وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧٠٠٧] (٢٧٧٧) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ، التَّمِيمِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَانُوا إِذَا خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِذَا قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ، وَحَلَفُوا، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨]).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) الخلّالى، تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ) أبو بكر البخاريّ، نزيل بغداد، تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن أبي مريم الحكم بن محمد بن سالم المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢١٩.
٥ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ مولاهم المدنيّ، تقدّم قريبًا.
٦ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الْهِلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة -﵂-، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] (٩٤) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣.
٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، تقدّم قريبًا.
[تنبيه] من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من محمد بن جعفر، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد الخدريّ -﵁-، من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁-؛ (أَنَّ رِجَالًا) لم يُسَمّوا، (مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَانُوا إِذَا خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ)؛ أي: تأخّروا عن الخروج معه -ﷺ-؛ لنفاقهم، (وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ)؛ أي: بقعودهم، يقال: قعد قعودًا، ومقعدًا؛ أي: جلس، وأقعده غيره، ذكر معناه الجوهريّ فهو متعلق بفرحوا؛ أي: فرح المتخلفون بقعودهم (خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) بنصب خلاف على أنه ظرف لمقعدهم، قال الأخفش، ويونس: الخلاف بمعنى الخَلْف؛ أي: بعد رسول اللَّه -ﷺ-، وذلك أن جهة الأمام التي يقصدها الإنسان تخالفها جهة الخَلْف. وقال قطرب، والزجاج: معنى خلاف رسول اللَّه: مخالفة الرسول حين سار، وأقاموا، فانتصابه على أنه مفعول له؛ أي: قعدوا لأجل المخالفة، أو على الحال، مثل:
وَأَرْسَلَهَا الْعِرَاكَ فَلَمْ يَذُدْهَا
أي: حال كونهم مخالفين له -ﷺ-.
(فَإِذَا قَدِمَ) بكسر الدال (النَّبِيُّ -ﷺ-) المدينة (اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ)؛ أي: ذكروا له عذرًا مانعًا لهم من الخروج معه -ﷺ-، (وَحَلَفُوا) على أن العذر الذي ذكروه عذر واقع لا شكّ فيه، (وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا) بالبناء للمفعول؛ أي: ليحمدهم النبيّ -ﷺ-، والمسلمون (بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا)؛ أي: بما ليس فيهم من الصدق في اعتذارهم، وحَلِفهم عليه . (فَنَزَلَتْ) قال في «الفتح»: هكذا ذكر أبو سعيد الخدريّ -﵁- سبب نزول الآية، وأن المراد: من كان يعتذر عن التخلف من المنافقين، وفي حديث ابن عباس الذي بعده أن المراد: من أجاب من اليهود بغير ما سئل عنه، وكتموا ما عندهم من ذلك.
ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الفريقين معًا، وبهذا أجاب القرطبيّ وغيره، وحكى الفراء أنها نزلت في قول اليهود: نحن أهل الكتاب الأَوَّل، والصلاة، والطاعة، ومع ذلك لا يُقِرّون بمحمد -ﷺ-، فنزلت: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨].
وروى ابن أبي حاتم من طرُق أخرى، عن جماعة من التابعين نحو ذلك، ورجّحه الطبريّ، ولا مانع أن تكون نزلت في كل ذلك، أو نزلت في أشياء خاصّة، وعمومها يتناول كل من أتى بحسنة، ففرح بها فرح إعجاب، وأحب أن يَحمده الناس، ويُثنوا عليه بما ليس فيه، واللَّه أعلم. انتهى .
وفاعل «نزلت» قوله: «لا تحسبنّ الذين. . . إلخ»، لِقَصْد لفظه، فهو محكَيّ.
(﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾) قرأ الكوفيون بالتاء الفوقية، والخطاب لرسول اللَّه -ﷺ-، أو لكل من يصلح له، وقرأ نافع، وابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو: «لا يحسبنّ» بالياء التحتية؛ أي: لا يحسبن الفارحون فرحهم منجيًا لهم من العذاب، فالمفعول الأول محذوف، وهو فرحهم، والمفعول الثاني ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. (﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾)؛ أي: بما فعلوا من إضلال الناس، قرأ جمهور القراء السبعة، وغيرهم: ﴿أَتَوْا﴾ بالقصر، وقرأ مروان بن الحكم، والأعمش، وإبراهيم النخعي: «آتوا» بالمد؛ أي: يفرحون بما أعطوا.
(﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا﴾) بالبناء للمفعول، (﴿بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾) من التمسّك بالحقّ، وهم على ضلال، (﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾) بالتاء الفوقيّة، والياء التحتيّة كما سبق آنفًا. (﴿بِمَفَازَةٍ﴾)؛ أي: بمكان ينجون فيه (﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾) في الآخرة، بل هم في مكان يُعذّبون فيه، وهو جهنّم.
وقد اختلف في سبب نزول الآية، كما سيأتي، والظاهر شمولها لكل من حصل منه ما تضمنته عملًا بعموم اللفظ، وهو المعتبَر دون خصوص السبب، فمن فرح بما فعل، وأحب أن يحمده الناس بما لم يفعل، فلا تحسبنه بمفازة من العذاب.
وقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تأكيد للفعل الأول على القراءتين، والمفازة: المنجاة، مفعلة من فاز يفوز إذا نجا؛ أي: ليسوا بفائزين، سمِّي موضع الخوف مفازة على جهة التفاؤل. قاله الأصمعي. وقيل: لأنها موضع تفويز، ومظنة هلاك، تقول العرب: فوّز الرجل إذا مات. قال ثعلب: حكيت لابن الأعرابي
قول الأصمعي، فقال: أخطأ. قال لي أبو المكارم: إنما سمِّيت مفازة؛ لأن مَنْ قَطَعها فاز. وقال ابن الأعرابي: بل لأنه مستسلم لِمَا أصابه. وقيل: المعنى: لا تحسبنهم بمكان بعيد من العذاب؛ لأن الفوز التباعد عن المكروه .
وقال القرطبيّ المفسّر -﵀-: وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٨] «الذين» فاعل بـ ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء، وهي قراءة نافع، وابن عامر، وابن كثير، وأبي عمرو؛ أي: لا يحسبن الفارحون فرحهم منجيًا لهم من العذاب، وقيل: المفعول الأول محذوف، وهو أنفسهم، والثاني ﴿بِمَفَازَةٍ﴾، وقرأ الكوفيون: «تحسبن» بالتاء على الخطاب للنبيّ -ﷺ-؛ أي: لا تحسبن يا محمد الفارحين بمفازة من العذاب، وقوله ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ بالتاء، وفتح الباء، إعادة تأكيد، ومفعوله الأول الهاء والميم، والمفعول الثاني محذوف؛ أي: كذلك، والفاء عاطفة، أو زائدة على بدل الفعل الثاني من الأول.
وقرأ الضحاك، وعيسى بن عمر بالتاء، وضم الباء ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾، أراد محمدًا -ﷺ- وأصحابه.
وقرأ مجاهد، وابن كثير، وأبو عمرو، ويحيى بن يعمر بالياء، وضم الباء خبرًا عن الفارحين؛ أي: فلا يحسبن أنفسهم، «بمفازة» المفعول الثاني، ويكون ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تأكيدًا.
وقيل: ﴿الَّذِينَ﴾ فاعل بـ ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ [آل عمران: ١٧٨] ومفعولاها محذوفان؛ لدلالة ﴿يحسبنهم﴾ عليه، كما قال الشاعر [من الطويل]:
بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ … تَرَى حُبَّهُمْ عَارًا عَلَيَّ وَتَحْسَبُ
استغنى بذكر مفعول الواحد عن ذِكر مفعول الثاني، و«بمفازة» الثاني، وهو بدل من الفعل الأول، فأغنى لإبداله منه عن ذِكر مفعوليه، والفاء زائدة، وقيل: قد تجيء هذه الأفعال ملغاةً لا في حكم الجمل المفيدة.
وقرأ جمهور القراء السبعة، وغيرهم: ﴿أَتَوْا﴾ بقصر الألف؛ أي: بما جاءوا به من الكذب والكتمان.
وقرأ مروان بن الحكم، والأعمش، وإبراهيم النخعيّ: «آتوا» بالمدّ، بمعنى: