والثالث: أن الحد يسقط بالتوبة، قال: وهذا أصح المسالك، وقوّاه بأن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعًا بخشية اللَّه وحده تقاوم السيئة التي عملها؛ لأن حكمة الحدود الردع عن العَوْد، وصنيعه ذلك دالّ على ارتداعه، فناسب رفع الحدّ عنه لذلك، واللَّه أعلم. انتهى .
[٦٩٨١] (٢٧٦٥) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ -وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّاد، حَدَّثَنَا أَبُو أُمَامَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَسْجِدِ، وَنَحْنُ قُعُودٌ مَعَهُ، إِذْ جَاءَ رَجُل، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ أَعَادَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَاتَّبَعَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ انْصَرَفَ، وَاتَّبَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُلِ؟، فَلَحِقَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ، أَلَيْسَ قَدْ تَوَضَّأْتَ، فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟»، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟»، فَقَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ -أَوْ قَالَ: ذَنْبَكَ-»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) هو: نصر بن عليّ بن نصر بن عليّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلب للقضاء فامتنع [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٠.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٥.
٤ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجْليّ، أبو عمّار اليماميّ، أصله من البصرة،
صدوقٌ، يَغْلَط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [٥] مات قُبيل (١٦٠) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٥.
٥ - (شَدَّادُ) بن عبد اللَّه القرشيّ، أبو عمار الدمشقيّ، ثقةٌ يرسل [٤] (بخ م ٤) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٦/ ١٣٣٧.
٦ - (أَبُو أُمَامَةَ) صُديّ -بالتصغير- ابن عجلان الباهليّ الصحابي المشهور، سكن الشام، ومات بها سنة ست وثمانين -﵁- (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٤٣/ ١٨٧٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالتحديث، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
شرح الحديث:
عن شَدَّاد بن عبد اللَّه القرشيّ، أنه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُمَامَةَ) صُديّ بن عجلان الباهليّ -﵁- (قَالَ: بَيْنَمَا) تقدّم البحث فيها غير مرّة، فلا تغفل. (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَسْجدِ) النبويّ، وقوله: (وَنَحْنُ قُعُود مَعَهُ) جملة حاليّة من «رسول اللَّه -ﷺ-»، (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ) لا يُعرف، قال الشيخ مشهور فيما كتبه في هامش تنبيه المعلم: «لم يُعيّنه أحد من الشرّاح، قال ابن حجر في»الفتح«١/ ٣٢٠:»وينبغي أن لا يبالَغ في الفحص عن تسمية من وقع في حقّه ما يُذمّ به«، وكنت قد بدأت بجمع المحدودين، فلما وقفت على كلام ابن حجر ضربت عما بدأت صفحًا، وباللَّه التوفيق. انتهى .
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا)؛ أي: ما يوجبه، (فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) لعله لانتظار الوحي، (ثُمَّ أَعَادَ) الرجل الكلام (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِنِّي أَصبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ) -ﷺ- (عَنْهُ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) لم تُعرف تلك الصلاة، (فَلَمَّا انْصَرَفَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-) من صلاته بالتسليم، (قَالَ أَبُو أُمَامَةَ) -﵁-: (فَاتَّبَعَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ انْصَرَفَ) من المسجد إلى بيته، (وَاتَّبَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ) -ﷺ-، وقوله: (أَنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُلِ؟)