HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٧٤

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا أسامة. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، ابْنُ سَلُولَ، جَاءَ ابْنُهُ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَسَأَلَهُ أَنْ يعطيه قميصه يُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ. فَأَعْطَاهُ. ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لهم. إن تستغفر لهم سبعين مرة. وسأزيده عَلَى سَبْعِينَ» قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ. فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فأنزل اللَّهُ ﷿: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [٩ /التوبة].
ج ٤ ص ٢١٤١

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٣ ص٢٢٢
[تنبيه]: رواية ابن جريج عن عموو بن دينار هذه لم أجد من ساقها، فليُنظَر، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٠١] (٢٧٧٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْن عَبْدِ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ، يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ، فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ، وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ، فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وَسَأَزِيدُهُ عَلَى سَبْعِينَ»، قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ المدنيّ، أبو عثمان، ثقةٌ ثبتٌ، قدّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهريّ عن عروة عنها [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٢ - (نَافِعٌ) أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ، ثبتٌ، فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و«أبو أُسامة» هو: حمّاد بن أُسامة. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين من عبيد اللَّه، والباقيان كوفيّان، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وأن صحابيه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المشهورين بالفتوي، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن) عبد اللَّه (بْنِ عُمَرَ) -﵄-، أنه (قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) ذكر الواقديّ، ثم الحاكم في «الإكليل» أنه مات بعد منصرفهم من تبوك، وذلك في ذي القعدة سنة تسع، وكانت مدّة مرضه عشرين يومًا، ابتداؤها من ليال بقيت من شوّال، قالوا: وكان قد تخلّف هو، ومن تبعه عن غزوة تبوك، وفيهم نزلت: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧]. قال الحافظ: وهذا يدفع قولَ ابن التين: إن القصة كانت في أول الإسلام، قبل تقرير الإحكام. انتهى . (جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) ووقع في رواية الطبريّ، من طريق الشعبيّ: «لمّا احتُضر عبد اللَّه، جاء ابنه عبد اللَّه إلى النبيّ -ﷺ-، فقال: يا نبيّ اللَّه، إن أَبِي قد احتُضر، فأحبّ أن تشهده، وتصلي عليه»، قال: «ما اسمك؟» قال: الْحُبَاب -يعني: بضم المهملة، وموحّدتين مخففًا- قال: «بل أنت عبد اللَّه، الحُبَاب اسم الشيطان». وكان عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أُبيّ هذا من فضلاء الصحابة، وشهد بدرًا، وما بعدها، واستُشهد يوم اليمامة، في خلافة أبي بكر الصدّيق. ومن مناقبه أنه بلغه بعض مقالات أبيه، فجاء إلى النبيّ -ﷺ-، يستأذنه في قتله، قال: «بل أَحْسِنْ صحبته»، أخرجه ابن منده، من حديث أبي هريرة -﵁- بإسناد حسن. وفي الطبرانيّ من طريق عروة بن الزبير، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبيّ أنه استأذن، نحوه، وهذا منقطع؛ لأن عروة لم يدركه. وكأنه كان يَحْمِل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، فلذلك التمس من النبيّ -ﷺ- أن يحضر عنده، ويصلي عليه، ولا سيِّما، وقد ورد ما يدلّ على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزّاق، عن معمر، والطبريُّ من طريق سعيد، كلاهما عن قتادة: قال: أرسل عبد اللَّه بن أُبَيّ إلى النبيّ -ﷺ-، فلما دخل عليه، قال: «أهلكك حبّ يهود»، فقال: «يا رسول اللَّه، إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبّخني، ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفَّن فيه، فأجابه»، وهذا مرسل، مع ثقةٌ رجاله، ويعضده ما أخرجه الطبرانيّ، من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «لمّا مَرِضَ عبد اللَّه بن أُبيّ، جاءه النبيّ -ﷺ-، فكلّمه، فقال: قد فَهِمْتُ ما تقول، فامنن عليّ، فكفّنّي في قميصك، وصلّ عليّ، ففعل». وكأن عبد اللَّه بن أُبيّ أراد بذلك دفع العار عن ولده، وعشيرته، بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبيّ -ﷺ- عليه، ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما، ظهر من حاله، إلى أن كشف اللَّه الغطاء عن ذلك. قال الحافظ -﵀-: وهذا من أحسن الأجوبة فيما يتعلّق بهذه القصّة. انتهى . وقوله: (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) متعلّق بـ «جاء»، (فَسَأَلَهُ)؛ أي: سأل عبد اللَّه النبيّ -ﷺ- (أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ، يُكَفِّنُ فِيهِ)؛ أي: في ذلك القميص (أَبَاهُ) رجاء بركة ما مسّ جسده -ﷺ-، وفي رواية النسائيّ: «فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصكَ، حَتَّى أُكَفّنَهُ فِيه، وَصلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ». (فَأَعْطَاهُ) -ﷺ- قميصه، وهذا يدلّ على أنَّ النبيّ -ﷺ- أعطى قميصه لعبد اللَّه بن أُبيّ بسبب طلب ولده له، لكن ثبت في حديث جابر -﵁- ما يدلّ على أنه إنما أعطاه مكافأة على إعطائه قميصه لعمّ النبيّ -ﷺ-، عباس بن عبد المطلب -﵁-، ويُجاب بأنه لا تنافي بين السببين؛ إذ يمكن أن يعطيه لهما جميعًا، واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ سَأَلَهُ)؛ أي: سأل عبد اللَّه النبي -ﷺ- (أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ)؛ أي: على أبيه، (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) من مجلسه (لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ). (فَقَامَ عُمَرُ) بن الخطّاب -﵁- (فَأَخَذَ بِثَوْب رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-)، وفي رواية: «فجذبه عمر»، وفي رواية ابن عباس، عن عمر -﵁-: «قال: لما مات عبد اللَّه بن أبيّ ابن سَلُولَ، دُعي له رسول اللَّه -ﷺ- ليصلي عليه، فلما قام رسول اللَّه -ﷺ- وَثَبْتُ إليه، فقلتُ: يا رسول اللَّه أتصلي على ابن أبيّ، وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟، قال: أُعدّد عليه قوله. . . . الحديث، يشير عمر -﵁- بذلك إلى مثل قوله: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، وإلى مثل قوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، قاله في«الفتح». (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ، وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟) وفي رواية البخاريّ:«وقد نهاك ربك أن تصلي عليه»، قال في«الفتح»: كذا في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، وقد استُشكل جدًّا، حتى أقدم بعضهم، فقال: هذا وَهَمٌ من بعض رواته، وعاكسه غيره، فزعم أن عمر اطَّلع على نهي خاصّ في ذلك، وقال القرطبيّ: لعلّ ذلك وقع في خاطر عمر، فيكون من قبيل الإلهام، ويَحْتَمِل أن يكون فَهِم ذلك من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]. قال الحافظ: قلت: الثاني -يعني: ما قاله القرطبيّ- أقرب من الأول؛ لأنه لم يتقدّم النهي عن الصلاة على المنافقين، بدليل أنه قال في آخر هذا الحديث: «قال: فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤]، والذي يظهر أن في هذه الرواية تجوّزًا، بيّنَتْهُ الرواية الأخرى بلفظ:»فقال: تصلي عليه، وقد نهاك اللَّه أن تستغفر لهم؟ «. وروى عبد بن حميد، والطبريّ، من طريق الشعبيّ، عن ابن عمر، عن عمر:«قال: لمّا أراد رسول اللَّه -ﷺ- أن يصلي على عبد اللَّه بن أُبيّ، فأخذتُ بثوبه، فقلت: واللَّه ما أمر اللَّه بهذا، لقد قال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] »، ووقع عند ابن مردويه، من طريق سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: فقال عمر: أتصلي عليه، وقد نهاك اللَّه أن تصلي عليه؟ قال:«أين؟ »قال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية. فكأن عمر -﵁- قد فَهِم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب، من أن«أو»ليست للتخيير، بل للتسوية في عدم الوصف المذكور؛ أي: إن الاستغفار لهم، وعدم الاستغفار سواء، وهو كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، لكن الثانية أصرح، ولهذا ورد أنها نزلت بعد هذه القصّة. وفَهِم عمر أيضًا من قوله: ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ أنها للمبالغة، وأن العدد المعيّن لا مفهوم له، بل المراد: نفي المغفرة لهم، ولو كثر الاستغفار، فيحصل من ذلك النهي عن الاستغفار، فأطلقه. وفَهِم أيضًا أن المقصود من الصلاة على الميت طلب المغفرة للميت، والشفاعة له، فلذلك استلزم عنده النهيُ عن الاستغفار تركَ الصلاة، فلذلك جاء عنه في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة، ولهذه الأمور استنكر إرادة الصلاة على عبد اللَّه بن أُبيّ . وقال الحافظ -﵀- في موضع آخر من «الفتح»: وقد وقفت لأبي نعيم الحافظ، صاحب «حِلْية الأولياء» على جزء جمع فيه طرق هذا الحديث، وتكلم على معانيه، فلخصته: فمن ذلك أنه قال: وقع في رواية أبي أسامة وغيره، عن عبيد اللَّه الغمَريّ في قول عمر: «أتصلي عليه، وقد نهاك اللَّه عن الصلاة على المنافقين؟»، ولم يُبيّن محلّ النهي، فوقع بيانه في رواية أبي ضَمْرة، عن العُمَريّ، وهو أن مراده بالصلاة عليهم: الاستغفار لهم، ولفظه: «وقد نهاك اللَّه أن تستغفر لهم»، قال: وفي قول ابن عمر: «فصلى رسول اللَّه -ﷺ-، وصلّينا عليه» أن عمر ترك رأي نفسه، وتابع النبيّ -ﷺ-، ونبّه على أن ابن عمر حمل هذه القصّة عن النبيّ -ﷺ- بغير واسطة، بخلاف ابن عباس، فإنه إنما حملها عن عمر؛ إذ لَمْ يشهدها، إلى آخر ما سيأتي في المسألة الثالثة، عند ذكر فوائد الحديث -إن شاء اللَّه تعالى-. قال: هذا تقرير ما صدر عن عمر -﵁-، مع ما عُرف من شدة صلابته في الدين، وكثرة بُغضه للكفّار والمنافقين، وهو القائل في حقّ حاطب بن أبي بَلْتَعَة، مع ما كان له من الفضل، كشهوده بدرًا، وغير ذلك، لكونه كاتب قريشًا قبل الفتح: دعني يا رسول اللَّه، أضرب عنقه، فقد نافق، فلذلك أقدم على كلامه للنبيّ -ﷺ- بما قال، ولم يلتفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره، لِمَا غلب عليه من الصلابة المذكورة. وقال الزين ابن المنيّر -﵀-: وإنما قال ذلك عمر -﵁- حرصًا على النبيّ -ﷺ-، ومشورةً، لا إلزامًا، وله عوائد بذلك، ولا يبعد أن يكون النبيّ -ﷺ- كان أذن له في مثل ذلك، فلا يستلزم ما وقع من عمر أنه اجتهد مع وجود النصّ، كما تمسّك به قوم في جواز ذلك، وإنما أشار بالذي ظهر له فقط، ولهذا احْتَمَل منه النبيّ -ﷺ- أخْذه بثوبه، ومخاطبته له في مثل ذلك المقام، حتى التفت إليه، متبسمًا، كما في حديث ابن عباس -﵄- بذلك. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ) وفي رواية:»أنا بين خِيرتين«بكسر الخاء، وفتح الياء، أو سكونها؛ أي: بين اختيارين، قال الفيّوميّ -﵀-:»الْخِيرةُ«: اسم من الاختيار، مثلُ الفِدْيَة، من الافتداء، والْخِيَرَة -بفتح الياء- بمعنى الخِيَار، والْخِيَار هو الاختيار، ومنه يقال: له خيار الرؤية، ويقال: هي اسمِّ من تخيّرت الشيءَ، مثلُ الطِّيَرَة، اسمٌ مِن تَطَيَّر، وقيل: هما لغتان بمعنى واحد، ويؤيّده قول الأصمعيّ: الْخِيَرَةُ بالفتح، والإسكانُ ليس بمختار، وفي التنزيل: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]. وفي»البارع«: خِرْتُ الرجلَ على صاحبه، أَخِيُرُ، من باب باع، خِيَرًا، وِزانُ عِنَبٍ، وخِيْرَةً، وخِيَرَةً: إذا فضّلته عليه. وخَيَّرتُهُ بين الشيئين: فوَضتُ إليه الاختيار، فاختار أحدهما، وتَخَيَّره، واستخرتُ اللَّهَ: طلبت منه الْخِيَرَةَ، وهذه خَيْرَتي -بالفتح، والسكون-؛ أي: ما أخذته. انتهى . وقوله: («إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ)؛ أي: إن اللَّه تعالى خيّرني، بين الاستغفار، وعدمه، فاخترت الاستغفار، (فَقَالَ) اللَّه -﷿- في تخييره: (﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وَسَأَزِيدُهُ عَلَى سَبْعِينَ») وفي رواية ابن عباس، عن عمر:«فتبسم رسول اللَّه -ﷺ-، وقال: أَخِّرْ عني يا عمر، فلما أكثرت عليه قال: إني خُيّرت، فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يُغفر له، لزدت عليها». وعند عبد بن حميد، من طريق قتادة، قال: لما نزلت: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قال النبيّ -ﷺ-:«قد خيّرني ربي، فواللَّه لأزيدنّ على السبعين»، وأخرجه الطبريّ، من طريق مجاهد مثلَهُ، والطبريّ أيضًا، وابن أبي حاتم، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه مثله. قال الحافظ -﵀-: وهذه طرق، وإن كانت مراسيل، فإن بعضها يعضد بعضًا. ودلّ ذلك على أنه -ﷺ- أطال في حال الصلاة عليه، من الاستغفار له، وقد ورد ما يدلّ على ذلك، فذكر الواقديّ، أن مُجَمّعَ بن جارية، قال: ما رأبت رسول اللَّه -ﷺ- أطال على جنازة قطّ ما أطال على جنازة عبد اللَّه بن أُبيّ من الوقوف. وروى الطبريّ من طريق مغيرة، عن الشعبيّ، قال: قال النبيّ -ﷺ-:«قال اللَّه تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، فأنا أستغفر لهم سبعين، وسبعين، وسبعين» . (قَالَ) عمر -﵁-: (إِنَّهُ مُنَافِقٌ)؛ أي: إن عبد اللَّه بن أُبيّ رجل منافق لا يستحقّ الاستغفار له، (فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-)؛ أي: صلى النبيّ -ﷺ- على عبد اللَّه بن أُبيِّ، مخالفًا لعمر -﵁-. وإنما لم يأخذ النبيّ -ﷺ- بقول عمر -﵁-، وصلّى عليه، إجراء له على ظاهر حكم الإسلام، واستصحابًا لظاهر الحكم، ولِمَا فيه من إكرام ولده الذي تحقَّقت صلاحيته، ومصلحة الاستئلاف لقومه، ودفع المفسدة، وكان النبيّ -ﷺ- في أول الأمر يصبر على أذى المشركين، ويعفو، ويصفح، ثم أُمر بقتال المشركين، فاستمرّ صَفْحه، وعفوه عمن يظهر الإسلام، ولو كان باطنه على خلاف، ذلك، لمصلحة الاستئلاف، وعدم التنفير عنه، ولذلك قال: «لا يتحدِّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»، فلما حصل الفتح، ودخل المشركون في الإسلام، وقلّ أهل الكفر، وذَلُّوا، أُمر بمجاهرة المنافقين، وحَمْلهم على حكم مُرّ الحقّ، ولا سيما، وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين، وغير ذلك، مما أُمر فيه بمجاهرتهم. قال الحافظ: وبهذا يندفع الإشكال عما وقع في هذه القصّة -بحمد اللَّه تعالى-. وقال الخطابيّ -﵀-: إنما فعل النبيّ -ﷺ- مع عبد اللَّه بن أبيّ ما فعل؛ لكمال شفقته على من تعلّق بطرف من الدين، ولتطييب قلب ولده عبد اللَّه الرجل الصالح، ولتأليف قومه من الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يُجب سؤال ابنه، وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح، لكان سُبّةً على ابنه، وعارًا على قومه، فاستعمل أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نُهي عنه، فانتهى. وتبعه ابن بطّال، وعبّر بقوله: رجا أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يظهره من الإسلام. وتعقّبه ابن المنيّر بأن الإيمان لا يتبعّض، وهو كما قال، لكن مراد ابن بطال: أن إيمانه كان ضعيفًا. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: إن الإيمان لا يتبعّض فيه نظر لا يخفى؛ إذ الحقّ، والصواب الذي مشى عليه السلف أن الإيمان قول وفعل، ويزيد وينقص، والقول بأنه لا يتبعّض قول من يقول: إن الإيمان هو التصديق فقط، وهذا مذهب المرجئة، ومن سار على دربهم، فالحقّ الذي تدلّ عليه نصوص الكتاب والسُّنَّة أن الإيمان اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، وأنه يزيد وينقص، فتفطّن، ولا تكن أسير التقليد. [تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: وقد مال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد اللَّه بن أُبيّ لكون النبيّ -ﷺ- صلى عليه، وذَهِلَ عن الوارد من الآيات، والأحاديث المصرّحة في حقّه بما ينافي ذلك، ولم يقف على جواب شاف في ذلك، فأقدم على الدعوى المذكورة، وهو محجوج بإجماع من قبله على نقيض ما قال، وإطباقهم على ترك ذِكره في كتب الصحابة، مع شهرته، وذِكر من هو دونه في الشرف والشهرة بأضعاف مضاعفة. وقد أخرج الطبريّ من طريق سعيد، عن قتادة في هذه القصّة، قال: فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤]، قال: فذُكر لنا أن نبيّ اللَّه -ﷺ- قال: «وما يغني عنه قميصي من اللَّه، وإني لأرجو أن يُسلم بذلك ألف من قومه». انتهى . (فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿-: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾) متعلق بصفة لـ «أحد»، أو بحال، من الضمير في قوله: ﴿مَاتَ﴾؛ أي: مات متصفًا بصفة النفاق؛ كقولهم: أنت مني؛ يعني على طريقتي، وجملةُ «مات» صفة لـ «أحد» أيضًا، أو حال منه، لوصفه بالجارّ والمجرور؛ إذ القاعدة أن الجملة وشِبهها بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال. (﴿أَبَدًا﴾) ظرف لـ «لا تصلّ»، وهو لتأييد النفي. (﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾)؛ يعني: لا تقف عليه، ولا تتولّ دفنه، من قولهم: قام فلان بأمر فلان؛ إذا كفاه أمره، وناب عنه فيه. وقال الإمام ابن جرير الطبري -﵀-: يقول جل ثناؤه لنبيّه محمد -ﷺ-: ولا تصلِّ يا محمد، على أحد مات من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك أبدًا، ولا تقم على قبره، يقول: ولا تتولَّ دفنه وتقبيره، من قول القائل: قام فلان بأمر فلان، إذا كفاه أمرَه. (﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾)، يقول: إنهم جحدوا توحيد اللَّه تعالى، ورسالة رسوله -ﷺ-، وماتوا وهم خارجون من الإسلام، مفارقون أمرَ اللَّه ونهيه. انتهى . قال الزجاج: معنى قوله: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ أن رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا دفن الميت وقف على قبره، ودعا له، فمُنِع هنا منه، وقيل: معناه: لا تقم بمهمات إصلاح قبره، وجملة: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ تعليل للنهي، وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر؛ لأن الكافر قد يكون عدلًا في دينه، والكذب، والنفاق، والخداع، والجبن، والخبث، مستقبحة في كل دين . [تنبيه]: قال في «الفتح»: ظاهر الآية يدلّ على أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن ورد ما يدلّ على أنها نزلت في عدد معيّن منهم، قال الواقديّ: أنبأنا معمر، عن الزهريّ، قال حذيفة: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-: «إني مسرّ إليك سرًّا، فلا تذكره لأحد، إني نُهيت أن أصلي على فلان وفلان، رهط، ذوي عدد، من المنافقين؛ قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة، فإن مشى مشى معه، وإلا لم يصلّ عليه»، ومن طريق أخرى، عن جبير بن مطعم، أنهم اثنا عشر رجلًا، قال الحافظ: ولعل الحكمة في اختصاص المذكورين بذلك أن اللَّه علم أنهم يموتون على الكفر، بخلاف مَن سواهم، فإنهم تابوا. انتهى . زاد في الرواية التالية: «فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ» وفي حديث ابن عباس، عن عمر: «فصلى عليه، ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت»، زاد ابن إسحاق في «المغازي»، قال: حدّثني الزهريّ بسنده، قال: «فما صلى رسول اللَّه -ﷺ- على منافق بعده حتى قبضه اللَّه». وزاد في رواية لابن إسحاق: «ولا قام على قبره». ورَوَى عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة، قال: «لما نزلت: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]»، قال النبيّ -ﷺ-: «لأزيدنّ على السبعين»، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] «، ورجاله ثقات، مع إرساله، ويَحْتَمِل أن تكون الآيتان نزلتا معًا في ذلك، وزاد في رواية ابن عباس، عن عمر، قال:»فعجبت بعدُ من جُرْأَتي على رسول اللَّه -ﷺ-، واللَّه ورسوله أعلم«. وقوله:«واللَّه ورسوله أعلم»ظاهره أنه قولى عمر، ويَحْتَمِل أن يكون قول ابن عباس، وقد روى الطبريّ من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس في نحو هذه القصّة: قال ابن عباس:«فاللَّه أعلم أيّ صلاة كانت، وما خادع محمد أحدًا قطّ»، ذكره في«الفتح»، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عمر -﵄- هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٠٠١ و٧٠٠٢] (٢٧٧٤)، و(البخاريّ) في«الجنائز»(١٢٦٩) و«التفسير»(٤٦٧٠ و٤٦٧٢) و«اللباس»(٥٧٩٦)، و(الترمذيّ) في«التفسير»(٣٠٩٨)، و(النسائيّ) في«المجتبى»(١٩٠٠) و«الكبرى»(٢٠٢٧)، و(ابن ماجه) في«الجنائز»(١٥٢٣)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ١٨)، و(الطبريّ) في«التفسير»(١٧٠٥٠)، و(ابن حبّان) في (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من مكارم الأخلاق، فقد عَلِم ما كان من هذا المنافق، من الإيذاء له، وقابله بالحسنى، وألبسه قميصه كفنًا، وصلى عليه، واستغفر له، فهو كما وصفه اللَّه -﷾- بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ٢ - (ومنها): أنه قد تمسك بهذه القصّة من جعل مفهوم العدد حجةً، وكذا مفهوم الصفة من باب أَولى، ووجه الدلالة أنه -ﷺ- فَهِم أن ما زاد على السبعين بخلاف السبعين، فقال: «سأزيده على السبعين». وأجاب من أنكر القول بالمفهوم بما وقع في بقية القصّة، وليس ذلك بدافع للحجّة؛ لأنه لو لم يقم الدليل على أن المقصود بالسبعين المبالغة لكان الاستدلال بالمفهوم باقيًا. ٣ - (ومنها): النهي عن الصلاة على الكافر إذا مات على كفره. ٤ - (ومنها): جواز التكفين في القميص ، وهو القول الراجح من أقوال العلماء في ذلك. ٥ - (ومنها) : أن فيه جواز الشهادة على المرء بما كان عليه حيًّا وميتًا، لقول عمر -﵁-: «إن عبد اللَّه بن أُبيّ منافق»، ولم يُنكر النبيّ -ﷺ- عليه قولَهُ. ٦ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن المنهيّ عن سبّ الأموات ما قُصد به الشتم، لا التعريف. ٧ - (ومنها): أن المنافق تُجْرَى عليه أحكام الإسلام الظاهرة. ٨ - (ومنها): أن الإعلام بوفاة الميت مجرّدًا لا يدخل في النعي المنهيّ عنه. ٩ - (ومنها): جواز سؤال الموسر من المال من تُرجى بركته شيئًا من ماله لضرورة دينية. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قالوا، وفيه أن هذا مما لم يثبت فعل السلف به مع غير النبيّ -ﷺ-، فلم يفعله الصحابة -﵃-، وهم أفضل القرون مع أبي بكر، ولا مع عمر، ولا مع غيرهما من الخلفاء -﵃-، ومع من بعدهم، فالظاهر أنه خاصّ بالنبيّ -ﷺ-. ١٠ - (ومنها): رعاية الحيّ المطيع بالإحسان إلى الميت العاصي. ١١ - (ومنها): جواز التكفين بالمخيط. ١٢ - (ومنها): جواز تأخير البيان عن وقت النزول إلى وقت الحاجة. ١٣ - (ومنها): العمل بالظاهر إذا كان النصّ محتملًا. ١٤ - (ومنها): تنبيه المفضول للفاضل على ما يظنّ أنه سها فيه. ١٥ - (ومنها): تنبيه الفاضل المفضول على ما يُشكل عليه. ١٦ - (ومنها): استفسار السائل المسؤول، وعكسه عما يَحْتَمِل مما دار بينهما. ١٧ - (ومنها): جواز التبسّم في حضور الجنازة عند وجود ما يقتضيه، وقد استحبّ أهل العلم عدم التبسّم من أجل تمام الخشوع، فيستثنى منه ما تدعو إليه الحاجة. هكذا قالوا، وفيه نظر؛ إذ يَحْتَمل أن يكون تبسّمه -ﷺ- كان قبل أن يأتي إلى الجنازة، هذا هو الظاهر من مراجعة عمر -﵁- له، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): استُشكِلَ فهمُ التخيير من قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث، مع كثرة طرقه، واتفاق الشيخين، وسائر الذين خرّجوا الصحيح على تصحيحه، وذلك ينادي على منكري صحته بعدم معرفة الحديث، وقلّة الاطلاع على طرقه. قال ابن المنيّر: مفهوم الآية زلّت فيه الأقدام، حتى أنكر القاضي أبو بكر صحة الحديث، وقال: لا يجوز أن يُقبل هذا، ولا يصحّ أن الرسول -ﷺ- قاله. انتهى. ولفظ القاضي أبي بكر الباقلّانيّ في «التقريب»: هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا يُعلم ثبوتها. وقال إمام الحرمين في «مختصره»: هذا الحديث غير مخرّج في «الصحيح»، وقال في «البرهان»: لا يصححه أهل الحديث. وقال الغزالي في «المستصفى»: الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح. وقال الدارديّ الشارح: هذا الحديث غير محفوظ. والسبب في إنكارهم صحته ما تقرّر عندهم مما قدمناه، وهو الذي فهمه عمر -﵁- من حَمْل «أو» على التسوية؛ لِمَا يقتضيه سياق القصّة، وحَمْل السبعين على المبالغة. قال ابن المنيّر: ليس عند أهل البيان تردد أن التخصيص بالعدد في هذا السياق غير مراد. انتهى. وأيضًا فشرط القول بمفهوم الصفة، وكذا العدد عندهم مماثلة المنطوق للمسكوت، وعدم فائدة أخرى، وهنا للمبالغة فائدة واضحة، فأشكل قوله: «سأزيد على السبعين» مع أن حُكم ما زاد عليها حُكمها. وقد أجاب بعض المتأخرين عن ذلك بأنه إنما قال: «سأزيد على السبعين» استمالةً لقلوب عشيرته، لا أنه إن زاد على السبعين يُغفر له، ويؤيّده تردده في قوله: «لو أعلم أني إن زدت على السبعين يُغفر له لزدت»، لكن ثبتت الرواية بقوله: «سأزيد» ووعْدُهُ صادق، ولا سيما، وقد ثبت قوله: «لأزيدنّ» بصيغة المبالغة في التأكيد. وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون فَعَلَ ذلك استصحابًا للحال؛ لأن جواز المغفرة بالزيادة كان ثابتًا قبل مجيء الآية، فجاز أن يكون باقيًا على أصله في الجواز، وهذا جواب حسن. وحاصله: أن العمل بالبقاء على حكم الأصل مع فهم المبالغة لا يتنافيان، فكأنه جوّز أن المغفرة تحصل بالزيادة على السبعين، لا أنه جازم بذلك، ولا يخفى ما فيه. وقيل: إن الاستغفار يتنزّل منزلة الدعاء، والعبد إذا سأل ربّه حاجة، فسؤاله إياه يتنزّل منزلة الذكر، لكنه من حيث طلب تعجيل حصول المطلوب ليس عبادة، فإذا كان كذلك، والمغفرة في نفسها ممكنة، وتعلّق العلم بعدم نفعها لا بغير ذلك، فيكون طلبها لا لغرض حصولها، بل لتعظيم المدعوّ، فإذا تعذّرت المغفرة عُوّض الداعي عنها بما يليق به، من الثواب، أو دفع السوء، كما ثبت في الخبر، وقد يحصل بذلك عن المدعوّ لهم تخفيف، كما في قصّة أبي طالب، هذا معنى ما قاله ابن المنيّر. قال الحافظ: وفيه نظر لأنه يستلزم مشروعية طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له شرعًا، وقد ورد إنكار ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣]. ووقع في أصل القصّة إشكال آخر، وذلك أنه -ﷺ- أطلق أنه خُيّر بين الاستغفار لهم، وعدمه بقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، وأخذ بمفهوم العدد من السبعين، فقال: «سأزيد عليها»، مع أنه سبق قبل ذلك بمدّة طويلة نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]، فإن هذه الآية نزلت في قصّة أبي طالب، حين قال -ﷺ-: «لأستغفرنّ لك، ما لم أُنْهَ عنك»، فنزلت، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقًا، وقصة عبد اللَّه بن أُبيّ هذه في السنة التاسعة من الهجرة، كما تقدّم، فكيف يجوز مع ذلك الاستغفار للمنافقين مع الجزم بكفرهم في نفس الآية؟. قال الحافظ: وقد وقفت على جواب لبعضهم عن هذا، حاصله أن المنهي عنه استغفارٌ تُرجَى إجابته حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة لهم، كما في قصّة أبي طالب، بخلاف الاستغفار لمثل عبد اللَّه بن أُبيّ، فإنه استغفار لقصد تطييب قلوب من بقي منهم. قال الحافظ: وهذا الجواب ليس بمرضي عندي، ونحوه قول الزمخشريّ، فإنه قال: فإن قلت: كيف خفي على أفصح الخلق، وأَخبَرِهم بأساليب الكلام، وتمثيلاته أن المراد بهذا العدد أن الاستغفار، ولو كثر لا يُجدي، ولا سيما وقد تلاه قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، فبيَّن الصارف عن المغفرة لهم؟ قلت: لم يَخفَ عليه ذلك، ولكنه فعل ما فعل، وقال ما قال، إظهارًا لغاية رحمته، ورأفته على من بُعث إليهم، وهو كقول إبراهيم ﵇: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وفي إظهار النبيّ -ﷺ- الرأفة المذكورة لُطف، بأمته، وباعث على رحمة بعضهم بعضًا. انتهى. وقد تعقّبه ابن المنيّر وغيره، وقالوا: لا يجوز نسبة ما قاله إلى الرسول -ﷺ-؛ لأن اللَّه أخبر أنه لا يغفر للكفار، وإذا كان اللَّه لا يغفر لهم، فطلب المغفرة لهم مستحيل، وطلب المستحيل لا يقع من النبيّ -ﷺ-. ومنهم من قال: إن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركًا لا يستلزم النهي عن الاستغفار لمن مات مظهرًا للإسلام؛ لاحتمال أن يكون معتقده صحيحًا. وهذا جواب جيّد، وقد رجّح الحافظ في تفسير «سورة القصص» أن نزول الآية، كان متراخيًا عن قصة أبي طالب جدًّا، وأن الذي نزل في قصته: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية [القصص: ٥٦]. قال: إلا أن في بقية هذه الآية من التصريح بأنهم كفروا باللَّه ورسوله ما يدلّ على أن نزول ذلك وقع متراخيًا عن القصّة، ولعلّ الذي نزل أوّلًا، وتمسّك به النبيّ -ﷺ- قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] إلى هنا خاصّة، ولذلك اقتصر في جواب عمر على التخيير، وعلى ذِكر السبعين، فلما وقعت القصّة المذكورة كشف اللَّه عنهم الغطاء، وفَضَحهم على رؤوس الملأ، ونادى عليهم بأنهم كفروا باللَّه، ورسوله. قال: وإذا تأمل المنصف وجد الحامل لمن ردّ الحديث، أو تعسّف في التأويل ظَنُّهُ بأن قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ نزل مع قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: نزلت الآية كاملة؛ لأنه لو فُرض نزولها كاملة لاقترن بالنهي العلة، وهي صريحة في أن قليل الاستغفار، وكثيره لا يُجدي، وإلا فإذا فُرض ما حرّرته أن هذا القَدْر نزل متراخيًا عن صدر الآية ارتفع الإشكال، وإذا كان الأمر كذلك، فحجة المتمسّك من القصّة بمفهوم العدد صحيح، وكون ذلك وقع من النبيّ -ﷺ- متمسّكًا بالظاهر على ما هو المشروع في الأحكام إلى أن يقوم الدليل الصارف عن ذلك لا إشكال فيه، فللَّه الحمد على ما ألهم، وعلّم. انتهى كلام الحافظ ملخصًا ، وهو بحث جيدٌ، وكلام مفيد، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٠٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى -وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ: قَالَ: فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى الْيَشْكُريّ، أبو قدامة السَّرَخْسِيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سُنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٣ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ -بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وسكون الواو، ثم معجمة- التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥. و«عُبَيْدُ اللَّهِ» هو: العُمريّ، ذُكر قبله. وقوله: (وَزَادَ: قَالَ: فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ) فاعل «زاد» ضمير يحيى القطّان، وفاعل «قال إلخ» ضمير ابن عمر -﵄-. [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطّان عن عبيد اللَّه هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٥٤٦٠) - حدّثنا صَدَقة، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبيد اللَّه، قال: أخبرني نافع، عن عبد اللَّه، قال: لَمّا تُوُفّي عبد اللَّه بن أُبَيّ جاء ابنه إلى
مصادر المؤلف (١٦)

١. «الفتح»١٥/ ١٩٠،«كتاب التفسير»رقم (٤٦٧٠).

٢. «الفتح»١٠/ ١٩٠ - ١٩١.

٣. «الفتح» ١٠/ ١٩١.

٤. «الفتح» ١٠/ ١٩١ - ١٩٢.

٥. «الفتح»١٠/ ١٩٩.

٦. «المصباح المنير»١/ ١٨٥.

٧. «الفتح» ١٠/ ١٩٣.

٨. «الفتح» ١٥/ ١٩٤.

٩. «تفسير الطبريّ» ١٤/ ٤٠٥.

١٠. «فتح القدير» للشوكانيّ ٣/ ٢٩٦.

١١. «الفتح»١٠/ ١٩٦.

١٢. «الفتح»١٠/ ١٩٠ - ١٩٦.«صحيحه»(٣١٧٥)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(١٧٠٥١)، و(البيهقيّ) في«دلائل النبوّة» (٥/ ٢٨٧)، واللَّه تعالى أعلم.

١٣. المراد: الفوائد التي اشتمل عليها الحديث بطرقه، وألفاظه المختلفة المذكورة في الشرح، لا خصوص سياق مسلم، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.

١٤. «الفتح» ١٠/ ١٩٩.

١٥. ما بعد هذا من الفوائد هو تَتِمّة ما نُقل عن أبي نعيم صاحب «الحلية» في كلامه على هذا الحديث، كما تقدّمت الإشارة إليه، فتنبّه.

١٦. «الفتح» ١٩٧ - ١٩٩، «كتاب التفسير» رقم (٤٦٧٠).