HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٨٠

وحدثناه يحيى بن حبيب الحارثي. حدثنا خالد بن الحارث. حدثنا قرة. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «من يصعد ثنية المرار أو المرار» بمثل حديث معاذ. غير أنه قال: وإذا هو أعرابي جاء ينشد ضالة له.
ج ٤ ص ٢١٤٥

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص١٧٤
أربعة أذرع في أربعة أذرع، وصنف يفترشون آذانهم، ويلتحفون بالأخرى، ووقع نحو هذا في حديث حذيفة، وأخرج أيضًا هو والحاكم من طريق أبي الجوزاء، عن ابن عباس: يأجوج ومأجوج شبرًا شبرًا، وشبرين شبرين، وأطولهم ثلاثة أشبار، وهم من ولد آدم، ومن طريق أبي هريرة، رفعه: «وُلد لنوح: سام، وحام، ويافث، فوُلد لسام: العرب، وفارس، والروم، ووُلد لِحام: القبط، والبربر، والسودان، ووُلد ليافث: يأجوج ومأجوج، والتُّرك، والصقالبة»، وفي سنده ضعف، ومن رواية سعيد بن بشير، عن قتادة، قال: «يأجوج ومأجوج اثنتان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السدّ على إحدى وعشرين، وكانت منهم قبيلة غائبة في الغزو، وهم الأتراك، فبقوا دون السدّ»، وأخرج ابن مردويه من طريق السديّ قال: التُّرك سَريَّة من سرايا يأجوج ومأجوج، خرجت تُغير، فجاء ذو القرنين، فبنى السدّ، فبقوا خارجًا. ووقع في فتاوى الشيخ محيي الدين: يأجوج ومأجوج من أولاد آدم، لا من حواء، عند جماهير العلماء، فيكونون إخواننا لأب، كذا قال، ولم نر هذا عن أحد من السلف، إلا عن كعب الأحبار، ويردّه الحديث المرفوع: «إنهم من ذرية نوح»، ونوح من ذرية حواء قطعًا. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٠٧] (٢٨٨٠) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ»، وَعَقَدَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ عَشَرَةً، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو ابن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) أبو محمد الكوفيّ، ثمّ المكيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، أبو بكر المدنيّ، تقدّم في الحديث الماضي. ٤ - (عُرْوَةُ) بن الزبير، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، تقدّم قريبًا. ٥ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ) بن عبد الأسد المخزومية، ربيبة النبيّ -ﷺ-، ماتت سنة ثلاث وسبعين، وحضر ابن عمر جنازتها بمكة، قبل أن يحجّ، ويموت (ع) تقدمت في «الحيض» ٢/ ٦٨٩. ٦ - (أُمُّ حَبِيبَةَ) رَمْلة بنت أبي سفيان بن حرب الأمويّة، أم المؤمنين، مشهورة بكنيتها، ماتت -﵂- سنة اثنتين، أو أربع، وقيل: سنة تسع وأربعين، وقيل: وخمسين (ع) تقدمت في «المساجد ومواضع الصلاة» ٣/ ١١٨٦. ٧ - (زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ) بن رئاب بن يعمر الأسديّة، أم المؤمنين، أمها أميمة بنت عبد المطلب، يقال: ماتت سنة عشرين في خلافة عمر -﵄- (ع) تقدمت في «الزكاة» ٤٩/ ٢٤٨١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وأن فيه ثلاثة من الصحابيّات روى بعضهنّ عن بعض، واثنتان من أمهات المؤمنين، وواحدة ربيبة النبيّ -ﷺ-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وعروة من الفقهاء السبعة. شرح الحديث: (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ) ربيبة النبيّ -ﷺ-، وفي رواية يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ الآتية: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّ حَبَيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، أَخْبَرَتْهَا. (عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) رملة بنت أبي سفيان، أم المؤمنين -﵂-، وفي رواية يونس: «أن أم حبيبة بنت أبي سفيان حدثتها». (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) أم المؤمنين -﵂- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ، وَ) الحال (هُوَ يَقُولُ) تعجّبًا مما رآه في منامه من الفتن التي تقع في أمته بعد وفاته -ﷺ-: («لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وفي الرواية الآتية:»قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا فَزِعًا، مُحْمَرًّا وَجْهُهُ«، وفي رواية:»أن النبيّ -ﷺ- دخل عليها يومًا فَزِعًا«، فيُجمع على أنه دخل عليها بعد أن استيقظ النبيّ -ﷺ- فزعًا، وكانت حمرة وجهه من ذلك الفزع، وجَمع بينهما في رواية سليمان بن كثير، عن الزهريّ، عند أبي عوانة، فقال:«فَزِعًا محمرًّا وجهه». (وَيْلٌ لِلْعَرَبِ)«ويل»كلمة تقال للحزن، والهلاك، والمشقة من العذاب، وكل من وقع في الهلكة دعا بالويل . وإنما خص العرب لاحتمال أنه أراد: ما وقع من قَتْل عثمان بينهم، وقيل: يَحْتَمِل أنه أراد: ما سيقع من مفسدة يأجوج ومأجوج، ويَحتمل أنه أراد: ما وقع من التُّرك من المفاسد العظيمة في بلاد المسلمين، وهم من نَسْل يأجوج ومأجوج، قاله في«العمدة». وقال في«الفتح»: خَصّ العرب بذلك؛ لأنهم كانوا حينئذ معظم من أسلم، والمراد بالشرّ: ما وقع بعده من قتل عثمان، ثم توالت الفتن، حتى صارت العرب بين الأمم؛ كالقصعة بين الأَكَلة، كما وقع في الحديث الآخر:«يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة على قصعتها»، وأن المخاطَب بذلك العرب، قال القرطبيّ: ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالشرّ: ما أشار إليه في حديث أم سلمة:«ماذا أُنزل الليلة من الفتن، وماذا أُنزل من الخزائن»، فأشار بذلك إلى الفتوح التي فُتحت بعده، فكثرت الأموال في أيديهم، فوقع التنافس الذي جرّ الفتن، وكذلك التنافس على الإمرة، فإن معظم ما أنكروه على عثمان تولية أقاربه من بني أمية وغيرهم، حتى أفضى ذلك إلى قَتْله،، وترتب على قَتْله من القتال بين المسلمين ما اشتهر واستمرّ. انتهى . (مِنْ شَرٍّ) بيان للويل، وقوله: (قَدِ اقْتَرَبَ) جملة في محل جرّ؛ لأنه صفة لقوله:«من شرّ». وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«ويل للعرب. . . إلخ»هذا تنبيه على الاختلاف، والفتن، والهرج الواقع في العرب، وأول ذلك قَتْل عثمان -﵁-، ولذلك أخبر عنه بالقُرْب، ثم لم يزل كذلك إلى أن صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة، كما قال في الحديث الآخر:«يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تتداعى الأكلة على قصعتها»، قال ذلك مخاطبًا للعرب، ولهم خاطب أيضًا بقوله -ﷺ-:«إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القَطْر» . (فُتِحَ) بالبناء للمفعول، (الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ)؛ أي: من سدّ يأجوج ومأجوج، يقال: رَدَمت الثلمة؛ أي: سددتها، الاسم والمصدر سواء، وذلك أنهم يحفرون كل يوم حتى لا يبقى بينهم وبين أن يخرقوا النقب إلا يسيرٌ، فيقولون: غدًا نأتي، فنفرغ منه، فيأتون بعد الصباح، فيجدونه عاد كهيأته، فإذا جاء الوقت، قالوا عند المساء: غدًا إن شاء اللَّه نأتي، فنفرغ منه، فينقبونه، ويخرجون، أخرجه ابن مردويه في «تفسيره» من حديث أبي هريرة، وحذيفة، وفي «تفسير مقاتل»: «يغدون إليه في كل يوم، فيعالجون حتى يولد فيهم رجل مسلم، فإذا غدوا عليه، قال لهم المسلم: قولوا: بسم اللَّه، فيعالجونه حتى يتركونه رقيقًا، كقشر البيض، ويرى ضوء الشمس، فيقول المسلم: قولوا: بسم اللَّه غدًا نرجع إن شاء اللَّه تعالى، فنفتحه. . .» الحديث . (مِثْلُ هَذِهِ»، وَعَقَدَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ عَشَرَةً) وفي الرواية الآتية:«وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا»؛ أي: جعلهما مثل الحلقة، وفي رواية:«وعقد وهيب بيده تسعين»، وفي رواية عن البخاريّ:«وعقد سفيان تسعين، أو مائة»، وفي رواية سليمان بن كثير، عن الزهريّ عند أبي عوانة، وابن مردويه:«مثل هذه، وعقد تسعين»، ولم يعيّن الذي عقد، ولابن حبان من طريق شريح بن يونس، عن سفيان:«وحلّق بيده عشرة»، ولم يعيّن أن الذي حلّق هو سفيان، وأخرجه من طريق يونس، عن الزهريّ بدون ذِكر العقد. قال عياض وغيره: هذه الروايات متفقة إلا قوله:«عشرة». قال الحافظ: وكذا الشك في المائة؛ لأن صفاتها عند أهل المعرفة بعقد الحساب مختلفة، وإن اتفقت في أنها تُشبه الحلقة، فعَقْد العشرة أن يجعل طرف السبابة اليمنى في باطن طي عقدة الإبهام العليا، وعقد التسعين أن يجعل طرف السبابة اليمنى في أصلها، ويضمها ضمًّا محكمًا، بحيث تنطوي عقدتاها، حتى تصير مثل الحية المطوّقة. ونقل ابن التين عن الداوديّ أن صورته أن يجعل السبابة في وسط الإبهام، وردّه ابن التين بما تقدم، فإنه المعروف، وعقد المائة مثل عقد التسعين، لكن بالخنصر اليسرى، فعلى هذا فالتسعون والمائة متقاربان، ولذلك وقع فيهما الشك، وأما العشرة فمغايرة لهما. قال القاضي عياض: لعل حديث أبي هريرة متقدم، فزاد الفتحُ بعده القدر المذكور في حديث زينب. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه لو كان الوصف المذكور من أصل الرواية لاتّجه، ولكن الاختلاف فيه من الرواة عن سفيان بن عيينة، ورواية من روى عنه تسعين، أو مائة، أتقن، وأكثر من رواية من روى عشرة، وإذا اتّحد مخرج الحديث، ولا سيما في أواخر الإسناد بَعُد الحمل على التعدد جدًّا. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: مما سبق يتبيّن أن الترجيح هو الأَولى من الجمع بالتعدّد، فتقدّم رواية: «عقد تسعين»؛ لكثرة من رواها، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (قُلْتُ:) وفي رواية البخاريّ: «قالت زينب بنت جحش»، وهذا يخصص رواية سليمان بن كثير بلفظ: «قالوا: أنهلك»، ويعيّن أن اللافظ بهذا السؤال هي زينب بنت جحش راوية الحديث. (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ) بكسر اللام، على اللغة الفصيحة المشهورة، وحُكِي فتحها، وهو ضعيف، أو فاسد، قاله النوويّ . وقال المجد -﵀-: «هلك» كضرب، ومنع، وعَلِمَ هُلْكًا بالضمّ، وهَلاكًا، وتُهْلُوكًا، وهُلُوكًا بضمّهما، ومهلكةً، وتهلكةً مثلّثي اللام: مات. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: أفادت عبارة المجد أن «نهلك» هنا بكسر اللام، وفَتْحها، فتفطّن، واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية يزيد بن الأصم، عن ميمونة، عن زينب بنت جحش في نحو هذا الحديث: «فُرج الليلةَ من رَدْم يأجوج ومأجوج فرجةٌ، قلت: يا رسول اللَّه أيعذبنا اللَّه، وفينا الصالحون». (وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟) كأنها أخذت ذلك من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، (قَالَ) -ﷺ-: («نَعَمْ) تهلِكون، وإن كان فيكم الصالحون، (إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ») -بفتح الخاء المعجمة، والموحّدة، ثم مثلثة- فسّروه بالزنا، وبأولاد الزنا، وبالفسوق، والفجور، وهو أَولى؛ لأنه قابَله بالصلاح، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زينب بنت جحش -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٢٠١ و٧٢٠٨ و٧٢٠٩ و٧٢١٠] (٢٨٨٠)، و(البخاريّ) في «الأنبياء» (٣٣٤٦) و«المناقب» (٣٥٩٨) و«الفتن» (٧٠٥٩ و٧١٣٥)، و(الترمذيّ) في «الفتن» (٢١٨٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٩١ و٤٠٧)، و(ابن ماجه) في «الفتن» (٣٩٥٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠٧٤٩)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٣٠٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٩٠٦١)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٢٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٢٧ و٦٨٣١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٣/ ٨٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١٠/ ٩٣)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤٢٠١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان معجزة للنبيّ -ﷺ- حيث يُطلعه اللَّه -﷾- بما سيكون من مغيّبات الأمور، فيقع على ما أخبر -ﷺ-. ٢ - (ومنها): ما قاله ابن العربيّ: أن فيه البيانَ بأن الخير يهلك بهلاك الشرير، إذا لم يغيّر عليه خبثه، وكذلك إذا غيّر عليه، لكن حيث لا يُجدي ذلك، ويصرّ الشرير على عمله السيئ، ويفشو ذلك، ويكثر حتى يعم الفساد، فيهلك حينئذ القليل والكثير، ثم يُحشر كل أحد على نيته، قال: وكأن زينب -﵂- فَهِمت من فَتْح القَدْر المذكور من الردم أن الأمر إن تمادى على ذلك اتسع الخرق، بحيث يخرجون، وكان عندها علم أن في خروجهم على الناس إهلاكًا عامًّا لهم. انتهى. ٣ - (ومنها): ما قاله ابن العربيّ أيضًا: في الإشارة المذكورة في الحديث دلالةً على أنه -ﷺ- كان يعلم عقد الحساب، حتى أشار بذلك لمن يعرفه، وليس في ذلك ما يعارض قوله في الحديث الآخر: «إنا أمة أميّة لا نحسُب، ولا نكتب»، فإن هذا إنما جاء لبيان صورة معيّنة خاصّة. قال الحافظ: والأَولى أن يقال: المراد بنفي الحساب ما يتعاناه أهل صناعته من الجمع والْفَذْلكة، والضرب، ونحو ذلك، ومن ثَمّ قال: «ولا نكتب»، وأما عقد الحساب فإنه اصطلاح للعرب تواضعوه بينهم ليستغنوا به عن التلفظ، وكان أكثر استعمالهم له عند المساومة في البيع، فيضع أحدهما يده في يد الآخر، فيفهمان المراد من غير تلفظ؛ لِقَصد ستْر ذلك عن غيرهما، ممن يحضرهما، فشَبَّه -ﷺ- قدر ما فُتح من السد بصفة معروفة عندهم. [تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: قد أكثر الشعراء التشبيه بهذه العقود، ومن ظريف ما وقفت عليه من النظم في ذلك قول بعض الأدباء: رُبَّ بُرْغُوثٍ لَيْلَةً بِتُّ مِنْهُ … وَفُؤَادِي فِي قَبْضَةِ التِّسْعِينِ أَسَرَتْهُ يَدُ الثَّلَاثِينَ حَتَّى … ذَاقَ طَعْمَ الْحِمَامِ فِي السَّبْعِينِ وعَقْد الثلاثين أن يضم طرف الإبهام إلى طرف السبابة مثل من يُمسك شيئًا لطيفًا كالإبرة، وكذلك البرغوث، وعقد السبعين أن يجعل طرف ظفر الإبهام بين عقدتي السبابة من باطنها، ويلوي طرف السبابة عليها مثل ناقد الدينار عند النقد، وقد جاء في خبر مرفوع أن يأجوج ومأجوج يحفرون السدّ كل يوم، وهو فيما أخرجه الترمذيّ وحسّنه، وابن حبان، والحاكم، وصححاه من طريق قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، رفعه في السدّ «يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستخرقونه غدًا، فيعيده اللَّه كأشدّ ما كان، حتى إذا بلغ مدتهم، وأراد اللَّه أن يبعثهم قال الذي عليهم: ارجعوا، فستخرقونه غدًا إن شاء اللَّه، واستثنى، قال: فيرجعون، فيجدونه كهيئته حين تركوه، فيخرقونه، فيخرجون على الناس. . .» الحديث. قال الحافظ: وأخرجه الترمذيّ، والحاكم، من رواية أبي عوانة، وعبد بن حميد من رواية حماد بن سلمة، وابن حبان من رواية سليمان التيميّ، كلهم عن قتادة، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن قتادة مدلّس، وقد رواه بعضهم عنه فأدخل بينهما واسطة، أخرجه ابن مردويه، لكن وقع التصريح في رواية سليمان التيميّ عن قتادة بأن أبا رافع حدّثه، وهو في صحيح ابن حبان. وأخرجه ابن ماجه من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: حدّث أبو رافع، وله طريق آخر عن أبي هريرة، أخرجه عبد بن حميد، من طريق عاصم، عن أبي صالح عنه، لكنه موقوف. قال ابن العربيّ: في هذا الحديث ثلاث آيات: الأولى: أن اللَّه منعهم أن يوالوا الحفر ليلًا ونهارًا. الثانية: منعهم أن يحاولوا الرقي على السدّ بسلم أو آلة، فلم يلهمهم ذلك، ولا علمهم إياه، ويَحْتَمِل أن تكون أرضهم لا خشب فيها، ولا آلات تصلح لذلك. وتعقّبه الحافظ، فقال: وهو مردود، فإن في خبرهم عند وهب في «المبتدأ» أن لهم أشجارًا، وزروعًا، وغير ذلك من الآلات، فالأول أَولى. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق ابن عمرو بن أوس، عن جدّه، رفعه: «إن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون ما شاؤوا. . .» الحديث. الثالثة: أنه صدهم عن أن يقولوا: إن شاء اللَّه حتى يجيء الوقت المحدود. قلت : وفيه أن فيهم أهل صناعة، وأهل ولاية وسلاطة، ورعية تطيع من فوقها، وأن فيهم من يعرف اللَّه، ويقر بقدرته ومشيئته، ويَحْتَمِل أن تكون تلك الكلمة تجري على لسان ذلك الوالي من غير أن يعرف معناها، فيحصل المقصود ببركتها. وقد أخرج عبد بن حميد من طريق كعب الأحبار نحو حديث أبي هريرة، وقال فيه: فإذا بلغ الأمر ألقى على بعض ألسنتهم: نأتي إن شاء اللَّه غدًا، فنفرع منه. وأخرج ابن مردويه من حديث حذيفة نحو حديث أبي هريرة، وفيه: «فيصبحون، وهو أقوى منه بالأمس، حتى يُسلم رجل منهم حين يريد اللَّه أن يبلغ أمره، فيقول المؤمن: غدًا نفتحه إن شاء اللَّه، فيصبحون، ثم يغدون عليه، فيُفتح. . .» الحديث، وسنده ضعيف جدًّا، واللَّه تعالى أعلم . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٠٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو والأَشْعَثِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادُوا فِي الإِسْنَادِ، عَنْ سُفْيَانَ: فَقَالُوا: عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ حَبِيبَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل باب. ٢ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ) الْكِنْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٤ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (عَنْ حَبِيبَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) هكذا في هذه الرواية بزيادة حبيبة، قال النوويّ -﵀-: هذا الإسناد اجتمع فيه أربع صحابيات، زوجتان لرسول اللَّه -ﷺ-، وربيبتان له، بعضهنّ عن بعض، ولا يُعلم حديث اجتمع فيه أربع صحابيات بعضهنّ عن بعض غيره، وأما اجتماع أربعة صحابة، أو أربعة تابعيين بعضهم عن بعض، فوجدت منه أحاديث، قد جمعتها في جزء، ونبهت في هذا الشرح على ما مرّ منها في «صحيح مسلم»، وحبيبة هذه هي بنت أم حبيبة أم المؤمنين بنت أبي سفيان، ولدتها من زوجها عبد اللَّه بن جحش الذي كانت عنده قبل النبيّ -ﷺ-. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «عن أم حبيبة» هكذا قال بعض أصحاب سفيان بن عيينة، منهم مالك بن إسماعيل، ومنهم عمرو بن محمد الناقد، عند مسلم، ومنهم سعيد بن منصور في «السنن» له، ومنهم قتيبة، وهارون بن عبد اللَّه، عند الإسماعيليّ، والقعنبيّ عند أبي نعيم، وكذا قال مسدّد في «مسنده»، وهكذا عند البخاريّ من رواية عُقيل، وشعيب، ومحمد بن أبي عتيق، كلهم عن الزهريّ ليس في السند حبيبة. قال: وزاد جماعة من أصحاب ابن عيينة عنه ذِكر حبيبة، فقالوا: «عن زينب بنت أم سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة، عن أمها أم حبيبة». هكذا أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وسعيد بن عمرو الأشعثيّ، وزهير بن حرب، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، أربعتهم عن سفيان، عن الزهريّ، قال مسلم: زادوا فيه حبيبة، وهكذا أخرجه الترمذيّ عن سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ، وغير واحد، كلهم عن سفيان، قال الترمذيّ: جوَّد سفيان هذا الحديث، هكذا رواه الحميديّ، وعليّ ابن المدينيّ، وغير واحد من الحفاظ، عن سفيان بن عيينة، قال الحميديّ: قال سفيان: حفظت عن الزهريّ في هذا الحديث أربع نسوة: زينمبما بنمسما أم سلمة، عن حبيبة، وهما ربيبتا النبيّ -ﷺ- عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش، وهما زوجا النبيّ -ﷺ-. وأخرجه أبو نعيم في «المستخرج» من طريق الحميديّ، فقال في روايته: «عن حبيبة بنت أم حبيبة، عن أمها أم حبيبة»، وقال في آخره: قال الحميديّ: قال سفيان: أحفظ في هذا الحديث عن الزهريّ أربع نسوة، قد رأين النبيّ -ﷺ-: ثنتين من أزواجه: أم حبيبة، وزينب بنت جحش، وثنتين ربيبتاه: زينب بنت أم سلمة، وحبيبة بنت أم حبيبة، أبوها عبيد اللَّه بن جحش، مات بأرض الحبشة. انتهى كلامه. وأخرجه أبو نعيم أيضًا من رواية إبراهيم بن بشار الرماديّ، ونصر بن عليّ الجهضميّ، وأخرجه النسائيّ عن عبيد اللَّه بن سعيد، وابن ماجه عن أبي بكم بن أبي شيبة، والإسماعيليّ من رواية الأسود بن عامر، كلهم عن ابن عيينة بزب ادة حبيبة في السند، وساق الإسماعيليّ عن هارون بن عبد اللَّه قال: قال لي الأسود بن عامر: كيف يحفظ هذا عن ابن عيينة، فذكره له بنقص حبيبة، فقال: لكنه حدّثنا عن الزهريّ، عن عروة، عن أربع نسوة، كلهنّ قد أدركن النبيّ -ﷺ- بعضهنّ عن بعض. قال الدارقطنيّ: أظنّ سفيان كان تارةً يذكرها، وتارةً يسقطها. قال الحافظ: ورواه شُريح بن يونس عن سفيان، فأسقط حبيبة، وزينب بنت جحش، أخرجه ابن حبان، ومثله لأبي عوانة عن الليث، عن الزهريّ، ومن رواية سليمان بن كثير عن الزهريّ، وصرّح فيه بالإخبار. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي مما سبق أن كلا الطريقين محفوظان، بزيادة حبيبة في السند، وإسقاطها، كما أشار إليه الدارقطنيّ آنفًا، وكما هو ظاهر صنيع مسلم -﵀- حيث أخرج الطريقين، ولم يتعقّب واحدًا منهما، واللَّه تعالى أعلم. [فائدة]: حبيبة هذه هي حبيبة بنت عبيد اللَّه -بالتصغير- ابن جحش، ذكرها موسى بن عقبة فيمن هاجر إلى الحبشة، فتنصّر عبيد اللَّه بن جحش، ومات هناك، وثبتت أم حبيبة على الإسلام، فتزوجها النبيّ -ﷺ-، وجهزها إليه النجاشيّ، وحَكَى ابن سعد أن حبيبة إنما وُلدت بأرض الحبشة، فعلى هذا تكون في زمن النبيّ -ﷺ- صغيرة، فهي نظير التي روت عنها في أن كلًّا منهما ربيبة النبيّ -ﷺ-، وفي أن كلًّا منهما من صغار الصحابة، وزينب بنت جحش هي عمة حبيبة المذكورة، فروت حبيبة عن أمها، عن عمتها، وكانت وفاة زينب قبل وفاة أم حبيبة. قال الحافظ -﵀-: وزعم بعض الشراح أن رواية مسلم بذكر حبيبة تؤذن بانقطاع طريق البخاريّ. قلت : وهو كلام من لم يطّلع على طريق شعيب التي نبهت عليها. وقد جمع الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزديّ جزءًا في الأحاديث المسلسلة بأربعة من الصحابة، وجملة ما فيه أربعة أحاديث، وجمع ذلك بعده الحافظ عبد القادر الرُّهاويّ، ثم الحافظ يوسف بن خليل، فزاد عليه قدرها، وزاد واحدًا خماسيًّا، فصارت تسعة أحاديث، وأصحها حديث الباب، ثم حديث عمر في العُمالة. انتهى كلام الحافظ -﵀- ، وهو بحث نفيس جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة عن الزهريّ هذه ساقها الترمذيّ -﵀- في «جامعه»، فقال: (٢١٨٧) - حدّثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ، وأبو بكر بن نافع، وغير واحد، قالوا: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة، عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش، قالت: استيقظ رسول اللَّه -ﷺ- من نومه مُحْمَرًّا وجهه، وهو يقول: «لا إله إلا اللَّه -يرددها ثلاث مرات- ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وعقد عشرًا، قالت زينب: قلت: يا رسول اللَّه، أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كَثُر الْخَبَث». قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، وقد جَوَّد سفيان هذا الحديث، هكذا روى الحميديّ، وعليّ ابن المدينيّ، وغير واحد من الحفاظ، عن سفيان بن عيينة نحو هذا، وقال الحميديّ: قال سفيان بن عيينة: حفظت من الزهريّ في هذا الحديث أربع نسوة، زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة، وهما ربيبتا النبيّ -ﷺ-، عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش، زوجي النبيّ -ﷺ-، وهكذا رَوَى معمر وغيره هذا الحديث عن الزهريّ، ولم يذكروا فيه: «عن حبيبة»، وقد روى بعض أصحاب ابن عيينة هذا الحديث عن ابن عيينة، ولم يذكروا فيه: «عن أم حبيبة». انتهى كلام الترمذيّ -﵀- . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٠٩] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، أَخْبَرَتْهَا أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا فَزِعًا، مُحْمَرًّا وَجْهُهُ، يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ، لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ»، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلهم ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (فَزِعًا)؛ أي: خائفًا مما أخبر به أنه يصيب أمته. وقوله: (وَيْلٌ) كلمة تقال لمن وقع في هلكة، ولا يُترحم عليه، و«ويح» كلمه تقال لمن وقع في هلكة يترحم عليه. وقوله: (لِلْعَرَبِ)؛ يعني: للمسلمين؛ لأن أكثر المسلمين: العرب ومواليهم. وقوله: (مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ)؛ أي: من سدّهم. وقوله: (بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا) قال القرطبيّ -﵀-: هذا إخبار، وتفسير من الصحابة الذين شاهدوا إشارة النبيّ -ﷺ-، ثم إن الرواة بعدهم عبّروا عن ذلك باصطلاح الحساب، فقال بعضهم: وعقد سفيان بيده عشرة، وقال بعضهم: وعقد وهيب بيده تسعين، وهذا تقريب في العبارة. والحاصل: أن الذي فتحوا من السدّ قليل، وهم مع ذلك لم يلهمهم اللَّه أن يقولوا: غدًا نفتحه -إن شاء اللَّه تعالى-، فإذا قالوها خرجوا. انتهى . وقال في «العمدة»: قوله: «وحلّق بإصبعه الإبهام والتي تليها»؛ يعني: جَعل الإصبع السبابة في أصل الإبهام، وضمّها حتى لم يبق بينهما إلا خلل يسير، وهو من تواضعات الْحُسّاب، وظاهر هذا يدلّ على أن الذي فعل هذا هو النبيّ -ﷺ-، وقد مرّ في حديث مسلم من طريق سفيان بن عيينة: «وعقد سفيان بيده عشرةً»، وفي رواية البخاريّ أيضًا في «كتاب الفتن»: «وعقد سفيان تسعين، أو مائة» ولم يذكر شيئًا غير هذا، وفي حديث أبي هريرة: «قال: فتح اللَّه من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وعقد بيده تسعين»، وظاهر هذا أيضًا أن الذي عقد هو النبيّ -ﷺ-، وجاء في رواية مسلم عن أبي هريرة من طريق وهيب، عن عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه عنه، وفيه: «وعقد وهيب بيده تسعين»، وهذه الرواية تصرّح بأن العاقد هو وهيب. وههنا ثلاثة أشياء: الأول: في اختلاف العاقد، والثاني: في اختلاف العدد، والثالث: أن هذا الحديث يعارضه قوله: «إنا أمة أمية لا نكتُب ولا نحسُب». فالجواب عن الأول بما أشار إليه كلام ابن العربيّ: أن نفس العقد مدرج، وليس من قوله، وإنما الرواة عبّروا عن الإشارة التي في قوله: «مثل هذه» في حديث الباب وغيره؛ وذلك لأنهم شاهدوا تلك الإشارة. والجواب عن الثاني ما قاله عياض: إن المراد التقريب بالتمثيل، لا حقيقة التحديد. والجواب عن الثالث أن قوله: «إنا أمة. . .» الحديث لبيان صورة خاصة معيّنة. انتهى . وقوله: (إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ) قال ابن عبد البرّ: معناه عند أكثرهم: الزنا، وأولاد الزنا، وجملة القول عندي في معناه: أنه اسم جامع يجمع الزنا وغيره، من الشرّ، والفساد، والمنكَر في الدين، واللَّه أعلم. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، وللَّه الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٢١٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم المصريّ، أبو عبد اللَّه، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) وله أربع وستون سنةً (د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٤ - (عُقَيْلُ -بالضمّ- ابْنُ خَالِدٍ) بن عَقِيل -بالفتح- الأيليّ، أبو خالد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت ١٤٤) علر، الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣. ٥ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٦ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨] (١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٧ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، مؤدِّب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد سنة ثلاثين، أو بعد الأربعين ومائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) ضمير التثنية لعُقيل بن خالد، وصالح بن كيسان.
مصادر المؤلف (١٨)

١. «الفتح» ١٦/ ٥٩٩ - ٦٠٠، «كتاب الفتن» رقم (٧١٣٥).

٢. «الفتح»١٦/ ٦٠٠ - ٦٠١.

٣. «عمدة القاري»١٥/ ٢٣٨.

٤. «عمدة القاري»١٥/ ٢٣٨.

٥. «الفتح»١٦/ ٦٠١.

٦. رواه أحمد، وأبو داود، وهو حديث صحيح.

٧. «المفهم»٧/ ٢٠٧، وهذا الحديث متّفقٌ عليه.

٨. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٣٨.

٩. «شرح النوويّ» ١٨/ ٣.

١٠. القائل هو الحافظ -﵀- فتنبّه.

١١. «الفتح» ١٦/ ٦٠٢ - ٦٠٣.

١٢. «شرح النوويّ» ١٨/ ٢.

١٣. القائل هو الحافظ -﵀- فتنبّه.

١٤. «الفتح» ١٦/ ٤٤٦ - ٤٤٧.

١٥. «جامع الترمذيّ» ٤/ ٤٨٠.

١٦. «المفهم» ٧/ ٢٠٨.

١٧. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٣٨.

١٨. «التمهيد» لابن عبد البرّ ٢٤/ ٣٠٧.