ لأنها تُركت، فاختمرت، واختمارها: تغيير ريحها . (وَيَظْهَرَ الزِّنَا»)؛ أي: يفشو، وينتشر، وفي الرواية التالية:«ويفشو الزنا»، والزنا يُمَدّ، ويُقصر، والقصر لأهل الحجاز، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، والمدّ لأهل نجد، وقد زَنَى يَزني، وهو من النواقص اليائية، والنسبة إلى المقصور زَنَويّ، وإلى المدود زَنائيّ ، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، ومسائله تأتي في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى-. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٦٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: ألَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، لَا يُحَدِّثكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعَهُ مِنْهُ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَفْشُوَ الزِّنَا، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَذْهَبَ الرِّجَالُ، وَتَبْقَى النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) أبو بكر بُندار العبديّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد الله البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (قَتَادَةَ) بن دعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. و«أنس بن مالك -﵁-» ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه أنس - ﵁ - من المكثرين السبعة، والمشهور بخدمة النبيّ - ﷺ -، فنال بذلك دعوته المباركة، فكَثُر ماله، وأولاده، وطال عمره، بحيث جاوز المائة، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالبصرة. شرح الحديث: (عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: ألَا) بفتح الهمزة، وتخفيف اللام: أداة استفتاح وتنبيه، يُلقى بها للمخاطب تنبيهًا له، وإزالة لغفلته. (أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا)، وقوله: (سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) جملة في محل نصب صفة لـ «حديثًا»، وقوله: (لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ) جملة من الفعل والمفعول والفاعل، في محل النصب، على أنها صفة لقوله: «حديثًا»، وقوله: (بَعْدِي) ظرف متعلّق بصفة «أحدٌ»، وفي رواية ابن أبي عروبة عن قتادة الآتية: «لَا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي»، وفي رواية البخاريّ: «لا يحدثكم به غيري»، وفي رواية أبي عوانة: «لا يحدثكم أحد سمعه من رسول الله - ﷺ - بعدي» . قال الحافظ ﵀: عَرَف أنس - ﵁ - أنه لم يبق أحد ممن سمعه من رسول الله - ﷺ - غيره؛ لأنه كان آخر من مات بالبصرة من الصحابة - ﵃ -، فلعل الخطاب بذلك كان لأهل البصرة، أو كان عامًّا، وكان تحديثه بذلك في آخر عمره؛ لأنه لم يبق بعده من الصحابة من ثبت سماعه من النبيّ - ﷺ - إلا النادر، ممن لم يكن هذا المتن من مرويّه. وقال ابن بطال ﵀: يَحْتَمِل أنه قال ذلك لَمّا رأى من التغيير، ونقص العلم؛ يعني: فاقتضى ذلك عنده أنه لفساد الحال، لا يحدثهم أحد بالحقّ، قال الحافظ: والأول أَولى. انتهى . وقوله: (سَمِعَهُ مِنْهُ) - ﷺ -، صفة بعد صفة لـ «أحدٌ»، أو حال، ووقع في بعض النسخ: «سمعت منه»، وعليه فالجملة مستأنفة لبيان الحديث. («إِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، وقوله: (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) خبر مقدّم لقوله: (أَنْ يُرْفَعَ) بضمّ أوله، مبنيًّا للمفعول، والنائب قوله: (الْعِلْمُ) وقَبْضه: إما بقبض العلماء، وإما بخفضهم عند الأمراء، وفي رواية للبخاريّ:«أن يقلّ العلم»وهو بكسر القاف من القلّة، قال في«الفتح»: يَحْتَمِل أن يكون المراد بقلّته أول العلامة، وبرفعه آخرها، أوأُطلقت القلّة وأريد بها العدم، كما يُطلق العدم، ويراد به القلّة، وهذا ألْيَق؛ لاتحاد المخرج. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قد بيّن النبيّ - ﷺ - كيفية رَفْع العلم، وظهور الجهل في حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - الذي قال فيه:«إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. . .» الحديث، وهو نصّ في أن رفع العلم لا يكون بمحوه من الصدور، بل بموت العلماء، وبقاء الجهّال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم، يُفتون بالجهل، ويعلّمونه، فينتشر الجهل، ويظهر، وقد ظهر ذلك ووُجد على نحو ما أخبر به - ﷺ -، فكان ذلك دليلًا من أدلّة نبوّته، وخصوصًا في هذه الأزمان؛ إذ قد وَليَ المدارس، والفتيا كثير من الجهّال، والصبيان، وحُرِمها أهل ذلك الشأن، غير أنه قد جاء في كتاب الترمذيّ عن جُبير بن نُفير، عن أبي الدرداء، ما يدلّ على أن الذي يُرفع هو العمل، قال أبو الدرداء - ﵁ -: كنّا مع النبيّ - ﷺ -، فشَخَص ببصره إلى السماء، ثم قال: «هذا أوانٌ يُختلس فيه العلم من الناس، حتى لا يقدروا منه على شيء»، فقال زياد بن لَبيد الأنصاريّ: وكيف يُختلس منّا، وقد قرأنا القران؟ فوالله لنَقرَأنّه، ولَنُقرِئنّه نساءنا، وأبناءنا، فقال: «ثَكِلتك أمك يا زياد! إن كُنتُ لأعدّك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة، والإنجيل، عند اليهود، والنصارى، فماذا تُغني عنهم؟». قال: فلقيت عُبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؟، فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئتَ لأحدّثنّك بأول علم يُرفع: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجامع، فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب ، وقد خرّجه النسائيّ من حديث جُبير بن نُفير أيضًا، عن عوف بن مالك الأشجعيّ، من طرق صحيحة. قال: وظاهر هذا الحديث أن الذي يُرفع إنما هو العمل بالعلم، لا نَفْس العلم، وهذا بخلاف ما ظهر من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، فإنَّه صريح في رفع العلم. قلت : ولا تباعد فيهما، فإنَّه إذا ذهب العلم بموت العلماء، خَلَفهم الجهّال، فأفتوا بالجهل، فعُمِل به، فذهب العلم والعمل، وإن كانت المصاحف والكتب بأيدي الناس، كما اتَّفَق لأهل الكتابَيْن من قبلنا، ولذلك قال رسول الله - ﷺ - لزياد على ما نصّ عليه النسائيّ: «ثكلتك أمك زِيادُ! هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى؟»، وذلك أن علماءهم لمَّا انقرضوا خَلَفهم جهّالهم، فحرّفوا الكتاب، وجهلوا المعاني، فعَمِلوا بالجهل، وأفتوا به، فارتفع العلم والعمل، وبقيت أشخاص الكتب، لا تغني شيئًا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (ويَظْهَرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل قوله: (الْجَهْلُ، ويَفْشُوَ) بفتح أوله، وضم الشين، مبنيًّا للفاعل أيضًا؛ أي: يكثر، وينتشر، والفاعل قوله: (الزِّنَا) بالقصر، والمدّ، (ويُشْرَبَ) بضمّ أوله مبنيًّا للمفعول، ومصدره: الشرب، بضم الشين، وفتحها، وقُرئ بهما في المتواتر عند قوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ [الواقعة: ٥٥]، ويجوز كسرها، ففي «القاموس»: شَرِب كسَمِعَ شرْبًا، ويُثَلَّثُ. انتهى. ونائب الفاعل قوله: (الْخَمْرُ)، وقوله: (وَيَذْهَبَ) بفتح أوله مبنيًّا للفاعل، والنائب قوله: (الرِّجَالُ)؛ أي: يموتون، وقوله: (وَتَبْقَى) بفتح أوله، مبنيًّا للفاعل، والفاعل قوله: (النِّسَاءُ) وفي رواية للبخاريّ: «وتكثر النساء»، قيل: سببه أن الفتن تكثر، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنهم أهل الحرب دون النساء، وقال أبو عبد الملك: هو إشارة إلى كثرة الفتوح، فتكثر السبايا، فيتخذ الرجل الواحد عدّة موطوءات. وتعقبه الحافظ، فقال: وفيه نظر؛ لأنه صرّح بالقلّة في حديث أبي موسى الأشعريّ عند البخاريّ، فقال: «من قلة الرجال، وكثرة النساء» والظاهر أنها علامة محضة، لا لسبب آخر ، بل يُقَدِّر الله في آخر الزمان أن يقلّ من يولد من الذكور، ويكثر من يولد من الإناث، وكون كثرة النساء من العلامات مناسِبة لظهور الجهل، ورَفْع العلم. وقوله: (حَتَّى يَكُونَ) «حتى» هنا للغاية، والفعل منصوب بـ «أن» مضمرة بعدها وجوبًا، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ «حَتَّى» هَكَذَا إِضْمَارُ «أَنْ» … حَتْمٌ كـ«جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ» (لِخَمْسِينَ امْرَأةً) يَحْتَمِل أن يراد به حقيقة هذا العدد، أو يكون مجازًا عن الكثرة، ويؤيده أن في حديث أبي موسى: «وترى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأةً». وقال في «العمدة»: قوله: «لخمسين امرأة» يَحْتَمِل أن يراد بها حقيقة هذا العدد، وأن يراد بها كونها مجازًا عن الكثرة، ولعل السرّ فيه أن الأربعة في كمال نصاب الزوجات، فاعتُبر الكمال مع زيادة واحدة عليه، ثم اعتبر كل واحدة بعشر أمثالها؛ ليصير فوق الكمال؛ مبالغةً في الكثرة، أو لأن الأربعة منها يمكن تألّف العشرة؛ لأن فيها واحدًا، أو اثنين، وثلاثة، وأربعة، وهذا المجموع عشرة، ومن العشرات المئات، ومن المئات الألوف، فهي أصل جميع مراتب الأعداد، فزيد فوق الأصل واحد آخر، ثم اعتُبر كل واحدة منها بعشر أمثالها أيضًا تأكيدًا للكثرة، ومبالغة فيها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلّف، فالأَولى عدم الخوض، والله تعالى أعلم. (قَيِّمٌ وَاحِدٌ») برفع«قيّمٌ»؛ لأنه اسم«يكونَ»، و«واحدٌ»صفته، والقيّم بتشديد التحتانيّة: من يقوم بأمرهنّ، واللام للعهد إشعارًا بما هو معهود، من كون الرجال قوّامين على النساء، وكأن هذه الأمور الخمسة خُصّت بالذِّكر؛ لكونها مشعرة باختلال الأمور التي يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد، وهي الدِّين؛ لأن رَفْع العلم يُخلّ به، والعقلُ؛ لأن شرب الخمر يُخلّ به، والنسب؛ لأن الزنى يُخِل به، والنفس والمال؛ لأن كثرة الفتن تُخلّ بهما . وقال في«العمدة»: قوله:«القيم الواحد»: بفتح القاف، وكسر الياء المشدّدة، وهو القائم بأمور النساء، وكذا القَيّام، والقوّام، يقال: فلان قوّام أهل بيته، وقيّامه، وهو الذي يُقيم شأنهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، وقِوَام الأمر أيضًا: مِلاكه الذي يقوم به، وأصل قَيِّم: قَيْوِم على وزن فَيْعِل، اجتَمَعت الواو والياء، وسَبَقت إحداهما بالسكون، فأُبدلت من الواو ياءٌ، وأُدغمت الياء في الياء، ولم يُعكس الأمر هنا هَرَبًا من الالتباس بِقَوَّم الذي هو ماض من التقويم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: وإلى هذا القلب، والإدغام أشار ابن مالك ﵀ في «الخلاصة» بقوله: إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا وقال ابن بطّال: قال المهلّب: هذا إنما يكون من أشراط الساعة، كما قال - ﷺ -، ويمكن أن تكون قلة الرجال من اشتداد الفتن وترادف المحن، فيُقتل الرجال، والله أعلم. ويَحْتَمِل قوله: «القيم الواحد»، معنيين: أحدهما: أن يكون قيّمًا عليهنّ، وناظرًا لهنّ، وقائمًا بأمورهنّ، ويَحْتَمِل أن يكون اتباع النساء له على غير الحلّ، والله أعلم. قال الطحاويّ: ولمّا احتَمَل الوجهين نظرنا، هل رُوي في ذلك شيءٌ يدلّ على أحدهما؟ فذَكَر عليّ بن معبد بإسناده، عن حذيفة - ﵁ -، قال: سمعت النبيّ - ﷺ -، يقول: «إذا عَمّت الفتنة يميّز الله أصفياءه، وأولياءه، حتى تطهر الأرض من المنافقين، والقتالين، ويتبع الرجل يومئذ خمسون امرأة، هذه تقول: يا عبد الله، استرني، يا عبد الله، آوني»، فدل هذا الحديث على القول الأول. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٦٧٦١ و٦٧٦٢ و٦٧٦٣] (٢٦٧١)، و(البخاريّ) في «العلم» (٨٠ و٨١) و«النكاح» (٥٢٣١) و«الحدود» (٦٨٠٨) و«الأشربة» (٥٥٧٧)، و(الترمذيّ) في «الفتن» (٢٢٠٥)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٣/ ٤٥٥)، و(ابن ماجه) في «الفتن» (٤٠٤٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠٨٠١)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٩٨٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٥١ و١٧٦ و٢٠٢ و٢٧٣)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (١/ ٣٥٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢٨٩٢ و٢٩٠١ و٢٩٣١ و٢٩٦١ و٣٠٤٠ و٣٠٦٢ و٣٠٧٠ و٣٠٨٥ و٣١٧٨)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٢/ ٣٤٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٧٦٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٨) وفي «دلائل النبوة» (٦/ ٥٤٣)، و(الرويانيّ) في «مسنده» (٢/ ٣٧٩)، و(ابن عساكر) في «تاريخ دمشق» (١٣/ ١٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر - ﷺ - بما سيكون في آخر الزمان، فوقع بعضه إلى الآن، وسيقع ما بقي على مرّ الأزمان. ٢ - (ومنها): ما قاله الكرمانيّ ﵀: وإنما كان اختلال هذه الأمور -يعني: الخمسة المذكورة في هذا الحديث - مؤذنًا بخراب العالم؛ لأن الخلق لا يُترَكون هَمَلًا، ولا نبيّ بعد نبينا -صلوات الله تعالى، وسلامه عليهم أجمعين - فيتعيّن ذلك. ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀ في «المفهم»: في هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة؛ إذ أخبر - ﷺ - عن أمور ستقع، فوقعت خصوصًا في هذه الأزمان. وقال القرطبيّ في «التذكرة»: يَحْتَمِل أن يراد بالقيّم: من يقوم عليهنّ، سواء كنّ موطوءات، أم لا، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك يقع في الزمان الذي لا يبقى فيه من يقول: الله الله، فيتزوج الواحد بغير عدد؛ جهلًا بالحكم الشرعيّ. قال العينيّ: وقد وُجد ذلك من بعض أمراء التركمان، وغيرهم، من أهل هذا الزمان، مع دعواه الإسلام، والله المستعان. انتهى . ٤ - (ومنها): ما قاله ابن الجوزيّ ﵀: وأما رفع العلم فيكون بشيئين: أحدهما: بموت العلماء، كما قال في حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -: «ولكن يقبضه بقبض العلماء». والثاني: بخساسة الهمم، واقتناعها باليسير منه، فإنها إذا دَنَت قصرت، وكَشْفُ هذا: أنك إذا تأملت من سَبَق من العلماء، رأيت كل واحد منهم يتفنّن في العلوم، ويرتقي في كل فنّ إلى أقصاه، حتى روينا عن الشعبيّ أنه قال: ما أروي أقلّ من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهرًا لا أُعيد. ثم قال: أخبرنا القزاز، قال: أنبأنا أحمد بن عليّ الحافظ، قال: حدّثنا الصُّوريّ، قال: سمعت رجاء بن محمد بن عيسى المعدّل يقول: سألت الدارقطنيّ، فقلت له: رأى الشيخ مثل نفسه؟ فقال: إن كان في فنّ واحد، فقد رأيت من هو أفضل مني، وأما من اجتمع فيه ما اجتمع فيّ فلا. ثم إن الرغبات فَتَرت في العلم، فصار صاحب الحديث يقتصر على ما علا إسناده، ويُعرِض عن الفقه، فلو وقعت مسألة في الطهارة، لم يهتد لجوابها، وصار الفقيه يقتصر على ما كُتب في التعليقة، ولا يدري هل الحديث الذي بنى عليه الحكم صحيح أم لا؟ وصار اللغويّ يشتغل بحفظ ألفاظ العرب، ولا يلتفت إلى الفقه، فهذا رَفْع العلم، ثم له رفع من حيث المعنى، وهو أنا إذا وجدنا العالِم المتقِن قد مال إلى الدنيا، وتشاغل بخدمة السلاطين، والتردد إليهم، غير آمر بالمعروف، ولا ناهٍ لهم عن منكر، وعَكَف على اللذات، وربما مزجها بحرام، كلُبس الحرير، لم يَبق لعلمه نور عند المقتبس، فصار كالطبيب المخلّط، لا يكاد يُقبل قوله في الْحِمْية، فمات العلم عنده، وهو موجود. نسأل الله ﷿ عزمًا مُجِدًّا، لا فتور فيه، وعملًا خالصًا، لا رياء معه. انتهى كلام ابن الجوزيّ ﵀، وهو تحقيق أنيسٌ، والله أعلم. ٥ - (ومنها): ما ذكره في «العمدة» على طريقة الأسئلة والأجوبة، فقال: منها: ما قيل: من أين عَرَف أنس - ﵁ - أن أحدًا لا يحدّث بعده؟. أجيب: بأنه لعله عرفه بإخبار الرسول - ﷺ -، أو قال بناءً على ظنه أنه لم يسمع الحديث غيره من رسول الله - ﷺ -. وقال ابن بطال ﵀: يَحْتَمِل أن أنسًا - ﵁ - قال ذلك؛ لأنه لم يَبق من أصحاب رسول الله - ﷺ - غيره، أو لِمَا رأى من التغير، ونَقْص العلم، فوعظهم بما سمع من النبيّ - ﷺ - في نقص العلم، أنه من أشراط الساعة؛ ليحضّهم على طلب العلم، ثم أتى بالحديث على نصّه. قال العينيّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون الخطاب بذلك لأهل البصرة خاصّة؛ لأنه آخر من مات بالبصرة - ﵁ -. وقال القرطبيّ ﵀: إنما قال أنس - ﵁ - ذلك؛ لأنَّ أصحاب رسول الله - ﷺ - قد كانوا انقرضوا في ذلك الوقت، فلم يبق منهم غيره، فإنه من آخرهم موتًا، تُوُفّي بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، على ما قاله خليفة بن خياط، وقيل: كان سنّه يوم مات مائة سنة وعشر سنين، وقيل: أقلّ من ذلك، والأول أكثر، وكان ذلك ببركة دعاء النبي - ﷺ - له بذلك. انتهى . ومنها: ما قيل: ما فائدة تخصيص هذه الأشياء الخمسة بالذكر؟. أجيب: بأن فائدة ذلك: أنها مُشعِرة باختلال الضرورات الخمس، الواجبة رعايتها في جميع الأديان، التي بحفظها صلاح المعاش والمعاد، ونظام أحوال الدارين، وهي الدِّين، والعقل، والنفس، والنسب، والمال، فرَفْع العلم مُخِلّ بحفظ الدّين، وشرب الخمر بالعقل، وبالمال أيضًا، وقلة الرجال سبب الفتن بالنفس، وظهور الزنا بالنسب، وكذا بالمال. ومنها: ما قيل: لِمَ كان اختلال هذه الأمور من علاماتها؟. أجيب: بأن الخلائق لا يُترَكون سُدًى، ولا نبيّ بعد هذا الزمان، فتعيَّن خراب العالم، وقرب القيامة. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٦٣] (. . .) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا عَبْدَةُ، وَأَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَفي حَدِيثِ ابْنِ بِشْرٍ، وَعَبْدَةَ: لَا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٩. ٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن ثمانين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ)؛ يعني: كل هؤلاء الثلاثة: محمد بن بشر، وعبدة، وأبو أسامة رووا هذا الحديث عن سعيد بن أبي عروبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
مصادر المؤلف (٢١)

١. «عمدة القاري»٢/ ٨٢.

٢. «فيض القدير» ٢/ ٥٣٢.

٣. هو الحديث الآتي لمسلم في هذا الباب.

٤. «عمدة القاري» ٢/ ٨٢.

٥. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٢١.

٦. «عمدة القاري» ٢/ ٨٢.

٧. «عمدة القاري» ٢/ ٨٢.

٨. «عمدة القاري»٢/ ٨٤.

٩. «الفتح»١/ ٣١٤، كتاب«العلم»رقم (٨١).

١٠. «الفتح» ١/ ٣١٤، كتاب «العلم» رقم (٨١).

١١. وصحَّحه الشيخ الألبانيّ ﵀.

١٢. القائل هو القرطبيّ ﵀.

١٣. «المفهم» ٦/ ٧٠٥ - ٧٠٨.

١٤. وللعينيّ تعقّب لكلام الحافظ هذا.

١٥. «عمدة القاري»٢/ ٨٤.

١٦. «الفتح»١/ ٣١٤، كتاب«العلم»رقم (٨١).

١٧. «عمدة القاري»٢/ ٨٤.

١٨. «شرح ابن بطال على صحيح البخاريّ» ١٣/ ٣٥٨.

١٩. «عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ» ٣/ ٩٤.

٢٠. «المفهم» ٦/ ٧٠٤ - ٧٠٥.

٢١. «عمدة القاري» ٢/ ٨٤.