HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٧٨

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بن حرب. جميعا عن ابن علية. قال أبو بكر: حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذا دعا أحدكم فليعزم في الدعاء. ولا يقل: اللهم! إن شئت فأعطني. فإن الله لا مستكره له».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص63
ج ٤ ص ٢٠٦٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص٤٣
(٣) - (بَابُ الْعَزْمِ بِالدُّعَاءِ، وَلَا يَقُلْ: إِنْ شِئْتَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٨٧] (٢٦٧٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ، فَلْيَعْزِمْ فِي الدُّعَاء، وَلَا يَقُل: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِني، فَإنَّ اللهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم أبو بشر البصري، المعروف بابن علية، ثقة حافظ من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين وهو ابن ثلاث وثمانين، تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) البناني - بموحدة ونونين - البصري ثقة من الرابعة، مات سنة ثلاثين، (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٣ - (أَنَسُ) بن مالك الصحابيّ الشهير - ﵁ -، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني نسائيّ، ثم بغداديّ، وفيه أنس - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة - ﵃ -. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (إِذَا دَعَا أَحَدُكمْ، فَلْيَعْزِمْ فِي الدُّعَاءِ)؛ أي: ليجزم، ولا يتردد، مِن عزمت على الشيء: إذا صمّمت على فِعله، وقيل: عَزْم المسألة: الجزم بها من غير ضَعف في الطلب، وقيل: هو حُسن الظن بالله تعالى في الإجابة، والحكمة فيه أن في التعليق صورة الاستغناء عن المطلوب منه، وعن المطلوب، قاله في «الفتح» . وقال في موضع آخر: معنى الأمر بالعزم: الجِدّ فيه، وأن يجزم بوقوع مطلوبه، ولا يعلّق ذلك بمشيئه الله تعالى، وإن كان مأمورًا في جميع ما يريد فعله أن يعلّقه بمشيئه الله تعالى، وقيل: معنى العزم: أن يُحسن الظنّ بالله تعالى في الإجابة. انتهى. وقال المناويّ: قال الزمخشريّ: والعزم: التصميم، والمضيّ على فِعل شيء، أو تَرْكه بعقد القلب عليه، وأن يتصلب فيه، فإن الله يعطي ما يشاء لمن يشاء، ومن هو كذلك «لا مستكره» -بكسر الراء- وفي رواية: «لا مكره له»؛ أي: يستحيل أن يُكرهه أحد على شيء؛ لأن الأسباب إنما تكون بمشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو إذا أراد إسعاد عبد من عبيدة ألهمه الدعاء، وليس في الوجود من يُكرهه على خلاف مراده، فالتعليق بالمشيئة وغيرها من قبيل العبث الذي ينزَّه جناب المدعوّ المقدَّس عنه، فيُكره ذلك تنزيهًا، ومن قال: لا يجوز؛ كابن عبد البرّ أراد نفي الحلّ المستوي الطرفين، كما أشار إليه النوويّ، فإطلاق التحريم بدون هذه الإرادة سقيم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «فإطلاق التحريم … سقيم» فيه نظر لا يخفى، بل الظاهر أنه للتحريم، وأن عدم إطلاقه هو السقيم، كما لا يخفى ذلك على الفهيم، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد. (وَلَا يَقُل: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي) وفي حديث أبي هريرة التالي: «فلا يقل: اللَّهُمَّ اغفر لي إن شئت»، وفي حديثه الثالث: «لا يقولنّ أحدكم: اللَّهمَّ اغفر لي إن شئت، اللَّهُمَّ ارحمني إن شئت»، وفي رواية عند البخاريّ: «اللَّهُمَّ ارزقني إن شئت»، وهذه كلها أمثلة، والرواية الأولى تتناول جميع ما يُدعَى به. (فَإِنَّ اللهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ») وفي حديث أبي هريرة:«وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيءٌ أَعْطَاهُ»، وفي حديثه أيضًا:«ليعزم في الدعاء، فإن الله صانع ما شاء، لا مُكرِه له». ومعنى قوله: (لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ)؛ أي: لأن التعليق يوهم إمكان إعطائه على غير المشيئة، وليس بعد المشيئة إلا الإكراه، والله تعالى لا مكره له. ومعنى قوله:«ليعظّم الرغبة»؛ أي: يبالغ في ذلك بتكرار الدعاء، والإلحاح فيه، ويَحْتَمِل أن يراد به: الأمر بطلب الشيء العظيم الكثير، ويؤيّده ما في آخر هذه الرواية:«فإن الله لا يتعاظمه شيء». والمستكره، والمكرِه بمعنى واحد، والمراد: أن الذي يحتاج إلى التعليق بالمشيئة ما إذا كان المطلوب منه يتأتى إكراهه على الشيء، فيخفف الأمر عليه، ويُعلَم بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه، وأما الله - ﷾ - فهو منزه عن ذلك، فليس للتعليق فائدة. وقيل: المعنى أن فيه صورة الاستغناء عن المطلوب، والمطلوب منه، والأول أَولى. قاله في«الفتح». وقال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: عَزْم المسألة: الشدّة في طلبها، والحزم من غير ضَعف في الطلب، ولا تعليق على مشيئة، ونحوها، وقيل: هو حسن الظن بالله تعالى في الإجابة، ومعنى الحديث: استحباب الجزم في الطلب، وكراهة التعليق على المشيئة، قال العلماء: سبب كراهته أنه لا يتحقّق استعمال المشيئة إلا في حقّ من يتوجه عليه الإكراه، والله تعالى منزه عن ذلك، وهو معنى قوله - ﷺ - في آخر الحديث:«فإنه لا مستكره له»، وقيل: سبب الكراهة أن في هذا اللفظ صورة الاستغناء عن المطلوب، والمطلوب منه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت لك - وسيأتي أيضًا - أن الظاهر المستفاد من الحديث التحريم، لا الكراهة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«لا يقولنّ أحدكم: اللَّهُمَّ اغفر لي إن شئت»: إنما نهى الرسول - ﷺ - عن هذا القول؛ لأنَّه يدلّ على فتور الرغبة، وقلّة التهمّم بالمطلوب، وكأن هذا القول يتضمّن أن هذا المطلوب إن حصل، وإلا استغني عنه، ومن كان هذا حاله لم يُتحقّق من حاله الافتقار، والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء، وكان ذلك دليلًا على قلّة اكتراثه بذنوبه، وبرحمة ربه، وأيضًا فإنَّه لا يكون موقنًا بالإجابة، وقد قال - ﷺ -:«ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ». ثم إن النبيّ - ﷺ - لم يَكْتَفِ بالنهي عن ذلك، حتى أمَر بنقيضه، فقال:«ليعزم في الدعاء»؛ أي: ليجزم في طلبه، وليحقق رغبته، ويتيقّن الإجابة، فإنَّه إذا فعل ذلك دلّ على علمه بعظيم قَدْر ما يطلب من المغفرة والرحمة، وعلى أنه مفتقر لِمَا يطلب، مضطرّ إليه، وقد وعد الله المضطرّ بالإجابة بقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]. وقوله:«فإنَّ الله لا مستكره له»: إظهار لعدم فائدة تقييد الاستغفار والرحمة بالمشيئة؛ لأنَّ الله تعالى لا يضطرّه إلى فعل شيء، دعاءٌ، ولا غيره، بل يفعل ما يريد، ويحكم ما يشاء، ولذلك قيّد الله تعالى الإجابة بالمشيئة في قوله: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]، فلا معنى لاشتراط مشيئته فيما هذا سبيله، فأما اشتراطها في الإيمان فقد تقدَّم القول فيه. انتهى كلام القرطبي - ﵀ - ، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٦٧٨٧] (٢٦٧٨)، و(البخاريّ) في «الدعوات» (٦٣٣٦) و«التوحيد» (٧٤٦٤) وفي «الأدب المفرد» (٦٠٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ١٥١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٢١)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٠١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الدعاء، وطلب الحوائج الدنيويّة، والأخرويّة من الله - ﷾ -؛ لأنه تعالى أمَر به، فقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]، وهو - ﷾ - يغضب إذا تُرك دعاؤه، يدلّ على ذلك خَتْمه الآية الأُولى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، بخلاف المخلوق، فإنه يغضب إذا سئل، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الكامل]: لَا تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً … وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لَا تُحْجَبُ اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ … وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ ٢ - (ومنها): وجوب العزم في المسألة، وعدم التردّد فيها، قال ابن عبد البرّ - ﵀ -: لا يجوز لأحد أن يقول: اللَّهُمَّ أعطني إن شئت، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا؛ لأنه كلام مستحيل، لا وجه له؛ لأنه لا يفعل إلا ما شاءه، قال في «الفتح»؛ وظاهره أنه حَمَل النهي على التحريم، وهو الظاهر، وحَمَل النوويّ النهي في ذلك على كراهة التنزيه، وهو أَولى، ويؤيده ما في حديث الاستخارة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: بل الأَولى ما دلّ عليه كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - من التحريم؛ لأن النصّ ورد بصيغة النهي، والأمر، وهما للتحريم، والوجوب ما لم يصرفهما صارف، ولا صارف هنا، ولا دلالة لدعاء الاستخارة على ما قاله، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال - ﵀ -: في الحديث أنه ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء، ويكون على رجاء الإجابة، ولا يقنط من الرحمة، فإنه يدعو كريمًا، وقد قال ابن عيينة: لا يمنعنّ أحدًا الدعاءَ ما يعلم في نفسه؛ يعني: من التقصير، فإن الله قد أجاب دعاء شرّ خلقه، وهو إبليس حين قال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ [الحجر: ٣٦]. وقال الداوديّ: معنى قوله: «ليعزم المسألة»: أن يجتهد، ويُلِحّ، ولا يقل: إن شئت؛ كالمستثنى، ولكن دعاء البائس الفقير. ٤ - (ومنها): بيان أن الرب - ﷾ - لا يفعل إلا ما يشاء، لا يُكرهه أحد على ما يختاره، كما قد يكره الشافع المشفوع له عنده، وكما يكره السائل المسؤول إذا ألح عليه، فالرغبة يجب أن تكون إليه، كما قال: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ٨]،
مصادر المؤلف (٨)

١. تقريب التهذيب ١/ ١٠٥.

٢. تقريب التهذيب ١/ ٣٥٧.

٣. «الفتح»١٣/ ٤٥١.

٤. «فيض القدير»١/ ٣٤٢.

٥. «الفتح»١٣/ ٤٥١.

٦. «شرح النووي»١٧/ ٧.

٧. حديث صحيح، رواه الترمذيّ برقم (٣٤٧٤).

٨. «المفهم» ٧/ ٢٩ - ٣٠.