HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٧٤

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ) عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». بسم الله الرحمن الرحيم. ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار
ج ٤ ص ٢٠٦٠

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٦٩٧
[تنبيه]: أما رواية عبد الملك بن عُمير، عن المنذر بن جرير عن أبيه، فقد قدّمت من ساقها في «كتاب الزكاة» برقم [٢١/ ٢٣٥١] (١٠١٧). وأما رواية عون بن أبي جُحيفة عن المنذر بن جرير، فقد ساقها أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (١٩١٩٧) - حدّثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، قال: كنا عند رسول الله -ﷺ - في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حُفاة عُراة، مُجتابي النمار، أو العباء، متقلدي السيوف، عامّتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتغيَّر وجه رسول الله -ﷺ - لِمَا رأى بهم من الفاقة، قال: فدخل، ثم خرج، فأمر بلالًا، فأَذَّن، وأقام، فصلى، ثم خطب، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]-إلى آخر الآية- ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وقرأ الآية التي في الحشر: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، تَصَدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع برّه، من صاع تمره -حتى قال- ولو بشق تمرة»، قال فجاء رجل من الأنصار بصُرّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس، حتى رأيت كُومين من طعام، وثياب، حتى رأيت رسول الله -ﷺ - يتهلل وجهه؛ يعني كأنه مُذهبة، فقال رسول الله -ﷺ -:«من سنّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينتقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سُنَّة سيئة، كان عليه وِزرها، ووِزر من عمل بها بعده، من غير أن ينتقص من أوزارهم شيء». انتهى . [تنبيه]: قد تقدّم في«الزكاة»أن قلت في هذه الرواية: لم أجد من ساقها بتمامها، والآن -بحمد الله تعالى وفضله- وجدت ذلك، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوَّل الكتاب قال: [٦٧٨٠] (٢٦٧٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاء، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺقَالَ:«مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الإسناد نفسه في الباب الماضي. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ - قَالَ:«مَنْ دَعَا إِلى هُدًى)؛ أي: إلى ما يُهتدى به من الأعمال الصالحة، ونَكَّره؛ ليشيع، فيتناول الحقير، كإماطة الأذى عن الطريق . قال الطيبيّ -﵀-: الْهُدَى: إما الدلالة الموصلة إلى البُغية، أو مطلق الإرشاد، والمراد في هذا الحديث: ما يُهْتَدَى به من الأعمال الصالحة، وهو بحسب التنكير مطلق شائعٌ في جنس ما يقال له: هُدًى، يُطلق على القليل والكثير، والعظيم، والحقير، فأعظمه هُدَى مَن دعا إلى الله، وعَمِل صالِحًا، وقال: إني من المسلمين، وأدناه هُدَى من دعا إلى إماطة الأذى عن طريق المسلمين، ومن ثَمّ عَظُم شأن الفقيه الداعي المثذر حتى فُضّل واحد منهم على ألف عابد؛ لأن نَفْعه يعمّ الأشخاص والأعصار إلى يوم الدين، ونرجو من رحمة الله وكرمه أن يكون سعينا في هذا الكتاب منتظمًا في هذا السلك، ويرحم الله عبدًا قال: آمين. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: آمين آمين آمين. (كَانَ لَهُ)؛ أي: لذلك الداعي (مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ) فعمل بدلالته، أو امتثل أمره، (لَا يَنْقُصُ) بضمّ القاف، من باب نصر، (ذَلِكَ) قال القاري -﵀-: إشارة إلى مصدر «كان»، كذا قيل: والأظهر أنه راجع إلى الأجر. (مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) قال ابن الملك: هو مفعول به، أو تمييز؛ بناءً على أن النقص يأتي لازمًا، ومتعدّيًا. انتهى، وتعقّبه القاري، فقال: والظاهر أن «شيئًا» مفعول به؛ أي: شيئًا من أجورهم، أو مفعول مطلق؛ أي: من النقص. انتهى . وهذا دَفع لِمَا يُتَوهَّم أن أجر الداعي إنما يكون مِثْلًا بالتنقيص من أجر التابع، وبضم أجر التابع إلى أجر الداعي، وضمير الجمع في «أجورهم» راجع إلى «مَنْ» باعتبار المعنى. وإنما استَحَقَّ الداعي إلى الهدى ذلك الأجر؛ لكون الدعاء إلى الهدى خَصْلة من خصال الأنبياء -﵁- . (وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ)؛ أي: من أرشد غيره إلى فعل إثم، وإن قلّ، أو أمَره به، أو أعانه عليه، (كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ) لتولّده عن فعله الذي هو من خصال الشيطان، والعبد يستحق العقوبة على السبب، وما تولّد منه، كما يعاقب السكران على جنايته حال سُكره؛ لِمَنْع السبب، فلم يُعذَر السكران، فإن الله يعاقب على الأسباب المحرّمة، وما تولّد منها، كما يثيب على الأسباب المأمور بها، وما تولّد منها، ولذا كان على قابيل القاتل لأخيه كِفْل من ذَنْب كل قاتل؛ لأنه أول من سنّ القتل، كما في الحديث . (لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا») قال القاضي البيضاويّ: أفعال العباد، وإن لم تكن موجبة للثواب والعقاب، إلا أن عادة الله -﷾ - جرت بربطها بها ارتباطَ المسبَّبات بالأسباب، وفِعل العبد ما له تأثير في صدوره بوجه، فكما يترتب الثواب والعقاب على ما يباشره يترتب أيضًا على ما هو مسبَّب عن فعله، كالإشارة إليه، والحثّ عليه، وَلَمّا كانت الجهة التي استوجب بها المتسبّب الأجر غير الجهة التي استوجب بها المباشِر، لم ينقص أجره من أجره شيئًا. انتهى. قال القاري: وبهذا يُعلم أن للنبيّ - ﷺ - من مضاعفة الثواب بحَسَب تضاعُف أعمال أمته مما لا يُعَدّ، ولا يُحَدّ، وكذا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وكذا بقية السلف بالنسبة إلى الخلف، وكذا العلماء المجتهدون بالنسبة إلى أتباعهم، وبه يُعرف فضل المتقذمين على المتأخرين في كل طبقة وحين. [تنبيه]: قال ابن حجر: لو تاب الداعي للإثم، وبقي العمل به، فهل ينقطع إثم دلالته بتوبته؛ لأن التوبة تجبّ ما قبلها، أو لا؟ لأن شرطها ردّ الظلامة، والإقلاعُ، وما دام العمل بدلالته موجودًا فالفعل منسوب إليه، فكأنه لم يردّ، ولم يُقلع، كل مُحْتَمِلٌ، ولم أر في ذلك نقلًا، والمنقدح الآن الثاني. انتهى. وتعقّبه القاري، فقال: والأظهر الأول، وإلا فيلزم أن نقول بعدم صحة توبته، وهذا لم يقل به أحد، ثم ردّ المظالم مقيدٌ بالممكن، وإقلاع كل شيء بحسبه حتمًا، وأيضًا استمرار ثواب الأتباع مبنيّ على استدامة رضا المتبوع به، فإذا تاب، ونَدِم انقطع، كما أن الداعي إلى الهدى إن وقع في الردى -نعوذ بالله منه- انقطع ثواب المتابعة له، وأيضًا كان كثير من الكفار دُعاةً إلى الضلالة، وقُبِل منهم الإسلام؛ لِمَا أن الإسلام يَجُبّ ما قبله، فالتوبة كذلك، بل أقوى، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله القاري هو الذي يظهر لي؛ لوضوح حجّته، وأستنار محجّته. وخلاصته: أن من تاب من الدعاء إلى الإثم، وحَسُنت توبته، لا يُشترط ترك المدعوّين تلك الضلالة، ولكن ينبغي له أن يقوم بدعوتهم إلى الهدى، كما دعاهم إلى الضلالة، إن استطاع ذلك، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁ - هذا من أفراد المصنّف -﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٦٧٨٠] (٢٦٧٤)، و(أبو داود) في «السُّنَّة» (٤٦٠٩)، و(الترمذيّ) في «العلم» (٢٦٧٤)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (٢٠٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٩٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ١٣٠ و١٣١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١١٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٠٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ والتحريض على الدعوة إلى الخيرات، وسَنّ السنن الحسنات. ٢ - (ومنها): التحذير من الدعوة إلى البدع والخرافات التي لا يؤيّدها دليلٌ شرعيّ، بل يردّها ويُبطلها، قال النوويّ -﵀ -: هذا الحديث، وحديث جرير المتقدّم صريحان في الحثّ على استحباب سنّ الأمور الحسنة، وتحريم سَنّ الأمور السيّئة، وأن من سن سُنَّة حسنة كان له مثل أجر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سُنَّة سيئة كان عليه مثل وِزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة، وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه، أو إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه، سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه، أم كان مسبوقًا إليه، وسواء كان ذلك تعليم علم، أو عبادة، أوأدب، أو غير ذلك. انتهى . ٣ - (ومنها): أن بعض الأعمال لا ينقطع ثوابها، وكذا أوزارها، وهي التي تكون سببًا للاقتداء بفاعلها، فيجب على العاقل أن يكون مفتاحًا للخير، لا مفتاحًا للشرّ، وقد أخرج ابن ماجه في «سننه» من حديث سهل بن سعد -﵄ - أن رسول الله -ﷺ - قال: «إن هذا الخير خزائن، ولتلك الخزائن مفاتيح، فطوبى لعبد جعله الله مفتاحًا للخير، مِغْلاقًا للشر، وويل لعبد جعله الله مِفتاحًا للشرّ، مِغلاقًا للخير» . ٤ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ -﵀-: هذا الحديث أبلغ شيء في فضل تعليم العلم اليوم، والدعاء إليه، وإلى جميع سبل الخير والبرّ . ٥ - (ومنها): ما قاله بعضهم: إن في هذا الحديث وحديث: «من سنّ سُنَّة حسنةً إلخ» المتقدم ما يدلّ على أن كل أجر حصل للدالّ والداعي حصل للنبيّ - ﷺ - مثله زيادةً على ما له من الأجر الخاصّ من نفسه على دلالته، أو هدايته للمهتدي، وعلى ما له من الأجور على حسناته الخاصّة من الأعمال، والمعارف، والأجور التي لا تصل جميع أمته إلى عَرْف نَشْرها، ولا يبلغون عُشر عشرها، وهكذا نقول: إن جميع حسناتنا، وأعمالنا الصالحة، وعبادات كل مسلم مسطّرة في صحائف نبينا -ﷺ- زيادةً على ما له من الأجر، ويحصل له من الأجور بعدد أمته أضعافًا مضاعفةً، لا تحصى، يقصر العقل عن إدراكها؛ لأن كل عالم، ودالّ، يحصل له أجر إلى يوم القيامة، ويتجدد لشيخه في الهداية مثل ذلك الأجر، ولشيخ شيخه مثلاه، وللشيخ الثالث أربعة، والرابع ثمانية، وهكذا تضعف في كل مرتبة بعدد الأجور الحاصلة قبله إلى أن ينتهي إلى النبيّ -ﷺ -؛ إذا فرضت المراتب عشرة بعد النبي - ﷺ - كان للنبيّ -ﷺ - من الأجر ألف وأربعة وعشرون، فإذا اهتدى بالعاشر حادي عشر صار أجر النبيّ -ﷺ- ألفين وثمانية وأربعين، وهكذا كل ما زاد واحدًا يتضاعف ما كان قبله أبدًا إلى يوم القيامة، وهذا أمر لا يحصره إلا الله، فكيف إذا أُخذ مع كثرة الصحابة والتابعين والمسلمين في كل عصر، وكل واحد من الصحابة يحصل له بعدد الأجور الذي ترتّبت على فِعله إلى يوم القيامة، وكل ما يحصل لجميع الصحابة حاصل بجملته للنبيّ - ﷺ -، وبه يظهر رجحان السلف على الخلف، وأنه كلما ازداد الخلف ازداد أجر السلف، وتضاعف، ومن تأمل هذا المعنى، ورُزق التوفيق انبعثت همته إلى التعليم، ورَغِب في نشر العلم؛ ليتضاعف أجره في الحياة، وبعد الممات على الدوام، ويكفّ عن إحداث البدع، والمظالم، من المكوس وغيرها، فإنها تضاعف عليه السيئات بالطريق المذكور، ما دام يعمل بها عامل، فليتأمل المسلم هذا المعنى، وسعادة الدالّ على الخير، وشقاوة الدالّ على الشرّ. انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. * * * (٥٠) - (كِتَاب الذِّكْر، وَالدُّعَاء، وَالتَّوْبَةِ) أما «الذّكْرُ» بالكسر: فقال المجد -﵀-: هو الحِفْظُ للشيء، كالتَّذْكار، والشيءُ يَجْري على اللسان، والصِّيتُ، كالذُّكْرَةِ بالضم، والثَّناءُ، والشرفُ، والصلاةُ للهِ تعالى، والدُّعاءُ، والكتابُ فيه تفصيلُ الدِّينِ. انتهى . وقال الراغب الأصبهانيّ -﵀ -: الذّكر: تارة يقال، ويراد به هيئة للنفس، بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ، إلا أن الحفظ يقال اعتبارًا بإحرازه، والذِّكر يقال اعتبارًا باستحضاره، وتارةً يقال لحضور الشيء القلب، أو القول، ولذلك قيل: الذّكر ذِكران: ذِكر بالقلب، وذِكر باللسان، وكل واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيان، وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ، وكل قول يقال له: ذكر، فمن الذكر باللسان قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقوله: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤]، وقوله: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] أي: القرآن، وقوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ [ص: ١]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]؛ أي: شرف لك، ولقومك، وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] أي: الكتب المتقدمة. وقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠، ١١]، فقد قيل: الذكر ها هنا وَصْف للنبيّ -ﷺ-، وهذا قول ابن عباس، أخرجه عنه ابن مردويه ، كما أن الكلمة وصف لعيسى -﵇ - من حيث إنه بُشِّر به في الكتب المتقدمة، فيكون قوله: رَسُو، بدلًا منه، وقيل: ﴿رَسُولًا﴾ منتصب بقوله: ﴿ذِكْرًا﴾ كأنه قال: قد أنزلنا إليكم كتابًا ذكرًا رسولًا يتلو، قال: ومن الذكر عن النسيان قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ومن الذكر بالقلب واللسان معًا قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوأَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]؛ أي: من بعد الكتاب المتقدم. وقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ أي: ذِكر الله لعبده أكبر من ذِكر العبد له، وذلك حثّ على الإكثار من ذكره. والذكرى: كثرة الذكر، وهو أبلغ من الذكر، قال تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٤٣]، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥]، في آي كثيرة. انتهى كلام الراغب -﵀ - باختصار . وأما الدعاء، فهو الرغبة إلى الله تعالى، يقال: دعا دُعاء بالضمّ، ودَعْوَى بالفتح والقصر، أفاده المجد . وقال الفيّوميّ -﵀ -: دعوت الله دعاءً: ابتَهَلت إليه بالسؤال، ورغِبت فيما عنده من الخير . وقال الراغب -﵀ -: الدعاء كالنداء، إلا أن النداء قد يقال بيا، أو أيا، ونحو ذلك من غير أن يُضم إليه الاسم، والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم، نحو: يا فلان، وقد يُستعمل كل واحد منهما موضع الآخر. قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]، ويستعمل استعمال التسمية، نحو: دعوت ابني زيدًا؛ أي: سمّيته، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، حثًّا على تعظيمه، وذلك مخاطبة من كان يقول: يا محمد، ودعَوْتُه: إذا سألته، وإذا استغثته، قال تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦٨]؛ أي: سَلْه، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوأَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠)﴾ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١]، تنبيهًا أنكم إذا أصابتكم شدّة لم تفزعوا إلا إليه. انتهى كلام الراغب -﵀- . وأما التوبة: فهي الرجوع، يقال: تاب من ذنبه يتوب توبًا، وتوبةً، ومتابًا: أقلع، وقيل: التوبة هي التوب، ولكن الهاء لتأنيث المصدر، وقيل: التوبة واحدة، كالضربة، فهو تائبٌ، وتاب الله عليه: غفر له، وأنقذه من المعاصي، فهو توّابٌ مبالغةٌ، واستتابه: سأله أن يتوب، قاله الفيوميّ -﵀- . وقال الراغب -﵀-: التوب: تَرْك الذَّنْب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت، وأسأت، وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة. والتوبة في الشرع: تَرْك الذَّنْب لِقُبحه، والندم على ما فَرَط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارُك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كملت شرائط التوبة. وتاب إلى الله، فذِكْر «إلى الله» يقتضي الإنابة، نحو: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [النور: ٣١] ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ [المائدة: ٧٤]، وتاب الله عليه؛ أي: قَبِل توبته، منه: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [التوبة: ١١٧]، ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. والتائب يقال لباذل التوبة، ولقابل التوبة، فالعبد تائب إلى الله، والله تائب على عبده. والتواب: العبد الكثير التوبة، وذلك بتركه كل وقت بعض الذنوب على الترتيب حتى يصير تاركًا لجميعه، وقد يقال ذلك لله تعالى لكثرة قبوله توبة العباد حالًا بعد حال. وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾ [الفرقان: ٧١]؛ أي: التوبة التامة، وهو الجمع بين ترك القبيح
مصادر المؤلف (١٧)

١. «مسند الإمام أحمد بن حنبل»٤/ ٣٥٨.

٢. «شرح الزرقانيّ على الموطّأ» ٢/ ٦١.

٣. «مرقاة المفاتيح» ١/ ٣٩٤.

٤. «عون المعبود» ١٢/ ٢٣٦.

٥. «شرح الزرقانيّ على الموطّأ» ٢/ ٦١.

٦. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ٢/ ٢٧.

٧. «شرح النوويّ» ١٦/ ٢٢٦ - ٢٢٧.

٨. حسنه الشيخ الألبانيّ في «الصحيحة» ٣/ ٣٢٠ - ٣٢١ رقم (١٣٣٢).

٩. «تنوير الحوالك» ١/ ١٧٠.

١٠. «فيض القدير شرح الجامع الصغير» ٦/ ١٢٧.

١١. «القاموس المحيط» ص ٥٠٧.

١٢. راجع: «الدر المنثور» ٨/ ٢٠٩.

١٣. «مفردات ألفاظ القرآن الكريم» ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩.

١٤. «القاموس المحيط» ص ٤٣٤.

١٥. «المصباح المنير» ١/ ١٩٤.

١٦. «مفردات ألفاظ القرآن الكريم» ١/ ٣١٥.

١٧. «المصباح المنير» ١/ ٧٨.