HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٤٣

حدثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاق الْمُسَيَّبِيُّ. حَدَّثَنِي أَنَسٌ (يَعْنِي ابن عياض، أَبَا ضَمْرَةَ) عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نافع، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﷺ؛ أنه قال «بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر. فأووا إلى غار في جبل. فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل. فانطبقت عليهم. فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمال عملتموها صالحة لله، فادعوا الله تعالى بها، لعل الله يفرجها عنكم. فقال أحدهم: اللهم! إنه كان لي والدان شيخان كبيران. وامرأتي. ولي صبية صغار أرعى عليهم. فإذا أرحت عليهم، حلبت فبدأت بوالدي فسقيتهما قبل بني. وأنه نأى بي ذات يوم الشجر. فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما. فحلبت كما كنت أحلب. فجئت بالحلاب. فقمت عند رؤوسهما. أكره أن أوقظهما من نومهما. وأكره أن أسقي الصبية قبلهما. والصبية يتضاغون عند قدمي. فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منه فرجة، نرى منه السماء. ففرج الله منه فرجة. فرأوا منها السماء. وقال الآخر: اللهم! إنه كان لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال من النساء. وطلبت إليها نفسها. فأبت حتى آتيها بمائة دينار. فتعبت حتى جمعت مائة دينار. فجئتها بها. فلما وقعت بين رجليها. قالت يا عبد الله! اتق الله. ولا تفتح الخاتم إلا بحقه. فقمت عنها. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة. ففرج لهم. وقال الآخر: اللهم! إني كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز. فلما قضى عمله قال: أعطني حقي. فعرضت عليه فرقه فرغب عنه. فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا ورعائها. فجاءني فقال: اتق الله ولا تظلمني حقي. فقلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها. فخذها. فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي فقلت: إني لا أستهزئ بك. خذ ذلك البقر ورعائها. فأخذه فذهب به. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا ما بقي. ففرج الله ما بقي.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص89
ج ٤ ص ٢٠٩٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن أبي داود, صحيح البخاري
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦١٩
[٨٦٧] (نَأَى بِي) ؛ أي: بَعُد بي، و(الحِلَابُ): القَدَح الذي يُحلب فيه، و(الصِّبْيَة): الصبيان، (يَتَضَاغَوْنَ): يصيحون، (دَأَبِي وَدَأبَهُم)؛ أي: شأني وشأنهم، وفي الحديث من الفقه اصطحاب الجماعة في السفر، و(الغَبُوقُ) : طعام العَشِي، وشراب العَشي، والصَّبوح: طعام الغداة، وشراب الغداة، وفيه دليل أن الرجل إذا ذكر أحسن أعماله لربه تعالى عند سؤال حاجةٍ؛ كان ذلك سببا لقضائها، وفيه أن المرء إذا وقع في بلية يتخلص بخيرٍ عَمِلَه وقدَّمه، وفيه أن المرء يمتحن وإن كان صالحا، ثم يُفَرِّج الله عنه، و(الفَرَقُ): قيل: هو ثلاثة آصعٍ، وفي الحديث سنة الإجارة، وفيه أن من أخذ مالا لإنسانٍ؛ فتصرف فيه حتى كثر، أن ذلك لصاحب المال، وفيها أن الرجل إذا قدر على ذنب فتركه؛ كان بعرَض المغفرة. وقوله: (خُذ ذَلِكَ البَقَرَ وَرِعَاءَهَا) يعني: عبيدا اشتراهم بماله يرعَون بقره، وقوله: (فَارْتَعَجَتْ): أي كثرت، قال صاحب الغريبين : فخرجت قريش ولهم ارتعاج، أي: كثرة، يقال: ارتعج ماله؛ أي: كثُر، وقيل: لهمُ ارْتِعَاجٌ؛ أي: بريق وتلألؤ، يقال: ارتعج البرق: إذا تألق، وفي رواية غير الصحيح: (فَثَمَّرتُ أَجْرَهُ) ; أي: كَثَّرتُه بالتصرف فيه، وفي رواية: (فَانصَاحَتِ الصَّخرَةُ) ؛ أي: انشقت، وفي رواية: (بِفَرَقِ ذُرَةٍ) بدل قوله: (بِفَرَقِ أَرُزٍّ)، وفي رواية: (وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ) بدل قوله: (وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ)، والفض: الكسر، وفي رواية: (حَتَّى أَلَمَّتْ بهَا سَنَةٌ) ؛ أي: نزلت بها سَنَة شديدة، وفي رواية: (حَتَّى بَرَقَ الفَجرُ) ؛ أي: طَلَعَ. ومن باب ما روي في التوبة [٨٦٨ - ٨٧٢] حديث: (وَاللهِ لَلَّهُ) اللام: جواب القسم، وهو في موضع الابتداء، وخبره أفرح، و(الدَّوِّيَّةُ) بتشديد الياء والواو: منسوبة إلى الدَّوِّ، وهي أرض ليس بها عَلَم، و(الدَّاوِيَّة) مثلها، قال: إذا عَرَضَتْ داوِيَّةٌ مُدْلَهِمَّةٌ … وغرَّدَ حَادِيهَا فَرَيْنَ لها فِلْقا و(مَهْلِكَةٍ) بفتح الميم، و(القَائِلَة) وقت انتصاف النهار، وقوله: (فَقَالَ تَحْتَ شَجَرَةٍ): هو من القيلولة، وقوله: (فَانسَلَّ بَعِيرُهُ) انسل؛ أي: ذهب على وجهه، وقوله: (فَسَعَى شَرَفًا)؛ أي قدرا من العدو حتى أعيى، ثم فعل مثل ذلك ثانيا، و(القَفْرُ): المكان الخالي، و(جِذْلِ الشَّجَرَة) : أصلها، وقوله: (اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ) أراد أن يقول: أنت ربي وأنا عبدك، فأخطأ لسانه من شدة فرحه بوجدان بعيره.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص٤٩٩
(٢) - (بَابُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٢٤] (٢٧٤٣) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ -يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ أَبَا ضَمْرَةَ- عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ، أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمٍ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً للَّهِ، فَادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي، وَلِيَ صِبْيَةٌ صِغَارٌ، أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ، فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ، حَتَّى طَلَعٍ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَة، نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةً، فَرَأَوْا مِنْهَا المَاءَ، وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ، أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاء، وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَهَبتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَجئْتُهَا بِهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ عَنْهَا، فَإِنْ كنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، فَفَرَجَ لَهُمْ، وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِني حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ، فَرَكِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ، حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا، فَجَاءَني، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي، قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا، فَخُذْهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا، فَأَخَذَهُ، فَذَهَبَ بِهِ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ إِنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللَّهُ مَا بَقِيَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ) هو: محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن المسيَّبيّ، مِن وَلَد المسيَّب بن عابد المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣٦) (م د) تقدم في«الإيمان»٨١/ ٤٣٣. ٢ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ أَبُو ضَمْرَةَ) هو: أنس بن عياض بن ضمرة، أبو عبد الرحمن الليثيّ المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٢٠٠) وله ست وتسعون سنةً (ع) تقدم في«الإيمان»٨١/ ٤٣٣. ٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ، فقيهٌ، مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في«الإيمان»٢٨/ ٢٢٢. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من أوله إلى آخره، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄- (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ:«بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) الإضافة فيه بيانيّة ، و»النفر«: بفتحتين: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفر فيما زاد على العشرة، قاله الفيّوميّ -﵀- . قال الحافظ -﵀-: لَمْ أقف على اسم واحد منهم، وفي حديث عقبة بن عامر عند الطبرانيّ في «الدعاء»: «أن ثلاثة نفر من بني إسرائيل» (يَتَمَشَّوْنَ) وفي رواية: «يمشون»، وفي أخرى: «يتماشون»؛ أي: يسيرون في طريق، وفي حديث عقبة، وكذا في حديث أبي هريرة، عند ابن حبان، والبزار: «أنهم خرجوا يرتادون لأهليهم». (أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ)؛ أي: نزل عليهم بكثرة، مما ألجأهم إلى البحث عما يُكنّهم، (فَأَوَوْا) يجوز قصر ألف «أووا»، ومدّها؛ أي: انضمّوا إلى الغار، وجعلوه لهم مأوى. (إِلَى غَارٍ) الغار: النَّقْب في الجبل، وفي حديث أنس عند أحمد، وأبي يعلى، والبزار، والطبرانيّ: «فدخلوا غارًا، فسقط عليهم حجر، متجاف، حتى ما يرون منه خصاصة»، وفي رواية سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه: «حتى أووا المبيت إلى غار» كذا للبخاريّ، ولمسلم من هذا الوجه: «حتى آواهم المبيت» وهو أشهر في الاستعمال، والمبيت في هذه الرواية منصوب على المفعولية، وتوجيهه أن دخول الغار مِن فِعلهم، فحَسُن أن يُنسب الإيواء إليهم. (فِي جَبَلٍ)؛ أي: في غار كائن في جبل، (فَانْحَطَّتْ)؛ أي: نزلت، ووقعت (عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ)؛ أي: حجر كبير، (مِنَ الْجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ)؛ أي: أغلقت عليهم باب الغار، وغطّتهم، وفي رواية للبخاريّ: «فانطبقت عليهم»، وفيه حذف المفعول، والتقدير: نفسها، أو المَنْفَذ، ويؤيده أن في رواية سالم: «فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدَّت عليهم الغار»، زاد الطبرانيّ في حديث النعمان بن بشير من وجه آخر: «إذ وقع حجر من الجبل، مما يهبط من خشية اللَّه، حتى سَدَّ فم الغار». (فَقَالَ بَعْضُهُمْ)؛ أي: بعض النفر، (لِبَعْضٍ: انْظُرُوا)؛ أي: تفكَّروا، وتذكّروا (أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً) وفي رواية: «خالصة»، (للَّهِ، فَادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا)؛ أي: بتلك الأعمال الصالحة، وبجعلها شفيعة، ووسيلة إلى إجابة الدعوة، وفي رواية للبخاريّ: «فلْيَدْع كل رجل منكم بما يَعلم أنه قد صدق فيه»، وفي رواية له: لا ادعوا اللَّه بأفضل عمل عملتموه«، وفي رواية:»إنه لا ينجيكم إلا أن تدعوا اللَّه بصالح أعمالكم«، وفي حديث أبي هريرة وأنس جميعًا:»فقال بعضهم لبعض: عفا الأثر، ووقع الحجر، ولا يَعلم بمكانكم إلا اللَّه، ادعوا اللَّه بأوثق أعمالكم«. وفي حديث عليّ عند البزار:«تفكروا في أحسن أعمالكم، فادعوا اللَّه بها، لعل اللَّه يفرّج عنكم». وفي حديث النعمان بن بشير:«إنكم لن تجدوا شيئًا خيرًا من أن يدعو كل امرئ منكم بخير عمل عمله قط». (لَعَلَّ اللَّهَ) وفي نسخة:«لعله»؛ أي: على رجاء أنه تعالى، أو لكي (يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ) بضمّ حرف المضارعة، وتشديد الراء المكسورة، من التفريج، ويَحْتَمل أن يكون بفتح أوله، وكسر ثالثه، ففي«القاموس»: فَرَجَ اللَّهُ الغمَّ يَفْرِجه: كشفه، كفَرَّجه، وفي«المصباح»: فرّج اللَّه الغمّ بالتشديد: كشفه، والاسم: الْفَرَج بفتحتين، وفَرَجه فَرْجًا، من باب ضرب لغةٌ، وقد جمع الشاعر اللغتين، فقال [من البسيط]: يَا فَارجَ الْكَرْبِ مَسْدُولًا عَسَاكِرُهُ … كَمَا يُفَرِّجُ غَمَّ الظُّلْمَةِ الْفَلَقُ والمعنى: يزيل هذه الصخرة، أو يكشف هذه الكربة. (فَقَالَ أَحَدُهُمُ)، أي: أحد الثلاثة، (اللَّهُمَّ) قال في«العمدة»: اعلم أن لفظ«اللَّهُمَّ»يُستعمل في كلام العرب على ثلاثة أنحاء: أحدها: للنداء المحض، وهو ظاهر. والثاني: للإيذان بنُدرة المستثني، كقولك بعد كلام: اللَّهُمَّ إلا إذا كان كذا. والثالث: ليدل على تيقن المجيب في الجواب المقترن هو به، كقولك لمن قال: أَزيدٌ قائم: اللَّهُمَّ نعم، أو: اللَّهُمَّ لا، كأنه يناديه تعالى مستشهدًا على ما قال من الجواب، و«اللَّهُمَّ»هذا هنا من هذا القبيل. انتهى . (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده، كما قال ابن مالك في«الكافية»: وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا … بِجُمْلَةٍ كَإِنَّهُ زَيْدٌ قَرَا (كَانَ لِي وَالِدَانِ) وفي رواية:«أبوان»، وهو من باب التغليب؛ لأنَّ المقصود الأب والأمّ. (شَيْخَانِ كَبِيرَانِ) وفي حديث عليّ:«أبوان ضعيفان، فقيران، ليس لهما خادم، ولا راع، ولا وليّ غيري، فكنت أرعى لهما بالنهار، وأَوي إليهما بالليل»، (وَامْرَأَتِي)؛ أي: زوجتي، (وَليَ صِبْيَةٌ) بكسر الصاد، وسكون الموحّدة: جمع صبيّ؛ أي: ولي أيضًا أطفال (صِغَارٌ، أَرْعَى عَلَيْهِمْ) قال ابن الملك: أي: أرعى ماشيتهم، قال الجوهريّ: يقال: فلان يرعى على أبيه؛ أي: يرعى غنمه. اهـ. قال القاري: والتحقيق ما ذكره الطيبيّ من أن الرعي ضُمِّن معنى الإنفاق، فعُدّي بـ«على»؛ أي: أُنفق عليهم، راعيًا الغنيمات، وكذا قوله:«فإذا رُحت عليهم»ضُمّن معنى رَدَدْت؛ أي: إذا رددت الماشية من المرعى إلى موضع مبيتهم . (فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ) من الإراحة، وفي رواية:«فإذا رُحت»، يُقال: أراح فلان الإبلَ: ردَّها إلى الْمُراح بالضمّ، وهو المأوى ، وقال النوويّ -﵀-: معناه: إذا رددت الماشية من المرعى إليهم، وإلى موضع مبيتها، وهو مُراحها بضم الميم، يقال: أرحت الماشيةَ، ورَوّحتها بمعنى. انتهى . وقوله: (حَلَبْتُ) جواب«إذا»؛ أي: حلبت الإبل التي تلي لها حلب، وفي رواية:«فحلبت، بدأت بوالديّ»، وعليه«فحلبت»عطف على«رحت»، وجواب«إذا »قوله:«بدأت». (فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ، فَسَقَيْتُهُمَا) من السقي، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ويقال: أسقيتهما، بالألف، كما في قوله تعالى: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. (قَبْلَ بَنِيَّ) بفتح الموحّدة، وكسر النون، وتشديد التحتانيّة، أصله: بنين لي، جمع ابن، على غير قياس؛ لأنه لم يستوف شروط جمع المذكّر السالم، كما هو معروف في محلّه، ثم حُذفت اللام تخفيفًا، ثم النون للإضافة، ثم أضيف، فأُدغمت الياء في الياء، فصار: بَنِيّ، وفي رواية: «قبل ولدي» بفتحتين، وبضم الواو، وسكون اللام؛ أي: أولادي. (وَإِنَّهُ) بكسر الهمزة، والضمير للشأن أيضًا، (نَأَى بِي)؛ أي: بَعُدَ عليّ، وقال النوويّ -﵀-: قوله: «نأى بي» وفي بعض النسخ: «ناء بي»، فالأول يَجعل الهمزة قبل الألف، وبه قرأ أكثر القراء السبعة، والثاني عكسه، وهما لغتان، وقراءتان، ومعناه: بَعُدَ. (ذَاتَ يَوْمٍ)؛ أي: يومًا من الأيام، (الشَّجَرُ)؛ أي: طلب الشجر الذي ترعاه الإبل، والمراد أنه استطرد مع غنمه في الرعي إلى أن بَعُد عن مكانه زيادةً على العادة، فلذلك أبطأ. وقال في «العمدة»: قوله: «نأى بي الشجر» بالشين المعجمة، والجيم، عند أكثر الرواة، ومعناه: تباعد عن مكان الشجر التي ترعاها مواشينا. انتهى . وفي حديث عليّ: «فإن الكلأ تناءى عليّ»؛ أي: تباعد، والكلأ: المرعي، (فَلَمْ آتِ) لِبُعد المرعى عنهم، (حَتَّى أَمْسَيْتُ)؛ أي: دخلت في وقت المساء، وتأخّرت (فَوَجَدْتُهُمَا)؛ أي: الوالدين، (قَدْ نَامَا)؛ أي: من الضعف، أو من غلبة الانتظار، وكثرة الإبطاء، (فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ) بضم اللام، وكسرها، من بابي نصر، وضرب، على ما في «القاموس». (فَجِئْتُ) إليهما (بِالْحِلَابِ) بكسر أوله، وهو الإناء الذي يُحلب فيه، قيل: وقد يراد بالحلاب هنا: اللبن المحلوب، ذكره الطيبيّ، فيكون مجازًا من ذِكر المحلّ وإرادة الحالّ، قال القاري: والأظهر أنه أتى بالحلاب الذي فيه المحلوب استعجالًا . وقال النوويّ: الحلاب بكسر الحاء: هو الإناء الذي يُحلب فيه، يسع حَلْبة ناقة، ويقال له: المحلب بكسر الميم، قال القاضي: وقد يريد بالحلاب هنا: اللبن المحلوب. انتهى . (فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا) وقوله: (كرَهُ) بفتح الراء، من باب تَعِبَ، والجملة مستأنفة، أو حاليّة. (أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا)؛ أي: لمشقّة ذلك عليهما، (وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيّ) تقدّم أنه بفتح حرف المضارعة، وضمه، مضارع سقي، وأسقي، ثلاثيًّا، ورباعيًّا. (الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا)؛ أي: قبل الوالدين، وقوله: (وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ) جملة في محلّ نصب على الحال، و«يتضاغون» بفتح الغين المعجمة؛ أي: يَضِجّون، ويصيحون ، زاد في رواية البخاريّ: «من الجوع»؛ أي: بسبب الجوع، قال في «الفتح»: وفيه ردّ على من قال: لعل الصياح كان بسبب غير الجوع. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «يتضاغون» بالضاد وبالغين المعجمتين؛ أي: يصيحون، من ضَغَا: إذا صاح، وكل صوت ذليل مقهور يسمى ضَغْوًا، تقول: ضغا يضغو ضغوًا، وضغاءً، وقال الداوديّ: «يتضاغون»؛ أي: يبكون، ويتوجعون، قيل: نفقة الأولاد مقدّمة على نفقة الأصول، وأجيب: بأن دِينهم لعله كان بخلاف ذلك، أو كانوا يطلبون الزائد على سدّ الرمَق، أو كان صياحهم لغير ذلك. انتهى . (عِنْدَ قَدَمَيَّ) بفتح الميم، وتشديد الياء، ويُروى بالكسر، والتخفيف، (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ)؛ أي: ما ذُكر من الوقوف وغيره، (دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ) بالنصب، قال القاري: وفي نسخة بالرفع؛ أي: عادتي، وعادتهم، والضمير للوالدين، والصبية . وقال القرطبيّ -﵀-: الدأب: الحال اللازمة، والعادة المتكررة. انتهى . (حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ) انشق الصبح، وظهر نوره. وفي رواية للبخاريّ: «وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما، فيستَكِنا لِشَرْبتهما»: أما كراهته لإيقاظهما فظاهر؛ لأنَّ الإنسان يَكره أن يُوقَظ من نومه، ووقع في حديث عليّ: «ثم جلست عند رؤوسهما بإنائي كراهية أن أزرقهما، أو أوذيهما»، وفي حديث أنس: «كراهية أن أردّ وَسَنَهما»، وفي حديث ابن أبي أوفى: «وكرهت أن أوقظهما من نومهما، فيشقّ ذلك عليهما»، وأما كراهته أن يدَعَهما فقد فسره بقوله: «فيستكنا لشربتهما»؛ أي: يضعفا؛ لأنه عشاؤهما، وتَرْك العشاء يُهْرِم. وقوله: «يستكنا» من الاستكانة، وقوله: «لِشُربتهما»؛ أي: لعدم شربتهما، فيصيران ضعيفين، مسكينين، والمسكين الذي لا شيء له. انتهى . (فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ) قال في «الفتح»: فيه إشكال؛ لأنَّ المؤمن يَعلم قطعًا أن اللَّه يعلم ذلك. وأجيب بأنه تردد في عمله ذلك، هل له اعتبار عند اللَّه أم لا؟ وكأنه قال: إن كان عملي ذلك مقبولًا، فأجب دعائي، وبهذا التقرير يظهر أن قوله: «اللَّهُمَّ» على بابها في النداء، وقد تَرِد بمعنى تحقق الجواب، كمن يسأل آخر عن شيء، كأن يقول: رأيت زيدًا، فيقول: اللَّهُمَّ نعم، وقد تَرِد أيضًا لندرة المستثني، كأن يقول شيئًا، ثم يستثني منه، فيقول: اللَّهُمَّ إلا إن كان كذا. انتهى . (أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ)؛ أي: طلبًا لمرضاتك، وانتصاب «ابتغاءَ» على أنه مفعول له؛ أي: لأجل ابتغاء وجهك. وفي رواية للبخاريّ: «أني فعلت ذلك من خشيتك»، ووقع في حديث عليّ عند الطبرانيّ: «من مخافتك، وابتغاء مرضاتك»، وفي حديث النعمان: «رجاء رحمتك، ومخافة عذابك»، (فَافْرُجْ) بوصل الهمزة، وضم الراء، من فرج يفرُج الثلاثيّ، وضبطه بعضهم بهمزة قطع، وكسر الراء، من أفرج الرباعي. (لَنَا مِنْهَا فرْجَةً) بضمّ الفاء، وفَتْحها، وقال في «العمدة»: قوله: «فرجة» بضم الفاء، من فرجة الحائط، وهو المراد هنا، وأما الفَرْجة بالفتح، فهي عن الكرب والهم. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: الفرجة بضم الفاء؛ لأنَّه من السعة، فإذا كان بمعنى الراحة قلت فيه: فَرْجة، وفَرَجٌ، وفِعل كل واحد منهما فَرَج بالفتح، والتخفيف، يَفْرُج بالضم لا غير. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «فافرج لنا» أمْر من فَرَج يَفرُج، من باب نصر ينصر، وقال ابن التين: هو بضم الراء في أكثر الأمهات، وقال الجوهريّ: إنه بكسرها، وهو دعاء في صورة الأمر، قال: وقوله: «فرجة» بضم الفاء، وفتحها، والفرجة في الحائط كالشقّ، والفرجة: انفراج الكروب، وقال النحاس: الفرجة بالفتح في الأمر، والفرجة بالضم فيما يُرى من الحائط ونحوه، قال العينيّ: الفرجة هنا بالضم قطعًا على ما لا يخفى. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: من باب نصر ينصر هذا مخالف لِمَا في «الصحاح»، و«القاموس»، و«شرحه»، و«المصباح»، فقد ضُبط في كلها من باب ضرب، لا من باب نصر، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ) جملة في محلّ نصب صفة لـ «فرجةً»، وفيه تقييد لأطلاق قوله في رواية أخرى: «ففَرِّج عنا ما نحن فيه». (فَفَرَجَ) بتخفيف الراء، وتشديدها، (اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةً، فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ) ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: «فانساخت عنهم الصخرة»؛ أي: انشقت، وأنكره الخطابيّ؛ لأنَّ معنى انساخ بالمعجمة: غاب في الأرض، ويقال: انصاخ بالصاد المهملة، بدل السين؛ أي: انشق من قِبَل نفسه، قال: والصواب: انساحت، بالحاء المهملة؛ أي: اتسعت، ومنه ساحة الدار، قال: وانصاح بالصاد المهملة بدل السين؛ أي: تصدع، يقال ذلك للبرق. وتعقّبه الحافظ، فقال: الرواية بالخاء المعجمة صحيحة، وهي بمعنى انشقّت، وإن كان أصله بالصاد، فالصاد قد تُقلب سينًا، ولا سيما مع الخاء المعجمة، كالصخر والسخر، ووقع في حديث سالم: «فانفرجت شيئًا، لا يستطيعون الخروج»، وفي حديث النعمان بن بشير: «فانصدع الجبل، حتى رأوا الضوء» وفي حديث عليّ: «فانصدع الجبل، حتى طمعوا في الخروج، ولم يستطيعوا»، وفي حديث أبي هريرة وأنس: «فزال ثلث الحجر» . (وَقَالَ الآخَرُ) وفي رواية: «وقال الثاني»، (اللَّهُمَّ إِنَّهُ)؛ أي: الشأن، قال الطيبيّ -﵀-: ذكّر ضمير الشأن، والمذكور في التفسير مؤنث، وهذا يدلّ على جواز ذلك. انتهى. وقال الحافظ: وقع في كلام الأول: «اللَّهُمَّ إنه»، والثاني: «اللَّهُمَّ إنها»، والثالث: «اللَّهُمَّ إني»، وهو من التفنن، و«إنه» في الأول ضمير الشأن، وفي الثاني للقصة، ناسب ذلك أن القصة في امرأة. انتهى. قال القاريّ: فهذا الكلام يدلّ على أن رواية البخاريّ وقعت «إنها» في كلام الثاني، خلاف «المشكاة» ذكره ميرك، والظاهر أن عبارة «المشكاة» مأخوذة من مسلم لفظًا، ويكون قوله: متَّفقٌ عليه معنًى. انتهى . (كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ، أَحْبَبْتُهَا) وفي رواية البخاريّ: «من أحبّ الناس إليّ». قال في «الفتح»: هو مقيد لإطلاق رواية سالم حيث قال فيها: «كانت أحب الناس إليّ». انتهى. (كَأَشَدِّ) الكاف زائدة، أو أراد تشبيه محبته بأشدّ المحبات، (مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ) قال القاري: أي: حبًّا شديدًا، نحو قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال الطيبيّ -﵀-: يجوز أن يكون صفة مصدر محذوف، و«ما» مصدرية؛ أي: أُحبّها حبًّا مثل أشدّ حب الرجال النساء، أو حالا؛ أي: أحبها مشابهًا حبي أشدّ حب الرجال النساء، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]، فإن قوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ حال على تقدير: مشبّهين أشد خشية من أهل خشية اللَّه. انتهى . (وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا) فيه تضمين معنى الإرسال؛ أي: أرسلت إليها طالبًا نفسها، قاله القاري. (فَأَبَتْ) وفي رواية موسى بن عقبة: «فقالت: لا ينال ذلك منها حتى». (حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ،) بنصب «آتي»؛ لكونه مستقبلًا، قال القاري: وفي نسخة بالسكون على حكاية الحال الماضية؛ أي: أجيئها. قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار القاري -﵀- إلى قاعدة أن ما بعد «حتى» إذا كان مستقبلًا يُنصب، وإن كان حالًا، أو مؤوّلًا به يُرفع، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في «الخلاصة» حيث قال: وَتلْوَ «حَتَّى» حَالًا أَوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا هذا كلّه إن صحّت الرواية بالنصب، والرفع، وإلا فما صحت به هو المتعيّن، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية للبخاريّ: «إلا أن آتيها بمائة دينار»، وفي رواية سالم الآتية: «فأعطيتها عشرين ومائة دينار»، ويُحْمَل على أنها طلبت منه المائة، فزادها هو من قِبَل نفسه عشرين، أو الغى غير سالم الكسر، ووقع في حديث النعمان، وعقبة بن عامر: «مائة دينار»، وأبهم ذلك في حديث عليّ، وأنس، وأبي هريرة، وقال في حديث ابن أبي أوفى: «مالًا ضَخْمًا». (فَتَعِبْتُ) وفي رواية: «فسعيت»، (حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَجِئْتُهَا بِهَا) وفي رواية: «فلقيتها بها»، (فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا)؛ أي: جلست مجلس الرجل الذي يريد الجماع، وفي رواية سالم الآتية: «حتى إذا قدرت عليها»، زاد في حديث ابن أبي أوفى: «وجلست منها مجلس الرجل من المرأة»، وفي حديث النعمان بن بشير: «فلما كشفتها»، وبيَّن في رواية سالم سبب إجابتها بعد امتناعها، فقال: «فامتنعت مني حتى ألمّت بها سَنَة -أي: سنة قحط- فجاءتني، فأعطيتها»، ويُجمع بينه وبين رواية نافع بأنها امتنعت أَوّلًا عِفّةً، ودافعت بطلب المال، فلما احتاجت أجابت . (قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ) يحتمل الاسمية، والوصفية، (اتَّقِ اللَّهَ)؛ أي: عذابه، أو مخالفته، (وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ) بفتح التاء، وهو كناية عن البكارة، (إِلَّا بِحَقِّهِ)؛ أي: بالنكاح الحلال، لا بالزنا، وفي رواية البخاريّ: «ولا تفضّ الخاتم إلا بحقّه». قال القرطبيّ -﵀-: قوله: «لا تففق الخاتم إلا بحقِّه»، الفضّ: الكسر، والفتح، والخاتم: كناية عن الفرج، وعُذرة البكارة، وحقّه: التزويج المشروع. انتهى . قال في «الفتح»: قوله: «ولا تفضّ» بالفاء، والمعجمة؛ أي: لا تكسر، والخاتم كناية عن عُذرتها، وكانها كانت بكرًا، وكنَّت عن الأفضاء بالكسر، وعن الفرج بالخاتم؛ إلا أن في حديث النعمان ما يدلّ على أنها لم تكن بكرًا. ووقع في رواية أبي ضمرة: «ولا تفتح الخاتم» والألف واللام بدل من الضمير؛ أي: خاتمي، ووقع كذلك في حديث أبي العالية، عن أبي هريرة، عند الطبرانيّ في «الدعاء» بلفظ: «إنه لا يحلّ لك أن تفضّ خاتمي إلا بحقه». وقولها: «بحقه» أرادت به الحلال؛ أي: لا أُحل لك أن تقربني إلا بتزويج صحيح. ووقع في حديث عليّ: «فقالت: أُذَكِّرك اللَّه أن تركب مني ما حَرَّم اللَّه عليك، قال: فقلت: أنا أحقّ أن أخاف ربي». وفي حديث النعمان بن بشير: «فلما أمكنتني من نفسها بكت، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: فعلتُ هذا من الحاجة، فقلت: انطلقي». وفي رواية أخرى عن النعمان: «أنها ترددت إليه ثلاث مرات، تطلب منه شيئًا من معروفه، ويأبى عليها إلا أن تُمَكِّنه من نفسها، فأجابت في الثالثة، بعد أن استأذنت زوجها، فأَذِن لها، وقال لها: أغني عيالك، قال: فرجعت فناشدتني باللَّه، فأبيت عليها، فأسلمت إليّ نفسها، فلما كشفتها ارتعدت من تحتي، فقلت: ما لك؟ قالت: أخاف اللَّه رب العالمين، فقلت: خِفْتيه في الشدّة، ولم أَخَفْه في الرخاء، فتركتها». وفي حديث ابن أبي أوفى: «فلما جلست منها مجلس الرجل من المرأة أُذكرت النار، فقمت عنها». والجمع بين هذه الروايات ممكن والحديث يُفَسِّر بعضُه بعضًا. انتهى . (فَقُمْتُ عَنْهَا)؛ أي: مُعرِضًا عن التعرض لها، (فَإِنْ كُنْتَ) ووقع في رواية للبخاريّ في «الأدب» زيادة: «اللَّهُمَّ»، ولفظه: «اللَّهُمَّ، فإن كنت تعلم»، وفيه زيادة التضرع، قال الطيبيّ -﵀-: الفاء في «فإن كنت» عاطفة على مقدَّر؛ أي: اللَّهُمَّ فعلت ذلك، فإن كنت تعلم أني فعلت، ويجوز أن يكون «اللَّهُمَّ» مقحمة بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لتأكيد الابتهال والتضرع إلى اللَّه تعالى، فلا يقدَّر معطوف عليه، وهو الوجه، يدلّ عليه القرينة السابقة واللاحقة، وإنما كرر «اللَّهُمَّ» في هذه القرينة دون أختيها؛ لأنَّ هذا المقام أصعب المقامات، وأشقّها، فإنه ردع لهوى النفس خوفًا من اللَّه تعالى، ومقامه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]، قال الشيخ أبو حامد: شهوة الفرج أغلب الشهوات على الإنسان، وأصعبها عند الهيجان على العقل، فمن ترك الزنا خوفًا من اللَّه تعالى مع القدرة، وارتفاع الموانع، وتيسُّر الأسباب، لا سيما عند صدق الشهوة، نال درجة الصدّيقين. انتهى . (تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ)؛ أي: ما ذكر مما جرى بينه وبين هذه المرأة، (ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا)؛ أي: من هذه الكربة، أو الصخرة، ويمكن أن تكون «مِنْ» للتبعيض؛ أي: بعض الفرجة، وقوله: (فُرْجَةً)؛ أي: زيادة فرجة، (فَفَرَجَ لَهُمْ) بتخفيف الراء، ويجوز تشديدها. (وَقَالَ الآخَرُ) قال القاري: بفتح الخاء، وفي نسخة بكسرها، ومالهما واحد، والثاني أدلّ على المقصود؛ أي: قال الرجل الثالث: (اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ) قال الطيبيّ -﵀-: الفرق بفتح الراء: مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مُدًّا، وثلاثة آصع عند أهل الحجاز . وفي «القاموس»: الفَرْق -بفتح، فسكون-: مكيال بالمدينة يسع ثلاثة آصع، ويُحَرَّك، أو هو أفصح، أو يسع ستة عشر رطلًا، أو أربعة أرباع. انتهى . وفي «النهاية»: الفَرَق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وبالسكون مائة وعشرون رطلًا، وفي رواية: «بفرق ذُرَة»، فيُجمع بأن الفرق كان من صنفين . وقال في «العمدة»: الفرَق بفتح الراء، وسكونها: مكيال يسع ثلاثة آصع، وقال ابن قرقول: رويناه بالإسكان، والفتح، عن أكثر شيوخنا، والفتح أكثر، قال الباجيّ: وهو الصواب، وكذا قيدناه عن أهل اللغة، ولا يقال: فرق بالإسكان، ولكن فرق بالفتح، وكذا حكى النحاس، وذكر ابن دريد أنه قد قيل بالإسكان. انتهى . و«الأرز» فيه ست لغات: فَتْح الألف، وضمّها، مع ضمّ الراء، وبضم الألف، مع سكون الراء، وتشديد الزاي، وتخفيفها، قاله في «الفتح». وفي «القاموس»: الأَرُزّ كأَشُدّ، وعُتُلّ، وقُفْلٍ، وطُنُب، ورُزّ، ورُنْز، وآرز ككابل، وأَرُز، كعَضُد. انتهى. قال في «الفتح» ما حاصله: ووقع في رواية: أنه فرق ذُرَة، ويَحْتَمِل أنه استأجر أكثر من واحد، وكان بعضهم بفرق ذرة، وبعضهم بفرق أرز، ويؤيد ذلك أنه وقع في رواية سالم: «استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد، ترك الذي له وذهب»، وفي حديث النعمان بن بشير نحوه، ووقع في حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى عند الطبرانيّ في «الدعاء»: «استأجرت قومًا كل واحد منهم بنصف درهم، فلما فرغوا أعطيتهم أجورهم، فقال أحدهم: واللَّه لقد عملت عمل اثنين، واللَّه لا آخذ إلا درهمًا، فذهب، وتركه، فبذرت من ذلك النصف درهم. . . الخ»، ويُجمع بينهما بأن الفرق المذكور كانت قيمته نصف درهم إذ ذاك. انتهى . (فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ)؛ أي: عَمِل عَمَله، وانتهى أجله، (قَالَ: أَعْطِني حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ، فَرَغِبَ عَنْهُ)؛ أي: أعرض عن أخذه، وكرهه؛ لمانع، أو باعث، وفي رواية للبخاريّ: «فذهب، وتركه»، قال في «الفتح»: في رواية موسى بن عقبة: «فأعطيته، فأبى ذاك أن يأخذ»، وفي حديث أبي هريرة: «فعمِل لي نصف النهار، فأعطيته أجرًا فسخطه، ولم يأخذه»، ووقع في حديث النعمان بن بشير بيان السبب في تَرْك الرجل أجرته، ولفظه: «كان لي أجراء يعملون فجاءني عُمّال، فاستأجرت كل رجل منهم بأجر معلوم، فجاء رجل ذات يوم نصف النهار، فاستأجرته بشرط أصحابه، فعمل في نصف نهاره، كما عمل رجل منهم في نهاره كله، فرأيت عليّ في الذمام أن لا أنقصه مما استأجرت به أصحابه لِمَا جهد في عمله، فقال رجل منهم: تعطي هذا مثل ما أعطيتني؟ فقلت: يا عبد اللَّه لم أبخسك شيئًا من شرطك، وإنما هو مالي أحكم فيه بما شئت، قال: فغضب، وذهب، وترك أجره». وأما ما وقع في حديث أنس: «فأتاني يطلب أجره، وأنا غضبان، فزبرته، فانطلق، وترك أجره»، فلا ينافي ذلك، وطريق الجمع أن الأجير لمّا حَسَد الذي عمل نصف النهار، وعاتب المستأجِر غضب منه، وقال له: لم أبخسك شيئًا. . . إلخ، وزبره، فغضب الأجير، وذهب. ووقع في حديث عليّ: «وترك واحد منهم أجره، وزعم أن أجره أكثر من أجور أصحابه». انتهى. (فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ)؛ أي: أزرع ذلك الأرز، (حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الأرز، أو من زَرْعه، (بَقَرًا وَرِعَاءَهَا)؛ أي: جمعت قيمتهما، فاشتريتهما. و«الرعاء» بكسر الراء، والمدّ: جَمْع راع، قال الفيّوميّ -﵀-: رَعَتِ الماشيةُ تَرْعَى رَعْيًا، فهي رَاعِيَةٌ: إذا سَرَحت بنفسها، ورَعَيْتُهَا أَرْعَاهَا، يُستعمل لازمًا ومتعديًا، والفاعل رَاع، والجمع رُعَاةٌ بالضم، مثل قَاضٍ وقُضَاة، وقيل أيضًا: رِعَاءٌ بالكسر والمدّ، ورُعْيَانٌ، مثل رُغْفَان. انتهى . وفي رواية للبخاريّ: «وإني عمدت إلى ذلك الفرق، فزرعته، فصار من أمره أن اشتريت منه بقرًا، وأنه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمِد إلى تلك البقر، فسُقْها»، قال في «الفتح»: وفي رواية سالم: «فثمّرت أجره حتى كثرت منه الأموال -وفيه- فقلت له: كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق من أجرك»، قال الحافظ: ودلت هذه الرواية على أنَّ قوله في رواية نافع: «اشتريت بقرأ» أنه لم يُرِد أنه لَمْ يَشْتر غيرها، وإنما كان الأكثر الأغلب البقر، فلذلك اقتصر عليها. وفي حديث أنس، وأبي هريرة جميعًا: «فجمعته، وثَمّرته، حتى كان منه كل المال -وقال فيه-: فأعطيته ذلك كله، ولو شئت لم أعطه إلا الأجر الأول». ووقع في حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى: «أنه دفع إليه عشرة آلاف درهم»، وهو محمول على أنها كانت قيمة الأشياء المذكورة. وفي حديث النعمان بن بشير: «فبذرته على حِدَة، فأضعفَ، ثم بذرته فأضعف، حتى كثر الطعام -وفيه- فقال: أتظلمني، وتسخر بي»، وفي رواية له: «ثم مرَّت بي بقر، فاشتريت منها فصيلة، فبلغت ما شاء اللَّه»، والجمع بينهما ممكن بأن يكون زرع أَوّلًا، ثم اشترى من بعضه بقرة، ثم نُتِجَت. انتهى من الفتح باختصار . والحديث يدلّ على جواز تصرف الفضولي في مال الغير على وجه النصيحة، وطريق الأمانة، وإرادة الشفقة، حيث استحسن -ﷺ- ذلك منه، فهو في حكم التقرير، لا يقال: لعلَّ هذا شَرْع من قبلنا، فإنه قد ورد نظيره في زمانه -ﷺ- حيث دفع قيمة كبش لبعض أصحابه، فاشتراه بها، فباعه بضعف ثمنه، واشترى كبشًا آخر، وأتى به مع قيمته، فدعا له بالبركة، قاله القاري -﵀- . (فَجَاءَنِي، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي) ظاهر كلامه عنف، لكن باطنه حقّ ولطف. (قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا) وفي رواية البخاريّ: «فقلت: اذهب إلى ذلك البقر، وراعيها»، قال الطيبيّ: «ذلك» إشارة إلى البقر باعتبار السواد المرئيّ، كما يقال: عند ذلك الإنسان، أو الشخص فعل كذا، قال الذبيانيّ [من البسيط]: نُبِّئْتُ نُعْمًا عَلَى الْهِجْرَانِ عَاتِبَةً … سَقْيًا وَرَعْيَا لِذَاكَ الْعَاتِبِ الرَّازِي وأنَّث الضمير الراجع إلى البقر باعتبار جمعيّة الجنس. انتهى . (فَخُذْهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي) من استهزأ بفلان: إذا سخر منه، ولعله توهم أنه حصل له من كلامه «لا تظلمني» جَزَع مع إيهام قوله: «اذهب إلى ذلك»، (فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا، فَأَخَذَهُ)؛ أي: مجموع ما ذكر، وفي رواية: «فأخذها»؛ أي: كلها، (فَذَهَبَ بِهِ) قال ميرك عند قوله: «حتى جمعت بقرًا وراعيها»: وقع في رواية «الصحيح»: «فثمّرت أجره حتى كثرت منه الأموال -وفيها- فقلت له: كل ما ترى من الإبل، والبقر، والغنم، والرقيق من أجرك -وفيها- فاستاقه، فلم يترك شيئًا» فدلت هذه الرواية على أنَّ قوله في الرواية المذكورة: «جمعت بقرًا» أنه لم يُرَدْ جَمْع البقر فقط، وإنما كان الأكثرَ الأغلبَ، فذلك اقتصر عليه، ووقع في بعض الروايات أنه دفع إليه عشرة آلاف درهم، وهو محمول على أنها كانت قيمة الأشياء المذكورة، قال القاري: ولا بِدْعَ أن الدراهم من زوائد الفوائد، منضمة إليها، فإن البَركة توافي. انتهى . (فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ)؛ أي: من إطباق الباب، (ففَرَجَ اللَّهُ مَا بَقِيَ») قال القاري: فإن قلت: رؤية الأعمال نقصان عند أهل الكمال، فما بال هذه الأحوال؟. قلت: فكأنهم توسلوا بما وقع له تعالى معهم من توفيق العمل الصالح المقرون بالإخلاص على أنه ينجيهم من مضيق الهلاك إلى فضاء الخلاص، فكأنهم قالوا: كما أنعمت علينا بمعروفك أَوَّلًا، فأتمّ علينا فضلك ثانيًا، فإنا لا نستغني عن كرمك أبدًا. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله:«رؤية الأعمال نقصان» إن أراد رؤيتها من حيث إنه يمتنّ بها على اللَّه تعالى، فهذا مسلّم؛ لأنَّ المنّة له -﷿- لا للعبد، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ الآية [الحجرات: ١٧]، وإن أراد أن الاعتداد بها، مع العلم بأنها من فضل اللَّه ومشيئته، ثم تقديمها وسيلة إلى اللَّه -﷿- نقصان، فهذا غير صحيح؛ فإن اللَّه تعالى أضاف الأعمال إلى العباد، وأخبر بأنهم يجازيهم عليها، فقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ [الواقعة: ٢٤]، وأخبر أنها من خَلْقه، فقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلَّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه عمر -﵄- هذا متَّفقٌ عليه. [تنبيه]: قال في «الفتح»: لم يُخرج الشيخان هذا الحديث إلا من رواية ابن عمر، وجاء بإسناد صحيح عن أنس، أخرجه الطبرانيّ في «الدعاء»، من وجه آخر حسن، وبإسناد حسن عن أبي هريرة، وهو في «صحيح ابن حبان»، وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر، عن أبي هريرة، وعن النعمان بن بشير، من ثلاثة أوجه حسان، أحدها عند أحمد، والبزار، وكلها عند الطبرانيّ، وعن عليّ، وعقبة بن عامر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وابن أبي أوفي، بأسانيد ضعيفة، وقد استوعب طرقه أبو عوانة في «صحيحه»، والطبرانيّ في «الدعاء». واتفقت الروايات كلها على أنَّ القصص الثلاثة في الأجير، والمرأة، والأبوين، إلا حديث عقبة بن عامر، ففيه بدل الأجير أن الثالث: «قال: كنت في غنم أرعاها، فحضرت الصلاة، فقمت أصلي، فجاء الذئب، فدخل الغنم، فكرهت أن أقطع صلاتي، فصبرت حتى فرغت»، فلو كان إسناده قويًّا لَحُمل على تعدد القصة. ووقع في رواية الباب من طريق عبيد اللَّه العمريّ، عن نافع تقديم الأجير، ثم الأبوين، ثم المرأة، وخالفه موسى بن عقبة من الوجهين، فقدَّم الأبوين، ثم المرأة، ثم الأجير، ووافقته رواية سالم، وفي حديث أبي هريرة المرأة، ثم الأبوين، ثم الأجير، وفي حديث أنس الأبوين، ثم الأجير، ثم المرأة، وفي حديث النعمان الأجير، ثم المرأة، ثم الأبوين، وفي حديث عليّ، وابن أبي أوفى معًا المرأة، ثم الأجير، ثم الأبوين، وفي اختلافهم دلالة على أنَّ الرواية بالمعنى عندهم سائغةٌ شائعة، وأن لا أثر للتقديم والتأخير في مثل ذلك، قال الحافظ: وأرجحها في نظري رواية موسى بن عقبة؛ لموافقة سالم لها، فهي أصحّ طرق هذا الحديث، وهذا من حيث الإسناد، وأما من حيث المعنى فيُنظر أيّ الثلاثة كان أنفع لأصحابه، والذي يظهر أنه الثالث؛ لأنَّه هو الذي أمكنهم أن يخرجوا بدعائه، وإلا فالأول أفاد إخراجهم من الظُّلمة، والثاني أفاد الزيادة في ذلك، وإمكان التوسل إلى الخروج بأن يمر مثلًا هناك من يعالج لهم، والثالث هو الذي تهيأ لهم الخروج بسببه، فهو الأنفع لهم، فينبغي أن يكون عمل الثالث أكثر فضلًا من عمل الأخيرين، ويظهر ذلك من الأعمال الثلاثة، فصاحب الأبوين فضيلته مقصورة على نفسه؛ لأنه أفاد أنه كان بارًّا بأبويه، وصاحب الأجير نفعه متعدّ، وأفاد بأنه كان عظيم الأمانة، وصاحب المرأة أفضلهم؛ لأنه أفاد أنه كان في قلبه خشية ربه، وقد شهد اللَّه لمن كان كذلك بأن له الجنة، حيث قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]، وقد أضاف هذا الرجل إلى ذلك ترك الذهب الذي أعطاه للمرأة، فأضاف إلى النفع القاصر النفع المتعدي، ولا سيما، وقد قال: إنها كانت بنت عمه، فتكون فيه صلة رحم أيضًا، وقد تقدم أن ذلك كان في سنة قحط، فتكون الحاجة إلى ذلك أحري، فيترجح على هذا رواية عبيد اللَّه، عن نافع، وقد جاءت قصة المرأة أيضًا أخيرة في حديث أنس، واللَّه تعالى أعلم. انتهى ما في «الفتح»، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٦٩٢٤ و٦٩٢٥ و٦٩٢٦] (٢٧٤٣)، و(البخاريّ) في «الحرث و»الإجارة«(٢٢٧٢) و»المزارعة«(٢٣٣٣) و»أحاديث الأنبياء«(٣٤٦٥) و»الأدب«(٥٩٧٤)، و(أحمد) في»مسنده«(٢/ ١١٦)، و(البزّار) في»مسنده«(٣١٧٨ و٣١٧٩ و٣١٨٠)، و(ابن حبّان) في»صحيحه«(٨٩٧)، و(الطبرانيّ) في»الدعاء«(١٩٧ و١٩٨)، و(أبو عوانة) في»مسنده«(٣/ ٤٢١)، و(البيهقيّ) في»شعب الإيمان«(٥/ ٤١٢)، و(البغويّ) في»شرح السُّنَّة« (٣٤٢٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الإخلاص في العمل، وفضل برّ الوالدين، وفضل خدمتهما، وإيثارهما عمن سواهما من الأولاد والزوجة، وغيرهم، وتحمّل المشقة لأجلهما. وقد استُشكل تَرْكه أولاده الصغار يبكون من الجوع طول ليلتهما، مع قدرته على تسكين جوعهم، فقيل: كان في شرعهم تقديم نفقة الأصل على غيرهم، وقيل: يَحْتَمِل أن بكاءهم ليس عن الجوع، وقد تقدم ما يردّه، وقيل: لعلهم كانوا يطلبون زيادة على سدّ الرمق، وهذا أَولي، قاله في «الفتح» . ٢ - (ومنها): بيان إجابة دعاء من برّ والديه، وقد عقد البخاريّ -﵀- في «كتاب الأدب» من «صحيحه»، فقال: «باب إجابة دعاء من برّ والديه»، ثم أورد الحديث. ٣ - (ومنها): استحباب التوسّل بالأعمال الصالحة، قال النوويّ -﵀-: استدلّ أصحابنا بهذا على أنه يستحب للانسان أن يدعو في حال كربه، وفي دعاء الاستسقاء وغيره بصالح عمله، ويتوسل إلى اللَّه تعالى به؛ لأنَّ هؤلاء فعلوه، فاستجيب لهم، وذكره النبيّ -ﷺ- في معرض الثناء عليهم، وجميل فضائلهم. انتهى . وقال في «الفتح»: في هذا الحديث استحباب الدعاء في الكرب، والتقرب إلى اللَّه تعالى بذكر صالح العمل، واستنجاز وعده بسؤاله، واستَنبط منه بعض الفقهاء استحباب ذِكر ذلك في الاستسقاء. واستشكله المحبّ الطبريّ؛ لِمَا فيه من رؤية العمل، والاحتقار عند السؤال في الاستسقاء أَولى؛ لأنه مقام التضرع. وأجاب عن قصة أصحاب الغار بأنهم لم يستشفعوا بأعمالهم، وإنما سألوا اللَّه إن كانت أعمالهم خالصة، وقُبلت أن يجعل جزاءها الفرج عنهم. قال الحافظ: فتضمن جوابه تسليم السؤال، لكن بهذا القيد، وهو حسن، وقد تعرّض النوويّ لهذا، فقال في «كتاب الأذكار»: «باب دعاء الإنسان، وتوسله بصالح عمله إلى اللَّه»، وذَكَر هذا الحديث، ونقل عن القاضي حسين وغيره استحباب ذلك في الاستسقاء، ثم قال: وقد يقال: إن فيه نوعًا من ترك الافتقار المطلق، ولكن النبيّ -ﷺ- أثنى عليهم بفعلهم، فدلّ على تصويب فِعلهم. وقال السبكي الكبير: ظهر لي أن الضرورة قد تُلجئ إلى تعجيل جزاء بعض الأعمال في الدنيا، وأن هذا منه، ثم ظهر لي أنه ليس في الحديث رؤية عمل بالكلية؛ لقول كل منهم: إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فلم يعتقد أحد منهم في عمله الإخلاص، بل أحال أمره إلى اللَّه، فإذا لم يجزموا بالإخلاص فيه، مع كونه أحسن أعمالهم، فغيره أَولى، فيستفاد منه أن الذي يصلح في مثل هذا أن يعتقد الشخص تقصيره في نفسه، ويسيء الظن بها، ويبحث عن كل واحد من عمله يظن أنه أخلص فيه، فيفوّض أمره إلى اللَّه، ويعلّق الدعاء على علم اللَّه به، فحينئذ يكون إذا دعا راجيًا للإجابة، خائفًا من الردّ، فإن لم يغلب على ظنه إخلاصه، ولو في عمل واحد، فليقف عند حدّه، ويستحي أن يسأل بعمل ليس بخالص، قال: وإنما قالوا: ادعوا اللَّه بصالح أعمالكم في أول الأمر، ثم عند الدعاء لم يطلقوا ذلك، ولا قال واحد منهم: أدعوك بعملي، وإنما قال: إن كنت تعلم، ثم ذكر عمله. انتهى ملخصًا. قال الحافظ: وكأنه لم يقف على كلام المحبّ الطبريّ الذي ذكرته فهو السابق إلى التنبيه على ما ذكر، واللَّه أعلم. انتهى . ٤ - (ومنها): بيان فضل العفاف، والانكفاف عن المحرمات، لا سيما بعد القدرة عليها، والهمّ بفعلها، وترْكها للَّه تعالى خالصًا، وأن ترك المعصية يمحو مقدمات طلبها، وأن التوبة تَجُبّ ما قبلها. ٥ - (ومنها): بيان جواز الإجارة، وفضل حسن العهد، وأداء الأمانة، والسماحة في المعاملة. ٦ - (ومنها): بيان جواز الإجارة بالطعام المعلوم بين المتآجرين. ٧ - (ومنها): بيان فضل أداء الأمانة، وإثبات الكرامة للصالحين بإجابة دعائهم، وغيره، قال القاري -﵀-: لا خلاف في جواز استجابة الدعاء للوليّ وغيره ما عدا الكافر، فإن فيه خلافًا، لكنه ضعيف؛ لاستجابة دعاء إبليس، والاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤] غير صحيح؛ لأنه ورد في دعاء الكفار في النار، بخلاف الدنيا، فإنه ورد أنه -ﷺ- قال: «اتق دعوة المظلوم، وإن كان كافرًا، فإنه ليس دونها حجاب» ، على ما رواه أحمد وغيره عن أنس، فمثل هذا لا يُعَدّ من كرامات الأولياء؛ لأنَّ الكرامة من أنواع خوارق العادة. انتهى كلام القاري -﵀- ، وهو بحث مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): استدل به على جواز بيع الفضوليّ، وهو مذهب الحنفيّة، وبعض أهل العلم، قال الطيبيّ -﵀-: وتمسَّك به أصحاب أبي حنيفة وغيرهم، ممن يجيز بيع الإنسان مال غيره، والتصرف فيه بغير إذنه، إذا أجازه المالك بعد ذلك. وأجاب أصحابنا بأن هذا إخبار عن شرع من قبلنا، وفي كونه شرعًا لنا خلاف، فإن قلنا: إنا متعبدون به، فهو محمول على أنه استأجره في الذمّة، ولم يسلم إليه، بل عَرَضه عليه، فلم يقبضه، فلم يتعين، ولم يَصِرْ ملكه، فالمستأجر قد تصرف في ملك نفسه، ثم تبرع بما اجتمع منه من البقر والغنم وغيرهما. وتعقَّبه القاري، فقال: وفيه أن قوله: استأجره في الذِّمة غير صحيح؛ لِمَا في الحديث التصريح بخلافه، حيث قال: استأجرت أجيرًا بفرق أرز، ولا بد من تعيينه، وإلا فالإجارة المجهولة غير صحيحة عندهم، وكذا يَرُدّ عليه قوله: «فعرضت عليه حقه»؛ لأنه لو فُرض أنه في الذِّمة من غير تعيين لا يسمى حقّه، فالحق أحقّ أن يتبع. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد القاري -﵀- في تعقّبه هذا، فما دلّ عليه ظاهر الحديث من جواز التصرّف في ملك الغير بغير إذنه، إذا كان فيه نصيحة له هو الحقّ، واللَّه تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): ما قاله في «العمدة»: وفيه الاستدلال لأبي ثور في قوله: إن من غصب قَمْحًا، فزرعه، أن كل ما أخرجت الأرض من القمح فهو لصاحب الحنطة. وقال الخطابيّ: استَدَلّ به أحمد على أنَّ المستودَع إذا اتّجر في مال الوديعة، ورَبِح أن الربح إنما يكون لرب المال، قال: وهذا لا يدل على ما قال، وذلك أن صاحب الفرق إنما تبرع بفعله، وتقرب به إلى اللَّه -﷿-، وقد قال: إنه اشترى بقرًا، وهو تصرف منه في أمر لم يوكله به، فلا يستحقّ عليه ربحًا، والأشبه بمعناه: أنه قد تصدق بهذا المال على الأجير بعد أن اتّجر فيه، وأنماه، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء في المستودَع إذا اتجر بمال الوديعة، والمضارب إذا خالف رب المال، فربحا أنه ليس لصاحب المال من الربح شيء، وعند أبي حنيفة: المضارب ضامن لرأس المال، والربح له، ويتصدق به، والوضيعة عليه. وقال الشافعيّ: إن كان اشترى السلعة بعين المال، فالبيع باطل، وإن كان بغير عينه فالسلعة ملك المشتري، وهو ضامن للمال. وقال ابن بطال: وأما من اتجر في مال غيره، فقالت طائفة: يطيب له الربح إذا ردّ رأس المال إلى صاحبه، سواء كان غاصبًا للمال، أو كان وديعة عنده متعديًا فيه، هذا قول عطاء، ومالك، والليث، والثوريّ، والأوزاعي، وأبي يوسف، واستَحَبّ مالك، والثوريّ، والأوزاعيّ تنزهه عنه، ويتصدق به. وقالت طائفة: يردّ المال، ويتصدق بالربح كله، ولا يطيب له منه شيء، هذا قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وزفر. وقالت طائفة: الربح لرب المال، وهو ضامن لِمَا تعدى فيه، هذا قول ابن عمر، وأبي قلابة، وبه قال أحمد، وإسحاق. وقال ابن بطال: وأصح هذه الأقوال قول من قال: إن الربح للغاصب، والمتعدي، واللَّه أعلم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ما ذهب إليه ابن عمر ومن معه هو الحقّ؛ لأنَّ الربح ثمرة أصل المال، وهو مُلك لصاحبه، فيكون تابعًا له، ولا ينتقل عنه إلى المودَع إلا بنصّ، أو إجماع، ولا يوجدان، فتأمله بالإمعان، واللَّه تعالى أعلم. ١٠ - (ومنها): أن فيه الإخبارّ عن الأمم الماضية، وذِكر أعمالهم؛ ليعتبر السامعون بأعمالهم، فيعملوا بحَسَنها، ويتركوا قبيحها، ولم يكن النبيّ -ﷺ- يتكلم بشيء إلا لفائدة، وإذا كان مزاحه كذلك، فما ظنك بأخباره، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٢٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ الْبَجَلِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَرَقَبَةُ بْنُ مَسْقَلَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْنُونَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي ضَمْرَةَ، عَنْ مُوسَى ابْنِ عُقْبَةَ، وَزَادُوا فِي حَدِيثِهِمْ: «وَخَرَجُوا يَمْشُونَ»، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ: «يَتَمَاشَوْنَ»، إِلَّا عُبَيْدَ اللَّهِ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ: «وَخَرَجُوا»، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهَا شَيْئًا). رجال هذا الإسناد: أحد وعشرون: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرام الْكَوْسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم قبل خمسة أبواب. ٣ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحاك بن مَخْلد بن الضحاك بن مسلم الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأُمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلّس، ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها، وقد جاز السبعين، وقيل: جاز المائة، ولم يثبت (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٥ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) -بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء- القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٦ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه، تقدّم قريبًا. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ الْبَجَلِيُّ) أبو جعفر الكوفيّ، صدوقٌ من صغار [١٠] (٢٤٢) وقيل: قبل ذلك (م د ت ق) تقدم في «الإيمان» ٩٠/ ٤٨٩. ٨ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فضيل الكوفيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٩ - (أَبُوهُ) فُضيل بن غزوان الضبيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قبل أربعة أبواب. ١٠ - (رَقَبَةُ بْنُ مَسْقَلَةَ) هو: رقبة -بقاف، وموحّدة مفتوحتين- ابن مصقلة -بالسين والصاد- العبديّ الكوفيّ، أبو عبد اللَّه، ثقةٌ مأمونٌ، وكان يمزح [٦] (ت ١٢٩) (خ م ت س فق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٢. ١١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) -بضمّ الحاء المهملة- ابن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو علي الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ١٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ١٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، حجةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ١٤ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) الْغِفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد سنة (١٣٠) أو بعد (١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ) ضمير الجماعة للخمسة المذكورين، وهم: موسى بن عقبة، وعبيد اللَّه العمريّ، وفضيل بن غزوان، ورقبة، وصالح بن كيسان، فقد روى كلهم هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر -﵄-. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي ضَمْرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ)؛ يعني: أن هؤلاء الخمسة رووا هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر بمعنى الحديث الذي رواه أنس بن عياض في السند الماضي عن نافع عن ابن عمر -﵄-، وإنما ذكر أبا ضمرة؛ لأنَّ المتابعة له، فتكون متابعة ابن جريج تامّة، ومتابعة البقيّة ناقصة؛ لأنَّها في شيخ شيخه، ولم يجعل المتابعة لموسى؛ لأنه لا يتابع نفسه، فجعل المتابعة للراوي عنه، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: أما رواية ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، فقد ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٢١٠٢) - حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «خرج ثلاثة يمشون، فأصابهم المطر، فدخلوا في غار، في جبل، فانحطت عليهم صخرة، قال: فقال بعضهم لبعض: ادعوا اللَّه بأفضل عمل عملتموه، فقال أحدهم: اللَّهُمَّ إني كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت أخرج، فأرعي، ثم أجيء، فأحلُب، فأجيء بالحلاب، فآتي به أبويّ، فيشربان، ثم أسقي الصبية، وأهلي، وامرأتي، فاحتبست ليلةً، فجئت، فإذا هما نائمان، قال: فكرهت أن أوقظهما، والصبية يتضاغون عند رجليّ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما، حتى طلع الفجر، اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فُرجة نرى منها السماء، قال: ففرج عنهم، وقال الآخر: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم، أني كنت أحب امرأة من بنات عمي، كأشدّ ما يحب الرجل النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها، حتى تعطيها مائة دينار، فسعيت فيها، حتى جمعتها، فلما قعدت بين رجليها، قالت: اتق اللَّه، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت، وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة، قال: ففرج عنهم الثلثين، وقال الآخر: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرًا بفرق من ذُرَة، فأعطيته، وأبى ذاك أن يأخذ، فعَمَدت إلى ذلك الفرق، فزرعته، حتى اشتريت منه بقرًا وراعيها، ثم جاء، فقال: يا عبد اللَّه أعطني حقي، فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها، فإنها لك، فقال: أتستهزئ بي؟ قال: فقلت: ما أستهزئ بك، ولكنها لك، اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا، فكُشف عنهم». انتهى . وأما رواية عبيد اللَّه العمريّ، عن نافع، فقد ساقها البخاريّ -﵀- أيضًا، فقال: (٣٢٧٨) - حَدَّثَنَا إسماعيل بن خليل، أخبرنا عليّ بن مُسهر، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-؛ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال:«بينما ثلاثة نفر، ممن كان قبلكم يمشون، إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار، فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه واللَّه يا هؤلاء، لا ينجيكم إلا الصدق، فلْيَدْع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه، فقال واحد منهم: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أنه كان لي أجير، عمل لي على فرق من أرز، فذهب، وتركه، وإني عَمَدت إلى ذلك الفرق، فزرعته، فصار من أمره أني اشتريت منه بقرًا، وأنه أتاني يطلب أجره، فقلت: اعْمِد إلى تلك البقر فَسُقْها، فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز، فقلت له: اعمِد إلى تلك البقر، فإنها من ذلك الفرق، فساقها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك، ففرّج عنا، فانساحت عنهم الصخرة، فقال الآخر: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم، كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطات عليهما ليلةً، فجئت، وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، فكنت لا أسقيهم، حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما، فيستكنا لِشَرْبتهما، فلم أزل أنتظر، حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك، ففرِّج عنا، فانساحت عنهم الصخرة، حتى نظروا إلى السماء، فقال الآخر: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم، من أحب الناس إليّ، وأني راودتها عن نفسها، فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرت، فأتيتها بها، فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها، قالت: اتق اللَّه، ولا تفضّ الخاتم إلا بحقه، فقمت، وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك، ففرّج عنا، ففرّج اللَّه عنهم، فخرجوا». انتهى . وأما رواية فضيل بن غَزْوان، ورَقَبة بن مَسْقلة، كلاهما عن نافع، فقد ساقها أبو يعلى -﵀- في«معجمه»، فقال: (١٤٧) - أخبرنا أبو يعلى، ثنا الحسين بن الأسود، ثنا محمد بن فضيل، ثنا أبي ورقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-:«انطلق ثلاثة يمشون، فدخلوا في غار، فأرسل اللَّه عليهم صخرة، فأطبقت الغار عليهم، فقال بعضهم لبعض: تعالوا، فلينظر كل رجل منا أفضل عمل عمله فيما بينه وبين اللَّه -﷿-، فيذكره، ثم ليدعوا اللَّه أن يفرج عنا مما نحن فيه، ويُلقي هذه الصخرة، فقال رجل: اللَّهُمَّ أنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم، فطلبت منها نفسها، فقالت: واللَّه لا أفعل، أو تعطيني مائة دينار، فطلبتها، فجمعتها، حتى أتيتها بها، فلما قعدت منها مقعد الرجل من المرأة أرعدت، وبكت، وقالت: يا عبد اللَّه اتق اللَّه، ولا تفتح هذا الخاتم إلا بحقه، قال: فقمت عنها، وتركتها لها، فإن كنت تعلم أني تركتها؛ يعني: في مخافتك، فافرج عنا فرجة، نرى منها السماء، ففرج عنهم منها فرجة، فنظروا إلى السماء، وقال الثاني: اللَّهُمَّ إنك تعلم أنه كان لي أبوان، وكان لي ولد صغار، فكنت أرعى على أبويّ، فكنت أجيء بالحلاب، فوجدت أبويّ نائمين، ووجدت الصبية يتضاغون من الجوع، فلم أزل بهم حتى ناموا، ثم قمت بالحلاب عليهما، حتى قاما، وشربا، ثم انطلقت إلى الصبية بفضله، فسقيتهم، فإن كنت تعلم أن ما فعلت ذلك تلك من مخافتك، فافرج عنا فرجة، قال: ففرج اللَّه عنهم فرجة، وقال الثالث: اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أنه كان لي أجير، فأعطيته أجره، فغضب، وذهب، وتركه، فعَمَلت له بأجره حتى صار له بقرأ وغنمًا، فأتاني يطلب أجره، فقلت: انطلق إلى تلك البقر ورعائها، فخذها، قال: يا عبد اللَّه اتق اللَّه، ولا تهزأ بي، قال: فقلت: انطلق، فخذها، قال: فانطلق، فأخذها، فإن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك من مخافتك، فألقها عنا، قال: فألقيها عنهم، فخرجوا يمشون». انتهى . وأما رواية صالح بن كيسان عن نافع، فقد ساقها أبو عوانة -﵀- في«مسنده»، فقال: (٥٥٥٣) - حَدَّثَنَا أبو داود الحرّانيّ، وعباس الدُّوريّ قالا: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قثنا أبي، عن صالح، قال: أنبا نافع أن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-:«بينما ثلاثة رهط يمشون، أخذهم المطر، فأووا إلى غار في جبل، فبينما هم حطّت صخرة من الجبل، فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا إلى أفضل أعمال عملتموها للَّه، فسلوه بها، لعله يفرج بها عنكم، فقال أحدهم: اللَّهُمَّ إنه كان لي والدان كبيران، وكانت لي امرأة، وولد صغار، فكنت أرعى عليهم، فإذا رُحت عليهم غنمي بدأت بأبويّ، فسقيتهما، فنأى يومًا الشجر، فلم آت حتى نام أبواي، فطيبت الإناء، ثم حلبت، ثم قمت بحلابي عند رأس أبويّ، والصبية يتضاغون عند رجليّ، أكره أن أبدأ بهم قبل أبويّ، وأكره أن أوقظهما من نومهما، فلم أزل كذلك قائمًا حتى أضاء الفجر، اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة نرى منها السماء، ففرج لهم فرجة، فرأوا منها السماء، وقال الآخر: اللَّهُمَّ إنها كانت لي ابنة عم، فأحببتها حتى كانت أحب الناس إليّ، فسألتها نفسها، فقالت: لا حتى تأتيني بمائة دينار، فسعيت، حتى جمعت مائة دينار، فأتيتها بها، فلما كنت عند رجليها، فقالت: اتّق اللَّه، ولا تفتح الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها، اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة، ففرج لهم منها فرجة، وقال الثالث: اللَّهُمَّ إني كنت استأجرت أجيرًا بفرق ذُرَة، فلما قضى عمله عرضته عليه، فأبى أن يأخذه، ورغب عنه، فلم أزل أعتمل به حتى جمعت منه بقرًا ورعاءها، فجاءني، فقال: اتق اللَّه، وأعطني حقي، ولا تظلمني، فقلت له: اذهب إلى تلك البقر ورعاتها، فخذها، فذهب، فاستاقها، اللَّهُمَّ إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما بقي منها، ففرج اللَّه عنهم، فخرجوا يتماشون». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٢٦] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ، مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ»، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ: «اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيَرَانِ، فَكُنْتُ لَا أَغْبُقُ قَبْلَهُمَا أَهْلَا وَلَا مَالًا»، وَقَالَ: «فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ»، وَقَالَ: «فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ، حَتَّى كثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَارْتَعَجَتْ»، وَقَالَ: «فَخَرَجُوا مِنَ الْغَارِ يَمْشُونَ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ) هو: محمد بن سهل بن عسكر التميميّ مولاهم، أبو بكر البخاريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١١] (ت ٢٥١) (م ت س) تقدم في «الصيام» ٨/ ٢٥٣٥. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ) هو: عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهْرَام السمرقنديّ، أبو محمد الدارميّ الحافظ، صاحب «المسند»، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله أربع وسبعون سنةً (م د ت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغانيّ بفتح المهملة، ثم المعجمة، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (٢٧٠) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٦. ٤ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ -بفتح الموحّدة- الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة [١٠] (ت ٢٢٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. ٥ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة الأمويّ مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. ٦ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد اللَّه المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يُشَبَّه بأبيه في الهدي، والسمت، من كبار [٣] مات في آخر سنة ست ومائة، على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٢. والباقيان ذُكرا في الباب، وقبل باب. وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ نَافِعٍ) فاعل «اقتصّ» ضمير سالم بن عبد اللَّه. وقوله: (فَكُنْتُ لَا أَغْبُقُ. . . إلخ) قال النوويّ -﵀-: بفتح الهمزة، وضم الباء؛ أي: ما كنت أُقَدِّم عليهما أحدًا في شُرب نصيبهما عِشاء من اللبن، والْغَبُوق شُرب العِشاء، والصَّبُوح شرب أول النهار، يقال منه: غَبَقت الرجلَ بفتح الباء، أَغبُقُه بضمها، مع فتح الهمزة غَبْقًا، فاغتَبَق؛ أي: سقيته عِشاء، فشَرِب، قال: وهذا الذي ذكرته من ضبطه متَّفقٌ عليه في كتب اللغة، وكُتُب غريب الحديث، والشروح، وقد يُصحّفه بعض من لا أُنْسَ له، فيقول: أُغبِق، بضم الهمزة، وكسر الباء، وهذا غلط. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «لا أغبق» من الغبوق بالغين المعجمة، والباء الموحّدة، وفي آخره قاف، وهو شرب العشيّ، وضبطوا لا أَغبُق بفتح الهمزة، من الثلاثيّ، إلا الأصيليّ، فإنه يضمها من الرباعيّ، وخَطَّؤوه فيه، وقال صاحب «الأفعال»: يقال: غَبَقْتُ الرجلَ، ولا يقال: أغبقته، والْغَبُوق شرب آخر النهار، مقابل الصبوح، واسم الشراب: الغبق. انتهى. وقوله: (أَهْلًا وَلَا مَالًا) قال في «العمدة»: الأهل: الزوجات، والمال: الرقيق، وقال الداوديّ: والدواب أيضًا، وقال ابن التين: وليس للدواب هنا معنى يُذكر به. انتهى . وقال في «الفتح»: المراد بالأهل: ما له من زوج، وولد، وبالمال: ما له من رقيق، وخدم، وزعم الداوديّ أن المراد بالمال: الدوابّ، وتعقّبوه، وله وجه. انتهى . وقوله: (حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ)؛ أي: وقعت في سنة قحط. وقوله: (فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ)؛ أي: ثَمَنه. وقوله: (فَارْتَعَجَتْ) بالعين المهملة، ثم الجيم؛ أي: كثرت حتى ظهرت حركتها، واضطرابها، وموج بعضها في بعض؛ لكثرتها، والارتعاج: الاضطراب والحركة، واحتجّ بهذا الحديث أصحاب أبي حنيفة وغيرهم، ممن يجيز بيع الإنسان مال غيره، والتصرف فيه بغير إذن، قاله النوويّ . [تنبيه]: رواية سالم بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن عمر -﵄- هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٢١٥٢) - حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، حدّثني سالم بن عبد اللَّه؛ أن عبد اللَّه بن عمر -﵄- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «انطلق ثلاثة رهط، ممن كان قبلكم، حتى أووا المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدّت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة، إلا أن تدعوا اللَّه بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللَّهُمَّ كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أَغبُق قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي في طلب شيء يومًا، فلم أُرحْ عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غَبوقهما، فوجدتهما نائمين، وكرهت أن أَغْبُق قبلهما أهلًا، أو مالًا، فلبثت، والقَدَح على يديّ، أنتظر استيقاظهما، حتى برق الفجر، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللَّهُمَّ إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنّا ما نحن فيه، من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج، قال النبيّ -ﷺ-: وقال الآخر: اللَّهُمَّ كانت لي بنت عم، كانت أحب الناس إليّ، فأردتها عن نفسها، فامتنعت مني، حتى ألمَّت بها سَنة من السنين، فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها، قالت: لا أُحِلّ لك أن تفضّ الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها، وهي أحب الناس إليّ، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللَّهُمَّ إن كنت فعلت ابتغاء وجهك، فافرج عنّا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال النبيّ -ﷺ-: وقال الثالث: اللَّهُمَّ إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد، ترك الذي له، وذهب، فثمّرت أجره، حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد اللَّه أَدِّ إليّ أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل، والبقر، والغنم، والرقيق، فقال: يا عبد اللَّه لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا، اللَّهُمَّ فإن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون». انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. * * * (٥٢) - (كِتَابُ التَّوْبَةِ) مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في معنى التوبة لغةً وشرعًا: (اعلم): أن التوبة في اللغة مصدر تاب، قال الفيّوميّ -﵀-: تَابَ من ذنبه يَتُوبُ تَوْبًا، وَتَوْبَةً، وَمَتَابًا: أقلع، وقيل: التَّوْبَةُ هي التَّوْبُ، ولكن الهاء لتأنيث المصدر، وقيل: التَّوْبَةُ واحدة، كالضربة، فهو تَائِبٌ، وتَابَ اللَّهُ عليه: غَفَر له، وأنقذهُ من المعاصي، فهو تَوَّابٌ، مبالغةٌ، واسْتَتَابَهُ: سأله أن يتوب. انتهى . وقال الجوهريّ -﵀-: التوبة: الرجوع من الذَّنْب. وفي الحديث: «النَدمُ توبَةٌ»، وكذلك التَوْبُ مثله. وقال الأخفش: التَوْبُ جمع توبَةٍ. وتاب إلى اللَّه توبةً ومتابًا. وقد تاب اللَّه عليه: وَفَّقَهُ لها. واستتابَهُ: سأله أن يتوب. انتهى . وقال الراغب الأصبهانيّ -﵀-: التوب: ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذِر: لَمْ أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت وأسات، وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة. والتوبة في الشرع: تَرْك الذَّنْب؛ لِقُبحه، والندم على ما فَرَط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كملت شرائط التوبة. وتاب إلى اللَّه، فذكر «إلى اللَّه» يقتضي الإنابة. نحو: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ [المائدة: ٧٤]، وتاب اللَّه عليه؛ أي: قبل توبته، ومنه: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [التوبة: ١١٧]، ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. والتائب يقال لباذل التوبة، ولقابل التوبة، فالعبد تائب إلى اللَّه، واللَّه تائب على عبده. والتواب: العبد الكثير التوبة، وذلك بتركه كل وقت بعض الذنوب على الترتيب حتى يصير تاركًا لجميعه، وقد يقال ذلك للَّه تعالى لكثرة قبوله توبة العباد حالًا بعد حال. وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾ [الفرقان: ٧١]؛ أي: التوبة التامة، وهو الجمع بين ترك القبيح، وتحري الجميل. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]، ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]. انتهى . (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في معنى التوبة: قال النوويّ -﵀-: أصل التوبة في اللغة: الرجوع، يقال: تاب، وثاب -بالمثلثة- وآب، جمعنى رجع، والمراد بالتوبة هنا: الرجوع عن الذنب، وقد سبق في «كتاب الإيمان» أن لها ثلاثة أركان: الإقلاع، والندم على فعل تلك المعصية، والعزم على أنَّ لا يعود إليها أبدًا، فإن كانت المعصية لحقّ آدميّ، فلها ركن رابع، وهو التحلّل من صاحب ذلك الحقّ، وأصلها الندم، وهو ركنها الأعظم، واتفقوا على أنَّ التوبة من جميع المعاصي واجبة، وأنها واجبة على الفور، لا يجوز تأخيرها، سواء كانت المعصية صغيرة، أو كبيرة، والتوبة من مهمات الإسلام، وقواعده المتأكدة، ووجوبها عند أهل السُّنَّة بالشرع، وعند المعتزلة بالعقل، ولا يجب على اللَّه قبولها إذا وُجدت بشروطها عقلًا عند أهل السُّنَّة، لكنه يقبلها كرمًا وفضلًا، وعرفنا قبولها بالشرع، والإجماع، خلافًا لهم، وإذا تاب من ذنب، ثم ذكره، هل يجب تجديد الندم؟ فيه خلاف لأصحابنا، وغيرهم، من أهل السُّنَّة، قال ابن الأنباريّ: يجب، وقال إمام الحرمين: لا يجب، وتصح التوبة من ذنب، وإن كان مصرًّا على ذنب آخر، وإذا تاب توبة صحيحة بشروطها، ثم عاود ذلك الذنب كُتب عليه ذلك الذنب الثاني، ولم تبطل توبته، هذا مذهب أهل السُّنَّة في المسألتين، وخالفت المعتزلة فيهما، قال أصحابنا: ولو تكررت التوبة، ومعاودة الذنب صحت، ثم توبة الكافر من كفره مقطوع بقبولها، وما سواها من أنواع التوبة، هل قبولها مقطوع به، أم مظنون فيه؟ خلاف لأهل السُّنَّة، واختار إمام الحرمين أنه مظنون، وهو الأصح، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- . وقال القرطبيّ -﵀- في «المفهم» : اختلفت عبارات المشايخ فيها، فقائل يقول: إنها الندم، وآخر يقول: إنها العزم على أن لا يعود، وآخر يقول: الإقلاع عن الذنب، ومنهم من يَجمع بين الأمور الثلاثة، وهو أكملها، غير أنه مع ما فيه غير مانع، ولا جامع. أما أَوَّلًا: فلأنه قد يجمع الثلاثة، ولا يكون تائبًا شرعًا، إذ قد يفعل ذلك شُحًّا على ماله، أو لئلا يُعَيِّره الناس به، ولا تصح التوبة الشرعية إلا بالإخلاص، ومن تَرَك الذنب لغير اللَّه لا يكون تائبًا اتفاقًا. وأما ثانيًا: فلأنه يخرج منه مَن زنى مثلًا، ثم جُبّ ذكره، فإنه لا يتأتى منه غير الندم على ما مضي، وأما العزم على عدم العود، فلا يتصور منه، قال: وبهذا اغترّ من قال: إن الندم يكفي في حدّ التوبة، وليس كما قال؛ لأنه لو نَدِم، ولم يُقلع، وعزم على العود لم يكن تائبًا اتفاقًا، قال: وقال بعض المحققين: هي اختيار تَرْك ذنب سبق حقيقةً، أو تقديرًا؛ لأجل اللَّه تعالى. قال: وهذا أسدّ العبارات، وأجمعها؛ لأنَّ التائب لا يكون تاركًا للذنب الذي فرغ؛ لأنه غير متمكن من عينه، لا تركًا، ولا فعلًا، وإنما هو متمكن من مثله حقيقةً، وكذا من لم يقع منه ذنب إنما يصح منه اتقاء ما يمكن أن يقع، لا تَرْك مثل ما وقع، فيكون متقيًا، لا تائبًا. قال: والباعث على هذا تنبيه إلهيّ لمن أراد سعادته لِقُبح الذنب وضرره؛ لأنه سمّ مهلك، يُفَوِّت على الإنسان سعادة الدنيا والآخرة، ويحجبه عن معرفة اللَّه تعالى في الدنيا، وعن تقريبه في الآخرة. قال: ومن تفقّد نفسه وجدها مشحونة بهذا السمّ، فإذا وُفِّق انبعث منه خوف هجوم الهلاك عليه، فيبادر بطلب ما يدفع به عن نفسه ضرر ذلك، فحينئذ ينبعث منه الندم على ما سبق، والعزم على ترك العود عليه. قال: ثم اعلم أن التوبة إما من الكفر، وإما من الذنب، فتوبة الكافر مقبولة قطعًا، وتوبة العاصي مقبولة بالوعد الصادق، ومعنى القبول: الخلاص من ضرر الذنوب، حتى يرجع كمن لم يعمل، ثم توبة العاصي إما من حقّ اللَّه تعالى، وإما من حق غيره، فحقّ اللَّه تعالى يكفي في التوبة منه الترك على ما تقدم، غير أن منه ما لم يكتف الشرع فيه بالترك فقط، بل أضاف إليه القضاء، أو الكفّارة، وحقّ غير اللَّه تعالى يحتاج إلى إيصالها لمستحقها، وإلا لم يحصل الخلاص من ضرر ذلك الذنب، لكن من لم يقدر على الإيصال بعد بذله الوسع في ذلك، فعفو اللَّه تعالى مأمول، فإنه يضمن التبعات، ويبدل السيئات حسنات، واللَّه أعلم. وحكى غير القرطبيّ عن عبد اللَّه بن المبارك في شروط التوبة زيادة، فقال: الندم، والعزم على عدم العود، وردّ المظلمة، وأداء ما ضيَّع من الفرائض، وأن يَعْمِد إلى البدن الذي رباه بالسحت، فيذيبه بالهمّ والحزن، حتى ينشأ له لحم طيب، وأن يذيق نفسه ألم الطاعة، كما أذاقها لذة المعصية. قال الحافظ: وبعض هذه الأشياء مكملات، وقد تمسك من فَسَّر التوبة بالندم بما أخرجه أحمد، وابن ماجه، وغيرهما، من حديث ابن مسعود -﵁-، رفعه: «الندم توبة» . ولا حجة فيه؛ لأنَّ المعنى الحضّ عليه، وأنه الركن الأعظم في التوبة، لا أنه التوبة نفسها. ومما يؤيد اشتراط كونها للَّه تعالى وجود الندم على الفعل، ولا يستلزم الإقلاع عن أصل تلك المعصية، كمن قتل ولده مثلًا، وندم لكونه ولده، وكمن بذل مالًا في معصية، ثم ندم على نقص ذلك المال مما عنده. واحتجّ مَن شَرَط في صحة التوبة من حقوق العباد أن يردّ تلك المظلمة بأن من غصب أَمَة، فزنى بها، لا تصح توبته إلا بردّها لمالكها، وأن من قتل نفسًا عمدًا لا تصح توبته إلا بتمكين نفسه من وليّ الدم؛ ليقتصّ، أو يعفو. قال الحافظ: وهذا من جهة التوبة من الغصب، ومن حق المقتول واضح، ولكن يمكن أن تصح التوبة من العود إلى الزنا، وإن استمرت الأَمَة في يده، ومن العود إلى القتل، وإن لم يمكّن من نفسه. قال: وزاد بعض من أدركناه في شروط التوبة أمورًا أخرى، منها: أن يفارق موضع المعصية، وأن لا يصل في آخر عمره إلى الغرغرة، وأن لا تطلع الشمس من مغربها، وأن لا يعود إلى ذلك الذنب، فإن عاد إليه بأن أن توبته باطلة. قال: والأول مستحب، والثاني، والثالث داخلان في حدّ التكليف، والرابع الأخير عُزي للقاضي أبي بكر الباقلاني، ويردّه حديث أبي سعيد -﵁-، عن النبيِّ -ﷺ- قال: «قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغويهم، ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال اللَّه -﷿-: وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم، ما استغفروني»، حديث صحيح، رواه أحمد، وغيره، وحديث أبي بكر -﵁- مرفوعًا: «ما أصرّ من استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرّة»، رواه أبو داود، وفيه ضَعف. وقد قال الحليميّ في تفسير التواب في الأسماء الحسنى: إنه العائد على عبده بفضل رحمته، كلما رجع لطاعته، وندم على معصيته، فلا يَحبِط عنه ما قدمه من خير، ولا يحرمه ما وعد به الطائع من الإحسان. وقال الخطابيّ: التواب: الذي يعود إلى القبول كلما عاد العبد إلى الذنب وتاب. انتهى من «الفتح» بتصرّف ، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في الأشياء التي يُتاب منها، وكيف التوبة منها: قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -﵀-: قال العلماء: الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو، إما أن يكون حقًّا للَّه تعالى، أو للآدميين، فإن كان حقًّا للَّه تعالى، كترك صلاة، فإن التوبة لا تصحّ منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها، وهكذا إن كان ترك صوم، أو تفريطًا في الزكاة. وإن كان ذلك قَتْل نفس بغير حقّ فأن يُمَكِّن من القصاص إن كان عليه، وكان مطلوبًا به، وإن كان قذفًا يوجب الحدّ، فيبذل ظهره للجَلْد، إن كان مطلوبًا به، فإن عُفي عنه كفاه الندم، والعزم على ترك العود بالإخلاص، وكذلك إن عُفي عنه في القتل بمال، فعليه أن يؤديه إن كان واجدًا له، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وإن كان ذلك حدًّا من حدود اللَّه كائنًا ما كان، فإنه إذا تاب إلى اللَّه تعالى بالندم الصحيح سقط عنه، وقد نصّ اللَّه تعالى على سقوط الحدّ عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم، وفي ذلك دليل على أنها لا تسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم، وكذلك الشُّرّاب، والسُّرّاق، والزُّنَاة، إذا أصلحوا، وتابوا، وعُرف ذلك منهم، ثم رُفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدّهم، وإن رُفعوا إليه، فقالوا: تبنا، لم يُتركوا، وهم في هذه الحالة كالمحاربين إذا غُلبوا، هذا مذهب الشافعيّ. فإن كان الذنب من مظالم العباد، فلا تصح التوبة منه إلا بردّه إلى صاحبه، والخروج عنه -عينًا كان، أو غيره- إن كان قادرًا عليه، فإن لم يكن قادرًا فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت، وأسرعه. وإن كان أضرّ بواحد من المسلمين، وذلك الواحد لا يشعر به، أو لا يدري من أين أُتي؟، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه، ويستغفر له، فإذا عفا عنه، فقد سقط الذنب عنه، وإن أرسل من يسأل ذلك له، فعفا ذلك المظلوم عن ظالمه -عرفه بعينه، أو لم يعرفه- فذلك صحيح، وإن أساء رجل إلى رجل بأن فزّعه بغير حقّ، أو غمّه، أو لطمه، أو صَفَعه بغير حقّ، أو ضربه بسوط، فآلمه، ثم جاءه مستعفيًا نادمًا على ما كان منه، عازمًا على ألا يعود، فلم يزل يتذلل له حتى طابت نفسه، فعفا عنه، سقط عنه ذلك الذنب، وهكذا إن كان شانَهُ بشتم لا حدّ فيه. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- ، وهو بحث مفيد، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى التوبة النصوح: قال الراغب -﵀-: النصح: تحري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾ [الأعراف: ٧٩]، وقال: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ [الأعراف: ٢١]، ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] وهو من قولهم: نصحت له الودّ؛ أي: أخلصته، وناصحُ العسلِ: خالصه، أو من قولهم: نصحت الجلد: خِطته، والناصح: الخياط، والنِّصَاح: الخيط، وقوله: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، فمن أحد هذين؛ إما الإخلاص؛ وإما الإحكام، ويقال: نَصوح، ونَصاح نحو ذَهُوب وذهاب، قال: أَحْبَبْتُ حُبّا خَالَطَتْهُ نَصَاحَةٌ انتهى كلام الراغب -﵀- . وقال أبو عبد اللَّه القرطبيّ المفسّر -﵀-: اختَلَفت عبارة العلماء، وأرباب القلوب في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولًا: فقيل: هي التي لا عودة بعدها، كما لا يعود اللبن إلى الضرع، وروي عن عمر، وابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل -﵃-، ورَفَعه معاذ إلى النبيّ -ﷺ-، وقال قتادة: النصوح: الصادقة الناصحة. وقيل: الخالصة، يقال: نصح؛ أي: أخلص له القول. وقال الحسن: النصوح: أن يُبغض الذنب الذي أحبه، ويستغفر منه إذا ذكره. وقيل: هي التي لا يثق بقبولها، ويكون على وجلَّ منها. وقيل: هي التي لا يحتاج معها إلى توبة. وقال الكلبيّ: التوبة النصوح: الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع عن الذنب، والاطمئنان على أنه لا يعود. وقال سعيد بن جبير: هي التوبة المقبولة، ولا تُقبل ما لم يكن فيها ثلاثة شروط: خوف أن لا تُقبَل، ورجاء أن تقبل، وإدمان الطاعات. وقال سعيد بن المسيِّب: توبة تنصحون بها أنفسكم. وقال القرظيّ: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، وإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيّئ الخلان. وقال سفيان الثوريّ: علامة التوبة النصوح أربعة: القلّة، والعلّة، والذلّة، والغربة. وقال الفضيل بن عياض: هو أن يكون الذنب بين عينيه، فلا يزال كأنه ينظر إليه. ونحوه عن ابن السماك: أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه الحياء من اللَّه أمام عينك، وتستعدّ لمنتظرك. وقال أبو بكر الوراق: هو أن تَضِيْق عليك الأرض بما رحبت، وتضيق عليك نفسك؛ كالثلاثة الذين خُلِّفوا. وقال أبو بكر الواسطيّ: هي توبة لا لِفَقد عِوَض؛ لأنَّ من أذنب في الدنيا لرفاهية نفسه، ثم تاب طلبًا لرفاهيتها في الآخرة، فتوبته على حفظ نفسه، لا للَّه. وقال أبو بكر الدقاق المصريّ: التوبة النصوح هي رد المظالم، واستحلال الخصوم، وإدمان الطاعات. وقال رُويم: هو أن تكون للَّه وجهًا بلا قفًا، كما كنت له عند المعصية قَفًا بلا وجه. وقال ذو النون: علامة التوبة النصوح ثلاث: قلّة الكلام، وقلّة الطعام، وقلّة المنام. قال شقيق: هو أن يكثر صاحبها لنفسه الملامة، ولا ينفك من الندامة، لينجو من آفاتها بالسلامة. وقال سريّ السقطيّ: لا تصلح التوبة النصوح إلا بنصيحة النفس والمؤمنين؛ لأنَّ من صحب توبته أحب أن يكون الناس مثله. وقال الجنيد: التوبة النصوح هو أن ينسى الذنب، فلا يذكره أبدًا؛ لأنَّ من صحت توبته صار محبًّا للَّه، ومن أحب اللَّه نسي ما دون اللَّه. وقال ذو الأذنين : هو أن يكون لصاحبها دمع مسفوح، وقلب عن المعاصي جموح. وقال فتح الموصليّ: علامتها ثلاث: مخالفة الهوي، وكثرة البكاء، ومكابدة الجوع والظمأ. وقال سهل بن عبد اللَّه التستريّ: هي التوبة لأهل السُّنَّة والجماعة؛ لأنَّ المبتدع لا توبة له، بدليل قوله -ﷺ-: «حجب اللَّه على كل صاحب بدعة أن يتوب». وعن حذيفة: بحسب الرجل من الشرّ أن يتوب من الذنب، ثم يعود فيه. وأصل التوبة النصوح من الخلوص، يقال: هذا عسل ناصح: إذا خلص من الشمع. وقيل: هي مأخوذة من النصاحة، وهي الخياطة، وفي أخذها منها وجهان: أحدهما: لأنَّها توبة قد أحكمت طاعته، وأوثقتها، كما يُحكم الخياط الثوب بخياطته، ويوثقه. والثاني: لأنها قد جمعت بينه وبين أولياء اللَّه، وألصقته بهم، كما يجمع الخياط الثوب، ويُلصق بعضه ببعض. وقراءة العامة «نصوحًا» بفتح النون، على نعت التوبة، مثل امرأة صبور؛ أي: توبة بالغة في النصح. وقرأ الحسن وخارجة وأبو بكر عن عاصم بالضم، وتأويله على هذه القراءة: توبة نُصْح لأنفسكم. وقيل: يجوز أن يكون «نصوحًا»، جمع نصح، وأن يكون مصدرًا، يقال: نصح نصاحة ونصوحًا، وقد يتفق فَعالة وفُعول في المصادر، نحو الذهاب والذهوب. وقال المبرد: أراد توبة ذات نصح، يقال: نصحت نصحًا ونصاحةً ونصوحًا. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . قال الحافظ -﵀- بعد ذكر بعض كلام القرطبيّ المذكور ما نصّه: وجميع ذلك من المكملات، لا من شرائط الصحة. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): ثم بعد أن كتبت ما سبق رأيت الإمام العلّامة ابن قيّم الجوزيّة -﵀- كتب في كتابه «مدارج السالكين» بحثًا نفيسًا في التوبة شاملًا لِمَا تقدّم، وزائدًا عليه، فأحببت إيراده هنا؛ تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة، فأقول: قال -﵀-: وكثير من الناس إنما يفسر التوبة بالعزم على أنَّ لا يعاود الذنب، وبالإقلاع عنه في الحال، وبالندم عليه في الماضي. وإن كان في حق آدمي فلا بد من أمر رابع وهو التحلل منه، وهذا الذي ذكروه بعض مسمى التوبة بل شرطها. وإلا فالتوبة في كلام اللَّه تعالى ورسوله -ﷺ- كما تتضمن ذلك تتضمن العزم على فعل المأمور والتزامه، فلا يكون بمجرد الإقلاع والعزم والندم تائبًا حتى يوجد منه العزم الجازم على فعل المأمور والإتيان به، هذا حقيقة التوبة، وهي اسم لمجموع الأمرين لكنها إذا قُرنت بفعل المأمور كانت عبارة عما ذكروه، فإذا أفردت تضمنت الأمرين، وهي كلفظة التقوى التي عند إفرادها تقتضي فعل ما أمر اللَّه به، وترك ما نهى اللَّه عنه، وعند اقترانها بفعل المأمور تقتضي الانتهاء عن المحظور، فإن حقيقة التوبة الرجوع إلى اللَّه بالتزام فعل ما يحب، وترك ما يكره، فهي رجوع من مكروه إلى محبوب، فالرجوع إلى المحبوب جزء مسماها، والرجوع عن المكروه الجزء الآخر، ولهذا علق سبحانه الفلاح المطلق على فعل المأمور وترك المحظور بها فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] فكل تائب مفلح ولا يكون مفلحًا إلا مَنْ فَعَل ما أمر به وترك ما نهي عنه. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] وتارك المأمور ظالم كما إن فاعل المحظور ظالم، وزوال اسم الظلم عنه بالتوبة الجامعة الأمرين، قال: وإنما سمي التائب تائبًا لرجوعه إلى أمر اللَّه من نهيه وإلى طاعته من معصيته كما تقدم، فإذًا التوبة هي حقيقة دين الإسلام والدين كله داخل في مسمى التوبة، وبهذا استحق التائب أن يكون حبيب اللَّه، فإن اللَّه يحب التوابين ويحب المتطهرين، وإنما يحب اللَّه مَنْ فَعَل ما أمر به وترك ما نهى عنه، فإذًا التوبة هي الرجوع مما يكرهه اللَّه ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا، ويدخل في مسماها الإسلام والإيمان والإحسان وتتناول جميع المقدمات. قال ابن القيم -مشيرًا إلى الفرق بين الاستغفار والتوبة-: وأما الاستغفار فهو نوعان: مفرد ومقرون بالتوبة؛ فالمفرد كقول نوح -﵇- لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾ [نوح: ١٠، ١١]، وكقول صالح -﵇- لقومه: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦]، وكقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣]، والمقرون كقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣]، وقول صالح لقومه: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]، وقول شعيب: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾ [هود: ٩٠] فالاستغفار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة بعينها مع تضمّنه طلب المغفرة من اللَّه، وهو محو الذنب، وإزالة أثره، ووقاية شره، لا كما ظنه بعض الناس إنها الستر فإن اللَّه يستر على من يغفر له، ومن لا يغفر له، ولكن الستر لازم مسماها أو جزءه، فدلالتها عليه إما بالتضمن وإما باللزوم، وحقيقتها وقاية شر الذنب، ومنه المِغْفَر لِمَا يقي الرأس من الأذي، والستر لازم لهذا المعني، وإلا فالعمامة لا تسمى مغفرًا، ولا القبع ونحوه مع ستره، فلا بد في لفظ المغفر من الوقاية، وهذا الاستغفار الذي يمنع العذاب في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] فإن اللَّه لا يعذب مستغفرًا. وأما من أصر على الذنب وطلب من اللَّه مغفرته فهذا ليس باستغفار مطلق، ولهذا لا يمنع العذاب، فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى فالاستغفار طلب وقاية شر ما مضي، والتوبة والرجوع طلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله فها هنا ذنبان، ذنب قد مضى فالاستغفار طلب وقاية شره، وذنب يخاف وقوعه، فالتوبة العزم على أنَّ لا يفعله، والرجوع إلى اللَّه يتناول النوعين، رجوع إليه ليقيه شر ما مضي، ورجوع إليه ليقيه شر ما يستقبل من شر نفسه وسيئات أعماله، وأيضًا فإن المذنب بمنزلة من ارتكب طريقًا تؤديه إلى هلاكه، ولا توصله إلى المقصود فهو مأمور أن يوليها ظهره، ويرجع إلى الطريق التي فيها نجاته، وتوصله إلى مقصوده، وفيها فلاحه، فها هنا أمران لا بد منهما، مفارقة شيء، والرجوع إلى غيره، فخصت التوبة بالرجوع والاستغفار بالمفارقة، وعند إفرادهما يتناولان الأمرين، ولهذا واللَّه أعلم جاء الأمر بهما مرتبًا بقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٩٠] فإنه الرجوع إلى طريق الحق بعد مفارقة الباطل، وأيضًا فالاستغفار من باب إزالة الضرر، والتوبة طلب جلب المنفعة، فالمغفرة أن يقيه شر الذنب، والتوبة أن يحصل له بعد الوقاية ما يحبه، وكل منهما يستلزم الآخر عند إفراده واللَّه أعلم. وقيل في الفرق بينهما: إن التوبة لا تكون إلا لنفسه، أي: لِمَا اجترحته نفسه خاصة من الآثام بخلاف الاستغفار، فإنه يكون لنفسه ولغيره أو لغيره فقط، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، وقال تعالى حاكيًا عن الملائكة: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر: ٧] وإن التوبة هي الندم على ما فرّط في الماضي، والعزم على الامتناع منه في المستقبل، والاستغفار طلب الغفران لِمَا صدر منه، ولا يجب فيه العزم في المستقبل هذا. وقد ذكر صاحب «المنازل» أسرارًا للتوبة بسط ابن القيم الكلام في شرح السر الأول وتوضيحه أحببنا إيراده لغاية حسنه ولطافته. قال صاحب «المنازل»: ولطائف أسرار التوبة ثلاثة أشياء: أولها: أن ينظر الجناية والقضية، فيعرف مراد اللَّه فيها إذ خلّاك وإتيانها، فإن اللَّه -﷿-، إنما خلى العبد والذنب لمعنيين: أحدهما: أن يعرف عزته في قضائه وبره في ستره وحلمه في إمهال راكبه وكرمه في قبول العذر منه وفضله في مغفرته. الثاني: أن يقيم على عبده حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته. قال ابن القيم في شرح هذا الكلام ١/ ١١١: اعلم أن صاحب البصيرة إذا صدرت منه الخطيئة فله نظر إلى خمسه أمور: أحدها: أن ينظر إلى أمر اللَّه ونهيه، فيحدث له ذلك الاعتراف بكونها خطيئة والإقرار على نفسه بالذنب. الثاني: أن ينظر إلى الوعد والوعيد، فيحدث له ذلك خوفًا وخشية تحْمله على التوبة. الثالث: أن ينظر إلى تمكين اللَّه له منها وتخليته بينه وبينها أو تقديرها عليه وإنه لو شاء لعصمه منها وحال بينه وبينها، فيحدث له ذلك أنواعًا من المعرفة باللَّه وأسمائه وصفاته وحكمته ورحمته ومعرفته وعفوه وحلمه وكرمه، وتوجب هذه المعرفة عبودية بهذه الأسماء لا تحصل بدون لوازمها البتة، ويعلم ارتباط الخلق والأمر والجزاء والوعد بأسمائه وصفاته، وأن ذلك موجب الأسماء والصفات وأثرها في الوجود، وأن كل اسم وصفة مقتض لأثره وموجبه متعلق به لا بد منه، وهذا المشهد يُطلعه على رياض مونقة من المعارف والإيمان وأسرار القدر والحكمة يضيق عن التعبير عنها نطاق الكلم. فمن بعضها: ما ذكره الشيخ -يعني: صاحب «المنازل»- أن يعرف العبد عزته في قضائه، وهو أنه سبحانه العزيز الذي يقضي بما يشاء، وإنه لكمال عزه حَكَم على العبد وقضى عليه بأن قلّب قلبه وصرف إرادته على ما يشاء وحال بين العبد وقلبه، وجعله مريدًا شائيًا لِمَا شاء منه العزيز الحكيم. وهذا من كمال العزة إذ لا يقدر على ذلك إلا اللَّه، وغاية المخلوق أن يتصرف في بدنك وظاهرك، وأما جعلك مريدًا شائيًا لِمَا شاءه منك، ويريده فلا يقدر عليه إلا ذو العزة الباهرة، فإذا عرف العبد عز سيده ولاحظه بقلبه وتمكّن شهوده منه كان الاشتغال به عن ذل المعصية أَولى به وأنفع له؛ لأنه يصير مع اللَّه لا مع نفسه، ومن معرفة عزته في قضائه: أن يعرف أنه مدبَّر مقهور ناصيته بيد غيره لا عصمة له، إلا بعصمته ولا توفيق له إلا بمعونته، فهو ذليل حقير في قبضة عزيز حميد، ومن شهود عزته أيضًا في قضائه: أن يشهد أن الكمال والحمد والغنى التام والعزة كلها للَّه، وأن العبد نفسه أَولى بالتقصير والذم والعيب والظلم والحاجة، وكلما ازداد شهوده لذله ونقصه وعيبه وفقره ازداد شهوده لعزة اللَّه وكماله وعبده وغناه وكذلك بالعكس، فنقص الذنب وذلته يطلعه على مشهد العزة. ومنها: أن العبد لا يريد معصية مولاه من حيث هي معصية، فإذا شهد جريان الحكم عليه وجعله فاعلًا لِمَا هو غير مختار له ولا مريد بإرادته ومشيئته واختياره، فكأنه مختار غير مختار، مريد غير مريد، شاءٍ غير شاء، فهذا يشهد عزة اللَّه وعظمته وكمال قدرته. ومنها: أن يعرف بِرّه سبحانه في ستره عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال رؤيته له، ولو شاء لفضحه بين خلقه فحَذَروه، وهذا من كمال بره ومن أسمائه البر، وهذا البر من سيده به نَفْع كمال غناه عنه، وكمال فقر العبد إليه، فيشتغل بمطالعة هذه المنة، ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم فيذهل عن ذكر الخطيئة فيبقى مع اللَّه سبحانه، وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته وشهود ذل معصيته، فإن الاشتغال باللَّه والغفلة عما سواه هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى، ولا يوجب هذا نسيان الخطيئة مطلقًا بل في هذه الحال. فإذا فَقَدها فليرجع إلى مطالعة الخطيئة وذكر الجناية، ولكل وقت ومقام عبودية تليق به. ومنها: شهود حِلم اللَّه ﷾ في إمهال راكب الخطيئة ولو شاء لعاجله بالعقوبة، ولكنه الحليم الذي لا يعجل فيحدث له ذلك معرفته سبحانه باسمه الحليم ومشاهدة صفة الحلم، والتعبد بهذا الاسم والحكمة والمصلحة الحاصلة من ذلك بتوسط الذنب أحب إلى اللَّه، وأصلح للعبد وأنفع من فَوْتها ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع. ومنها: معرفة العبد كرم ربه في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه بنحو ما تقدم من الاعتذار لا بالقدر، فإنه مخاصمة ومحاجة كما تقدم، فيقبل عذره بكرمه وَجُوده فيوجب له ذلك اشتغالًا بذكره وشكره ومحبةٍ أخرى لم تكن حاصلة له قبل ذلك، فإن محبتك لمن شَكَرك على إحسانك وجازاك به ثم غفر لك إساءتك ولم يؤاخذك بها أضعاف محبتك على شُكر الإحسان وحده والواقع شاهد بذلك، فعبودية التوبة بعد الذنب لون، وهذا لون آخر؛ يعني: أن عبودية التوبة بعد الذنب لون، وهذا الذي ذكره أخيرًا من معرفة العبد كرم ربه إلخ لون آخر. ومنها: أن يشهد فضله في مغفرته فإن المغفرة فضل من اللَّه، وإلا فلو أخذ بالذنب لأخذ يمحض حقه، وكان عادلًا محمودًا، وإنما عفوه بفضله، لا باستحقاقك، فيوجب لك ذلك أيضًا شكرًا له ومحبة وإنابة إليه وفرحًا وابتهاجًا به ومعرفة له باسمه الغفار، ومشاهدة لهذه الصفة، وتعبدًا بمقتضاها وذلك أكمل في العبودية والمحبة والمعرفة. ومنها: أن يكمل لعبده مراتب الذل والخضوع والانكسار بين يديه والافتقار إليه، فإن النفس فيها مضاهاة الربوبية لو قدرت لقالت كقول فرعون ولكنه قَدَر فاظهر، وغيره عجز فأضمر، وإنما يخلصها من هذه المضاهاة ذل العبودية، وهو أربع مراتب: المرتبة الأولى: مشتركة بين الخلق وهي ذل الحاجة والفقر إلى للَّه، فأهل السماوات والأرض محتاجون إليه فقراء إليه، وهو وحده الغني عنهم، وكل أهل السماوات والأرض يسألونه وهو لا يسأل أحدًا. المرتبة الثانية: ذل الطاعة والعبودية، وهو ذل الاختيار، وهذا خاص بأهل طاعته، وهو سر العبودية. المرتبة الثالثة: ذل المحبة، فإن المحب ذليل بالذات لمحبوبه وعلى قدر محبته له يكون ذله، فالمحبة أُسست على الذلة للمحبوب كما قيل [من الكامل]: اخْضَعْ وَذِلَّ لِمَنْ تُحِبُّ فَلَيْسَ فِي … حُكْمِ الْهَوَى أَنْفٌ يُشَالُ وَيُعْقَدُ وقال آخر [من الطويل]: مَسَاكِينُ أَهْلِ الْحُبِّ حَتَّى قُبُورُهُمْ … عَلَيْهَا تُرَابُ الذُّلِّ بَيْنَ الْمَقَابِرِ المرتبة الرابعة: ذلّ المعصية والجناية، فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع كان الذل للَّه والخضوع له أكمل وأتم، إذ يذل له خوفًا وخشية ومحبة وإنابة وإطاعة وفقرًا وفاقة، وحقيقة ذلك هو الفقر الذي يشير إليه القوم، وهذا المعنى أجلّ من أن يسمى بالفقر بل هو في العبودية وسرّها وحصوله أنفع شيء للعبد، وأحب شيء إلى اللَّه فلا بد من تقدير لوازمه من أسباب الضعف والحاجة، وأسباب العبودية والطاعة، وأسباب المحبة والإنابة، وأسباب المعصية والمخالفة؛ إذ وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع، والغاية من تقدير عدم هذا الملزوم ولازمه مصلحة وجوده خير من مصلحة فوته ومفسدة فوته أكبر من مفسدة وُجُوده، والحكمة مبناها على دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وقد فتح لك الباب، فإن كنت من أهل المعرفة فادخل وإلا فردّ الباب وارجع بسلام. ومنها: إن أسماءه الحسنى تقتضي آثارها اقتضاء الأسباب التامة لمسبَّباتها فاسم السميع البصير يقتضي مسموعًا ومبصرًا، واسم الرزاق يقتضي مرزوقًا، واسم الرحيم يقتضي مرحومًا، وكذلك اسم الغفور والعفو والتواب والحليم يقتضي من يغفر له ويتوب عليه ويعفو عنه ويحلم، ويستحيل تعطيل هذه الأسماء والصفات؛ إذ هي أسماء حسنى وصفات كمال ونعوت جلال وأفعال حكمة، وإحسان وَجُود فلا بد من ظهور آثارها في العالم، وقد أشار إلى هذا أعلم الخلق باللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليه حيث يقول: «لو لم تُذنبوا لذهب اللَّه بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون، فيغفر لهم»، وأنت إذا فرضت الحيوان بجملته معدومًا فلمن يرزق الرزاق سبحانه؟ وإذا فرضت المعصية والخطيئة منتفية من العالم فلمن يغفر وعمن يعفو؟ وعلى من يتوب ويحلم؟ وإذا فرضت الفاقات كلها قد سُدَّت، والعبيد أغنياء معافون فأين السؤال والتضرع والابتهال والإجابة، وشهود الفضل والمنة والتخصيص بالإنعام والإكرام؟ فسبحان من تعرَّف إلى خَلْقه بجميع أنواع التعرفات ودلّهم عليه بأنواع الدلالات وفتح لهم إليه جميع الطرقات، ثم نصب إليه الصراط المستقيم وعرّفهم به ودلّهم عليه: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢]. ومنها: السر الذي لا تقتحمه العبارة، ولا تجسر عليه الإشارة، لولا ينادى عليه منادي الإيمان على رؤوس الأشهاد، فشهد به قلوب خواص العباد، فازدادت به معرفة لربها ومحبة له وطمأنينة وشوقًا إليه ولهجًا بذكره وشهودًا لِبِرّه ولطفه وكرمه وإحسانه ومطالعة لسر العبودية وإشرافًا على حقيقة الإلهية، وهو ما ثبت في «الصحيحين» من حديث أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «لَلَّه أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللَّهُمَّ أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح»، هذا لفظ مسلم. وفي الحديث من قواعد العلم: إن اللفظ الذي يجري على لسان العبد خطأ من فرح شديد أو غيظ شديد، ونحوه لا يؤاخذ به ولهذا لم يكن هذا كافرًا بقوله: أنت عبدي وأنا ربك، قال: والقصد أن هذا الفرح له شأن لا ينبغي للعبد إهماله، والإعراض عنه، ولا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصة باللَّه وأسمائه وصفاته وما يليق بعز جلاله، وقد كان الأَولى بنا طَيّ الكلام فيه إلى ما هو اللائق بأفهام بني الزمان وعلومهم، ونهاية أقدامهم من المعرفة، وضَعف عقولهم عن احتماله غير أنا نعلم أن اللَّه ﷿ سيسوق هذه البضاعة إلى تجارها، ومن هو عارف بقدرها، وإن وقعت في الطريق بيد من ليس عارفًا بها «فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». فاعلم أن اللَّه ﷾ اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرَّمه وفضّله وشرّفه وخلقه لنفسه، وخلق كل شيءٍ له وخصه من معرفته ومحبته وقُرْبه وإكرامه بما لم يعطه غيره، وسخَّر له في سماواته وأرضه وما بينهما حتى ملائكته الذين هم أهل قربه استخدمهم وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته وظَعْنه وإقامته، وأنزل إليه وعليه كُتُبه، وأرسله وأرسل إليه، وخاطبه وكلمه منه إليه، واتخذ منهم الخليل والكليم والأولياء والخواص والأحبار، وجعلهم معدن أسراره ومحل حكمته وموضع حبه، وخلق لهم الجنة والنار، فالخلق والأمر والثواب والعقاب مداره على النوع الإنساني، فإنه خلاصة الخلق وهو المقصود بالأمر والنهي، وعليه الثواب والعقاب، فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات، وقد خلق أباه بيده ونفخ من روحه وأسجد له ملائكته وعلَّمه أسماء كل شيء وأظهر فضله على الملائكة، فمن دونهم من جميع المخلوقات وطرد إبليس عن قربه وأبعده عن بابه إذ لم يسجد له مع الساجدين، واتخذه عدوًا له فالمؤمنون من نوع الإنسان خير البرية على الإطلاق وخيرة اللَّه على العالمين، فإنه خَلَقه ليتمّ نعمته عليه وليتواتر إحسانه إليه، وليخصه من كرامته وفضله بما لم تنله أمنيته ولم يخطر على باله، ولم يشعر به ليسأله من المواهب والعطايا الباطنة والظاهرة العاجلة والآجلة التي لا تُنال إلا بمحبته، ولا تُنال محبته إلا بطاعته وإيثاره على ما سواه، فاتخذه محبوبًا له وأعدّ له أفضل ما يُعِدّه محب غنى قادر جواد لمحبوبه، إذ أقدم عليه وعهد إليه عهدًا يقدم إليه فيه بأوامره ونواهيه، وأعلمه في عهده ما يقربه إليه ويزيده محبة له وكرامة عليه، وما يبعده منه ويسخطه عليه، ويسقطه من عينه، وللمحبوب عدو هو أبغض خلق خلقه إليه قد جاهره بالعداوة، وأمر عباده أن يكون دينهم وطاعتهم وعبادتهم له دون وليهم ومعبودهم الحق، واستقطع عباده واتخذ منهم حزبًا ظاهروه ووالوه على ربهم، وكانوا أعداء له مع هذا العدو، يدعون إلى سخطه ويطعنون في ربوبيته وإلهيته ووحدانيته ويسبونه ويكذبونه، ويفتنون أولياءه ويؤذونهم بأنواع الأذى، ويجهدون على إعدامهم من الوجود وإقامة الدالة لهم، ومحو كل ما يحبه اللَّه ويرضاه وتبديله بكل ما يسخطه ويكرهه، فعرّفه بهذا العدو وطرائقهم وأعمالهم وما لهم، وحذّره موالاتهم والدخول في زمرتهم، والكون معهم، وأخبره في عهده أنه أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين. وأنه: سبقت رحمته غضبه وحِلمه عقوبته وعفوه مؤاخذته، وإنه قد أفاض على خلقه النعمة وكتب على نفسه الرحمة، وإنه يحب الإحسان والجود والعطاء والبر، وأن الفضل كله بيده والخير كله منه، والجود كله له، وأحب ما إليه أن يجود على عباده ويوسعهم فضلًا ويغمرهم إحسانًا وَجُودًا، أو يتم عليهم نعمه، ويضاعف لديهم مننه ويتعرف، إليهم بأوصافه وأسماءه، ويتحبب إليهم بنعمه وآلاءه فهو الجواد لذاته، وجُوْد كل جواد خلقه اللَّه ويخلقه أبدًا أقل من ذرة بالقياس إلى جوده، فليس الجواد على الإطلاق إلا هو، وَجُود كل جواد فمن جوده ومحبته للجود والإعطاء والإحسان والبر والإنعام والإفضال فوق ما يخطر ببال الخلق، أو يدورد في أوهامهم وفرحه بعطائه وجوده وإفضاله أشد من فرح الآخذ بما يعطاه، أو يأخذ أحوج ما هو إليه وأعظم ما كان قدرًا، فإذا اجتمع شدة الحاجة وعظم قدر العطية والنفع بها فما الظن بفرح المعطي؟ ففَرَحُ المعطي سبحانه بعطائه أشد وأعظم من فَرَح هذا بما يأخذه، وللَّه المثل الأعلى؛ إذ هذا شأن الجواد من الخلق، فإنه يحصل له من الفرح والسرور والابتهاج واللذة بعطائه، وَجُوده فوق ما يحصل لمن يعطيه، ولكن الآخذ غائب بلذة أخذه عن لذة المعطي وابتهاجه وسروره. هذا مع كمال حاجته إلى ما يعطيه وفقره إليه وعدم وثوقه باستخلاف مثله، وخوف الحاجة إليه عند ذهابه والتعرض لذل الاستعانة بنظيره ومن هو دونه، ونفسه قد طبعت على الحرص والشح، فما الظن بمن تقدس وتنزه عن ذلك كله؟ ولو أن أهل سماواته وأرضه وأول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنّهم ورطبهم ويابسهم قاموا في سعيد واحدٍ فسألوه فأعطى كلًا ما سأله ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة، وهو الجواد لذاته كما أنه الحي لذاته العليم لذاته السميع البصير لذاته، فجوده العالي من لوازم ذاته، والعفو أحب إليه من الانتقام، والرحمة أحب إليه من العقوبة، والفضل أحب إليه من العدل، والعطاء أحب إليه من المنع، فإذا تعرض عبده ومحبوبه الذي خلقه لنفسه وأعد له أنواع كرامته وفضّله على غيره وجعله محل معرفته وأنزل إليه كتابه، وأرسل إليه رسوله واعتنى بأمره، ولم يهمله ولم يتركه سدى، فتعرض لغضبه وارتكب مساخطه وما يكرهه وأبق منه، ووالى عدوه وظاهره عليه، وتحيز إليه وقطع طريق نِعمه وإحسانه إليه التي هي أحب شيء إليه، وفتح طريق العقوبة والغضب والانتقام فقد استدعى من الجواد الكريم خلاف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبر، وتعرض لإغضابه وإسخاطه وانتقامه، وأن يصير غضبه وسخطه في موضع رضاه، وانتقامه وعقوبته في موضع كرمه وبِرّه وعطائه، فاستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أحب إليه منه، وخلاف ما هو من لوازم ذاته من الجود والإحسان، فبينما هو حبيبه المقرب المخصوص بالكرامة إذ انقلب آبقًا شاردًا رادًّا لكرامته، مائلًا عنه إلى عدوه مع شدة حاجته إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته ناسيًا لسيده، منهمكًا في موافقة عدوه، قد استدعى من سيده خلاف ما هو أهله؛ إذ عرضت له فكرة فتذكر بِرّ سيده وعطفه وَجُوده وكرمه، وعلم أنه لا بد له منه، وأن مصيره إليه، وعَرْضه عليه، وأنه لم يقدم عليه بنفسه قدم به عليه، على أسوأ الأحوال، ففر إلى سيده من بلد عدوه وَجَدّ في الهرب إليه حتى وصل إلى بابه، فوضع خده على عتبة بابه، وتوسد ثرى أعتابه، متذللًا متضرعًا خاشعًا باكيًا آسفًا، يتملق سيده، ويسترحمه، ويستعطفه، ويعتذر إليه، قد ألقى بيده إليه، واستسلم له وأعطاه قياده، وألقى إليه زمامه، فعلم سيده ما في قلبه، فعاد مكان الغضب عليه رضًا عنه، ومكان الشدة عليه رحمة به، وأبدله بالعقوبة عفوًا، وبالمنع عطاءً وبالمؤاخذة حلمًا، فاستدعى بالتوبة والرجوع من سيده ما هو أهله، وما هو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فكيف يكون فرح سيده به، وقد عاد إليه حبيبه ووليه طوعًا واختيارًا، وراجع ما يحبه سيده منه ويرضاه، وفَتَح طريق البر والإحسان والجود التي هي أحب إلى سيده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة؟ وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنه حصل له شرود وإباق عن سيده، فرأى في بعض السكك بابًا قد فُتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده، حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكرًا فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أُخرج منه، ولا من يؤويه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزينًا فوجد الباب مُرتجًا فتوسده، ووضع خده على عتبة الباب ونام فخرجت أمه، فلما رأته على تلك الحالة لم تملك أن رمت نفسها عليه والتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا ولدي أين تذهب عني ومن يؤويك سواي؟ ألم أقل لك: لا تخالفني ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة لك والشفقة عليك وإرادتي الخير لك؟ ثم أخذته ودخلت، فتأمل قول الأم: لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة والشفقة، وتأمل قوله -ﷺ-: «لَلَّه أرحم بعباده من الوالدة بولدها»، وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة اللَّه التي وسعت كل شيء؟ فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه، فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأَولى به. فهذه نبذة يسيرة تُطلعك على سر فرح اللَّه بتوبة عبده أعظم من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها، ووراء هذا ما تجفو عنه العبارة، وتَدِقّ عن إدراكه الأذهان، وإياك وطريقة التعطيل والتمثيل، فإن كلًّا منهما منزل ذميم، ومرتع على عِلّاته وخيم، ولا يحلّ لأحدهما أن يجد روائح هذا الأمر ونفسه؛ لأن زكام التعطيل والتمثيل مفسد لحاسة الشم كما هو مفسد لحاسة الذوق، فلا يذوق طعم الإيمان ولا يجد ريحه، والمحروم كل المحروم من عُرض عليه الغنى والخير فلم يقبله، فلا مانع لِمَا أعطى اللَّه ولا معطي لِمَا منع، والفضل بيد اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم. هذا ملخّص ما أردت نقله من كلام الإمام ابن قيّم الجوزيّة -﵀- وإن أردت الزيادة في تحقيقاته في هذا الباب، فراجع كتابه الممتع: «مدارج السالكين في شرح منازل السائرين»، تُشْفَ، وتُكْفَ ، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (١) - (بَابٌ في الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوَّل الكتاب قال: [٦٩٢٧] (٢٦٧٥) - (حَدَّثَنِي سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي زيدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؛ أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي، وَاللَّهِ لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالْفَلَاةِ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي، أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ»). قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في أول «كتاب الذكر والدعاء» برقم [١/ ٦٧٨١] (٢٦٧٥) من طريق الأعمش عن أبي صالح، وتقدّم شرحه هناك مستوفًى، فلا حاجة إلى الإطالة بإعادته. ورجاله: خمسة: ١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدثاني، ويقال: الأنباريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقيليّ -بالضم- أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عسقلان، ثقةٌ، ربّما وَهِم [٨] (ت ١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦١. ٣ - (زيدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدَويّ مولى عمر، أبو عبد اللَّه، وأبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، وكان يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٤ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، تقدّم قبل بابين، وشرح الحديث قد تقدّم بالرقم الذكور، وللَّه الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٢٨] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ -يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ، إِذَا وَجَدَهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ الْقَعْنَبِيُّ) الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، أصله من المدينة، وسكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن المديني لا يقدّمان عليه في «الموطأ» أحدًا، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام -بحاء مهملة، وزاي- المدنيّ، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] قال أبو داود: كان قد نزل عسقلان (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٦/ ٦٥٣. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠. ٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، تقدّم قريبًا. و«أبو هريرة -﵁-» ذكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا) قال النوويّ: قال العلماء: فَرَحُ اللَّه تعالى هو رضاه، وقال المازريّ: الفرح ينقسم على وجوه، منها: السرور، والسرور يقارنه الرضا بالمسرور به، قال: فالمراد هنا: أن اللَّه تعالى يرضى بتوبة عبده أشدّ مما يرضى واجد ضالته بالفلاة، فعبَّر عن الرضا بالفرح؛ تأكيدًا لمعنى الرضا في نفس السامع، ومبالغة في تقريره. انتهى . وتعقّب المباركفوريّ -﵀- ما ذكره النوويّ من التأويل، وقد أجاد في ذلك، فقال: لا حاجة إلى التأويل، ومذهب السلف في أمثال هذا الحديث إمرارها على ظواهرها، من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تأويل. انتهى . وقد أجاد الشيخ البرّاك في رذه على الحافظ لمّا أكثر النقول في «الفتح» من أقوال المؤوّلين، حيث قال عند قوله: وإطلاق الفرح على اللَّه مجاز عن رضاه. . . إلخ ما نصّه: كل ما ذكره الحافظ، ونقله في هذا الموضع جارٍ على مذهب النفاة، وأهل التأويل منهم، وفي هذا كلّه صرف لفظ «الفرح» عن ظاهره، فمن المعلوم أن الفرح غير الرضا، والرضا غير المحبَّة، وكلّها غير الإرادة، فإن الفرح ضدّه الحزن، والرضا ضدّه السخط، والمحبّة ضدّها البغض، وكلّ هذه الصفات التي وردت في النصوص إضافتها إلى اللَّه تعالى تنفيها الأشاعرة، وأهل التأويل منهم يفسّرونها بالإرادة، وأهل السُّنَّة والجماعة لا يفرّقون بين الصفات الواردة في الكتاب والسُّنَّة، بل يُثبتونها للَّه ﷿ على ما يليق به ﷾ من غير تكييف، ولا تمثيل، ويردّون على الأشاعرة بأن حكم الصفات واحد، والتفريق بينها تفريق بين المتماثلات، ولهذا يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فرّوا منه فيما نفوه. انتهى كلام البرّاك حفظه اللَّه ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، فتمسّك به، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ)؛ أي: من فرح أحدكم (بِضَالَّتِهِ)؛ أي: بوجدان ضالته بعد فَقْدها، قال في «النهاية»: الضالة هي الضائعة من كل ما يُقتنى، من الحيوان وغيره، يقال: ضلّ الشيءُ: إذا ضاع، وهي في الأصل فاعلة، ثم اتُّسِع فيها، فصارت من الصفات الغالبة، وتقع على الذكر والأنثى، والاثنين والجمع. انتهى. وقال الفيّوميّ -﵀-: ضَلَّ الرجلُ الطريقَ، وضَل عنه يَضِلُّ، من باب ضرب ضَلَالًا، وضَلَالةً: زَلّ عنه، فلم يهتد إليه، فهو ضَالٌّ، هذه لغة نجد، وهي الفُصْحَى، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ [سبأ: ٥٠]، وفي لغة لأهل العالية من باب تَعِبَ، والأصل في الضَّلالِ: الغَيبة، ومنه قيل للحيوان الضائع: ضَالَّةٌ بالهاء للذكر والأنثى، والجمعُ الضَّوَالُّ، مثل دابّة ودوابّ، ويقال لغير الحيوان: ضائعٌ، ولُقَطَةٌ، وضَلَّ البعيرُ: غاب، وخَفِي موضعه، وأَضْلَلْتُهُ بالألف: فقدته، قال الأزهريّ: وأَضْلَلْتَ الشيءَ بالألف: إذا ضاع منك، فلم تعرف موضعه، كالدّابّة، والناقة، وما أشبههما، فإن أخطأت موضع الشيء الثابت، كالدار، قلت: ضَلَلْتُهُ، وضَلِلْتُهُ، ولا تقل: أَضْلَلْتُهُ بالألف، وقال ابن الأعرابيّ: أَضَلَّنِي كذا بالألف: إذا عجزت عنه، فلم تقدر عليه، وقال في «البارع»: ضَلَّنِي فلان، وكذا في غير الإنسان يَضِلُّنِي: إذا ذهب عنك، وعجزت عنه، وإذا طلبت حيوانًا، فأخطأت مكانه، ولم تهتد إليه، فهو بمنزلة الثوابت، فتقول: ضَلَلْتُهُ، وقال الفارابيّ: أَضلَلْتُهُ بالألف: أضعته. انتهى . (إِذَا وَجَدَهَا»)؛ أي: الضالّة، و«إذا»ظرف لفرح المقدّر؛ أي: من فرح أحدكم وقت وجدان ضالّته، واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، وبيان مسائله في أول«كتاب الذكر والدعاء والتوبة» برقم [١/ ٦٧٨١] (٢٦٧٥) فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٢٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهير، عَمِي في آخر عمره، فتغير، وكان يتشيع [٩] (٢١١) وله خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حَدَّث به بالبصرة، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وهو ابن ثمان وخمسين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الصنعانيّ، أبو عُتْبة أخو وهب، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. و«أبو هريرة -﵁-» ذُكِر قبله.
مصادر المؤلف (٧٩)

١. وفي نسخة: «لعله يفرّجها».

٢. «المرقاة» ١٤/ ٢١٦.

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦١٧.

٤. «القاموس» ص ٩٨٢.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٦٦.

٦. «عمدة القاري» ١٢/ ٢٤.

٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١٦٩، و«المرقاة» ١٤/ ٢١٦.

٨. «القاموس» ص ٥٤٠.

٩. «شرح النوويّ» ١٧/ ٥٦.

١٠. «عمدة القاري» ٢٢/ ٨٦.

١١. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٤/ ٢١٨.

١٢. «شرح النوويّ» ١٧/ ٥٦.

١٣. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»١٤/ ٢١٨.

١٤. «الفتح»٨/ ١١٦،«كتاب أحاديث الأنبياء»رقم (٣٤٦٥).

١٥. «عمدة القاري»٢٢/ ٨٦.

١٦. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»١٤/ ٢١٨.

١٧. «المفهم»٧/ ٦٤.

١٨. «الفتح» ٨/ ١١٦.

١٩. «الفتح» ٨/ ١١٣.

٢٠. «عمدة القاري» ٢٢/ ٨٦.

٢١. «المفهم» ٧/ ٦٤.

٢٢. «عمدة القاري» ١٢/ ٢٥.

٢٣. «الفتح» ٨/ ١١٥ - ١١٦.

٢٤. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٤/ ٢١٩.

٢٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١٧٠.

٢٦. «الفتح» ٨/ ١١٥ - ١١٧.

٢٧. «المفهم» ٧/ ٦٥.

٢٨. «الفتح» ٨/ ١١٥ - ١١٨.

٢٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١٧٠.

٣٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١٧٠.

٣١. «القاموس المحيط» ص ٩٩١.

٣٢. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٤/ ٢٢١.

٣٣. «عمدة القاري»١٢/ ٢٥.

٣٤. «الفتح»٨/ ١١٣ - ١١٤.

٣٥. هكذا النسخة، ولعله أقلّ، فليُحرّر.

٣٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٣١.

٣٧. «الفتح» ٨/ ١١٣ - ١١٥.

٣٨. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٤/ ٢٢١.

٣٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣١٧٠.

٤٠. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٤/ ٢٢١.

٤١. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٤/ ٢٢١.

٤٢. «الفتح» ٨/ ١١٨ - ١١٩ رقم (٣٤٦٥).

٤٣. «شرح النوويّ» ١٧/ ٥٦.

٤٤. «الفتح» ٨/ ١١٨ - ١١٩ رقم (٣٤٦٥).

٤٥. حديث حسن، راجع: «السلسلة الصحيحة» للشيخ الألبانيّ -﵀- ٢/ ٣٩٥.

٤٦. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٤/ ٢٢٤.

٤٧. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٤/ ٢٢٤.

٤٨. «صحيح البخاريّ» ٢/ ٧٧١.

٤٩. «صحيح البخاريّ» ٣/ ١٢٧٨.

٥٠. هكذا النسخة، «ذلك تلك» مكرّرًا، وليُحرّر.

٥١. هكذا النسخة، والظاهر أنه «فالقاها»، وليحرّر.

٥٢. «معجم أبي يعلى» ١/ ١٣٦ - ١٣٧.

٥٣. مختصرة من «قال: حدّثنا».

٥٤. «مسند أبي عوانة» ٣٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣.

٥٥. «شرح النوويّ» ١٧/ ٥٨.

٥٦. «عمدة القاري» ١٢/ ٩١.

٥٧. «الفتح» ٦/ ٤١ رقم (٢٢٧٢).

٥٨. «شرح النوويّ» ١٧/ ٥٨.

٥٩. «صحيح البخاريّ» ٢/ ٧٩٣.

٦٠. «المصباح المنير» ١/ ٧٨.

٦١. «الصحاح في اللغة» ١/ ٦٦.

٦٢. «مفردات ألفاظ القرآن» للراغب الأصبهاني ١/ ١٤٩.

٦٣. «شرح النوويّ» ١٧/ ٥٩ - ٦٠.

٦٤. «المفهم» ٧/ ٦٩ - ٧١.

٦٥. حديث صحيح، صححه ابن حبّان، والحاكم، وقال: على شرط الشيخين.

٦٦. «الفتح» ١٤/ ٢٨٨ - ٢٩٠.

٦٧. «الجامع لأحكام القرآن» ١٨/ ١٩٩ - ٢٠٠.

٦٨. «مفردات ألفاظ القرآن» ٢/ ٤٣٢.

٦٩. كذا النسخة، ولعله صحّت، فليُحرّر.

٧٠. هذا لقب لأنس بن مالك -﵁-، لقبه به النبيّ -ﷺ-، قيل: هو من جملة مزاحه -ﷺ-، ولكن نسبة هذا التفسير له بعيد، فليحرّر.

٧١. «الجامع لأحكام القرآن» ١٨/ ١٩٧ - ١٩٩.

٧٢. «الفتح» ١٤/ ٢٩١.

٧٣. من باب ضرب، كما في«المصباح».

٧٤. «مدارج السالكين في شرح منازل السائرين»١/ ١١٩ - ١٢٦.

٧٥. هذا الرقم مكرر.

٧٦. «شرح النوويّ» ١٧/ ٦٠ - ٦١.

٧٧. «تحفة الأحوذي» ٩/ ٣٦٦.

٧٨. تعليق الشيخ البرّاك على هامش «الفتح» ١٤/ ٢٩٢، «كتاب الدعوات» رقم (٦٣٠٩).

٧٩. «المصباح المنير» ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥.