HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٥١

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ (يَعْنِي الحزامي) عن أبي زناد، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال «لما خلق الله الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص95
ج ٤ ص ٢١٠٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص٦١١
(٤) - (بَابٌ فِي بَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أَوَّلَ الكتاب قال: [٦٩٤٤] (٢٧٥١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَة -يَعْنِي: الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «لَمَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب وقبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل المدينة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه مما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ) وفي الرواية الثالثة:»لمّا قضى اللَّه الخلق«، ولا تنافي بين هذا وبين رواية ابن ماجه بلفظ:»قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ«؛ لإمكان حمل قوله:»لما خلق«، و»لَمّا قضى«؛ أي: أراد أن يخلق، أو أن يقضي، فهو قبل الخلق، واللَّه تعالى أعلم. (كَتَبَ)؛ أي: كتابة حقيقيّة، لا مجازيّة، ودليل هذا رواية الترمذيّ وابن ماجه بلفظ:«كتب ربكم على نفسه بيده. . . »الحديث، فإنه ظاهر في أنه كَتَبه -﷾- بيده، كما صحّ أنه كَتَب التوراة لموسى بيده، وقد قدّمنا غير مرّة أن الحقّ أن للَّه -﷾- يدًا كما أثبتها لنفسه في كتابه، وأثبتها له النبيّ -ﷺ- في الأحاديث الصحاح، كهذا الحديث وغيره، أما ما ذكره في«الفتح»في«كتاب بدء الخلق»، وفي«كتاب التوحيد» في شرح هذا الحديث من التأويلات الزائفة المخالفة لطريق السلف فمما يجب الحذر عنه، ولولا مخافة التطويل لأوردته، مع التعليق عليه، ولكن يكفي اللبيب التلميح، فإنه يفهم بالإشارة ما يفهمه الغبي بألف عبارة، ويكتفي بالقليل، والغبي لا يكفيه التطويل، ولو تُليت عليه التوراة والإنجيل. (فِي كِتَابِهِ) يَحْتَمِل أن يكون المراد: اللوح المحفوظ، ويَحْتَمل أن يكون كتابًا آخر مختصًّا بهذا الأمر؛ تنويهًا بشأنه، ورفعًا لقدره. (فَهُوَ)؛ أي: ذلك الكتاب (عِنْدَهُ) -﷾- عنديّة حقيقيّة على ظاهر اللفظ، على مراد اللَّه تعالى دون أن نؤوله، وقوله: (فَوْقَ الْعَرْشِ) صفة لـ «كتابه»، أو حال منه، قال في «الفتح»: وقيل: إن فوق هنا بمعنى: دون، كما جاء في قوله تعالى: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]، وهو بعيد. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: تفسير «فوق» في هذا الحديث بـ «دون» غير صحيح، وكذا تفسير ابن حبّان في «صحيحه» له بـ «تحت» حيث قال: قوله: «فوق العرش» من ألفاظ الأضداد التي تستعمل العرب في لغتها، يريد به: تحت العرش، لا فوقه، كقوله جلَّ وعلا: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] يريد به: أمامهم؛ إذ لو كان وراءهم لكانوا قد جاوزوه، ونظير هذا قوله جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] أراد به: فما دونها. انتهى كلامه ، غير صحيح أيضًا، فالأسلم ما ذهب إليه السلف، فإنهم يُثْبتون ما صحّ في الحديث على ظاهره، على مراد اللَّه تعالى، دون تأويل، ولا تمثيل، ولا تعطيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فاسلك سبيلهم تَسْلم، وتَغْنم، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال الخطابي: المراد بالكتاب أحد شيئين: إما القضاء الذي قضاه، كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]؛ أي: قضى ذلك، قال: ويكون معنى قوله: «فوق العرش»؛ أي: عنده علم ذلك، فهو لا ينساه، ولا يُبدله، كقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، وإما اللوح المحفوظ الذي فيه ذِكر أصناف الخلق، وبيان أمورهم، وآجالهم، وأرزاقهم، وأحوالهم، ويكون معنى: «فهو عنده فوق العرش»؛ أي: ذِكره، وعلمه، وكل ذلك جائز في التخريج، على أنَّ العرش خَلْق مخلوق تحمله الملائكة، فلا يستحيل أن يماسُوا العرش إذا حملوه، وإن كان حامل العرش وحامل حملته هو اللَّه، وليس قولنا: إن اللَّه على العرش؛ أي: مماس له، أو متمكن فيه، أو متحيز في جهة من جهاته، بل هو خبر جاء به التوقيف، فقلنا به، ونفينا عنه التكييف؛ إذ ليس كمثله شيء . قال الجامع عفا اللَّه عنه: مضمون كلام الخطابيّ المذكور أنه ينفي أن يكون فوق العرش كتاب؛ حيث تأول الكتاب بعلم اللَّه تعالى، وهذا غير صحيح، بل الحقّ أن اللَّه تعالى كتب كتابًا، فهو عنده فوق العرش. وأجاد صاحب «المرعاة» حيث قال بعد ذكر كلام الخطّابيّ المذكور: قلت: هو خبر جاء به التوقيف، فقلنا به، ونفينا عنه التكييف؛ إذ ليس كمثله شيء، فالأَولى، بل المتعيَّن إمراره على ظاهره، كما جاء من غير تصرف فيه. انتهى . وسيأتي لبعض المحقِّقين مزيد ردّ على الخطابيّ في المسألة الثالثة -إن شاء اللَّه تعالى-. وقال ابن أبي جمرة: يؤخذ من كون الكتاب المذكور فوق العرش أن الحكمة اقتضت أن يكون العرش حاملًا لِمَا شاء اللَّه من أثر حكمة اللَّه، وقدرته، وغامض غَيْبه؛ ليستأثر هو بذلك من طريق العلم، والإحاطة، فيكون من أكبر الأدلة على انفراده بعلم الغيب، قال: وقد يكون ذلك تفسيرًا لقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]؛ أي: ما شاءه من قدرته، وهو كتابه الذي وضعه فوق العرش. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: أول كلام ابن أبي جمرة حقّ، فقد أثبت الكتاب المذكور، وأنه فوق عرشه، ثم أفسده بما ذكره في آخر كلامه، حيث فسّر قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ بأن المراد هو الكتاب المذكور، وهذا نفي لنصّ صريح بأنه تعالى قد استوى على عرشه استواء ظاهرًا كما يليق بجلاله، بأن المراد استواء هذا الكتاب، وهذا تأويل باطلٌ بلا شكّ، وقد تعقّبه الشيخ البراك، فأجاد، وأفاد، فقال: وأما ما نقله الحافظ عن ابن أبي جمرة فهو على النقيض من قول الخطّابيّ، فإنه أثبت أن فوق العرش كتابًا، وهو مما اقتضته حكمته، وقدرته، ولكن من المنكَر في كلامه قوله: وقد يكون تفسيرًا لقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ إلخ فإن ذلك يقتضي أن إضافة الاستواء إلى اللَّه -﷿- مجازٌ، وأن المراد به كون ذلك فوق العرش، فيؤُول معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ إلى معنى: كتابه على العرش استوى، وهذا ظاهر الفساد، فإنه تحريف للكلم عن مواضعه. انتهى كلام الشيخ البرّاك ، وهو تعقّب سديد، وتحقيقٌ مفيد، واللَّه تعالى أعلم. (إِنَّ رَحْمَتي) بكسر الهمزة، وتفتح، فالكسر على أنها ابتداء كلام، يحكي مضمون الكتاب، والفتح على أنها مفعول «كَتَبَ»، وفي الرواية التالية: «سبقت رحمتي غضبي»، والمراد بالسبق هو الغلبة. قيل: المعنى: أن تعلّق الرحمة غالبٌ سابقٌ على تعلّق الغضب؛ لأنَّ الرحمة مقتضى ذاته المقدّسة، وأما الغضب فإنه متوقّف على سابق عمل من العبد، وبهذا يندفع استشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض المواطن، كمن يَدخل النار من الموحّدين، ثم يَخرج بالشفاعة أو غيرها. وقيل: معنى الغلبة: الكثرة والشمول، تقول: غلب على فلان الكرم؛ أي: أكثر أفعاله، وهذا كلّه بناءٌ على أنَّ الرحمة والغضب من صفات الذات، وهو الحقّ، وقال بعض العلماء: الرحمة والغضب من صفات الفعل، لا من صفات الذات، ولا مانع من تقدّم بعض الأفعال على بعض، فتكون الإشارة بالرحمة إلى إسكان آدم -﵇- الجنّة أولّ ما خُلق مثلًا، ومقابلها ما وقع من إخراجه منها، وعلى ذلك استمرّت أحوال الأمم بتقديم الرحمة في خلقهم بالتوسيع عليهم من الرزق وغيره، ثم يقع بهم العذاب على كفرهم، وأما ما أشكل من أمر من يُعذّب من الموحّدين، فالرحمة سابقةٌ في حقّهم أيضًا، ولولا وجودها لخُلّدوا أبدًا. وقال التوربشتيّ -﵀-: في سَبْق الرحمة بيان أن قِسْط الخَلْق منها أكثر من قِسطهم من الغضب، وإنها تنالهم من غير استحقاق، وإن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق، ألا ترى أن الرحمة تشمل الإنسان جنينًا، ورضيعًا، وفطيمًا، وناشئًا، من غير أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك. وقال الطيبيّ -﵀- عند قوله: «لمّا قضى اللَّه الخلق» أي: لمّا خلق الخلق حكم حكمًا جازمًا ووعد وعدأ لازمًا، لا خُلف فيه بـ «إن رحمتي سبقت غضبي» شبّه حُكمه الجازم الذي لا يعتريه نسخ، ولا يتطرّق إليه تغيير حُكم الحاكم إذا قضى أمرًا، وأراد إحكامه عَقَد عليه سِجِلًّا، وحفظه، عنده؛ ليكون ذلك حجة باقية، محفوظة عن التبديل والتحريف، وقوله: «فوق العرش» تنبيه على تعظيم الأمر، وجلالة القدر. ووجه المناسبة بين قضاء الخلق وسبق الرحمة: أنهم مخلوقون للعبادة شكرًا للنعم الفائضة عليهم، ولا يقدر أحد على أداء حق الشكر، وبعضهم يقصرون فيه فسبقت رحمته في حق الشاكر بأن وفّي جزاءه، وزاد عليه ما لا يدخل تحت الحصر، وفي حق المقصر إذا تاب ورجع بالمغفرة والتجاوز، ومعنى«سبقت رحمتي»: تمثيل لكثرتها وغلبتها على الغضب بفرسَي رهان تسابقتا فسبقت إحداهما على الأخرى. انتهى بتصرّف . وقال في «اللمعات»: وذلك لأنَّ آثار رحمة اللَّه وَجُوده وإنعامه عمَّت المخلوقات كلها، وهي غير متناهية، بخلاف أثر الغضب، فإنه ظاهر في بعض بني آدم بعض الوجوه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَ﴾ [النحل: ١٨]، وقال: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وأيضًا تهاون العباد، وتقصيرهم في أداء شكر نعمائه تعالى أكثر من أن يُعَدّ ويحصى، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، فمن رحمته أن يبقيهم، ويرزقهم، ويُنعّمهم بالظاهر، ولا يؤاخذهم بهذا في الدنيا، وظهور رحمته في الآخرة قد تكفل ببيانه الحديث الآتي: «إن للَّه مائة رحمة. . . وفيه: وأخّر تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة»، فإذن لا شك في أن رحمته تعالى سابقة وغالبة على غضبه. انتهى . وقال السنديّ -﵀-: قوله: «كتب على نفسه» يدلّ على أنه ساق هذا الكلام على أنه وَعَدَ بأنه سيُعامل بالرحمة ما لا يُعامل بالغضب، لا أنه إخبار عن صفة الرحمة والغضب بأن الأُولى دون الثانية؛ لأنَّ صفاته كلها كاملة عظيمة، ولأن ما فَعَلَ من آثار الأُولى فيما سبق أكثر مما فَعَل من آثار الثانية. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قرّر السنديّ، لكن فيه ما المانع من كون الأولى دون الثانية، كما دلّ عليه ظاهر السياق، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. قال: ولا يُشكل هذا الحديث بما جاء أن الواحد من الألف يدخل الجَنَّة، والبقيّة النار: إِمّا لأنه يعامل بمقتضى الرحمة، ولا يُعامل بمقتضى الغضب، كما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]، وقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وإِمّا لأنَّ مظاهر الرحمة أكثر من مظاهر الغضب، فإن الملائكة كلهم مظاهر الرحمة، وهم أكثر خلق اللَّه، وكذا ما خلق اللَّه في الجنة من الحور والوالدان وغير ذلك. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٦٩٤٤ و٦٩٤٥ و٦٩٤٦] (٢٧٥١)، و(البخاريّ) في «بدء الخلق» (٣١٩٤) و«التوحيد» (٧٤٠٤ و٧٤٢٢ و٧٤٣٥ و٧٥٥٣ و٧٥٥٤)، و(الترمذيّ) في «الدعوات» (٣٥٤٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٤١٧ و٤١٨)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (١٨٩) وفي «الزهد» (٤٢٩٥)، و(همّام بن منبّه) في «صحيفته» (١/ ١٣)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١١٢٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٤٢ و٢٥٧ و٢٥٩ و٣١٣ و٣٥٨ و٣٨١ و٣٩٠٧ و٤٣٣ و٤٦٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١٤٣ و٦١٤٤ و٦١٤٥)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٣/ ١٨٩)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (١٣٠٩٦)، و(ابن أبي عاصم) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (١/ ٢٧٠)، و(البيهقيّ) في «الاعتقاد» (١/ ١١٤) وفي «الأسماء والصفات» (ص ٣٩٥ - ٣٩٦ و٤١٦)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤١٧٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سعة رحمة اللَّه تعالى، وهو كقوله -﷿-: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٦]. ٢ - (ومنها): بيان إثبات صفة الكتابة، واليد، والرحمة، والغضب، على ما يليق بجلاله -﷾-، ولا التفات إلى من فسّر الغضب باللازم، فقال: هو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، كما مشى عليه في «الفتح» وغيره؛ لأنَّ ذلك من التأويلات التي مشى عليها المتأخرون من الأشاعرة وغيرهم، وهو مخالف لهدي السلف، فإن مذهبهم التمسك بظواهر الكتاب والسُّنَّة، فصفة الغضب ثابتةٌ للَّه تعالى كسائر صفاته، من المحبة، والرضا، والضحك، وغير ذلك على ما يليق بجلاله -﷾-، فعليك بمذهب السلف تسلم، وتغنم، واللَّه تعالى الهادي إلى الطريق الأقوم. ٣ - (ومنها): بيان إثبات كتابة الأمور في الأزل، وأن اللَّه -﷾- عَلِم الأشياء وكَتَبها قبل أن يخلقها، فهي تكون على مقتضى ذلك، دون زيادة أو نقص. ٤ - (ومنها): ما قاله الشيخ البرَّاك -حفظه اللَّه تعالى-: هذا الحديث من أدلّة أهل السُّنَّة على علوّ اللَّه تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه، وهو يدلّ كذلك على أنَّ الكتاب الذي كتبه كتب فيه على نفسه أن رحمته تغلب غضبه، وهو عنده فوق العرش، وهذه العنديّة عنديّة مكان؛ لقوله: «فوق العرش»، وهذا الكتاب يَحْتَمِل أن يكون هو اللوح المحفوظ الذي هو أمّ الكتاب، وهو كتاب المقادير، ويَحْتَمِل أن يكون غيره، فهو كتاب خاصّ، واللَّه أعلم. قال: وعلى كلّ فلا يمتنع أن يكون الكتاب المذكور عند اللَّه تعالى فوق العرش، كما هو ظاهر الحديث، ولا موجب لتأويله بصرفه عن ظاهره، كما صنع ذلك الخطّابيّ -في كلامه السابق- حيث قال: المراد بالكتاب: أحد الشيئين. . . إلى آخر كلامه، فنفى على كل من التقديرين أن يكون فوق العرش كتاب؛ إذ تأول الكتاب بعلم اللَّه تعالى بما كَتب على نفسه، أو الذي عنده ذِكر الكتاب وعِلمه، والحامل له على هذا التأويل إما اعتقاد أن اللَّه ليس بذاته فوق العرش، فلا يكون شيء من المخلوقات عنده فوق العرش، وإما اعتقاد امتناع أن يكون شيء غير اللَّه فوق العرش، والأول باطلٌ بأدلّة العلوّ والاستواء، والثاني لا دليل عليه، بل هذا الحديث بمجموع ألفاظه يدلّ على بطلانه، فقد دلّ الحديث على أنَّ هذا الكتاب عند اللَّه فوق العرش، واللَّه تعالى أعلم بنفسه، والرسول -ﷺ- الذي أخبر بذلك أعلم بربّه، فليس لأحد أن يعارض خبره -ﷺ-. انتهى كلام البرّاك، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٤٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: «قَالَ اللَّهُ -﷿-: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، وللَّه الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٩٤٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ، كَتَبَ فِي كتَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ: إِنَّ رَحْمَتي تَغْلِبُ غَضَبِي»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) -بمعجمتين، وزانُ جعفر- المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقارب المائة (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. ٢ - (أَبُو ضَمْرَةَ) أنس بن عياض الليثيّ المدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عبد اللَّه بن سعد بن أبي ذُباب -بضم الذال المعجمة، وموحّدتين- الدَّوْسيّ المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٥] (ت ٢٤٦) (عخ م مدت س ق) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٤/ ١٥٢٩. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ مِينَاءَ) -بكسر الميم، وسكون التحتانية، ثم نون- المدنيّ، وقيل: البصريّ، أبو معاذ، صدوق [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٧/ ٣٩٨. و«أبو هريرة -﵁-» ذُكر قبله. وقوله: (لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ) ظاهر الحديث أن الكتابة بعد الخلق، ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: «إن اللَّه كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق» ففيه أن الكتابة قبل الخلق، فقيل: معنى قوله: «قضى الخلق» أي: أراد الخلق، وقيل: المراد من الثاني: تعلّق الخلق، وهو حادث، فجاز أن يكون بعده، وأما الأول فالمراد منه نفس الحكم، وهو أَولي، فبالضرورة يكون قبله، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ) وفي رواية البخاريّ: «وَضْعٌ عنده». قال في «العمدة»: وَضْعٌ بمعنى موضوع عنده، قال الجوهريّ: وضعت الشيء من يدي وَضْعًا، ومَوْضِعًا، ومَوضُوعًا، وهو مثل المعقول؛ أي: وزنًا. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، وللَّه الحمد والمنّة.
مصادر المؤلف (١٠)

١. «الفتح» ١٧/ ٤٠٩، «كتاب التوحيد» رقم (٧٤٢٢).

٢. «صحيح ابن حبان» ١٤/ ١٢.

٣. «الفتح» ١٧/ ٤٠٩.

٤. «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ٨/ ١٦٦.

٥. «الفتح» ١٧/ ٤٠٩.

٦. راجع: كتابة الشيخ البرَّاك على هامش «الفتح» ١٧/ ٤٠٩ - ٤١٠.

٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ٦/ ١٨٦٠.

٨. «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ٨/ ١٦٦.

٩. «حاشية السنديّ على النسائيّ» ١/ ١٢٣.

١٠. «عمدة القاري» ٢٥/ ١٠٠.