HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٩١

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال «من قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ على كل شيء قدير، في يوم، مائة مرة. كانت له عدل عشر رقاب. وكتبت له مائة حسنة. ومحيت عنه مائة سيئة. وكانت له حرزا من الشيطان، يومه ذلك، حتى يمسي. ولم يأت أحد أفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك. ومن قال: سبحان الله وبحمده، في يوم، مائة مرة، حطت خطاياه. ولو كانت مثل زبد البحر».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص69
ج ٤ ص ٢٠٧١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص١٣٥
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠) - (بَابُ فَضْلِ التَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالدُّعَاءِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٨١٨] (٢٦٩١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَا جَاءَ بِه، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ كثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَتْ خَطَايَاهُ ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريا النيسابوريّ الإمام، تقدّم قريبًا. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ أبو عبد الله المدنيّ الفقيه إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاريّ: أصح الأسانيد كلِّها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر [٧] (ت ١٧٩) وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقال الواقديّ: بلغ تسعين سنة (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (سُمَيٌّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) مقتولًا بقُديد (ع) تقدم في«الصلاة»١٨/ ٩١٨. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك وغيره، وفيه مالك أحد الأئمة الأربعة، وفيه أبو هريرة - ﵁ -، تقدّم القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ سُمَيٍّ) بسين مهملة، مصغّرًا، وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة في«مسنده»: عن زيد بن الْحُبَاب، عن مالك: حدّثني سُمَيّ مولى أبي بكر، أخرجه ابن ماجه، وفي رواية عبد الله بن سعيد بن أبي هند: عن سُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السمّان، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، وفي رواية عبد الله بن سعيد:«أنه سمع أبا هريرة»؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ:«مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ)؛ أي: لا معبود بحقّ، وقوله: (إِلَّا اللهُ) قيل: في موضع رفع بدلًا من »لا إله« لا خبرٌ؛ لأن »لا« لا تعمل في المعارف، ولو قلنا: خبر للمتبدإ، أو لـ »لا« فلا يصح أيضًا؛ لِمَا يلزم عليه من تنكير المبتدإ، وتعريف الخبر، لكن قال السفاقسيّ: قد أجاز الشلوبين أن خبر المبتدأ يكون معرفة، ويسوغ الابتداء بالنكرة في النفي. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما أجازه الشلوبين هو الحقّ، فقوله: «إلا الله» هو الخبر؛ لأن هذه الجملة جملة مفيدة دون تقدير، فلا حاجة إلى ما تكلّفه الكثيرون من تقدير الخبر، فتأمله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، وبالله تعالى التوفيق. ثم أكّد الحصر المستفادَ من «لا إله إلا الله» بقوله: (وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ) و«شريك» مبني على الفتح، وخبر «لا» متعلق قوله: «له» مع ما فيه من تكثير حسنات الذاكر، فـ «وحدَهُ» حال مؤوّلة بـ «منفردًا»؛ لأن الحال لا تكون معرفة، «ولا شريك له» حال ثانية، مؤكدة لمعنى الأُولى. (لَهُ الْمُلْكُ) بضم الميم، وقوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) جملة حالية أيضًا، ومن مَنَع تعدد الحال جعل «لا شريك له» حالًا من ضمير «وحده» المؤولة بـ «منفردًا»، وكذا «له الملك» حال من ضمير المجرور في «له»، وما بعد ذلك معطوفات، قاله الزرقانيّ - ﵀ - . وقال في «الفتح»: هكذا في أكثر الروايات، وورد في بعضها زيادة: «يُحيي ويميت»، وفي أخرى زيادة: «بيده الخير»، وسيأتي بيان من زاد ذلك. (فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ) وفي رواية عبد الله بن سعيد: «إذا أصبح»، ومثله في حديث أبي أمامة عند جعفر الفريابيّ في «الذكر»، ووقع في حديث أبي ذرّ تقييده بأن ذلك في دُبُر صلاة الفجر قبل أن يتكلم، لكن قال: «عشر مرات»، وفي سندهما شهر بن حوشب، وقد اختُلف عليه، وفيه مقال، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم غير مرّة، أن الحقّ في شهر، أنه حسن الحديث، فلا تغفل. (كَانَتْ)؛ أي: هذه الكلمات، وللبخاريّ: «كان» بالتذكير؛ أي: هذا الذكر، (لَهُ عَدْلَ) بفتح العين؛ أي: مثل ثواب إعتاق (عَشْرِ) بسكون الشين، (رِقَابِ) قال الفرّاء: العدل بالفتح: ما عَدَل الشيءَ من غير جنسه، وبالكسر: المِثلَ، ذكره في «الفتح». وقال الفيّوميّ - ﵀ -: عِدْلُ الشيءِ بالكسر: مِثله من جنسه، أو مقداره، قال ابن فارس: والعِدْلُ: الذي يعادل في الوزن والقدر، وعَدْلُهُ بالفتح: ما يقوم مقامه من غير جنسه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، وهو مصدر في الأصل، يقال: عَدَلْتُ هذا بهذا عَدْلًا، من باب ضرب: إذا جعلته مِثله، قائمًا مقامه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، وهو أيضًا الفدية، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقال - ﷺ -: «لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ، وَلا عَدْلٌ». انتهى . وقوله: (رِقَابٍ) جمع رقبة، وهي في الأصل: العنق، فجُعلت كنايةً عن جميع ذات الإنسان؛ تسميةً للشيء ببعضه؛ أي: يضاعَف ثوابها حتى يصير مثل أصل ثواب العتق المذكور . وفي رواية عبد الله بن سعيد: «عدل رقبة»، ويوافقه رواية مالك حديث البراء بلفظ: «من قال: لا إله إلا الله»، وفي آخره: «عشر مرات، كنّ له عدل رقبة»، أخرجه النسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم، ونظيره في حديث أبي أيوب عند البخاريّ. وأخرج جعفر الفِرْيابيّ في «الذكر» من طريق الزهريّ: أخبرني عكرمة بن محمد الدؤليّ؛ أن أبا هريرة قال: «من قالها فله عدل رقبة، ولا تعجزوا أن تستكثروا من الرقاب»، ومثله رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، لكنه خالف في صحابيه، فقال: عن أبي عياش الزُّرَقيّ، أخرجه النسائيّ. (وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ) قال الطيبيّ - ﵀ -: جَعَل في هذا الحديث التهليل ماحيًا من السيئات مقدرًا معلومًا، وفي حديث التسبيح جعل التسبيح ماحيًا لها مقدار زبد البحر، فيلزم أن يكون التسبيح أفضل، وقد قال في حديث التهليل: «ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به». أجاب القاضي عياض بأن التهليل المذكور في هذا الحديث أفضل؛ لأن جزاءه مشتمل على محو السيئات، وعلى عتق عشر رقاب، وعلى إثبات مائة حسنة، والحرز من الشيطان . (وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا) بكسر الحاء المهملة، وسكون الراء، وبالزاي؛ أي: حِصْنًا مانعًا (مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ)؛ أي: في اليوم الذي قال فيه ذلك، وهو منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ «حِرْزًا». (ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ) قال القرطبيّ - ﵀ -: يعني: أن الله تعالى يحفظه من الشيطان في ذلك اليوم، فلا يقدر أن يَحمله على زلّة، أو وسوسة ببركة تلك الكلمات. انتهى. وفي رواية عبد الله بن سعيد: «وحُفظ يومه حتى يمسي»، وزاد: «ومن قال مثل ذلك حين يمسى كان له مثل ذلك»، ومثل ذلك في طرق أخرى يأتي التنبيه عليها بعدُ. (وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ) وللبخاريّ: «ولم يأت أحد بأفضل مما جاء»، (إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) قال القرطبيّ - ﵀ -: معنى «عَمِل»: قال، فسمّى القول عملًا، كما قد صرح به في الرواية الأخرى، والذِّكر من الأعمال التي لا تنفع إلا بالنيّة، والإخلاص. انتهى . وفي رواية البخاريّ: «إلا رجل عَمِل أكثر منه»، وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: «لم يجئ أحد بأفضل من عمله، إلا من قال أفضل من ذلك»، أخرجه النسائيّ بسند صحيح إلى عمرو، قال في «الفتح»: والاستثناء في قوله: «إلا رجل» منقطع، والتقدير: لكن رجل قال أكثر مما قاله، فانه يزيد عليه، ويجوز أن يكون الاستئناء متصلًا. انتهى . وقال الزرقانيّ - ﵀ -: قوله: «إلا أحد» استثناء منقطع؛ أي: لكن أحد عمل أكثر مما عمل، فإنه يزيد عليه، أو متّصل بتأويل. قال ابن عبد البرّ: فيه تنبيه على أن المائة غاية في الذكر، وأنه قلّ من يزيد عليه، وقال: إلا أحد؛ لئلا يُظَنّ أن الزيادة على ذلك ممنوعة، كتكرار العمل في الوضوء. ويَحْتَمِل أن يريد: لا يأتي أحد من سائر أبواب البرّ بأفضل مما جاء به، إلا أحد عَمِل من هذا الباب أكثر من عمله، ونحوه قول القاضي عياض: ذِكْرُ المائة دليل على أنها غاية للثواب المذكور، وقوله: «إلا أحد» يَحْتَمِل أن يريد الزيادة على هذا العدد، فيكون لقائله من الفضل بحسابه؛ لئلا يُظَنّ أنه من الحدود التي نُهي عن اعتدائها، وأنه لا فضل في الزيادة عليها، كما في ركعات السنن المحدودة، وأعداد الطهارة. ويَحْتَمِل أن تراد الزيادة من غير هذا الجنس من الذكر وغيره؛ أي: إلا أن يزيد أحد عملًا آخر من الأعمال الصالحة. وظاهر إطلاق الحديث يقتضي أن الأجر يحصل لمن قال هذا التهليل في اليوم متواليًا، أو مفرَّقًا في مجلس، أو مجالس، في أول النهار، أو في آخره، لكن الأفضل أن يأتي به متواليًا في أول النهار؛ ليكون له حِرزًا في جميع نهاره، وكذا في أول الليل؛ ليكون له حرزًا في جميع ليله. انتهى . (وَمَنْ) شرطيّة جوابها قوله: «حُطّت خطاياه»، (قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ) معناه: تنزيهَ الله عما لا يليق به، من كل نقص، فيلزم نفي الشريك، والصاحبة، والولد، وجميع الرذائل، ويُطلق التسبيح، ويراد به جميع ألفاظ الذكر، ويُطلق، ويراد به صلاة النافلة، وأما صلاة التسبيح فسمِّيت بذلك؛ لكثرة التسبيح فيها، و«سبحان» اسم منصوب على أنه واقع موقع المصدر لفعل محذوف، تقديره: سَبَّحتُ الله سُبحانًا، كسبحت الله تسبيحًا، ولا يُستعمل غالبًا إلا مضافًا، وهو مضاف إلى المفعول؛ أي: سبحت اللهَ، ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل؛ أي: نَزَّه اللهُ نفسه، والمشهور الأول، وقد جاء غير مضاف في الشعر، كقوله: سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَانًا أُنَزِّهُهُ وقال في «العمدة»: قوله: «سبحان الله» اسم مصدر للتسبيح، وقيل: بل سبحان مصدر؛ لأنه سُمع له فعل ثلاثيّ، وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، وقد يُفرد، وإذا أُفرد مُنع الصرفَ؛ للتعريف، وزيادة الألف والنون، كقوله: أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ … سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ وجاء مُنوّنًا، كقوله: سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَانًا يَعُودُ لَهُ … وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجَمَدُ فقيل: صُرف ضرورةً، وقيل: هو بمنزلة قبلُ، وبعدُ، إن نُوي تعريفه بقي على حاله، وإن نُكِّر أُعرب منصرفًا، وهذا البيت يساعد على كونه مصدرًا، لا اسم مصدر، ولوروده منصرفًا، ولقائل القول الأول أن يجيب عنه بأن هذا نكرة، لا معرفة، وهو من الأسماء اللازمة النصب على المصدرية، فلا ينصرف، والناصب له فِعل مقدَّر، لا يجوز إظهاره، وعن الكسائيّ: إنه مُنادًى، تقديره: يا سبحانك، ومنعه جمهور النحويين، وهو مضاف إلى المفعول؛ أي: سبحت اللهَ، ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل؛ أي: نَزَّه اللهُ نفسَهُ، والأول هو المشهور، ومعناه: تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص، فيلزم نفي الشريك، والصاحبة، والولد، وجميع الرذائل، ويُطلق التسبيح، ويراد به جميع ألفاظ الذكر، ويُطلق ويراد به الصلاة النافلة. انتهى . وقال ابن الأثير - ﵀ -: قد تكرر في الحديث ذِكر التسبيح على اختلاف تصرف اللفظة، وأصل التسبيح: التنزيه، والتقديس، والتبرئة من النقائص، ثم استُعمل في مواضعَ تقرُب منه اتساعًا، يقال: سبّحتة أسبّحة تسبيحًا وسبحانًا، فمعنى سبحان الله: تنزيه الله، وهو نصب على المصدر بفعل مضمر، كأنه قال: أبرئ الله من السوء براءة. وقيل: معناه: التسرّع إليه، والخفة في طاعته. وقيل: معناه: السرعة إلى هذه اللفظة. وقد يُطلق التسبيح على غيره، من أنواع الذكر مجازًا؛ كالتحميد، والتمجيد، وغيرهما. وقد يُطلق على صلاة التطوع، والنافلة. ويقال أيضًا للذكر، ولصلاة النافلة: سبحة، يقال: قضيت سبحتي، والسبحة من التسبيح، كالسُّخْرة من التسخير. وإنما خُصَّت النافلة بالسبحة، وإن شارَكَتْها الفريضة في معنى التسبيح؛ لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة: سبحة؛ لأنها نافلة كالتسبيحات، والأذكار في أنها غير واجبة. انتهى . (وَبِحَمْدِهِ) قيل: الواو للحال، والتقدير: أسبّح الله متلبسًا بحمدي له، من أجل توفيقه، وقيل: عاطفة، والتقدير: أسبّح الله، وأتلبّس بحمده، ويَحْتَمِل أن يكون الحمد مضافًا للفاعل، والمراد من الحمد: لازِمه، أو ما يوجب الحمد من التوفيق، ونحوه، ويَحْتَمِل أن تكون الباء متعلقة بمحذوف متقدم، والتقدير: وأثني عليه بحمده، فيكون «سبحان الله» جملة مستقلّة، «وبحمده» جملة أخرى. وقال الخطابيّ في حديث «سبحانك اللَّهُمَّ ربنا وبحمدك»: أي: بقوّتك التي هي نعمة توجب عليّ حمدك سبّحتك، لا بحولي، وبقوتي، كأنه يريد: أن ذلك مما أقيم فيه السبب مقام المسبَّب، قاله في «الفتح» . (فِي يَوْمٍ) متعلّق بـ «قال»، (مِائَةَ مَرَّةٍ) صفة لمصدر مقدّر؛ أي: قولًا مائة مرّة، (حُطَّتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: أزيلت، ومُحيت (خَطَايَاهُ) وفي نسخة: «حُطّت عنه خطاياه»، (وَلَوْ كَانَتْ) تلك الخطايا في الكثرة (مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ«)»الزبد«بفتحتين: هو ما يعلو على وجه البحر عند هيجانه، واختصاص هذه الألفاظ بالذكر، واعتبار الأعداد المعيَّنة بحكمة تخصّها، لا يَطّلع عليها إلا من أمدّه الله تعالى بنور الوحي. وقال في«الفتح»: زاد في رواية:«من قال حين يمسي، وحين يصبح»، ويأتي في ذلك ما ذكره النوويّ من أن الأفضل أن يقول ذلك متواليًا في أول النهار، وفي أول الليل، والمراد بقوله:«وإن كانت مثل زبد البحر»: الكناية عن المبالغة في الكثرة، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٦٨١٨] (٢٦٩١)، و(البخاريّ) في«بدء الخلق»(٣٢٩٣) و«الدعوات»(٦٤٠٣)، و(الترمذيّ) في«الدعوات»(٣٤٦٨)، و(النسائيّ) في«عمل اليوم والليلة»(٢٥ و٢٦)، و(ابن ماجه) في«الآداب»(٣٧٩٨)، و(مالك) في«الموطّأ»(١/ ٢٠٩)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٨٤٩)، و(البيهقيّ) في«شُعب الإيمان»(١/ ٤٢٢)، و(الطبرانيّ) في«الدعاء»(١/ ١٢٦)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة» (١٢٧٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الذكر بما جاء في هذا الحديث. ٢ - (ومنها): بيان أن الذكر فضله عظيم، وإن كان من الأفعال التي لا مشقّة فيها، بل هي متيسّرة على الجميع، حيث إنها تُفعل قيامًا، وقعودًا، وعلى الجُنوب، وماشيًا، ومشتغلًا بأشغال أخرى، ومع هذا كلّه يحصل بها من الأجر ما لا يحصل بالأعمال الشاقّة، بل هي أفضل من الجهاد، والإنفاق في سبيل الله، وغير ذلك من الأعمال، فقد أخرج الترمذيّ من حديث أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟»، قالوا: بلى، قال: «ذِكر الله تعالى» ، وهو حديث صحيح. ٣ - (ومنها): بيان سعة فضل الله - ﷾ - على عباده حيث شرع لهم الذي الميسور لكلّ أحد، ورتّب عليه الثواب الجزيل، فيُدرك العبد في أيام معدودة من الأجر والثواب ما يُدركه في سنين مديدة بغيره من الأعمال، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث فيه دليل على أنه لو قال هذا التهليل أكثر من مائة مرة في اليوم، كان له هذا الأجر المذكور في الحديث على المائة، ويكون له ثواب آخر على الزيادة، وليس هذا من الحدود التي نُهي عن اعتدائها، ومجاوزة أعدادها، وأن زيادتها لا فضل فيها، أو تبطلها، كالزيادة في عدد الطهارة، وعدد ركعات الصلاة. ويَحْتَمِل أن يكون المراد: الزيادة من أعمال الخير، لا من نفس التهليل. ويَحْتَمِل أن يكون المراد: مطلق الزيادة، سواء كانت من التهليل، أو من غيره، أو منه ومن غيره، وهذا الاحتمال أظهر، والله أعلم . ٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: وهذه الأجور العظيمة، والعوائد الجمة، إنما تحصل كاملة لمن قام بحق هذه الكلمات، فأحضر معانيها بقلبه، وتأمّلها بفهمه، واتضحت له معانيها، وخاض في بحار معرفتها، ورتع في رياض زهرتها، ووصل فيها إلى عين اليقين، فإنْ لم يكن، فإلى علم اليقين، وهذا هو الإحسان في الذكر، فإنَّه من أعظم العبادات، وقد قال - ﷺ - فيما قدَّمناه في الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنَّه يراك»، متَّفقٌ عليه. ثم لمّا كان الذاكرون في إدراكاتهم، وفهومهم مختلفين، كانت أجورهم على ذلك، بحَسَب ما أدركوا، وعلى هذا يُنَزّل اختلاف مقادير الأجور، والثواب المذكور في أحاديث الأذكار، فإنك تجد في بعضها ثوابًا عظيمًا مضاعَفًا، وتجد تلك الأذكار بأعيانها في رواية أخرى أكثر، أو أقل، كما اتَّفَق هنا في حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدّم، فإنَّ فيه ما ذكرناه من الثواب، وتجد تلك الأذكار بأعيانها، وقد علّق عليها من ثواب عِتْق الرقاب أكثر مما علقه على حديث أبي هريرة، وذلك أنه قال في حديث أبي هريرة: «من قال ذلك في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب»، وفي حديث أبي أيوب: «من قالها عشر مرات كانت له عدل أربع رقاب»، وعلى هذا فمن قال ذلك مائة مرة كانت له عدل أربعين رقبة، وكذلك تجده في غير هذه الأذكار، فيرجع الاختلاف الذي في الأجور لاختلاف أحوال الذاكرين، وبهذا يرتفع الاضطراب بين أحاديث هذا الباب ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قال القاضي عياض ﵀ : قوله: «حُطّت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر»، مع قوله في التهليل: «مُحيت عنه مائة سيئة» قد يُشعر بأفضلية التسبيح على التهليل؛ يعني: لأن عدد زبد البحر أضعاف أضعاف المائة، لكن تقدّم في التهليل: «ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به»، فيَحْتَمِل أن يُجمع بينهما بأن يكون التهليل أفضل، وأنه بما زِيد من رَفْع الدرجات، وكَتْب الحسنات، ثم ما جُعل مع ذلك من فضل عتق الرقاب، قد يزيد على فضل التسبيح، وتكفيره جميع الخطايا؛ لأنه قد جاء: من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار، فحصل بهذا العتق تكفير جميع الخطايا عمومًا بعد حصر ما عدّد منها خصوصًا، مع زيادة مائة درجة، وما زاده عتق الرقاب الزيادة على الواحدة، ويؤيده الحديث الآخر: «أفضل الذكر التهليل»، وأنه أفضل ما قاله، والنبيّون من قبله، وهو كلمة التوحيد، والإخلاص، وقيل: إنه اسم الله الأعظم، وقد مَضَى شرح التسبيح، وأنه التنزيه عما لا يليق بالله تعالى، وجميع ذلك داخل في ضمن: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». انتهى ملخصًا. قال الحافظ: وحديث: «أفضل الذكر لا إله إلا الله» أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم، من حديث جابر - ﵁ -، ويعارضه في الظاهر حديث أبي ذرّ: «قلت: يا رسول الله، أخبرني بأحبّ الكلام إلى الله، قال: إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده»، أخرجه مسلم، وفي رواية: «سئل: أيّ الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفاه الله لملائكته: سبحان الله وبحمده». وقال الطيبيّ ﵀: في الكلام على حديث أبي ذرّ - ﵁ - فيه تلميح بقوله تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ويمكن أن يكون قوله: «سبحان الله وبحمده» مختصرًا من الكلمات الأربع، وهي: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»؛ لأن «سبحان الله» تنزيهٌ له عما لا يليق بجلاله، وتقديس لصفاته من النقائص، فيندرج فيه معنى «لا إله إلا الله»، وقوله: «وبحمده» صريح في معنى «والحمد لله»؛ لأن الإضافة فيه بمعنى اللام في الحمد، ويستلزم ذلك معنى «الله أكبر»؛ لأنه إذا كان كل الفضل والإفضال لله، ومن الله، وليس من غيره شيء من ذلك، فلا يكون أحد أكبر منه، ومع ذلك كله فلا يلزم أن يكون التسبيح أفضل من التهليل؛ لأن التهليل صريح في التوحيد، والتسبيح متضمِّن له، ولأن نفي الآلهة في قول: «لا إله» نفي لمضمونها، مِن فِعل الخلق، والرزق، والإثابة، والعقوبة، وقول: «إلا الله» إثبات لذلك، ويلزم منه نفي ما يضادّه، ويخالفه، من النقائص، فمنطوق «سبحان الله» تنزيه، ومفهومه توحيد، ومنطوق «لا إله إلا الله» توحيد، ومفهومه تنزيه؛ يعني: فيكون «لا إله إلا الله» أفضل؛ لأن التوحيد أصل، والتنزيه ينشأ عنه، والله أعلم. وقد جمع القرطبيّ ﵀ بما حاصله: أن هذه الأذكار إذا أُطلق على بعضها أنه أفضل الكلام، أو أحبه إلى الله، فالمراد: إذا انضمت إلى أخواتها، بدليل حديث سمرة - ﵁ - عند مسلم: «أحب الكلام إلى الله أربع، لا يضرك بأيهنّ بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»، ويَحْتَمِل أن يُكتَفَى في ذلك بالمعنى، فيكون من اقتصر على بعضها كفى؛ لأن حاصلها التعظيم، والتنزيه، ومن نزَّهه فقد عظَّمه، ومن عظمه فقد نزهه. انتهى. وقال النوويّ ﵀ : هذا الإطلاق في الأفضلية محمول على كلام الآدميّ، وإلا فالقرآن أفضل الذكر. وقال البيضاويّ: الظاهر أن المراد من الكلام: كلام البشر، فإن الثلاث الأُوَل، وإن وُجدت في القرآن، لكن الرابعة لم توجد فيه، ولا يفضل ما ليس فيه على ما هو فيه. قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يُجمع بأن تكون «من» مضمرة في قوله: «أفضل الذكر لا إله إلا الله»، وفي قوله: «أحب الكلام» بناءً على أن لفظ أفضل وأحب متساويان في المعنى، لكن يظهر مع ذلك تفضيل «لا إله إلا الله»؛ لأنها ذُكرت بالتنصيص عليها بالأفضلية الصريحة، وذُكرت مع أخواتها بالأحبية، فحصل لها التفضيل تنصيصًا وانضمامًا، والله أعلم. وأخرج الطبريّ من رواية عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «إن الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله عملًا حتى يقولها، وإذا قال: الحمد لله، فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبدٌ حتى يقولها». ومن طريق الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: «من قال: لا إله إلا الله، فليقل على إثرها: الحمد لله رب العالمين». [تكميل]: أخرج النسائيّ بسند صحيح، عن أبي سعيد، عن النبيّ - ﷺ -: «قال موسى: يا رب علِّمني شيئًا أذكرك به، قال: قل: لا إله إلا الله. . .» الحديث، وفيه: «لو أن السماوات السبع، وعامرهنّ والأرضين السبع، جُعلن في كِفّة، ولا إله إلا الله في كِفّة، لمالت بهنّ لا إله إلا الله»، فيؤخذ منه أن الذكر بلا إله إلا الله أرجح من الذكر بالحمد لله. ولا يعارضه حديث أبي مالك الأشعريّ - ﵁ -، رفعه: «والحمد لله تملأ الميزان»، فإن الملء يدلّ على المساواة، والرجحانُ صريح في الزيادة، فيكون أَولى، ومعنى «ملء الميزان»: أن ذاكرها يمتلئ ميزانه ثوابًا. وقال ابن بطال ﵀: هذه الفضائل الواردة في فضل الذكر إنما هي لأهل
مصادر المؤلف (٢١)

١. وفي نسخة:«حُطّت عنه خطاياه».

٢. «شرح الزرقاني على الموطّأ» ٢/ ٣٥.

٣. «شرح الزرقانيّ» ٢/ ٣٥.

٤. «الفتح» ١٤/ ٤٤٦.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٣٩٦.

٦. «مرقاة المفاتيح»٥/ ٢١٤.

٧. «مرقاة المفاتيح»٥/ ٢١٤.

٨. «المفهم» ٧/ ٢١.

٩. «الفتح» ١٤/ ٤٤٧، «كتاب الدعوات» رقم (٦٤٠٣).

١٠. «شرح الزرقانيّ» ٢/ ٣٦.

١١. «الفتح» ١٤/ ٤٥٤، «كتاب الدعوات» رقم (٦٤٠٣).

١٢. «الْجَمَد» محرّكةً: الثلج. «ق».

١٣. «عمدة القاري» ٢٣/ ٢٥.

١٤. «النهاية في غريب الأثر» ٢/ ٨٣٣.

١٥. «الفتح» ١٣/ ٥٤١.

١٦. «جامع الترمذيّ» ٥/ ٤٥٩.

١٧. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٧.

١٨. «المفهم» ٧/ ٢٠ - ٢١.

١٩. «إكمال المعلم» ٨/ ١٩٢.

٢٠. «المفهم» ٧/ ١٩.

٢١. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٤.