HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٣٥

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مولى ابن مزهر، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت فلا، أو فلم يستجب لي».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص87
ج ٤ ص ٢٠٩٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦١٨
[٨٦٤] وقوله: (يَسْتَحْسِر) ؛ يقال: حَسَرَت الدابة واستَحْسَرَت، أي: أعيت، وروي: (ادْعُوا الله وَلَا تَسْتَحْسِرُوا) قال النضر: أي لا تملوا . ومن باب ما روي في فتنة النساء
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص٤٥٢
(٢٥) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَجَابُ لِلدَّاعِي مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: دَعَوْتُ، فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٠٩] (٢٧٣٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، فَلَا -أَوْ- فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ الإمام، تقدّم قريبًا. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام المشهور، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ) سعد بن عُبيد الزهريّ، مولى عبد الرحمن بن أزهر، يكنى أبا عبيد المدنيّ، ثقةٌ [٣] وقيل: له إدراك، مات سنة (٩٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٣/ ٣٩٠. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، تقدّم قبل أربعة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك وغيره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁-، قد سبق القول فيه غير مرّة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) تقدّم أن اسمه سعد بن عُبيد، وكنيته أبو عبيد. (مَوْلَى) عبد الرحمن (ابْنِ أَزْهَرَ) ويقال له أيضًا: مولى عبد الرحمن بن عوف، كما في الرواية التالية؛ لأنهما ابنا عمّ، وَكَانَ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَأَهْلِ الْفِقْهِ بالمدينة. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ (أَن رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «يُسْتَجَابُ) من الاستجابة، بمعنى الإجابة، تقول العرب: استجبتك؛ أي: أجبتك، قال كعب بن الغنويّ [من الطوبل]: وَدَاع دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَى … فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ والمعنى: أنه يُستجاب دعاء الداعي بعد استيفاء شروط الإجابة، كما بُيّن في الحديث الثالث:«لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل». (لأَحَدِكُمْ)؛ أي: كل واحد منكم؛ إذ اسم الجنس المضاف يفيد العموم على الأصحّ. (مَا) مصدريّة ظرفيّة، (لَمْ يَعْجَلْ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِب؛ أي: مدة عدم عَجَله، وقوله:«دعوت فلم يُستجب لي»بيان، وتفسير للعجلة، (فَيَقُولُ) بالنصب لا غير. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال في«العمدة»، والذي يظهر لي أنه يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة: الجزم إن صحّت الرواية عطفًا على«يعجل»، والرفع على الاستئناف، والنصب بأن مضمرة بعد الفاء السببيّة، كما قال في«الخلاصة»: وَبَعْدَ فَا جَوَاب نَفْي أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ«أَنْ»وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ ونظيره قولهَ تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ بعد قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٤]. وإلى جواز هذه الأوجه أشار ابن مالك في«الخلاصة»حيث قال: وَالْفِعْلُ مِنْ بَعْدِ الْجَزَا إِنْ يَقْتَرِنْ … بِالْفَا أَوِ الْوَاوِ بِتَثْلِيثٍ قَمِنْ فقد قرئ قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ﴾ بالأوجه الثلاثة، واللَّه تعالى أعلم. (قَدْ دَعَوْتُ، فَلَا) يستجاب لي، (أَوْ) للشك من الراوي؛ أي: قال: (فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي») قال ابن بطال -﵀-: المعنى أنه يسأم، فيترك الدعاء، فيكون كالمانّ بدعائه، أو أنه أتى من الدعاء ما يستحقّ به الإجابة، فيصير كالمبخِّل للربّ الكريم، الذي لا تُعجزه الإجابة، ولا ينقصه العطاء. وقد وقع في رواية أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي هريرة الآتي بعد حديث: «لا يزال يستجاب للعبد، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، وما لم يستعجل، قيل: وما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك، ويدع الدعاء»، ومعنى قوله: «يستحسر»، وهو بمهملات: ينقطع، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٦٩٠٩ و٦٩١٠ و٦٩١١] (٢٧٣٥)، و(البخاريّ) في «الدعوات» (٦٣٤٠) وفي «الأدب المفرد» (٦٥٤)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٢١٣)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٤٨٤)، و(الترمذيّ) في «الدعوات» (٣٣٨٧ و٣٦٠٨)، و(ابن ماجه) في «الدعاء» (٣٨٥٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٠/ ٤٤١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٩٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٩٧٥)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (١/ ٣٧٤ و٣٧٥)، و(الطبرانيّ) في «الدعاء» (١/ ٤٤ و٤٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على الدعاء، والإلحاح على اللَّه تعالى في المسألة، وأن لا ييأس الداعي من الإجابة، ولا يسأم الرغبة، فإنه يستجاب له، أو يكفّر عنه من سيئاته، أو يدَّخر له، فإن الدعاء عبادة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] فسمى الدعاء عبادة، ومن أدمن قرع الباب يوشك أن يُفتَح له، ولا يملّ اللَّه -﷿- من العطاء، حتى يملّ العبد من الدعاء، ومن عَجِل، وتبَرّم، فنفسه قد ظلم. قال ابن عبد البرّ -﵀-: روينا عن مروان العجليّ أنه قال: سألت ربي عشرين سنة في حاجة، فما قضاها حتى الآن، وأنا أدعوه فيها، ولا أيأس من قضائها. انتهى . ٢ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: وفي هذا الحديث أدبٌ من آداب الدعاء، وهو أنه يلازم الطلب، ولا ييأس من الإجابة؛ لِمَا في ذلك من الانقياد، والاستسلام، وإظهار الافتقار، حتى قال بعض السلف: لأنَا أشدّ خشية أن أُحرم الدعاء، من أن أُحرم الإجابة، وكأنه أشار إلى حديث ابن عمر، رفعه: «من فُتح له منكم باب الدعاء، فتحت له أبواب الرحمة. . .» الحديث، أخرجه الترمذيّ بسند ليّن، وصححه الحاكم، فوَهِمَ. وقال الداوديّ: يُخشى على من خالف، وقال: قد دعوت فلم يُستجب لي أن يُحرم الإجابة، وما قام مقامها من الادّخار، والتكفير. انتهى. وقد وردت أحاديث دالّة على أن دعوة المؤمن لا تردّ، وأنها إما أن تعجِّل له الإجابة، وإما أن تَدفع عنه من السوء مثلها، وإما أن يدّخر له في الآخرة خير مما سأل. فأشار الداودي إلى ذلك، وإلى ذلك أشار ابن الجوزيّ بقوله: اعلم أن دعاء المؤمن لا يردّ، غير أنه قد يكون الأَولى له تأخير الإجابة، أو يُعَوَّض بما هو أَولى له عاجلًا، أو آجلًا، فينبغي للمؤمن أن لا يترك الطلب من ربه، فإنه متعبَّد بالدعاء، كما هو متعبَّد بالتسليم، والتفويض. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قاله أبو عمر بن عبد البرّ -﵀-: في هذا الحديث دليل على تخصيص قول اللَّه -﷿-: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وأن الآية ليست على عمومها، ألا ترى أن هذه السُّنَّة الثابتة خَصّت منها الداعي إذا عَجِل، فقال: قد دعوت، فلم يستجب لي، والدليل على صحة هذا التأويل قول اللَّه -﷿-: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]، ولكن قد رُوي عن النبيّ -ﷺ- في الإجابة، ومعناها ما فيه غِنًى عن قول كل قائلّ، وهو حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة، ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاث: فإما أن يعجّل له دعوته، وإما أن يؤخّرها له في الآخرة، وإما أن يكفّر عنه، أو يكفّ عنه من السوء مثلها» . قال: وفيه دليل على أنه لا بدّ من الإجابة على إحدى هذه الأوجه الثلاثة، فعلى هذا يكون تأويل قول اللَّه ﷿واللَّه أعلم- ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾، أنه يشاء، وأنه لا مُكرِه له، ويكون قوله -﷿-: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، على ظاهره، وعمومه، بتأويل حديث أبي سعيد المذكور، واللَّه أعلم بما أراد بقوله، وبما أراد رسول اللَّه -ﷺ-، والدعاء خير كله، وعبادة، وعملٌ حسنٌ، واللَّه لا يضيع أجر من أحسن عملًا. وقد روي عن أبي هريرة -﵁-؛ أنه كان يقول: ما أخاف أن أُحرم الإجابة، ولكني أخاف أن أُحرم الدعاء. قال: وهذا عندي على أنه حَمَل آية الإجابة على العموم، والوعد، واللَّه لا يخلف الميعاد. وروي عن بعض التابعين أنه كان يقول: الداعي بلا عمل كالرامي بلا وَتَر. ورُوي عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «لا يقبل اللَّه دعاء من قلب لاهٍ، فادعوه، وأنتم موقنون بالإجابة» ، وقد علمنا أن ليس كل الناس تجاب دعوته، ولا في كل وقت تجاب دعوة الفاضل، وأن دعوة المظلوم لا تكاد تُرَدّ. انتهى كلام ابن عبد البرّ -﵀- ، وهو تحقيق نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم. قال الحافظ: صالح المريّ لا شك في زهده، لكن تركه أبو داود، والنسائيّ، وقال في «التقريب»: صالح بن بشير المرّيّ، أبو بِشر البصريّ القاصّ الزاهد ضعيف من السابعة، مات سنة (١٧٢) وقيل: بعدها. ٤ - (ومنها): ما قال في «الفتح»: ومن جملة آداب الدعاء تحري الأوقات الفاضلة؛ كالسجود، وعند الأذان، ومنها تقديم الوضوء، والصلاة، واستقبال القبلة، ورفع اليدين، وتقديم التوبة، والاعتراف بالذنب، والإخلاص، وافتتاحه بالحمد، والثناء، والصلاة على النبيّ -ﷺ-، والسؤال بالأسماء الحسنى وأدلة ذلك كلّه واضحة من الكتاب والسنن الصحيحة. وقال الكرمانيّ -﵀- ما ملخصه: الذي يُتصوّر في الإجابة وعدمها أربع صور: الأُولى: عدم العجلة، وعدم القول المذكور، الثانية: وجودهما، الثالثة، والرابعة: عدم أحدهما، ووجود الآخر، فدلّ الخبر على أن الإجابة تختصّ بالصورة الأولى، دون الثلاث، قال: ودلّ الحديث على أن مطلق قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ مقيّد بما دلّ عليه الحديث. قال الحافظ: وقد أُوِّل الحديث المشار إليه قبلُ على أن المراد بالإجابة ما هو أعمّ من تحصيل المطلوب بعينه، أو ما يقوم مقامه، ويزيد عليه، واللَّه أعلم. (المسألة الرابعة): قد ذكر في «الفتح» في أول «كتاب الدعوات» بحثًا جيّدًا متعلّقًا بالدعاء، وذلك أنه تكلّم على الآية التي أوردها البخاريّ -﵀- في الترجمة، وهي قول اللَّه تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية. قال: وهذه الآية ظاهرة في ترجيح الدعاء على التفويض، وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء، والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن الآية بأن آخرها دلّ على أن المراد بالدعاء: العبادة؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠]، واستدلّوا بحديث النعمان بن بشير -﵄-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ الآية، أخرجه الأربعة، وصححه الترمذيّ، والحاكم. وشذّت طائفة، فقالوا: المراد بالدعاء في الآية: ترك الذنوب، وأجاب الجمهور أن الدعاء من أعظم العبادة، فهو كالحديث الآخر: «الحج عرفة»؛ أي: معظم الحج، ورُكْنه الأكبر، ويؤيده ما أخرجه الترمذيّ من حديث أنس -﵁-، رفعه: «الدعاء مُخّ العبادة» . وقد تواردت الآثار عن النبيّ -ﷺ- بالترغيب في الدعاء، والحثّ عليه؛ كحديث أبي هريرة -﵁-، رفعه: «ليس شيء أكرم على اللَّه من الدعاء»، أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم، وحديثه رفعه: «من لم يسأل اللَّه يغضب عليه»، أخرجه أحمد، والبخاريّ في «الأدب المفرد»، والترمذيّ، وابن ماجه، والبزار، والحاكم، كلهم من رواية أبي صالح الْخُوزيّ -بضم الخاء المعجمة، وسكون الواو، ثم زاي- عنه، وهذا الخوزي مختلَف فيه، ضعّفه ابن معين، وقوّاه أبو زرعة. قال الحافظ: وظنّ الحافظ ابن كثير أنه أبو صالح السمّان، فجزم بأن أحمد تفرّد بتخريجه، وليس كما قال، فقد جزم شيخه المزيّ في «الأطراف» بما قلته. ووقع في رواية البزار، والحاكم، عن أبي صالح الْخُوزيّ، سمعت أبا هريرة. قال الطيبيّ -﵀-: معنى الحديث: أن من لم يسأل اللَّه يُبغضه، والمبغوض مغضوب عليه، واللَّه يحب أن يُسأل. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: وإلى معنى هذا الحديث أشار من قال، وأجاد في المقال [من البسيط]: لَا تَسْأَلَنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَاجَةً … وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لَا تُحْجَبُ اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ … وَبُنَيّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ قال: ويؤيده حديث ابن مسعود -﵁- رفعه: «سلوا اللَّه من فضله، فإن اللَّه يحب أن يُسأل»، أخرجه الترمذيّ . وله من حديث ابن عمر -﵄- رفعه: «إن الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، فعليكم عباد اللَّه بالدعاء»، وفي سنده لِيْن، وقد صححه مع ذلك الحاكم. وأخرج الطبرانيّ في «الدعاء» بسند رجاله ثقات، إلا أن فيه عنعنة بقية، عن عائشة -﵂-، مرفوعًا: «إن اللَّه يحب الملحين في الدعاء». وقال الشيخ تقيّ الدين السبكيّ -﵀-: الأَولى حمل الدعاء في الآية على ظاهره، وأما قوله بعد ذلك ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ فوجْه الربط: أن الدعاء أخص من العبادة، فمن استكبر عن العبادة، استكبر عن الدعاء، وعلى هذا فالوعيد إنما هو في حقّ من ترك الدعاء استكبارًا، ومن فعل ذلك كَفَر، وأما من تَرَكه لمقصد من المقاصد، فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء، والاستكثار منه أرجح من الترك؛ لكثرة الأدلة الواردة في الحثّ عليه. قال الحافظ: وقد دل قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥]، أن الإجابة مشترطة بالإخلاص، وقال الطيبيّ -﵀-: معنى حديث النعمان -﵁- أن تُحْمَل العبادة على المعنى اللغويّ؛ إذ الدعاء هو إظهار غاية التذلل، والافتقار إلى اللَّه تعالى، والاستكانة له، وما شُرعت العبادات إلا للخضوع للباري، وإظهار الافتقار إليه، ولهذا خَتم الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ حيث عبَّر عن عدم التذلل والخضوع بالاستكبار، ووَضَع عبادتي موضع دعائي، وجَعَل جزاء ذلك الاستكبار الصغار، والهوان. وحَكَى القشيريّ في «الرسالة» الخلاف في المسألة، فقال: اختُلف أي الأمرين أَولى: الدعاء، أو السكوت والرضا؟ فقيل: الدعاء، وهو الذي ينبغي ترجيحه؛ لكثرةِ الأدلة؛ ولِمَا فيه من إظهار الخضوع، والافتقار، وقيل: السكوت والرضا أَولى؛ لِمَا في التسليم من الفضل. قال الحافظ: وشُبهتهم أن الداعي لا يعرف ما قُدّر له، فدعاؤه إن كان على وفق المقدور، فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاندة. والجواب عن الأول: أن الدعاء من جملة العبادة؛ لِمَا فيه من الخضوع والافتقار، وعن الثاني أنه إذا اعتقد أنه لا يقع إلا ما قدَّر اللَّه تعالى، كان إذعانًا، لا معاندةً، وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الأمر، ولاحتمال أن يكون المدعوّ به موقوفًا على الدعاء؛ لأن اللَّه خالق الأسباب ومسبَّباتها. قال: وقالت طائفة: ينبغي أن يكون داعيًا بلسانه، راضيًا بقلبه، قال: والأَولى أن يقال: إذا وجد في قلبه إشارة الدعاء، فالدعاء أفضل، وبالعكس. قال الحافظ: القول الأول أعلى المقامات أن يدعو بلسانه، ويرضى بقلبه، والثاني لا يتأتى من كل أحد، بل ينبغي أن يختص به الكُمَّل، قال القشيريّ: ويصح أن يقال: ما كان للَّه، أو للمسلمين فيه نصيب، فالدعاء أفضل، وما كان للنفس فيه حظّ، فالسكوت أفضل. وعَبّر ابن بطال عن هذا القول لمّا حكاه بقوله: يستحب أن يدعو لغيره، ويترك لنفسه. قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى مخالفة هذا القول لهدي النبيّ -ﷺ-، فإنه كان كثير الدعاء لنفسه، ولأمته، وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-، وشرّ الأمور محدثاتها، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: وعمدة من أوّل الدعاء في الآية بالعبادة أو غيرها قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١] وإن كثيرًا من الناس يدعو، فلا يستجاب له، فلو كانت على ظاهرها لم يتخلف. والجواب عن ذلك: أن كل داع يستجاب له، لكن تتنوع الإجابة، فتارة تقع بعين ما دعا به، وتارة بِعِوَضه، وقد ورد في ذلك حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ، والحاكم، من حديث عبادة بن الصامت -﵁-، رفعه: «ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة، إلا آتاه اللَّه إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها». ولأحمد من حديث أبي هريرة -﵁-: «إما ان يعجّلها له، وإما أن يدّخرها له»، وله في حديث أبي سعيد، رفعه: «ما من مسلم يدعو بدعوة، ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها»، وصححه الحاكم. ومن شروط إجابة الدعاء أيضًا: أن يكون طيّب المَطعم والملبس؛ لحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «أيها الناس إن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن اللَّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمدّ يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، فانى يستجاب لذلك؟ «، رواه مسلم. انتهى منقولًا من»الفتح« بتصرّف، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوَّل الكتاب قال: [٦٩١٠] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْب بْنِ لَيْثٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَأَهْلِ الْفِقْهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ رَبِّي، فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ لَيْثٍ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيل فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) وله أربع وستون سنة (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد الإمام المشهور المصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) -بضمّ العين- ابن عَقِيل -بفتح العين- الأيليّ -بفتح الهمزة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم لام- أبو خالد الأُمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) تقدّم أنه مولى عبد الرحمن بن أزهر، ولا تخالُف بينهما؛ لأنهما ابنا عمّ، فيجوز أن يُنسب على كلّ منهما. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، وللَّه الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩١١] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ -وَهُوَ ابْنُ صَالِحٍ- عَنْ رَبيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-؛ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: «يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه الحافظ المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ) بن حدير -بالمهملة، مصغرًا- الحضرميّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، ثقةٌ له أفراد [٧] (ت ١٥٨) وقيل: بعد السبعين ومائة (ر م ٤) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. ٤ - (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ) الدمشقيّ، أبو شعيب الإياديّ القصير، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١ أو ١٢٣) (ع) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. ٥ - (أَبُو إِدْرِيس الْخَوْلَانِيُّ) عائذ اللَّه بن عبد اللَّه، وُلد في حياة النبيّ -ﷺ- يوم حُنين، وسَمِع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين، قال سعيد بن عبد العزيز: كان عالم الشام بعد أبي الدرداء (ع) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. والصحابيّ ذُكر قبله. وقوله: (مَا لَمْ يَدْعُ بِإثْمٍ) وفي رواية «بمأثم»، والمأثم: الأمر الذي يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه. وقوله: (أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ) تخصيص بعد تعميم، والقطيعة؛ أي: الهجران والصدّ؛ أي: تَرْك البرّ إلى الأهل، والأقارب. وقوله: (مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ) وفي الرواية الماضية: «ما لم يعجل» بفتح التحتية، والجيم، بينهما عين ساكنة. وقوله: (فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ). قوله: «يستحسر» بمهملات: استفعال من حَسَر: إذا أعيا، وتَعِب، وتكرارُ «دعوت» للاستمرار؛ أي: دعوت مرارًا كثيرة. وقال النوويّ: قال أهل اللغة: يقال: حَسَر، واستحسر: إذا أعيا، وانقطع عن الشيء، والمراد هنا أنه ينقطع عن الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾؛ أي: لا ينقطعون عنها، ففيه أنه ينبغي إدامة الدعاء، ولا يستبطئ الإجابة. انتهى . وقال المظهريّ: من له ملالة من الدعاء، لا يُقبل دعاؤه؛ لأن الدعاء عبادةٌ، حصلت الإجابة أو لم تحصل، فلا ينبغي للمؤمن أن يَمَلّ من العبادة، وتأخير الإجابة إما لأنه لم يأت وقتها، وإما لأنه لم يقدّر في الأزل قبول دعائه في الدنيا؛ ليعطى عوضه في الآخرة، وإما أن يؤخّر القبول؛ ليُلِحّ ويبالغ في ذلك، فإن اللَّه يحبّ الملحّين في الدعاء، مع ما في ذلك من الانقياد، والاستسلام، وإظهار الافتقار، ومن يُكثر قرع الباب يوشك أن يُفتح له، ومن يكثر الدعاء يوشك أن يستجاب له . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «لا يزال يُستجاب للعبد. . . إلخ»: يعني بالعبد: الصالح لقبول دعائه، فإنَّ إجابة الدعاء لا بدّ لها من شروط في الداعي، وفي الدعاء، وفي الشيء المدعوّ به، فمن شَرْط الداعي أن يكون عالِمًا بأنه لا قادر على حاجته إلا اللَّه تعالى، وأن الوسائط في قبضته، ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو بنيّة صادقة، وحضور قلب، وأن يكون مجتنبًا أكل الحرام، كما قدّمناه، وألا يَمَلّ من الدعاء، فيتركه، ويقول: قد دعوت، فلم يستجب لي، كما قال في الحديث. ومن شروط المدعوّ فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب، والفعلِ شرعًا، كما قال -ﷺ-: «ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم»، فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب، ويدخل في قطيعة الرحم جميع حقوق المسلمين، ومظالمهم. وقد بيّنّا أن الرَّحِم ضربان: رحم الإسلام، ورحم القرابة. قال: و«يستحسر»؛ يعني: وَيمَلّ، يقال: حَسَر البعيرُ يَحْسِرُ، ويَحْسَر حُسورًا: أعيا. واستحسر، وتحسّر مثله، وفائدة هذا: استدامة الدعاء، وترك اليأس من الإجابة، ودوام رجائهما، واستدامة الإلحاح في الدعاء، فإنَّ اللَّه يحبّ الملحّين عليه في الدعاء، وكيف لا؟ والدعاء مخّ العبادة، وخلاصة العبودية، والقائل: قد دعوت، فلم أر يستجاب لي، ويَترك قانطٌ من رحمة اللَّه، وفي صورة الممتنّ بدعائه على ربه، ثم إنه جاهل بالإجابة، فإنه يظنها إسعافه في عين ما طلب، فقد يعلم اللَّه تعالى أن في عين ما طلب مفسدة، فيصرفه عنها، فتكون إجابته في الصرف، وقد يعلم اللَّه أن تأخيره إلى وقت آخر أصلح للداعي، وقد يؤخره لأنه سبحانه يحبّ استماع دعائه، ودوام تضرّعه، فتكثر أجوره حتى يكون ذلك أعظم، وأفضل من عين المدعوّ به لو قُضي له، وقد قال -ﷺ-: «ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدّخر له، وإما أن يكفّر عنه». ثم بعد هذا كله فإجابة الدعاء، وإن وردت في مواضع من الشرع مطلقة فهي مقيّدة بمشيئته، كما قال تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو تحقيق مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٣)

١. وفي نسخة: «أو فلم يستجاب لي».

٢. «الاستذكار»٢/ ٥٢٦.

٣. «الفتح»١٤/ ٣٤٩ - ٣٥٠.

٤. رواه أحمد، والبزّار، والحاكم، وأبو يعلى بأسانيد جيّدة، وقال: صحيح الإسناد، قاله الشيخ الألبانيّ -﵀-.

٥. رواه الترمذيّ، والحاكم، وقال: مستقيم الإسناد، تفرد به صالح المريّ، وهو أحد زهاد البصرة. انتهى.

٦. «التمهيد لابن عبد البرّ» ١٠/ ٢٩٦ - ٢٩٩.

٧. حديث ضعيف، في سنده ابن لهيعة، وهو متكلّم فيه.

٨. حديث ضعيف، في سنده حمّاد بن واقد: ضعيف.

٩. راجع: «الفتح» ١٤/ ٢٧٥ - ٢٧٨.

١٠. «شرح النوويّ» ١٧/ ٥٢.

١١. «شرح الزرقانيّ» ٢/ ٤٨.

١٢. من بابي ضرب، وفَرِح. اهـ. «ق».

١٣. «المفهم» ٧/ ٦٢ - ٦٣.