HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٨٦

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ. حدثنا فضيل (يعني ابن عياض) عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيد الله السلماني، عن عبد الله بن مسعود قال: جاء حبر إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يا محمد! أو يا أبا القاسم! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع. والأرضين على إصبع. والجبال والشجر على إصبع. والماء والثرى على إصبع. وسائر الخلق على إصبع. ثم يهزهن فيقول: أنا الملك. أنا الملك. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تعجبا مما قال الحبر. تصديقا له. ثم قرأ: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ [٣٩ /الزمر].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص125
ج ٤ ص ٢١٤٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٤٦
[٨٨٩] أمر القيامة من أمور الغيب التي أمرنا بالإيمان بها، وحديث: (يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ) مما يجب الإيمان به، ولا يتصرف فيه بالمعقول.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٣ ص٣٠٧
مبشرين ومنذرين. فكيف ووراء ذلك من الحِكَم ما لا اطلاع لنا عليه. فتأمل قول الملائكة، لمّا قال اللَّه لهم: ﴿. . . وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. انتهى كلام ابن أبي العزّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، خلاصته ثبوت الميزان، كما أخبر به الكتاب والسُّنَّة، ووجوب الإيمان به، كما أوجبه اللَّه ﷾، وأن الوزن للأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٢٠] (٢٧٨٦) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ -يَعْنِي: ابْنَ عِيَاضٍ- عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَوْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ؛ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ، تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ) بن عبد اللَّه بن قيس التميميّ اليربوعيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣. ٢ - (فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ) بن مسعود التميميّ، أبو عليّ الزاهد المشهور، أصله من خُراسان، وسكنَ مكة، ثقةٌ عابدٌ إمامٌ [٨] (ت ١٨٧) وقيل: قبلها (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ الكوفيّ الفقيه، تقدّم قريبًا. ٥ - (عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ) هو: عَبيدة بن عمرو السّلْماني -بسكون اللام، ويقال: بفتحها- المراديّ، أبو عمرو الكوفيّ التابعي الكبير مخضرم، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، كان شُريح إذا أشكل عليه شيء يسأله، [٢] مات سنة اثنتين وسبعين، أو بعدها، والصحيح أنه مات قبل سنة سبعين (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٩/ ٤٦٨. ٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ) -﵁-، تقدّم في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، إلا فضيلاٌ، فخُراسانيّ، ثم مكيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وعلى قول من يقول: إن منصورًا تابعيّ، ففيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وأن صحابيّه من أكابر علماء الصحابة -﵃-، ذو مناقب جمّة، تقدّم ذكرها. شرح الحديث: (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة، (السَّلْمَانِيِّ) بفتح السين المهملة، وسكون اللام، ويقال: بفتحها: نسبة إلى سلمان بن يشكر بن ناجية بن مراد، وهو حيّ من مراد، قال ابن الأثير: وأصحاب الحديث يفتحون اللام. انتهى . [تنبيه]: رواية الأعمش هنا عن إبراهيم، عن عبيدة، وفي رواية حفص بن غياث الآتية بعد حديث عن الأعمش، سمعت إبراهيم يقول: سمعت علقمة. قال في «الفتح» ما حاصله: وقد تابع سفيان الثوريّ عن منصور على قوله: «عبيدةَ» شيبانُ بن عبد الرحمن، عن منصور، كما عند البخاريّ في «التفسير»، وفضيلُ بن عياض، وجرير بن عبد الحميد عند مسلم، وخالفه عن الأعمش في قوله: «عبيدةَ» حفص بن غياث، وجرير، وأبو معاوية، وعيسى بن يونس عند مسلم، ومحمد بن فضيل عند الإسماعيليّ، فقالوا كلهم: عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، بدل عبيدة، وتصرُّف الشيخين يقتضي أنه عند الأعمش على الوجهين، وأما ابن خزيمة فقال: هو في رواية الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، وفي رواية منصور، عن إبراهيم، عن عَبيدة، وهما صحيحان. انتهى . (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ) بفتح الحاء المهملة، وكسرها، وسكون الموحّدة، زاد في رواية: «من الأحبار»؛ أي: عالم من علماء اليهود. قال الفيّوميّ -﵀-: الْحِبْرُ بالكسر: العالم، والجمع أحبار، مثلُ حِمْل وأحمال، والْحَبْر بالفتح لغة فيه، وجمعه حُبُورٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس، واقتصر ثعلب على الفتح، وبعضهم أنكر الكسر. انتهى . وفي رواية: «أن يهوديًّا جاء»، وفي رواية: «جاء رجل من أهل الكتاب»، (إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَوْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ؛ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْسِكُ) بضم أوله، من الإمساك، (السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، وفي رواية شيبان: «يَجعل» بدل «يمسك»، وفي رواية أبي معاوية عند الإسماعيليّ: «أبَلَغك يا أبا القاسم أن اللَّه يَحمل الخلائق»، (عَلَى إِصْبَعٍ) بكسر الهمزة، وفتح الموحّدة، هذه هي اللغة الفصحى؛ إذ فيها عشر لغات: تثليث الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أُصبُوع، بوزن عصفور، زاد في رواية علقمة: «والثَّرَى»، وفي رواية شيبان «الماء، والثرى». (وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ)؛ أي: ممن لم يتقدّم له ذِكر، (عَلَى إِصْبَعٍ) زاد ابن خزيمة عن محمد بن خلاد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن الأعمش، فذكر الحديث، قال محمد: عَدَّها علينا يحيى بإصبعه، وكذا أخرجه أحمد بن حنبل في «كتاب السُّنَّة» عن يحيى بن سعيد، وقال: وجعل يحيى يشير بإصبعه يضع إصبعًا على إصبع، حتى أتى على آخرها. ورواه أبو بكر الخلال في «كتاب السُّنَّة» عن أبي بكر المروزيّ، عن أحمد، وقال: رأيت أبا عبد اللَّه يشير بإصبع إصبع. ووقع في حديث ابن عباس عند الترمذيّ: «مَرّ يهوديّ بالنبيّ -ﷺ-، فقال: يا يهوديّ حدّثنا، فقال: كيف تقول يا أبا القاسم، إذا وضع اللَّه السماوات على ذه، والأرضين على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، وأشار أبو جعفر -يعني: أحد رواته- بخنصر أوّلًا، ثم تابع، حتى بلغ الإبهام»، قال الترمذيّ: حديث حسن، غريب، صحيح. ووقع في مرسل مسروق عند الهرويّ مرفوعًا نحو هذه الزيادة، ذكره في «الفتح» . (ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ) بفتح أوله، من الهزّ؛ أي: يحرّكهنّ (فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ) مكرّرًا، (فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) وفي رواية: «فرأيت النبيّ -ﷺ- ضحك»، وفي رواية: «ولقد رأيت»، (تَعَجُّبًا) منصوب على التعليل؛ أي: إنما ضحك -ﷺ-؛ لأجل تعجّبه (مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ) «ما» يَحْتمل أن تكون مصدريّة؛ أي: من قول الحبر، ويَحْتَمِل أن تكون موصولة، والعائد محذوف؛ لكونه فضلة؛ أي: من الذي قاله الحبر، وقول: (تَصْدِيقًا لَهُ) عَطْف على ما قبله؛ أي: ولأجل تصديق ذلك الحبر حيث أخبر بما هو حقّ. وفي الرواية التالية: («فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) جمع ناجذ، بنون، وجيم مكسورة، ثم ذال معجمة، وهو ما يظهر عند الضحك من الأسنان، وقيل: هي الأنياب، وقيل: هي الأضراس، وقيل: الدواخل من الأضراس التي في أقصى الحلق، قاله في»الفتح«. وقال الفيّوميّ -﵀-: النَّاجِذُ: السنّ بين الضِّرْس والناب، و«ضَحِك حتى بدت نَواجِذُهُ»قال ثعلب: المراد الأنياب، وقيل: النَّاجِذُ آخر الأضراس، وهو ضِرْسُ الْحُلُم؛ لأنه يَنبُت بعد البلوغ، وكمال العقل، وقيل: الأضراس كلها نَوَاجِذُ، قال في«البارع»: وتكون النَّوَاجِذُ للإنسان، والحافر، وهي من ذوات الخفّ: الأنياب. انتهى . (ثُمَّ قَرَأَ) -ﷺ-، وقوله: (﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾) مفعول به لـ«قرأ»محكيّ لِقَصْد لفظه. وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قال المبرد؛ أي: ما عظّموه حقّ عظمته، من قولك: فلان عظيم القدر، وإنما وصفهم بهذا؛ لأنهم عبدوا غير اللَّه، وأمروا رسوله -ﷺ- بأن يكون مثلهم في الشرك. وقرأ الحسن، وأبو حيوة، وعيسى بن عمر:«قدّروا»بالتشديد. (﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾) القبضة في اللغة: ما قبضت عليه بجميع كفّك، فأخبر -﷾- عن عظيم قدرته: بأن الأرض كلها مع عِظَمها، وكثافتها في مقدوره؛ كالشيء الذي يَقبض عليه القابض بكفه كما يقولون: هو في يد فلان، وفي قبضته للشيء الذي يهون عليه التصرّف فيه، وإن لم يقبض عليه، قاله الشوكانيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله:«وإن لم يقبض عليه»، هذا من الشوكاني نَقْل لمذهب المؤوّلين، ولعله نقله غفلة، وإلا فالنص صريح في ثبوت القبض على حقيقته، وأنه -﷾- يقبض قبضًا لا كقبض المخلوقين، بل على ما يليق بجلاله، فتنبَّه، فإن هذا من مزالّ الأقدام، كما سننبّه عليه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-. وقوله: (﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾) إنما خَصّ يوم القيامة بالذكر، وإن كانت قدرته شاملة؛ لأن الدعاوي تنقطع فيه، كما قال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الحج: ٥٦]، وقال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: جملة: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ في محل نصب على الحال؛ أي: ما عظّموه حقّ تعظيمه، والحال أنه متصف بهذه الصفة الدالة على كمال القدرة. قرأ الجمهور برفع: ﴿قَبْضَتُهُ﴾ على أنها خبر المبتدأ، وقرأ الحسن بنصبها، ووَجَّهَه ابن خالويه بأنه على الظرفية؛ أي: في قبضته. وقرأ الجمهور: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ بالرفع على أنها خبر المبتدأ، والجملة في محل نَصْب على الحال؛ كالتي قبلها، و﴿بِيَمِينِهِ﴾ متعلق بـ ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾، أو حال من الضمير في ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾، أو خبر ثانٍ، وقرأ عيسى، والجحدري بنصب: ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾، ووجه ذلك: أن ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ معطوفة على ﴿الْأَرْضُ﴾، وتكون ﴿قَبْضَتُهُ﴾ خبرًا عن الأرض، والسموات، وتكون ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ حالًا، أو تكون ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾ منصوبة بفعل مقدّر، و﴿بِيَمِينِهِ﴾ الخبر. وقوله: (﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾) فيه أيضًا إثبات طيّ اللَّه تعالى السماوات بيمينه طيًّا حقيقيًّا لائقًا بجلاله -﷾-، وقوله: (﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾) تنزيه منه -﷾- لنفسه بنفسه، فقد تنزّه اللَّه -﷾- عَمَّا يُشْرِكُونَ به من المعبودات التي يجعلونها شركاء له، مع هذه القدرة العظيمة، والحكمة الباهرة، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٧٠٢٠ و٧٠٢١ و٧٠٢٢ و٧٠٢٣] (٢٧٨٦)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٨١١) و«التوحيد» (٧٥١٣ و٧٥١٤)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٢٣٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٤/ ٤١٣ و٦/ ٤٤٦)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٠/ ١٦٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ٩٣ و٢٦٥)، و(البزّار) في «مسنده» (٤/ ٣١٤ و٥/ ١٨١)، و(الطبريّ) في «التفسير» (٢٤/ ٢٦)، و(ابن خزيمة) في «التوحيد» (ص ٧٧ و٧٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٣٢٥ و٧٣٢٦)، و(ابن أبي عاصم) في «السُّنَّة» (٥٤١)، و(اللالكائيّ) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (٧٠٦)، و(الآجريّ) في «الشريعة» (ص ٣١٩)، و(البيهقيّ) في «الأسماء والصفات» (ص ٣٣٤)، و(البغويّ) في «التفسير» (٤/ ٨٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال العلماء في تفسير هذا الحديث: (اعلم): أن هذا الحديث دليل واضح في إثبات الأصابع للَّه -﷾-، وأنه يقبض بها المخلوقات، كما وُصف في هذا الحديث، فنحن نؤمن بذلك، كما نؤمن بسائر صفات اللَّه -﷿-؛ كالسمع، والبصر، واليد، والعين، والتعجّب، والضحك، والرضا، والغضب، والنزول، والاستواء، وغير ذلك مما جاء في نصوص الكتاب، والسُّنَّة الصحيحة، على ظواهرها حقيقةً، لا مجازًا، على ما يليق بجلاله -﷾-، فلا نعطّل، ولا نشبّه، ولا نؤوّل، ولنَذْكر هنا ما قاله المؤوّلون، وما ردّ به المحقّقون عليهم، فأذكر أوّلًا ما ساقه الحافظ في «الفتح»، ثم أذكر الردّ عليه، فأقول: نقل في «الفتح»: وقال ابن بطال: لا يُحمل ذكر الإصبع على الجارحة، بل يُحمل على أنه صفة من صفات الذات، لا تكيّف، ولا تُحدّد، وهذا يُنسب للأشعريّ. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الكلام من ابن بطال سليم مسلّم، فيا ليته اكتفى به، ولكنه سيأتي له تأويل مرفوض، وسيأتي الردّ عليه -إن شاء اللَّه تعالى-. وعن ابن فُورك أنه قال: يجوز أن يكون الإصبع خلقًا يخلقه اللَّه، فيُحَمِّله اللَّه ما يحمل الإصبع، ويَحتمل أن يراد به القدرة، والسلطان؛ كقول القائل: ما فلان إلا بين إصبعي، إذا أراد الإخبار عن قدرته عليه، وأيد ابن التين الأول بأنه قال: على إصبع، ولم يقل: على إصبعيه. قال ابن بطال: وحاصل الخبر أنه ذكر المخلوقات، وأخبر عن قدرة اللَّه على جميعها، فضحك النبيّ -ﷺ- تصديقًا له، وتعجبًا من كونه يستعظم ذلك في قدرة اللَّه تعالى، وأن ذلك ليس في جنب ما يقدر عليه بعظيم، ولذلك قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية؛ أي: ليس قَدْره في القدرة على ما يخلق على الحد الذي ينتهي إليه الوهم، ويحيط به الحصر؛ لأنه تعالى يقدر على إمساك مخلوقاته على غير شيء، كما هي اليوم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]، وقال: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢]. وقال الخطابيّ: لم يقع ذكر الإصبع في القرآن، ولا في حديث مقطوع به، وقد تقرر أن اليد ليست بجارحة، حتى يُتوهم من ثبوتها ثبوت الأصابع، بل هو توقيف أطلقه الشارع، فلا يكيَّف، ولا يشبّه، ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهوديّ، فإن اليهود مشبّهة، وفيما يدّعونه من التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه، ولا تدخل في مذاهب المسلمين. وأما ضحكه -ﷺ- من قول الحبر، فيَحْتَمِل الرضا، والإنكار، وأما قول الراوي: «تصديقًا له»، فظنّ منه، وحسبان، وقد جاء الحديث من عدّة طرق ليس فيها هذه الزيادة، وعلى تقدير صحتها، فقد يُستدلّ بحمرة الوجه على الخجل، وبصفرته على الوجل، ويكون الأمر بخلاف ذلك، فقد تكون الحمرة لأمر حدث في البدن؛ كثوران الدم، والصفرة لثوران خُلط من مرار وغيره، وعلى تقدير أن يكون ذلك محفوظًا فهو محمول على تأويل قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾؛ أي: قدرته على طيّها، وسهولة الأمر عليه في جمعها، بمنزلة مَن جمع شيئًا في كفّه، واستقل بحمله من غير أن يجمع كفه عليه، بل يُقِلّه ببعض أصابعه، وقد جرى في أمثالهم: فلان يُقِلّ كذا بإصبعه، ويعمله بخنصره. انتهى ملخصًا. قال: وقد تعقب بعضهم إنكار ورود الأصابع؛ لوروده في عدّة أحاديث؛ كالحديث الذي أخرجه مسلم: «إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن»، قال الحافظ: ولا يَرِد عليه؛ لأنه إنما نفى القطع. قال الجامع: وهذا من الحافظ رضًا بتأويل الخطّابيّ، وسيأتي الردّ عليه. قال: وقال القرطبيّ في «المفهم»: قوله: «إن اللَّه يمسك» إلى آخر الحديث، هذا كله قول اليهوديّ، وهم يعتقدون التجسيم، وأن اللَّه شخص ذو جوارح، كما يعتقده غلاة المشبهة من هذه الأمة، وضَحِك النبيّ -ﷺ- إنما هو للتعجب من جهل اليهوديّ، ولهذا قرأ عند ذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾؛ أي: ما عرفوه حقّ معرفته، ولا عظّموه حق تعظيمه، فهذه الرواية هي الصحيحة المحقّقة، وأما من زاد: «وتصديقًا له» فليست بشيء، فإنها من قول الراوي، وهي باطلة؛ لأن النبيّ -ﷺ- لا يصدّق المحال، وهذه الأوصاف في حقّ اللَّه محال؛ إذ لو كان ذا يد، وأصابع، وجوارح كان كواحد منا، فكان يجب له من الافتقار والحدوث والنقص والعجز ما يجب لنا، ولو كان كذلك لاستحال أن يكون إلهًا؛ إذ لو جازت الإلهية لمن هذه صفته لصحّت للدجال، وهو محال، فالمفضي إليه كذب، فقول اليهوديّ كذب ومحال، ولذلك أنزل اللَّه في الردّ عليه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وإنما تعجب النبيّ -ﷺ- من جهله، فظنّ الراوي أن ذلك التعجب تصديق، وليس كدلك. قال الجامع: يا قرطبيّ: إن ظنّ ابن مسعود الصحابيّ الجليل الذي هو أعلم بكتاب اللَّه تعالى، وبسُنَّة رسوله -ﷺ- منك، ومن أمثالك خير من ظنّك أنت، وأمثالك، وأفضل، وأحسن، وأَولى بالاتباع، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: فإن قيل: قد صحّ حديث: «إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن». فالجواب: أنه إذا جاءنا مثل هذا في الكلام الصادق تأولناه، أو توقفنا فيه إلى أن يتبين وجهه مع القطع باستحالة ظاهره؛ لضرورة صدق من دلّت المعجزة غلى صدقه، وأما إذا جاء على لسان من يجوز عليه الكذب، بل على لسان من أخبر الصادق عن نوعه بالكذب، والتحريف، كذّبناه، وقبّحناه، ثم لو سلّمنا أن النبيّ -ﷺ- صرّح بتصديقه، لم يكن ذلك تصديقًا له في المعنى، بل في اللفظ الذي نقله من كتابه عن نبيه، ونقطع بأن ظاهره غير مراد. انتهى كلام القرطبيّ ملخصًا. قال الحافظ: وهذا الذي نحا إليه أخيرًا أَولى مما ابتدأ به؛ لِمَا فيه من الطعن على ثقات الرواة، وردّ الأخبار الثابتة، ولو كان الأمر على خلاف ما فهمه الراوي بالظنّ للزم منه تقرير النبيّ -ﷺ- على الباطل، وسكوته عن الإنكار، وحاشا للَّه من ذلك. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما أحسن تعقّب الحافظ على القرطبيّ بهذا، ولكنه ليسر، بالحدّ المطلوب، وأقوى منه وأبلغ ردّ ابن خزيمة -﵀- كما نقله في «الفتح»، فقال: وقد اشتدّ إنكار ابن خزيمة على من ادّعى أن الضحك المذكور كان على سبيل الإنكار، فقال بعد أن أورد هذا الحديث في «كتاب التوحيد» من «صحيحه» بطريقه: قد أجلّ اللَّه تعالى نبيه -ﷺ- عن أن يوصف ربه بحضرته بما ليس هو من صفاته، فيجعل بدل الإنكار والغضب على الواصف ضحكًا، بل لا يصف النبيّ -ﷺ- بهذا الوصف من يؤمن بنبوته. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: ومما ينفّد قولهم: إن ضحكه -ﷺ- كان للإنكار، لا للتصديق، ما أخرجه الشيخان -ويأتي عند مسلم بعد بابين- عن أبي سعيد الخدريّ -﵁-، عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يكفأ أحدكم خبزته في السّفّر نُزلًا لأهل الجنة»، فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنُزُل أهل الجنة يوم القيامة؛ قال: «بلى»، قال: تكون الأرض خبزة واحدة، كما قال النبيّ -ﷺ-، فنظر النبيّ -ﷺ- إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه. فهذا نصّ صريح في أن ضكحه -ﷺ- كان تصديقًا، لا إنكارًا؛ لأنه أخبرهم قبل مجيء اليهوديّ، وقبل إخباره، ثم لمّا أخبرهم بما أخبره -ﷺ- به أعجبه ذلك، فضحك. واللَّه تعالى أعلم. ثم أذكر ما كتبه بعض المحقّقين ممن له عناية بمذهب السلف، والردّ على من خالفه، وهو الشيخ البرّاك حفظه اللَّه تعالى حيث كتب في هامش «الفتح» ما خلاصته: هذا الحديث يستدلّ به أهل السُّنَّة على إثبات الأصابع للَّه -﷿-، وأنها من صفة يديه؛ لأن هذا هو المفهوم من لفظ الإصبع في هذا لا السياق، وقد أقرّ النبيّ -ﷺ- اليهوديّ على قوله، كما فهم ابن مسعود -﵁- بقوله: «فضحك النبيّ -ﷺ- تعجّبًا، وتصديقًا له»، ويؤيّد ذلك قراءة النبيّ -ﷺ- لقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وقول أهل السُّنَّة في الأصابع للَّه تعالى كقولهم في اليدين، والوجه، وغير ذلك من الصفات، وهو الإثبات مع نفي مماثلة المخلوقات، ونفي العلم بالكيفيّة على حدّ قول الأئمة في الاستواء: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب». إذا ثبت هذا فما نقله الحافظ عن ابن بطّال، وابن فُورك، وابن التين دائر بين التفويض، كما هو ظاهر قول ابن بطّال، والتأويل، كما هو ظاهر قول ابن فُورك، وابن التين. وأهل التفويض والتأويل لا يُثبتون المعاني الظاهرة من نصوص الصفات، بل ينفونها، ثم منهم من يوجب في تلك النصوص التفويض، ومنهم من يوجب التأويل المخالف لظاهر اللفظ بغير حجة توجب ذلك، وهذه حقيقة التحريف، كما هو ظاهر في تأويلات ابن فورك بالإصبع المذكور في هذا الحديث، فنعوذ باللَّه من الضلال. وكتب البرّاك أيضًا ما حاصله: من العجب إفراط الحافظ عفا اللَّه عنا وعنه في نقل أقوال المتأولين من النفاة لحقائق كثيرة من الصفات مع ما فيها من التمحّلات، والتكلّفات في صرف الكلام عن وجهه بشبهة واهية، مثل التشكيك في تفسير ابن مسعود -﵁- لضحك النبيّ -ﷺ- بقوله: «تصديقًا له»، وتخطئة ابن مسعود -﵁- في خبره ذلك عن النبيّ -ﷺ-، وهو المشاهد للقصّة، والأعلم بدلالة حال النبيّ -ﷺ-، ومقاله، هذا ولو لم يَرِد هذا التفسير عن ابن مسعود -﵁- لكان ضحك النبيّ -ﷺ-، وتلاوته للآية كافيًا في تقرير ما قاله اليهوديّ من ذكر الأصابع، وجعل المخلوقات عليها، وأما الحمل في ذلك على اليهود، وأنها مشبّهة، فنَعَم اليهود مشبّهة فيما نسبوه إلى اللَّه تعالى من النقائص؛ كالفقر، والإعياء، والبكاء، وأما ما وصفوا اللَّه به مما دلّ عليه القرآن والسُّنَّة، فلا يجوز ردّه؛ لوروده على ألسنتهم، فلو لم يُقرّ النبيّ -ﷺ- اليهوديّ على ما قال، لَمَا صحّ الاستدلال بقول اليهوديّ على إثبات الأصابع، بل كان الواجب التوقّف فيه كما هو الواجب في كل ما يحدّث به بنو إسرائيل فيما لم يَرِد به دليل على ثبوته، ولا نفيه. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم ما يقطع هذا التشكيك، والترديد، وهو أنه -ﷺ- أخبر الناس أولًا، ثم جاء اليهوديّ بعده، فأخبره به، فضحك النبيّ -ﷺ-، وذلك في حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، مرفوعًا: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يكفؤها الجبار بيده. . . إلى أن قال: فأتى رجل من اليهود، فقال: تكون الأرض خبزة واحدة إلى آخره، فأخبره الخبر، كما قال رسول اللَّه -ﷺ-»، قال: فنظر إلينا رسول اللَّه -ﷺ-«، ثم ضحك حتى بدت نواجذه. فهذا نصّ صريح أنه -ﷺ- أخبر بالخبر قبل اليهوديّ، ثم جاء هو، فوافق خبره خبره، فأعجبه ذلك، فضحك -ﷺ-. قال البرّاك: وفي كلام الخطابيّ والقرطبي عفا اللَّه عنهما تخبّط، حَمَلهما عليه أصلهما الفاسد الذي استقرّ في فهمهما، وفَهْم كثير ممن يفهم حقيقة مذهب السلف الصالح، وذلك الأصل الفاسد هو نفي حقائق هذه الصفات؛ كالوجه، واليدين، والأصابع، والعين، وكالمحبّة، والرضا، والغضب، والضحك، والفرح إلى غير ذلك بشبهة أن إثباتها يستلزم التشبيه، وهي عين الشبهة التي نفت بها الجهميّة، والمعتزلة أسماء اللَّه تعالى، وصفاته، فما يردّ به الأشاعرة ونحوهم ممن يفرّق بين الصفات على الجهميّة والمعتزلة هو ما يردّ به أهل السُّنَّة عليهم فيما وافقوا فيه المعتزلة والجهميّة، فلا بدّ للأشاعرة ونحوهم من الرجوع إلى المذهب الحقّ البريء من التناقض، وهو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، أو الخروج إلى مذهب المعطّلة من الجهميّة والمعتزلة، فلا مخلَص لهم من تناقضهم إلا بأحد الأمرين، فالواجب الاعتصام بكتاب اللَّه تعالى، وسُنَّة رسوله -ﷺ- على فهم السلف الصالح الذين مذهبهم هو الأسلم، والأعلم، والأحكم؛ خلافًا لِمَا زعمه بعض الخلف، واللَّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. قال: وبعدُ فقد أحسن الحافظ ابن حجر: في تعقّبه على من خطّأ ابن مسعود -﵁- في فَهْمه من ضحك النبيّ -ﷺ- تصديق قول اليهوديّ، وأحسن كذلك في إيراد تعقّب ابن خزيمة لمن منع صفة الأصابع للَّه تعالى، ونصّ كلام ابن خزيمة كما ورد في «كتاب التوحيد» له: «وقد أجلّ اللَّه تعالى قَدْر نبيّه -ﷺ- عن أن يوصف الخالق بحضرته بما ليس من صفاته، فيسمعه، فيضحك عنده، ويجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلّم به ضحكًا تبدو نواجذه تصديقًا، وتعجّبًا لقائله، لا يصف النبيَّ -ﷺ- بهذه الصفة مؤمن مصدّق برسالته». قال: يريد ابن خزيمة -﵀- بذلك أنه يلزم مَن ينفي صفة الأصابع للَّه -﷿- مع ثبوت ضحك النبيّ -ﷺ- تصديقًا لوصف اليهوديّ للَّه تعالى بذلك يلزم هذا النافي أن يصف النبيّ -ﷺ- بالضحك، وإقرار الباطل بدلًا من إنكار ذلك، والغضب منه، فيصف النبيّ -ﷺ- بترك الواجب، وقد أجلّه اللَّه تعالى عن ذلك. انتهى ما كتبه الشيخ البرّاك حفظه اللَّه تعالى، وهو بحث نفيس، وتحقيقٌ أنيس. خلاصته: الرد على المؤولين لصفات القبض، وصفات الأصابع، بأحسن ردّ، وأوضحه، وأن الحقّ إثبات ذلك على مراد اللَّه -﷿-، كما يليق بجلاله -﷾-، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٢١] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، بِمِثْلِ حَدِيثِ فُضَيْلٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، وَقَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، تَعَجُّبًا لِمَا قَالَ، تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وَتَلَا الآيَةَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا قريبًا. و«منصور بن المعتمر» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية جرير عن منصور هذه ساقها النسائيّ -﵀- في «الكبرى» بسند المصنّف -﵀- لكن بذكر: «ثم يهزّهنّ»، فقال: (١١٤٥٠) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن عَبِيدة، عن عبد اللَّه، قال: جاء حبر من اليهود إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: يا أبا القاسم، إذا كان يوم القيامة جعل اللَّه السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق كلهم على إصبع، ثم يهزّهنّ، يقول: أنا الملِك، فلقد رأيت رسول اللَّه -ﷺ- ضحك حتى بدت نواجذه؛ تعجبًا لِمَا قال، وتصديقًا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٢٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ، قَالَ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) -بكسر الغين المعجمة، وآخره مثلثة- ابن طَلْق -بفتح الطاء، وسكون اللام- الكوفيّ، ثقةٌ رُبّما وَهِم [١٠] (ت ٢٢٢) (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٥. ٢ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس النخعيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، ووالد عمر هو: حفص بن غياث بن طلق النخعيّ القاضي الكوفيّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، وللَّه الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٢٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَلَكِنْ فِي حَدِيثِهِ: وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: تَصْدِيقًا لَهُ، تَعَجُّبًا لِمَا قَالَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) بوزن جعفر المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقارب المائة (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥. ٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ، مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) وقيل: سنة (١٩١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ)؛ أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: أبو معاوية، وعيسى بن يونس، وجرير بن عبد الحميد رووا هذا الحديث عن الأعمش بِهَذَا الإِسْنَادِ الماضي؛ أي: عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه -﵁-. [تنبيه]: أما رواية أبي معاوية، عن الأعمش، فقد ساقها أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (٣٥٩٠) - حدّثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، قال: جاء رجل إلى النبيّ -ﷺ- من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم أبَلَغك أن اللَّه -﷿- يَحْمِل الخلائق على إصبع، والسموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع، فضحك النبيّ -ﷺ- حتى بدت نواجذه، فأنزل اللَّه -﷿-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية. انتهى . وأما رواية عيسى بن يونس عن الأعمش، فقد ساقها النسائيّ -﵀- في «الكبرى» عن أحد شيخي المصنّف، فقال: (١١٤٥٢) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبيّ -ﷺ-، فقال: «إن اللَّه -﷿- يَحمل السماوات على إصبع، ويَحمل الأرضين على أصبع، ويحمل الماء والثرى على إصبع، ويَحمل الشجر على إصبع، ويحمل الخلائق كلها على إصبع، ثم يقول: أنا الملك»، فضحك رسول اللَّه -ﷺ- حتى بدت نواجذه. انتهى . وأما رواية جرير بن عبد الحميد عن الأعمش، فقد ساقها أبو يعلى -﵀- في «مسنده»، فقال: (٥١٦٠) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: إن اللَّه يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والخلائق كلها على إصبع، ثم قال: أنا الملك، قال: فضحك رسول اللَّه -ﷺ- حتى بدت نواجذه، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ
مصادر المؤلف (١٢)

١. «شرح العقيدة الطحاوية» ١/ ٤٠٨ - ٤٠٩.

٢. «تهذيب الأنساب» ٢/ ١٢٧.

٣. «الفتح» ١٧/ ٣٧٧، «كتاب التوحيد» رقم (٧٤١٤).

٤. «المصباح المنير» ١/ ١١٧.

٥. «الفتح»١٧/ ٣٧٨،«كتاب التوحيد»رقم (٧٤١٤).

٦. «الفتح»١٧/ ٣٧٨.

٧. «المصباح المنير»٢/ ٥٩٣.

٨. «فتح القدير» للشوكانيّ -﵀- ٦/ ٣٠٢.

٩. «كتاب التوحيد» ١/ ١٧٨.

١٠. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٦/ ٤٤٦.

١١. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ١/ ٣٧٨.

١٢. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٦/ ٤٤٧.