HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٨٩

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ، عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ «إِنَّ لله ﵎ ملائكة سيارة. فضلا. يتبعون مجالس الذكر. فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم. وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم. حتى يملؤا ما بينهم وبين السماء الدنيا. فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء. قال فيسألهم الله ﷿، وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك. قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك. قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا. أي رب! قال: فكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك. قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك. يا رب! قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا. قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك. قال فيقول: قد غفرت لهم. فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا. قال فيقولون: رب! فيهم فلان. عبد خطاء. إنما مر فجلس معهم. قال فيقول: وله غفرت. هم القوم لا يشقى بهم جليسهم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص68
ج ٤ ص ٢٠٦٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦١٣
[٨٤٨] وحديث أبي هريرة ﵁: (إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا) بضم الفاء، ورواه بعضهم (فَضْلًا) بفتح الفاء، أي: فضلًا عن كُتَّاب الناس، أي: هم ملائكة غير الملائكة الذين وُكِّلوا بكتاب أعمال الناس، وفي الحديث دلالة على اجتماع الملائكة في مجالس الذكر، وغفران جليس الذاكر؛ وإن كان الجليسُ مذنبا، لنزول الرحمة على الذاكرين، وفيه: أن أفضل الأذكار سوى قراءة القرآن: التسبيح والتكبير، والتمجيد والتهليل. وفي هذه الأحاديث : دلالة على عجز من لا يظن بربه خيرًا، وأي قوة أعونُ على ما يريده العبد من الخير؛ من أن يكون الله معه، وفي هذه الدعوات خير كثير لمن داوم عليها.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص١١٦
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٨١٥] (٢٦٨٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ للهِ ﵎ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً، فُضْلًا، يَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْر، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ، قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ، حَتى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا، وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ: فَيَسْأَلُهُمُ اللهُ - ﷿ -، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْضِ يُسَبّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْأَلُونَكَ، قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُوني؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لَا أَيْ رَبّ، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا، قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلَان عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ) السمين البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد الباهليّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (أَبُوهُ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، تقدّم أيضًا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالمدنيين من سُهيل، وشيخه بغداديّ، والباقيان بصريّان، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -. [تنبيه]: روى البخاريّ هذا الحديث من طريق جرير - يعني: ابن عبد الحميد - عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. فقال في «الفتح»: قوله: «عن أبي صالح» لم أره من حديث الأعمش إلا بالعنعنة، لكن اعتَمَد البخاريّ على وَصْله؛ لكون شعبة رواه عن الأعمش، كما سأذكره، فإن شعبة كان لا يحدث عن شيوخه المنسوبين للتدليس إلا بما تحقق أنهم سمعوه. وقوله: «عن أبي هريرة» كذا قال جرير، وتابعه الفضيل بن عياض، عند ابن حبان، وأبو بكر بن عياش عند الإسماعيليّ، كلاهما عن الأعمش، وأخرجه الترمذيّ عن أبي كريب، عن أبي معاوية، عن الأعمش، فقال: عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد، هكذا بالشك للأكثر، وفي نسخة: وعن أبي سعيد بواو العطف، والأول هو المعتمَد، فقد أخرجه أحمد عن أبي معاوية بالشك، وقال: شك الأعمش، وكذا قال ابن أبي الدنيا، عن إسحاق بن إسماعيل، عن أبي معاوية، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد، وقال: شك سليمان - يعني: الأعمش - قال الترمذيّ: حسن صحيح، وقد رُوي عن أبي هريرة من غير هذا الوجه؛ يعني: كما تقدم بغير تردد. انتهى . (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «إِنَّ للهِ ﵎ مَلَائِكَةً سَيارَةً) مبالغة في السائرة؛ أي: يسيرون في الأرض، وفي رواية:»سيّاحين«، (فُضْلًا) قال النوويّ - ﵀ -: ضبطوه على أوجه: أحدها: - وهو أرجحها، وأشهرها في بلادنا -«فُضُلا»بضم الفاء، والضاد. والثانية: بضم الفاء، وإسكان الضاد، ورجّحها بعضهم، وادَّعَى أنها أكثر وأصوب. والثالثة: بفتح الفاء، وإسكان الضاد، قال القاضي: هكذا الرواية عند جمهور شيوخنا في البخاريّ ومسلم. والرابعة:«فُضُلٌ»بضم الفاء والضاد، ورفع اللام، على أنه خبر مبتدأ محذوف. والخامسة:«فضلاء»بالمدّ جمع فاضل. قال العلماء: معناه على جميع الروايات: أنهم ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم، من المرتّبين مع الخلائق، فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم، وإنما مقصودهم حِلَق الذّكر. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«إن لله ملائكةً»: زاد الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شيبة، وابن حبان من طريق إسحاق بن راهويه، كلاهما عن جرير:«فضلًا»، وكذا لابن حبان من طريق فضيل بن عياض، وكذا لمسلم من رواية سهيل، قال عياض في«المشارق»ما نصه: في روايتنا عن أكثرهم بسكون الضاد المعجمة، وهو الصواب، ورواه العذريّ والهوزنيّ:«فُضْل»بالضم، وبعضهم بضم الضاد، ومعناه: زيادةً على كتاب الناس، هكذا جاء مفسرًا في البخاريّ، قال: وكان هذا الحرف في كتاب ابن عيسى:«فُضَلاء»بضم أوله، وفتح الضاد، والمدّ، وهو وَهَمٌ هنا، وإن كانت هذه صفتهم - ﷿ -، وقال في«الإكمال»: الرواية فيه عند جمهور شيوخنا في مسلم والبخاريّ بفتح الفاء، وسكون الضاد، فذَكَر نحو ما تقدم، وزاد: هكذا جاء مفسَّرًا في البخاريّ في رواية أبي معاوية الضرير. وقال ابن الأثير في«النهاية»:«فضلًا»؛ أي: زيادة عن الملائكة المرتبين مع الخلائق، ويُروى بسكون الضاد، وبضمها، قال بعضهم: والسكون أكثر وأصوب، ثم ذكر كلام النوويّ السابق. قال: وقال الطيبيّ:«فُضْلًا»بضم الفاء، وسكون الضاد، جمع فاضل، كمبُزْل وبازل. انتهى. قال الحافظ: ونسبة عياض هذه اللفظة للبخاريّ وَهَمٌ، فإنها ليست في (يَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ) وفي رواية البخاريّ:«يطوفون في الطُّرُق يلتمسون أهل الذكر»، وفي حديث جابر بن أبي يعلى:«إن لله سرايا من الملائكة، تَقِف، وتَحُلّ بمجالس الذكر في الأرض». (فَإذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ) وفي رواية البخاريّ:«فإذا وجدوا قومًا»، وفي رواية فضيل بن عياض:«فإذا رأوا قومًا». قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر … إلخ»؛ يعني: مجالس العلم والتذكير، وهي المجالس التي يُذكر فيها كلام الله، وسُنّة رسوله - ﷺ -، وأخبار السلف الصالحين، وكلام الأئمة الزهّاد المتقدِّمين، المبرأة عن التصنع والبدع، والمنزَّهة عن المقاصد الرديئة، والطمع، وهذه المجالس قد انعدمت في هذا الزمان، وعُوِّض منها الكذب والباع، ومزامير الشيطان - نعوذ بالله تعالى من حضورها -، ونسأله العافية من شرورها. انتهى . (قَعَدُوا مَعَهُمْ)؛ أي: مع القوم الذين وجدوهم في مجلس الذكر، وفي رواية البخاريّ: «فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم»، وفي رواية أبي معاوية: «بُغيتكم». وقوله: «هلموا» على لغة أهل نجد، وأما أهل الحجاز، فيقولون للواحد، والاثتين، والجمع: هَلُمَّ، بلفظ الإفراد. (وَحَفَّ) بفتح أوله، وتشديد الفاء، من باب نصر؛ أي: أحاط (بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في كثير من نُسَخ بلادنا: «حَفّ» بالفاء، وفي بعضها: «حَضّ» بالضاد المعجمة؛ أي: حَثّ على الحضور، والاستماع، وحَكَى القاضي عن بعض رواتهم: «وحَطّ» بالطاء المهملة، واختاره القاضي، قال: ومعناه: أشار بعضهم إلى بعض بالنزول، ويؤيد هذه الرواية قوله بعده في البخاريّ: «هَلُمّوا إلى حاجتكم»، ويؤيد الرواية الأولى، وهي «حَفّ» قوله في البخاريّ: «يَحُفّونهم بأجنحتهم»؛ أي: يُحدِقون بهم، ويستديرون حولهم، ويحوف بعضهم بعضًا . وقال في «الفتح»: «فيحفّونهم بأجنحتهم»؛ أي: يُدْنون بأجنحتهم حول الذاكرين، والباء للتعدية، وقيل: للاستعانة. (حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا) بالضم، بمعنى القربى، صفة لـ «السماء»؛ أي: السماء القريبة إلى الأرض، (فَإِذَا تَفَرَّقُوا)؛ أي: افترق الملائكة عن مجلس الذكر؛ لانتهائه، أو المراد: فإذا تفرّق أهل المجلس عن مجلس ذِكرهم (عَرَجُوا) بفتح أوله، وثانيه، من باب نصر؛ أي: صَعِد الملائكة، فقوله: (وَصَعِدُوا) بفتح أوله، وكسر ثانية عَطْف تفسير لـ «عَرَجوا». (إِلَى السَّمَاء، قَالَ) - ﷺ -: (فَيَسْأَلُهُمُ اللهُ - ﷿ -) هذا السؤال من الله تعالى للملائكة، هو على جهة التنبيه للملائكة على قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وإظهار لتحقيق قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وهو من نحو مباهاة الله تعالى الملائكة بأهل عرفة حين قال لهم: «ما أراد هؤلاء؟ انظروا إلى عبادي جاؤوني شُعْثًا غُبْرًا، أُشهدكم أني قد غفرت لهم» ، وكذلك نُصَّ عليه في الحديث. انتهى . وقوله: (وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ) جملة في محل نصب على الحال من الجلالة، وفي رواية البخاريّ؟ «قال: فيسألهم ربهم - ﷿ -، وهوأعلم منهم»، وفي رواية الكشميهنيّ: «بهم» كذا للإسماعيلي، قال في «الفتح»: وهي جملة معترضة، وَرَدَت لِرَفع التوهم (مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟) وفي رواية الترمذيّ: «فيقول الله: أيّ شيء تركتم عبادي يصنعون؟»، وفي رواية البخاريّ: «ما يقول عبادي؟»، (فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْض، يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ)؛ أي: يعظِّمونك بذكر صفات كمالك، وجلالك، (وَيَسْأَلُونَكَ) وفي رواية أبي معاوية: «فيقولون: تركنا هم يحمدونك، ويمجّدونك، ويذكرونك»، وفي رواية الإسماعيليّ: «قالوا: ربنا مررنا بهم، وهم يذكرونك … إلخ»، وفي حديث أنس عند البزار: «ويعظّمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلُّون على نبيّك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم». قال الحافظ - ﵀ -: ويؤخذ من مجموع هذه الطرق المراد بمجالس الذكر، وأنها التي تشتمل على ذكر الله بأنواع الذكر الواردة، من تسبيح، وتكبير، وغيرهما، وعلى تلاوة كتاب الله - ﷾ -، وعلى الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، وفي دخول قراءة الحديث النبويّ، ومدارسة العلم الشرعيّ، ومذاكرته، والاجتماع على صلاة النافلة في هذه المجالس نظرٌ، والأشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح، والتكبير، ونحوهما، والتلاوة حسبُ، وإن كانت قراءة الحديث، ومدارسة العلم، والمناظرة فيه من جملة ما يدخل تحت مسمى ذِكر الله تعالى. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن دخول مجالس العلم في مجالس الذكر هو الأظهر، ولو فرضنا عدم دخولها، فما ورد في فضل العلماء، وطلّاب العلم لا يكون أدنى مما ورد في الذكر، فقد صحّ عنه - ﷺ - أنه قال: «إن الله وملائكته، وأهل السماوات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلّون على معلِّم الناس الخير»، رواه الترمذيّ، من حديث أبي أمامة - ﵁ -، وهو حديث صحيح. وأخرج أبو داود عم أبي الدرداء - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات، ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُوَرّثوا دينارًا، ولا درهمًا، وَرَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». وسيأتي لمسلم قريبًا من حديث أبي هريرة - ﵁ - الطويل، وفيه: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة». فهذه النصوص الواردة في العلماء، وطلاب العلم ليست بأنقص مما ورد في حديث الباب للذاكرين، على أنهم في الحقيقة من الذاكرين الله كثيرًا، والذاكرات؛ لأنهم يتدراسون كتاب الله، وأحاديث رسول الله - ﷺ -، ويتفقّهون فيهما، وهذا هو الذكر بعينه، فتأمّل بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. (قَالَ) الله - ﷿ - للملائكة: (وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟)؛ أي: شيء يسأل هؤلاء الذاكرون؟ (قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ)؛ أي: أن تُدخلهم فيها، وفي رواية البخاريّ: «يسبّحونك، ويكبّرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله، ما رأوك، قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشدّ لك عبادةً، وأشدّ لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا، قال: يقول: فما يسألونني؟ قال: يسألونك الجنة. . .» الحديث. (قَالَ) الله تعالى: (وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟) حتى يسألوني أن أدخلهم فيها، (قَالُوا: لَا أَيْ رَبِّ)؛ أي: لم يَرَوْها، وإنما أخبرتَهم بها في كتابك، وعلى لسان رسولك، فآمنوا، وصدَّقوا، واشتاقوا إليها، (قَالَ) الله تعالى: (فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟)؛ أي: فكيف يكون شوقهم إليها لو رأوها؟ زاد في رواية البخاريّ: «لو أنهم رأوها كانوا أشدّ عليها حرصًا، وأشدّ لها طلبًا، وأعظم فيها رغبةً». وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «فكيف لو رأوا جنتي؟» هذا يدلّ على أن للمعاينة زيادةَ مزيّة على العلم في التحقيق والوضوح، فإنَّ هؤلاء القوم المتذكّرين للجنة والنار كانوا عالمين بذلك، ومع ذلك، فإنَّ الله تعالى قال: «فكيف لو رأوها»، يعني: لو رأوها لحصل من اليقين والتحقيق زيادةٌ على ما عندهم، ولتحصيل هذه الزيادة سأل موسى - ﵇ - الرؤية، والخليل - ﵇ - مشاهدة إحياء الموتى، وقد تقدَّم هذا المعنى. انتفى . (قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ)؛ أي: يطلبون منك الأمان من النار، وأن تحفظهم منها، (قَالَ) الله تعالى: (وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ قَالَ) الله تعالى: (وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟) حتى يستجيروني منها، (قَالُوا: لَا)؛ أي: لم يروها، وإنما آمنوا بها، وصدّقوا بما أنزلته في كتابك، وعلى لسان رسولك - ﷺ - من أغلالها، وأنكالها، وأهوالها الشداد، (قَالَ) الله تعالى: (فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟)؛ أي: فكيف حالهم لو رأوا ناري عيانًا ومشاهدةً؟، زاد في رواية البخاريّ: «كانوا أشدّ منها فرارًا، وأشدّ لها مخافةً»، وفي رواية أبي معاوية: «كانوا أشدّ منها هَرَبًا، وأشدّ منها تعوّذًا وخوفًا». (قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ)؛ أي: يطلبون منك مغفرة ذنوبهم، (قَالَ) - ﷺ -: (فَيَقُولُ) الله - ﷿ -: (قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ) ذنوبهم (فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا)؛ أي: من دخول الجنّة، ومغفرة الذنوب، (وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا)؛ أي: من النار، (قَالَ) - ﷺ -: (فَيَقُولُونَ)؛ أي: الملائكة - ﵇ -، وفي رواية البخاريّ: «فيقول ملَك من الملائكة»، ويُجمع بأن الذي قال أحدهم، ونُسب إليهم لرضاهم به. (رَبِّ) بحذف حرف النداء؛ أي: يا رب (فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ)؛ أي: كثير الخطأ (إِنَّمَا مَرَّ) بهم (فَجَلَسَ مَعَهُمْ) وفي رواية البخاريّ: «يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان، ليس منهم، إنما جاء لحاجة»، في رواية أبي معاوية: «فيقولون: إن فيهم فلانًا الخطّاء، لم يُرِدْهم، إنما جاء لحاجة». قال القرطبيّ - ﵀ -؛ إنما استبعدت الملائكة أن يدخل هذا مع أهل المجلس في المغفرة؛ لأنَّه لم تكن عادَتُه حضور مجالس الذكر، وإنما كانت عادته ملازمة الخطايا، فعَرَض له هذا المجلس، فجلسه، فدخل مع أهله فيما قُسِم لهم من المغفرة، والرحمة، فيُستفاد منه الترغيب العظيم، في حضور مجالس الذكر، ومجالسة العلماء، والصالحين، وملازمتهم. انتهى . (قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ)؛ أي: لفلان الخطَّاء (غَفَرْتُ) خطاياه بسببهم؛ لأنهم (هُمُ الْقَوْمُ) في تعبيره باللام إشعار بالكمال؛ أي: هم القوم كل القوم على حدّ قول الشاعر [من الطويل]: وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُم … هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ (لَا يَشْقَى بِهِمْ)؛ أي: بسببهم، وبسبب إكرام الله تعالى لهم، (جَلِيسُهُمْ)؛ أي: مُجالِسهم، ولو لم يُرد ذلك، ولا قَصَده، وإنما قَصْده غرض آخر من الأغراض الدنيويّة. قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «لا يشقى بهم جليسهم» هذه مبالغة في إكرامهم، وزيادةٌ في إعلاء مكانتهم، ألا ترى أنه أَكْرَم جليسهم بنحو ما أُكرموا به؛ لِأَجْلهم، وإن لم يشفعوا فيه، ولا طلبوا له شيئًا، وهذه حالةٌ شريفةٌ، ومنزلة مُنيفة، لا خيّبنا الله منهم، وجعلنا من أهلها. انتهى . وفي رواية البخاريّ: «هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم»، وللترمذيّ: «لا يشقى لهم جليس». قال في «الفتح»: وهذه الجملة مستأنفة لبيان المقتضِي لكونهم أهل الكمال، وقد أخرج جعفر في «الذكر» من طريق أبي الأشهب، عن الحسن البصريّ، قال: «بينا قوم يذكرون الله؛ إذ أتاهم رجل، فقعد إليهم، قال: فنزلت الرحمة، ثم ارتفعت، فقالوا: ربنا فيهم عبدك فلان، قال: غَشُّوهم رحمتي، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم»، وفي هذه العبارة مبالغة في نفي الشقاء عن جليس الذاكرين، فلو قيل: لَسَعِد بهم جليسهم، لكان ذلك في غاية الفضل، لكن التصريح بنفي الشقاء أبلغ في حصول المقصود. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٦٨١٥] (٢٦٨٩)، و(البخاريّ) في «الدعوات» (٦٤٠٨)، و(الترمذيّ) في «الدعوات» (٣٦٠٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٥١ و٢٥٢ و٢٥٨ و٢٥٩ و٣٨٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٨٥٦ و٨٥٧)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ٤٩٥)، و(البيهقيّ) في «شعب الإيمان» (١/ ٣٩٩)، و(الأصفهانيّ) في «العظمة» (٣/ ٩٨٩)، و(الطبرانيّ) في «الدعاء» (١/ ٥٣٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل مجالس الذكر، والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، قال النوويّ - ﵀ -: وفي هذا الحديث فضيلة الذكر، وفضيلة مجالسه، والجلوس مع أهله، وإن لم يشاركهم، وفضل مجالسة الصالحين، وبركتهم، والله أعلم. انتهى . ٢ - (ومنها): بيان أن جليس الذاكرين يندرج معهم في جميع ما يتفضل الله تعالى به عليهم؛ إكرامًا لهم، ولو لم يشاركهم في أصل الذكر. ٣ - (ومنها): بيان محبة الملائكة - ﵇ - بني آدم، واعتنائهم بهم. ٤ - (ومنها): بيان أن السؤال قد يصدر من السائل، وهو أعلم بالمسؤول عنه من المسؤول؛ لإظهار العناية بالمسؤول عنه، والتنويه بقَدْره، والإعلان بشَرَف منزلته. ٥ - (ومنها): ما قيل: إن في خصوص سؤال الله الملائكة عن أهل الذكر الإشارةَ إلى قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فكأنه قيل لهم: انظروا إلى ما حصل منهم من التسبيح، والتقديس، مع ما سُلِّط عليهم من الشهوات، ووساوس الشيطان، وكيف عالجوا ذلك، وضاهوكم في التسبيح، والتقديس. ٦ - (ومنها): ما قيل أيضًا: إنه يؤخذ من هذا الحديث: أن الذكر الحاصل من بني آدم أعلى وأشرف من الذكر الحاصل من الملائكة؛ لحصول ذكر الآدميين مع كثرة الشواغل، ووجود الصوارف، وصدوره في عالم الغيب، بخلاف الملائكة في ذلك كله. ٧ - (ومنها): بيان كَذِب من ادَّعَى من الزنادقه أنه يَرَى الله تعالى جهرًا في دار الدنيا، وقد ثبت في «صحيح مسلم» من حديث أبي أمامة - ﵁ -، رفعه: «واعلموا أنكم لم تروا ربكم حتى تموتوا». ٨ - (ومنها): أن فيه جوازَ القَسَم في الأمر المحقّق تأكيدًا له، وتنويهًا به. ٩ - (ومنها): أن فيه أن الذي اشتَمَلت عليه الجنة من أنواع الخيرات، والنارُ من أنواع المكروهات فوق ما وُصفتا به، وأن الرغبة، والطلب من الله، والمبالغة في ذلك من أسباب الحصول، ذكر هذا كلّه في «الفتح» . ١٠ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض - ﵀ -: ذِكر الله تعالى ضربان: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وذكر القلب نوعان: أحدهما - وهو أرفع الأذكار، وأجلّها -: الفكر في عظمة الله تعالى وجلا له، وجبروته، وملكوته، وآياته في سمواته وأرضه، ومنه الحديث: «خير الذكر الخفي» ، والمراد به هذا. والثاني: ذِكره بالقلب عند الأمر، والنهي، فيمتثل ما أمر به، ويترك ما نَهَى عنه، ويقف عما أشكل عليه. وأما ذكر اللسان مجردًا فهو أضعف الأذكار، ولكن فيه فضل عظيم، كما جاءت به الأحاديث، قال: وذَكر ابن جرير الطبريّ وغيره اختلاف السلف في ذِكر القلب واللسان أيهما أفضل؟ قال القاضي: والخلاف عندي إنما يُتصور في مجرد ذكر القلب تسبيحًا، وتهليلًا، وشِبههما، وعليه يدلّ كلامهم، لا أنهم مختلفون في الذكر الخفي الذي ذكرناه، وإلا فذلك لا يقاربه ذكر اللسان، فكيف يفاضله، وإنما الخلاف في ذكر القلب بالتسبيح المجرد، ونحوه، والمراد بذكر اللسان مع حضور القلب، فإن كان لاهيًا فلا. واحتَجّ من رَجّح ذكر القلب بأن عمل السر أفضل، ومن رجح ذكر اللسان قال: لأن العمل فيه أكثر، فإن زاد باستعمال اللسان اقتضى زيادة أجر. قال القاضي: واختلفوا هل تكتب الملائكة ذكر القلب؟ فقيل: تكتبه، ويجعل الله تعالى لهم علامة، يعرفونه بها، وقيل: لا يكتبونه؛ لأنه لا يَطّلع عليه غير الله. قال النوويّ - ﵀ -: الصحيح أنهم يكتبونه، وأن ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من القلب وحده، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما صححه النوويّ - ﵀ - هو الصحيح عندي؛ لأنه الذي تدلّ عليه ظواهر النصوص، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في ذِكر بعض ما ورد في فضل الذكر: (اعلم): أنه ورد في فضل الذكر أحاديث غير ما في الباب: منها: حديث أبي هريرة - ﵁ -: قال النبيّ - ﷺ -: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني. . .» الحديث، متَّفقٌ عليه، وقد تقدّم قبل باب. ومنها: ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة - ﵁ - أيضًا، رفعه: «يعقد الشيطان. . .» الحديث، وفيه: «فإن قام، فذكر الله انحلت عقدة …». ومنها: ما يأتي لمسلم بعد بابين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد - ﵄ - مرفوعًا: «لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى، إلا حفّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة. . .» الحديث. ومن حديث أبي ذرّ - ﵁ - رفعه: «أحب الكلام إلى الله ما اصطفى لملائكته: سبحان ربي وبحمده. . .» الحديث. ومن حديث معاوية - ﵁ - رفعه: «أنه قال لجماعة جلسوا يذكرون الله تعالى: أتاني جبريل، فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة». ومن حديث سمرة - ﵁ - رفعه: «أحب الكلام إلى الله أربع: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، لا يضرّك بأيهن بدأت». ومن حديث أبي هريرة - ﵁ - رفعه: «لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس». وأخرج الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه الحاكم، عن الحارث بن الحارث الأشعريّ - ﵁ - في حديث طويل، وفيه: «فآمركم أن تذكروا الله، وإن مثل ذلك، كمثل رجل خرج العدوّ في أثره سراعًا، حتى إذا أتى على حِصْن حصين أحرز نفسه منهم، فكذلك العبد لا يُحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى». وعن عبد الله بن بُسْر - ﵁ -: «أن رجلًا قال: يا رسول الله - ﷺ - إن شرائع الإسلام قد كَثُرت عليّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رَطْبًا من ذكر الله»، أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم. وأخرج ابن حبان نحوه أيضًا من حديث معاذ بن جبل - ﵁ -، وفيه: أنه السائل عن ذلك. وأخرج الترمذيّ من حديث أنس - ﵁ - رفعه: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حِلَقُ الذكر». وأخرج الترمذيّ، وابن ماجه، وصححه الحاكم، من حديث أبي الدرداء - ﵁ - مرفوعًا: «ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم، قالوا: بلى، قال: ذكر الله - ﷿ -». ويُجمع - كما قال الحافظ - ﵀ - بين حديث أبي الدرداء هذا وبين ما ورد في فضل المجاهد أنه كالصائم لا يفطر، وكالقائم لا يَفْتُر، وغير ذلك مما يدلّ على أفضليته على غيره من الأعمال الصالحة، بأن المراد بذكر الله - والله أعلم - في حديث أبي الدرداء هو الذكر الكامل، وهو ما يَجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالتفكر في المعنى، واستحضار عظمة الله تعالى، وأن الذي يحصل له ذلك يكون أفضل ممن يقاتل الكفار مثلًا من غير استحضار لذلك، وأن أفضلية
مصادر المؤلف (١٧)

١. «الفتح»١٤/ ٤٥٨«كتاب الدعوات»رقم (٦٤٠٨).

٢. «شرح النوويّ»١٧/ ١٤.«صحيح البخاريّ»هنا في جميع الروايات، إلا أن تكون خارج الصحيح، ولم يُخْرِج البخاريّ الحديث المذكور عن أبي معاوية أصلًا، وإنما أخرجه من طريقه الترمذيّ، وزاد ابن أبي الدنيا، والطبرانيّ في رواية جرير:«فُضْلًا عن كُتّاب الناس»(^١)، ومثله لابن حبان، من رواية فضيل بن عياض، وزاد:«سياحين في الأرض»، وكذا هو في رواية أبي معاوية، عند الترمذيّ، والإسماعيليّ، عن كتاب الآبديّ، ولمسلم من رواية سهيل، عن أبيه:«سيّارةً فُضْلًا». انتهى (^٢).

٣. أي: هم غير الملائكة الذين يكتبون أعمال الناس.

٤. «الفتح» ١٤/ ٤٦١ - ٤٦٢، «كتاب الدعوات» رقم (٦٤٥٨).

٥. «المفهم» ٧/ ١١ - ١٢.

٦. «شرح النوويّ»١٧/ ١٤ - ١٥.

٧. رواه ابن خزيمة في«صحيحه»(٢٨٤٠).

٨. «المفهم»٧/ ١٢٢.

٩. «الفتح»١٤/ ٤٦٣،«كتاب الدعوات»رقم (٦٤٠٨).

١٠. «المفهم» ٧/ ١٢.

١١. «المفهم» ٧/ ١٣.

١٢. «المفهم» ٧/ ١٢٣.

١٣. «الفتح» ١٤/ ٤٦٤، «كتاب الدعوات» رقم (٦٤٠٨).

١٤. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٥.

١٥. «الفتح» ١٤/ ٤٦٤ - ٤٦٥، «كتاب الدعوات» رقم (٦٤٠٨).

١٦. حديث ضعيف، أخرجه ابن حبّان في «صحيحه» ٣/ ٩١، من حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «خير الذكر الخفيّ، وخير الرزق - أو العيش - ما يكفي»، وفي سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة: ضعيف.

١٧. «إكمال المعلم» ٨/ ١٨٩، و«شرح النوويّ» ١٧/ ١٥ - ١٦.