HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨١٨

وحدثنا إِسْحَاقَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ محمد. أخبرنا موسى بن عقبة. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عقبة قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف يحدث عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أنها كانت تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سددوا وقاربوا. وأبشروا. فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله» قالوا: ولا أنت؟ يا رسول الله! قال «ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله منه برحمة. واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص141
ج ٤ ص ٢١٧١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٣ ص٣٨٤
(١١٣٢٢) - أنا محمد بن العلاء، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خباب، قال: كنت رجلًا قَيْنًا، وكان لي على العاصي بن وائل دَيْن، فأتيته أتقاضاه، فقال: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد -ﷺ-، فقلت: لا، والله لا أكفر بمحمد حتى تموت، ثم تُبعث، قال: فإني إذا متُّ، ثم بُعثت جئتني، وَلِي ثَمّ مال، وولد، فأعطيك، فأنزل الله -﷿-: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ -إلى قوله-: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾. انتهى . وأما رواية عبد الله بن نُمير عن الأعمش، فقد ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (٢١١١٣) - حدّثني عبد الله بن نمير، أنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خباب، قال: كنت رجلًا قينًا، وكان لي على العاص بن وائل حَقٌّ، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد -ﷺ-، فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد -ﷺ- حتى تموت، ثم تُبعث، قال: فضحك، ثم قال: سيكون لي ثَمّ مال، وولد، فأعطيك حقّك، فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ الآية. انتهى . وأما رواية جرير بن عبد الحميد عن الأعمش، فلم أجد من ساقها، وكذا رواية ابن عيينة عنه، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٨) - (بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٣]) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣٨] (٢٧٩٦) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الزِّيَادِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ الزِّيَادِيُّ) هو: عبد الحميد بن دينار، صاحب الزياديّ، ثقةٌ [٤] (خ م د س) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٤/ ١٦٠٤. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير -﵁-، تقدّم قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أنس -﵁- من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، وهو المشهور بالخادم، خدم النبيّ -ﷺ- عشر سنين، فنال بركته. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الزِّيَادِيِّ) هو عبد الحميد بن دينار تابعيّ صغيرٌ، ويقال له: ابن كُرْدِيد، بضم الكاف، وسكون الراء، وكسر الدال المهملة، ثم تحتانية ساكنة، ثم دال أخرى، والزياديّ الذي نُسب إليه من وَلَد زياد الذي يقال له: ابن أبي سفيان، قاله في «الفتح» . (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) -﵁- (يَقُولُ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ) فرعون هذه الأمة، قال في «الفتح»: قوله: «قال أبو جهل: اللَّهُمَّ إن كان هذا … إلخ» ظاهر في أنه القائل ذلك، وإن كان هذا القول نُسب إلى جماعة، فلعله بدأ به، ورضي الباقون، فنُسب إليهم. وقد رَوَى الطبرانيّ من طريق ابن عباس أن القائل ذلك هو النضر بن الحارث، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ [المعارج: ١]، وكذا قال مجاهد، وعطاء، والسديّ، ولا ينافي ذلك ما في الصحيح؛ لاحتمال أن يكونا قالاه، ولكن نِسبته إلى أبي جهل أَولى. وعن قتادة قال: قال ذلك سَفَهَة هذه الأمة، وجَهَلتها. وروى ابن جرير من طريق يزيد بن رُومان أنهم قالوا ذلك، ثم لما أمسَوا نَدِموا، فقالوا: غفرانك اللَّهُمَّ، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. وروى ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس أن معنى قوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾؛ أي: مَنْ سَبَق له من الله أنه سيؤمن، وقيل: المراد: من كان بين أظهرهم حينئذ، من المؤمنين، قاله الضحاك، وأبو مالك، ويؤيده ما أخرجه الطبريّ من طريق بن أبزى قال: «كان رسول الله -ﷺ- بمكة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، ثم خرج إلى المدينة، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وكان من بقي من المسلمين بمكة يستغفرون، فلما خرجوا أنزل الله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية، فأَذِن الله في فتح مكة»، فهو العذاب الذي وعدهم الله تعالى. ورَوَى الترمذيّ من حديث أبي موسى، رفعه: «قال: أنزل الله على أمتي أمانين»، فذكر هذه الآية، قال: «فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار»، وهو يقوي القول الأول، والحمل عليه أَولى، وأن العذاب حَلّ بهم لمّا تركوا الندم على ما وقع منهم، وبالغوا في معاندة المسلمين، ومحاربتهم، وصدِّهم عن المسجد الحرام، والله أعلم . (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ) بنصب «الحقَّ» على أنه خبر «كان»، والضمير للفصل، ويجوز الرفع، قال الزجاج: ولا أعلم أحدًا قرأ بها، ولا اختلاف بين النحويين في إجازتها، ولكن القراءة سُنَّة، والمعنى: إن كان القرآن الذي جاءنا به محمد -ﷺ- هو الحق (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ) قالوا هذه المقالة مبالغةً في الجحود، والإنكار، قال أبو عبيدة: يقال: أمطر في العذاب، ومَطَر في الرحمة، وقال في «الكشاف»: قد كثر الإمطار في معنى العذاب . (أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) سألوا أن يعذَّبوا بالرجم بالحجارة من السماء، أو بغيرها من أنواع العذاب الشديد، فأجاب الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآية، (فَنَزَلَتْ) الآية، وهي قوله تعالى: (﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ﴾ يا محمد موجود ﴿فِيهِمْ﴾ فإنك ما دُمت فيهم فهم في مُهلة من العذاب الذي هو الاستئصال، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ رُوي أنهم كانوا يقولون في الطواف: غفرانك؛ أي: وما كان الله معذبهم في حال كونهم يستغفرونه. وقيل: إن الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم؛ أي: وما كان الله ليعذبهم، وفيهم من يستغفر من المسلمين، فلما خرجوا من بين أظهرهم عذَّبهم بيوم بدر، وما بعده، وقيل: المعنى: وما كان الله معذبهم، وفي أصلابهم من يستغفر الله. (﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾) لَمّا بيّن سبحانه أن المانع من تعذيبهم هو الأمران المتقدمان: وجود رسول الله -ﷺ- بين أظهرهم، ووقوع الاستغفار، ذكر بعد ذلك أن هؤلاء الكفار؛ أي: كفار مكة، مستحقون لعذاب الله؛ لِمَا ارتكبوا من القبائح، والمعنى: أيّ شيء لهم يمنع من تعذيبهم؟ قال الأخفش: إن «أن» زائدة، قال النحاس: لو كان كما قال لرفع ﴿يُعَذِّبْهُمُ﴾ [التوبة: ١٤] . وجملة (﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾) في محل نصب على الحال؛ أي: وما يمنع من تعذيبهم؟ والحال أنهم يصدّون الناس عن المسجد الحرام، كما وقع منهم عام الحديبية من منع رسول الله -ﷺ- وأصحابه -﵃- من البيت. وقوله: (إِلَى آخِرِ الآيَةِ)؛ أي: اقرأ إلى نهاية الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]. فقوله: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ جملة في محل نصب على أنها حال من فاعل ﴿يَصُدُّونَ﴾ وهذا كالردّ لِمَا كانوا يقولونه من أنهم وُلاة البيت، وأن أمره مفوّض إليهم، ثم قال تعالى مبيّنًا لمن له ذلك: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾؛ أي: ما أولياؤه إلا من كان في عداد المتقين للشوك والمعاصي، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ذلك، والحكم على الأكثرين بالجهل يفيد أن الأقلين يعلمون، ولكنهم يعاندون، والله تعالى أعلم . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٧٠٣٨] (٢٧٩٦)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٦٤٨ و٤٦٤٩)، و(الترمذيّ) في «التفسير»، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه المشركون من العناد والتمرّد على الإسلام. ٣ - (ومنها): بيان كونه -ﷺ- رحمة للأمة حيث يدفع الله عنهم العذاب بوجوده مع استحقاقهم له، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فكان رحمة للكفار في تأخير عذاب الاستئصال عنهم، وأما كونه رحمة للمؤمنين ففي الدنيا والآخرة. ٤ - (ومنها): أن الاستغفار سبب في دفع عقوبة الدنيا حتى من الكفّار، فقد أخَّر الله عن المشركين العذاب مع كفرهم، حيث استغفروه، فكيف بالمؤمنين، ففيه بيان عظم الاستغفار، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩) - (بَابٌ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦)﴾ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣٩] (٢٧٩٧) - (حَدَّثَثَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قَالَ: فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى، لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، أَوْ لأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَهُوَ يُصَلِّي، زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكِصُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ، وَهَوْلًا، وَأَجْنِحَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا»، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-، لَا نَدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ شَيءٌ بَلَغَهُ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣)﴾ [العلق: ٦ - ١٣]، -يَعْنِي: أَبَا جَهْلٍ- ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٤ - ١٩]، زَادَ عُبَيْدُ اللهِ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ: وَأَمَرَهُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧)﴾؛ يَعْنِي: قَوْمَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٩٢/ ٥٠٣. ٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلَقَّب الطفيلَ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. ٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، نَزَل في بني تيم، فنُسب إليهم، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن سبع وتسعين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٤ - (نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) النعمان بن أشيم الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ، رُمي بالنصب [٤] (١١٠) (خت م مد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٦٨/ ٣٧٨. ٥ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤٢. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي، وقبله بباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالكوفيين، إلا الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ) اللعين، فرعون هذه الأمة، وهذا من مرسل أبي هريرة -﵁-؛ لأنه لم يشهد القصّة، ويَحتَمِل أنه سمعه من النبيّ -ﷺ-، أو من غيره من الصحابة -﵃-، وعلى كونه مرسلًا، فلا يضرّ؛ لأن مراسيل الصحابة في حكم الموصولات، كما قال في «ألفيّة الأثر»: وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وَصْلٌ فِي الأَصَحِّ … كَسَامِعٍ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ اتَّضَحْ إِسْلَامُهُ بَعْدَ وَفَاةٍ وَالَّذِي … رَآهُ لَا مُمَيِّزًا لَا تَحْتَ ذِي (هَلْ يُعَفِّرُ) بتشديد الفاء المكسورة، من التعفير، وهو التمريغ . (مُحَمَّدٌ) -ﷺ- (وَجْهَهُ)؛ أي: يسجد، ويُلصق وجهه بالعَفَر، وهو التراب، قاله النوويّ، وقال ابن الجوزيّ: تعفير الوجه إلصاقه بالتراب، ويقال للتراب: العَفَر . (بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟)؛ أي: فيما بينكم على أن «الأَظْهُر» مقحمة؛ للإشارة إلى وقوعه على وجه الظهور، أو الاستناد إلى ظهر أحد، وحمايته، ورعايته، قال الطيبيّ: يريد به سجوده على التراب، وإنما آثر التعفير على السجود؛ تعنتًا، وعنادًا، وإذلالًا، وتحقيرًا. (قَالَ) أبو هريرة -﵁-؛ أي: ناقلًا عن غيره؛ لِمَا سبق آنفًا. (فَقِيلَ)؛ أي: قال لأبي جهل الحاضرون لديه: (نَعَمْ)؛ أي: يصلي، ويسجد بين أظهرنا، لا يخاف إلا الله -﷿-. (فَقَالَ) أبو جهل: (وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى) أقسم بصنميه قائلًا: (لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ)؛ أي: يصلي، ويعفّر وجهه لله -﷾-. (لأَطَأَنَّ)؛ أي: لأدوسنّ (عَلَى رَقَبَتِهِ) الشريفة التي أعزّها الله تعالى، وأعلاها على جميع الرقاب المنيفة -ﷺ-، (أَوْ) إن لم أفعل هذا (لأُعَفِّرَنَّ)، أي: لأمرّغنّ (وَجْهَهُ) الشريف الذي أكرمه الله تعالى على جميع الوجوه من كلّ شريف -ﷺ- (فِي التُّرَابِ، قَالَ) أبو هريرة -﵁-: (فَأَتَى) أبو جهل اللعين (رَسُولَ اللهِ -ﷺ-)، وقوله: (وَهُوَ يُصَلِّي) جملة حاليّة من المفعول، والحال من الفاعل قوله: (زَعَمَ) بفتحتين، من باب نصر؛ أي: قصد أبو جهل بظنّه الباطل، قال القاري: وفي نسخة : زَعِمَ بكسر العين، ففي «القاموس»: زَعِمَ، كفَرِحَ: طَمِعَ . وقال الطيبيّ: «زعم» وقع حالًا من الفاعل، بعد الحال من المفعول، و«زعم» بمعنى طمع، وأراد، قال في «أساس البلاغة»: ومن المجاز: زعم فلان في غير مَزعَم: طَمِع في غير مَطْمَع؛ لأن الطامع زاعم ما لم يستيقن. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: زَعَمَ زَعْمًا، من باب قَتَل، وفي الزَّعْمِ ثلاث لغات: فتح الزاي للحجاز، وضمّها لأسد، وكَسْرها لبعض قيس، ويُطلق بمعنى القول، ومنه زَعَمَتِ الحنفية، وزَعَمَ سيبويه؛ أي: قال، وعليه قوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ [الإسراء: ٩٢]؛ أي: كما أخبرت، ويُطلق على الظنّ، يقال: في زَعْمِي كذا، وعلى الاعتقاد، ومنه قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧]. قال الأزهريّ: وأكثر ما يكون الزَّعْمُ فيما يُشكّ فيه، ولا يُتحقّق، وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب، وقال المرزوقيّ: أكثر ما يُستعمل فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب، وقال ابن الْقُوطيّة: زَعَمَ زَعْمًا: قال خبرًا لا يُدرَى أحقٌّ هو، أو باطل؟ قال الخطابيّ: ولهذا قيل: زَعَمَ مَطِيَّةُ الكَذِبِ، وزَعَمَ غَيْرَ مَزْعَمٍ: قال غير مقول صالح، وادّعى ما لم يمكن. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: «زعم» هنا مستعمَل في الباطل، والظنّ الفاسد، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم. (لِيَطَأَ)؛ أي: ليضع رجله الخبيث، واللام مكسورة، وقال ابن الملك: وفي نسخة بفتح اللام، على أنه لام تأكيد، قال القاري: فالفعل مرفوع حينئذ . (عَلَى رَقَبَتِهِ) الشريفة -ﷺ-، (قَالَ) أبو هريرة: (فَمَا فَجِئَهُمْ) بكسر الجيم، وتُفتح، ففي «القاموس»: فجئه، كسَمِع، ومَنَع: هَجَم عليه، وأتاه بغتة؛ أي: فما أتى قومه فجاءة، (مِنْهُ)؛ أي: من النبيّ -ﷺ-، أو من إتيانه إليه، (إِلَّا) والحال (وَهُوَ)؛ أي: أبو جهل (يَنْكِصُ) بكسر الكاف، وتُضمّ، أي: يرجع، وفي «القاموس»: نَكَص على عقبيه نُكُوصًا: رجع عما كان عليه من خير، خاصّ بالرجوع عن الخير، ووَهِم الجوهريّ في إطلاقه، أو في الشرّ نادر. قال القاري: الحديث يدلّ على استعماله في الشرّ، وكذا آية: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨]، ثم صنيع «القاموس» يُشعر أنه بضم الكاف في المضارع، لكن اتّفق القراء على كسره، حتى لم يوجد في الشواذّ أيضًا، نعم قال الزجاج: يجوز ضم الكاف، ذكره الكرماني في قوله تعالى: ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦]. انتهى . (عَلَى عَقِبَيْهِ)؛ أي: قهقرى، (وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ)؛ أي: يَحْذَر بهما، ويدفع شيئًا بسببهما. قال الطيبيّ -﵀-: المستثنى فاعل «فَجِئ»؛ أي: فما فَجِئ أصحابَ أبي جهل من أمر أبي جهل، إلا نكوص عقبيه، وقد سدّ الحال هنا مسدّ الفاعل، كما سدّت مسدّ الخبر في قوله -ﷺ-: «أقرب ما يكون العبد من ربّه، وهو ساجدٌ»، وفيه إرخاء عنان الكلام للمعنى، لا لِلّفظ، ويَحْتَمِل أن يكون الضمير المستتر في «فجئهم» لأبي جهل، والمجرور في «منه» للأمر؛ أي: فما فَجِئ أبو جهل أصحابَهُ من الأحوال إلا هذه الحالة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عبارة المرتضى -﵀- في «التاج»: نَكَصَ عن الأَمْرِ يَنْكُصُ نَكْصًا، بالفَتْح، ونُكُوصًا بالضَّمّ، ومُنْكَصًا؛ كمَطْلَبٍ: تَكَأْكأَ عَنْه، وأَحْجَمَ، وانْقَدَعَ. وقال أَبو تُرَابِ: نَكَصَ عن الأَمْرِ، ونَكَفَ بمَعْنَىً وَاحِدٍ؛ أي: أَحْجَمَ. يُقَال: أَرادَ فُلانٌ أَمرًا، ثُمَّ نَكَصَ، من حَدِّ نَصرَ، وضَرَبَ: رَجَعَ، كما في «الصّحاح». وقال الأَزْهَرِيّ: قَرَأَ بعضُ القُرَّاءِ: «يَنْكُصُون» بالضَّمِّ، وأَنْكَرَه الصَّاغَانِيّ. وقال: لا أَعْرِفُ مَن قَرَأَ بهذِه القِرَاءَة. وقال الزَّجَّاج: الضَّمُّ جائِزٌ، ولكنَّه لم يُقْرأ به. وإِطْلاق المُصَنِّف صَرِيحٌ في أَنَّ مُضارِعَه بالضَّمِّ لا غيْر، كما هو قاعِدَة كِتابِه، وهو وَهَمٌ صَرِيحٌ، وقُصُورٌ ظاهِرٌ، لا سِيَّمَا والكلمةُ قُرْآنِيَّة، وأَجْمَعَ القُرَّاءُ كُلّهُم على كَسْرِ الكافِ في قَوْله تَعالَى: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾. وعِبَارَةُ «الصّحاح» سالِمَةٌ من هذَا، فإِنّه ذَكَرَ الوَجْهَيْن، كما تَقَدَّمَ. وقال ابنُ دُرَيْدٍ: نَكَصَ على عَقِبَيْهِ: رَجَعَ عَمَّا كَانَ عَليْه منْ خيْرٍ، قال: وهو خاصٌّ بالرّجُوعِ عن الخيْرِ، قال: وكَذَا فُسِّرَ في التَّنْزِيل، ووَهِمَ الجَوْهَرِيُّ في إِطْلاقِهِ، وقد يُقَالُ: أن لا حَصْرَ فيه، عَلَى أَنَّ التَّقيِيدَ الَّذِي نَقَلَهُ المُصَنِّف رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى إِنَّمَا قالَهُ ابنُ دُرَيْدٍ، وتَبِعَهُ بَعْضُ فُقَهاءِ اللُّغَةِ، والمَعْرُوفُ عن الجُمْهُورِ أَنَّ النُّكُوصَ كالرُّجُوعِ وَزْنًا ومَعْنىً، وإِليه ذَهَبَ الجَوْهَرِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ، وابنُ القَطَّاع، وغيْرُهم، وكَفَى بهم عُمْدَةً، ويُؤَيِّدُ الإِطْلاقَ قَولُ عَلِيٍّ -﵁- في صِفِّينَ: والشَّيْطَانُ قَدَّمَ لِلوَثبَةِ يَدًا، وأَخَّرَ لِلنُّكُوصِ رِجْلًا، قال ابنُ أَبِي الحَدِيدِ: النُّكُوصُ: الرُّجُوعُ إِلَى وَرَاء، وهو القَهْقَرَى، فتَأَمَّل. أَو في الشَّرِّ أَيضًا، وهو قَوْلُ ابن دُرَيْدٍ أَيضًا، وهو نَادِرٌ، ونَصُّه: ورُبَّمَا قيلَ في الشَّرِّ. انتهى . (قَالَ) أبو هريرة: (فَقِيلَ لَهُ)؛ أي: لأبي جهل، (مَا لَكَ؟)؛ أي: أيّ شيء حملك على الرجوع قهقرى؟، وقال القاري؛ أي: ما حصل لك من المنع، وما وقع لك من الدفع؟ (فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ)؛ أي: النبيّ -ﷺ-، (لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ، وَهَوْلًا) بفتحِ، فسكون؛ أي: خوفًا وأمرًا شديدًا، وقد هاله يهوله، فهو هائل . (وَأَجْنِحَةً) جَمْع جناح الطائر، وهي هنا للملائكة الذين يحفظونه، ويؤيده ما ذكره الراوي بقوله: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَوْ دَنَا مِنِّي)؛ أي: قرب عندي، (لَاخْتَطَفَتْهُ)؛ أي: لاستلبته، والخطف: استلاب الشيء، وأخْذه بسرعة . (الْمَلَائِكَة عُضْوًا عُضْوًا») المعنى: لأخذ كل ملك عضوًا من أعضائه. (قَالَ) أبو هريرة -﵁- آخذًا من غيره، كما أسلفته قريبًا (فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-) الآية الآتية، قال الراوي، والظاهر أنه أبو حازم، (لَا نَدْرِي)؛ أي: لا نعلم، هل قوله: «فأنزل الله -﷿- … إلخ»، (فِي) جملة (حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ أي: فيما نقله عن النبيّ -ﷺ-، (أَوْ شَيءٌ بَلَغَهُ) عن أحد من الصحابة الذين حضروا الواقعة. (﴿كَلَّا﴾) [العلق: ٦] رَدْعٌ، وزَجْرٌ لمن كفر نِعَم الله عليه بسبب طغيانه، وإن لم يتقدم له ذِكر. (﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾) المراد به: أبو الجهل، كما هو سبب نزول الآيات من هذه، فما بعدها إلى آخر السورة، وأنه تأخر نزول هذا وما بعده عن الخمس الآيات المذكورة في أوّل هذه السورة. (﴿لَيَطْغَى﴾) أنه ليجاوز الحدّ، ويستكبر على ربه. وقيل: ﴿كَلَّا﴾ هنا بمعنى: حقًا، قاله الجرجانيّ، وعلّل ذلك بأنه ليس قبله، ولا بعده شيء يكون «كلا» ردًّا له. وقوله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ علة ليطغى؛ أي: لَيطغى أن رأى نفسه مستغنيًا، والرؤية هنا بمعنى العلم، ولو كانت بصرية لامتنع الجمع بين الضميرين في فعلها لشيء واحد؛ لأن ذلك من خواص أفعال القلوب، وما أُلحق بها، كما هو معروف في محلّه من كتب النحو، قال الفرّاء: لم يقل: رأى نفسه كما قيل: قتل نفسه؛ لأن «رأى» من الأفعال التي تطلب اسمًا وخبرًا، نحو الظنّ، والحسبان، فلا يُقتصر فيه على مفعول واحد، والعرب تطرح النفس من هذا الجنس، تقول: رأيتني، وحسبتني، ومتى تراك خارجًا، ومتى تظنك خارجًا، قيل: المراد هنا أنه استغنى بالعشيرة، والأنصار، والأموال، قرأ الجمهور: ﴿أَنْ رَآهُ﴾ بمد الهمزة، وقرأ قنبل عن ابن كثير بقَصرها، قال مقاتل: كان أبو جهل إذا أصاب مالًا زاد في ثيابه، ومركبه، وطعامه، وشرابه، فذلك طغيانه، وكذا قال الكلبيّ . ثم هدد -﷾- وخوّف، فقال: (﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾)؛ أي: المرجع، والرجعى، والمرجع والرجوع مصادر، يقال: رجع إليه مرجعًا، ورجوعًا، ورُجْعى، وتقدّم الجار والمجرور للقصر؛ أي: الرجعى إليه -﷾- لا إلى غيره. (﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾) قال المفسرون: الذي ينهى: أبو جهل، والمراد بالعبد: محمد -ﷺ-، وفيه تقبيح لصُنعه، وتشنيع لفعله، حتى كأنه بحيث يراه كل من تتأتى منه الرؤية. (﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١)﴾)؛ يعني: العبد المنهيّ إذا صلى، وهو محمد -ﷺ-، (﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢)﴾)؛ أي: بالإخلاص، والتوحيد، والعمل الصالح الذي تُتَّقَى به النار، (﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣)﴾؛ يعني: أَبَا جَهْلٍ) فإنه كذّب بما جاء به رسول الله -ﷺ-، وتولى عن الإيمان، والعناية يَحْتَمِل أن تكون من أبي هريرة -﵁-، أو ممن دونه، والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ في الثلاثة المواضع بمعنى أخبرني؛ لأن الرؤية لمّا كانت سببًا للإخبار عن المرئي أجرى الاستفهام عنها مجرى الاستفهام عن متعلقها، والخطاب لكل من يصلح له. وقد ذكر هنا: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ ثلاث مرات، وصرَّح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فتكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأوّل محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذِي يَنْهَى﴾ الواقع مفعولًا أوّل لـ ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى، ومفعول ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأُولى الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية؛ كالجملة الواقعة بعد ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثانية، وأما ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثانية فلم يُذكر لها مفعول لا أوّل، ولا ثانٍ، حذف الأوّل لدلالة مفعول ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثالثة عليه فقد حذف الثاني من الأُولى، والأولى من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من «رأيت» للجملة الاستفهامية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضمارًا، والجمل لا تُضمر، إنما تُضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة، وأما جواب الشرط المذكور مع ﴿أَرَأَيْتَ﴾ في الموضعين الآخرين؛ فهو محذوف تقديره: إن كان على الهدى، أو أمر بالتقوى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾، وإنما حُذف لدلالة ذِكره في جواب الشرط الثاني. وقيل: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأُولى مفعولها الأوّل الموصول، ومفعولها الثاني الشرطية الأولى بجوابها المحذوف المدلول عليه بالمذكور، و﴿أَرَأَيْتَ﴾ في الموضعين تكرير للتأكيد. وقيل كل واحدة من ﴿أَرَأَيْتَ﴾ بدل من الأُولى، و﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ الخبر . ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾؛ أي: يَطّلع على أحواله، فيجازيه بها، فكيف اجترأ على ما اجترأ عليه؟ والاستفهام للتقريع والتوبيخ. (﴿كَلَّا﴾) ردع للناهي، واللام في قوله: (﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾) هي الموطئة للقسم؛ أي: والله لئن لم ينته عما هو عليه، ولم ينزجر، (﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾) السفع: الجذب الشديد، والمعنى: لنأخذنّ بناصيته، ولنجرّنه إلى النار، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١]، ويقال: سفعت الشيء: إذا قبضته، وجذبته، ويقال: سفع بناصية فرسه، قال الراغب: السفع الأخذ بسفعة الفرس؛ أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد: قيل: به سفعة غضب؛ اعتبارًا بما يعلو من اللون الدخاني وجه من اشتدّ به الغضب، وقيل للصقر: أسفع؛ لِمَا فيه من لَمْع السواد، وامرأة سفعاء اللون. انتهى. وقيل: هو مأخوذ مِن سفعت النارُ، والشمسُ: إذا غيَّرت وجهه إلى سواد، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: أَثَافيّ سُفْعًا فِي مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ … ...................... وقوله: (﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من الناصية، وإنما أبدل النكرة من المعرفة؛ لوصفها بقوله: (﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾) وهذا على مذهب الكوفيين، فإنهم لا يجيزون إبدال النكرة من المعرفة، إلا بشرط وصفها، وأما على مذهب البصريين، فيجوز إبدال النكرة من المعرفة، وأنشدوا [من الوافر]: فَلَا وَأَبِيكَ خَيْرٍ مِنْكَ إِنّي … لَيُؤذِينِي التَّحَمْحُمُ وَالصَّهِيلُ وقرأ الجمهور بجرّ: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ والوجه ما ذكرنا، وقرأ الكسائي في رواية عنه برفعها على إضمار مبتدأ؛ أي: هي ناصية، وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عَبْلة، وزيد بن عليّ بنصبها على الذمّ. قال مقاتل: أخبر عنه بأنه فاجرٌ خاطئٌ، فقال: ناصية كاذبة خاطئة، تأويلها: صاحبها كاذبٌ خاطئ. (﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾) ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧)﴾؛ أي: أهل ناديه، والنادي: المجلس الذي يجلس فيه القوم، ويجتمعون فيه من الأهل والعشيرة. والمعنى: لِيَدْع عشيرته وأهله؛ لِيُعِينُوه وينصروه، ومنه قول الشاعر [من الكامل]: وَاسْتَبَّ بَعْدَكَ يَا كُلَيْبُ الْمَجْلِسُ أي: أهله. قيل: إن أبا جهل قال لرسول الله -ﷺ-: أتهدّدني، وأنا أكثر الوادي ناديًا؟ فنزلت: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق: ١٧، ١٨]؛ أي: الملائكة الغلاظ الشداد، كذا قال الزجاج. قال الكسائي، والأخفش، وعيسى بن عمر: واحدهم زابن. وقال أبو عبيدة: زبنية. وقيل: زباني. وقيل: هو اسم للجمع، لا واحد له من لفظه، كعباديد، وأبابيل. وقال قتادة: هم الشُّرَط في كلام العرب، وأصل الزبن: الدفع، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: وَمُسْتَعْجِبٍ مِمَّا يَرَى مِنْ أَنَاتِنَا … وَلَوْ زَبَنَتْهُ الْحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ والعرب تطلق هذا الاسم على من اشتدّ بطشه، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: مَطَاعِيمُ فِي الْقُصوَى مَطَاعِينُ فِي الْوَغَى … زَبَانِيَةٌ غُلْبٌ عِظَامٌ حُلُومُهَا وقرأ الجمهور: ﴿سَنَدْعُ﴾ بالنون، ولم ترسم الواو، كما في قوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦]، وقرأ ابن أبي عبلة: (سَيُدعَى) على البناء للمفعول، ورفع الزبانية على النيابة. ثم كرّر الردع والزجر فقال: (﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾)؛ أي: لا تطعه فيما دعاك إليه من ترك الصلاة. وقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ﴾؛ أي: صلّ لله غير مكترث به، ولا مبال بنهيه: ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ أي: تقرّب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة. وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء. وقال زيد بن أسلم: واسجد أنت يا محمد، واقترب أنت يا أبا جهل من النار، والأوّل أَولى. والسجود هذا الظاهر أن المراد به الصلاة، وقيل: سجود التلاوة، ويدلّ على هذا ما ثبت عنه -ﷺ- من السجود عند تلاوة هذه الآية، والله تعالى أعلم. وقوله: (زَادَ عُبَيْدُ اللهِ)؛ يعني: شيخه الأول، عبيد الله بن معاذ العنبريّ، (فِي حَدِيثِهِ)؛ أي: في روايته لهذا الحديث، (قَالَ) أبو هريرة (وَأَمَرَهُ)؛ أي: أمر الله -﷾- نبيّه -ﷺ- (بِمَا أَمَرَهُ بِهِ)؛ أي: بقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾، وهذا تأكيد لِمَا سبق. ويَحْتَمل أن يكون المراد توضيحًا لقوله تعالى: ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢)﴾؛ أي: أمر محمد -ﷺ- أبا جهل بما أمره به من تقوى الله تعالى. وقوله: (وَزَادَ ابْن عَبْدِ الأَعْلَى)؛ أي: شيخه الثاني محمد بن عبد الأعلى الصنعانيّ تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧)﴾؛ يَعْنِي: قَوْمَهُ)؛ أي: أهل ناديه، والنادي: المجلس، كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ينبغي أن نزيد على هذا تفسير الآيات الخمس التي في أول السورة؛ ليتم فهم معنى السورة، فنقول: قال الله -﷿-: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]. قرأ الجمهور: ﴿اقْرَأْ﴾ بسكون الهمزة أمرًا من القراءة. وقرأ عاصم في رواية عنه بفتح الراء، وكأنه قلب الهمزة ألفًا ثم حذفها للأمر. والأمر بالقراءة يقتضي مقروءًا، فالتقدير: اقرأ ما يوحى إليك، أو ما نزل عليك، أو ما أمرت بقراءته، وقوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ متعلق بمحذوف هو حال؛ أي: اقرأ ملتبسًا باسم ربك، أو مبتدئًا باسم ربك، أو مفتتِحًا، ويجوز أن تكون الباء زائدة، والتقدير: اقرأ اسم ربك كقول الشاعر [من البسيط]: سُودُ الْمَحَاجِرِ لَا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ قاله أبو عبيدة. وقال أيضًا: الاسم صلة؛ أي: اذكر ربك. وقيل: الباء بمعنى على؛ أي: اقرأ على اسم ربك، يقال: افعل كذا بسم الله، وعلى اسم الله قاله الأخفش. وقيل: الباء للاستعانة؛ أي: مستعينًا باسم ربك، ووصف الربّ بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لتذكير النعمة؛ لأن الخلق هو أعظم النعم، وعليه يترتب سائر النعم. قال الكلبيّ: يعني: الخلائق. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾؛ يعني: بني آدم. والعلقة: الدم الجامد، وإذا جرى فهو المسفوح. وقال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ بجمع علق؛ لأن المراد بالإنسان الجنس. والمعنى: خلق جنس الإنسان من جنس العلق، وإذا كان المراد بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ كل المخلوقات، فيكون تخصيص الإنسان بالذكر تشريفًا له؛ لِمَا فيه من بديع الخلق، وعجيب الصنع، وإذا كان المراد بالذي خلق: الذي خلق الإنسان فيكون الثاني تفسيرًا للأول، والنكتة ما في الإبهام، ثم التفسير من التفات الذهن وتطلعه إلى معرفة ما أُبهم أوّلًا، ثم فسرّ ثانيًا. ثم كرر الأمر بالقراءة للتأكيد والتقرير، فقال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾؛ أي: افعل ما أمرت به من القراءة، وجملة: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ مستأنفة لإزاحة ما اعتذر به -ﷺ- من قوله: «ما أنا بقارئ» يريد أن القراءة شأن من يكتب، ويقرأ، وهو أميّ. فقيل له: اقرأ، وربك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم. قال الكلبي: يعني: الحليم عن جهل العباد، فلم يعجل بعقوبتهم. وقيل: إنه أمره بالقراءة أوّلًا لنفسه، ثم أمره بالقراءة ثانيًا للتبليغ، فلا يكون من باب التأكيد، والأوّل أَولى. ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾؛ أي: علّم الإنسان الخط بالقلم، فكان بواسطة ذلك يقدر على أن يعلم كل مكتوب. قال الزجاج: علّم الإنسان الكتابة بالقلم. قال قتادة: القلم نعمة من الله -﷿- عظيمة، لولا ذلك لم يَقُم دين، ولم يصلح عيش. فدلّ على كمال كرمه بأنه علّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبّه على فضل علم الكتابة لِمَا فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلّا هو، وما دوّنت العلوم، ولا قيَّدت الحِكَم، ولا ضُبطت أخبار الأوّلين ومقالاتهم، ولا كُتُب الله المنزلة إلّا بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدين، ولا أمور الدنيا، وسمِّي قلمًا لأنه يُقْلَم؛ أي: يقطع. ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ هذه الجملة بدل اشتمال من التي قبلها؛ أي: علّمه بالقلم من الأمور الكلية والجزئية ما لم يعلم به منها. قيل: المراد بالإنسان هنا: آدم كما في قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]. وقيل: الإنسان هنا: رسول الله -ﷺ-، والأَولى حمل الإنسان على العموم، والمعنى: أن من علّمه الله سبحانه من هذا الجنس بواسطة القلم فقد علّمه ما لم يعلم ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٧٠٣٩] (٢٧٩٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٧٠)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٥١٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١١/ ٧٠)، و(الطبريّ) في «التفسير» (٣٠/ ٢٥٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٥٧١)، و(الأصفهانيّ) في «دلائل النبؤة» (١/ ٦٥ و١٩٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٨٩)، و(البغويّ) في «التفسير» (٤/ ٥٠٧، ٥٠٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سبب نزول هذه الآيات. ٢ - (ومنها): بيان جراءة المشركين على الله تعالى، وعلى رسوله -ﷺ-، وعنادهم، وتجبّرهم، وعلى رأسهم فرعون هذه الأمة أبو جهل، حيث هدّد النبيّ -ﷺ-، ونهاه أن يصلي ويسجد لله تعالى أمام بيت الله الحرام، إلا أن الله تعالى أخزاه. ٣ - (ومنها): بيان معجزة ظاهرة للنبيّ -ﷺ- حيث رأى عدوه اللدود ما هاله من آيات الله البيّنات، من خندق، ونار، وهول، وأجنحة ملائكة العذاب، فلو تجرّأ، ودنا منه -ﷺ- لأخذته تلك الزبانية، وقطعته إربًا إربًا. ٤ - (ومنها): بيان أن الآيات لا تغني شيئًا، للكفرة المعاندين، والفجرة، والفسقة، فإن هؤلاء المشركين، أبا جهل، وأصحابه الذين شهدوا هذه الآية العظيمة ما ارتدعوا، وما انصرفوا عما هم عليه من الغيّ برؤيتها، بل زادوا عتوّا، وتجبّرًا، واستكبارًا، ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، بل الهداية بيد الله -﷾-، لا بيد أحد سواه. أَضَلَّ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ هَدَى … مَا بِيَدِ الْعَبْدِ ضَلَالٌ وَهُدَى ولله درّ البوصيريّ -﵀- حيث يقول. وَإِذَا ضَلَّتِ الْعُقُولُ عَلَى عِلْمٍ … فَمَا تَقُولُهُ النُّصَحَاءُ ويقول: وَإِذَا الْبَيِّنَاتُ لَمْ تُغْنِ شَيْئًا … فَطَلَبُ الْهُدَى بِهِنَّ عَنَاءُ رَبِّ إِنَّ الْهُدّى هُدَاكَ وَآيَا … تُكَ نُورٌ تَهْدِي بِهَا مَنْ تَشَاءُ اللَّهُمَّ اهدنا فيمن هديت، وتولّنا فيمن تولّيت، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠) - (بَابُ الدُّخَانِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٤٠] (٢٧٩٨) - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ جُلُوسًا، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ بَيْنَنَا، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ قَاصًّا عِنْدَ أَبْوَابِ كِنْدَةَ، يَقُصُّ، وَيَزْعُمُ أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ تَجِيءُ، فَتَأْخُذُ بِأَنْفَاسِ الْكُفَّارِ، وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ، وَجَلَسَ، وَهُوَ غَضْبَانُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ، مَن عَلِمَ مِنْكُئم شَيْئًا، فَلْيَقُلْ بِمَا يَعْلَمُ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ لأَحَدِكُمْ، أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ اللهَ -﷿- قَالَ لِنَبِيِّهِ -ﷺ-: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦] إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ»، قَالَ: فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ، وَالْمَيْتَةَ، مِنَ الْجُوعِ، وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ أَحَدُهُمْ، فَيَرَى كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد إِنَّكَ جِئْتَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللهِ، وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللهَ لَهُمْ، قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ [الدخان: ١٠، ١١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، قَالَ: أَفَيُكْشَفُ عَذَابُ الآخِرَةِ؟ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ [الدخان: ١٦]، فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَتْ آيَةُ الدُّخَانِ، وَالْبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ، وَآيَةُ الرُّومِ). رجال هذا الإسناد: ستّة: وكلّهم ذُكروا قبل بابين، غير منصور، فتقدّم أيضًا قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ مَسْرُوقِ) بن الأجدع؛ أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود -﵁-؛ لِمَا مرّ قريبًا. (جُلُوسًا) جمع جالس، وقوله: (وَهُوَ مُضْطَجِعٌ) جملة حاليّة من «عبد الله»، وهو اسم فاعل، من اضطجع، ويجوز أن يكون مضّجعًا، بضاد مشدّدة، من اضّجع، قال الفيّوميّ -﵀-: اضْطَجَعَ، واضَّجَعَ، والأصل افْتَعَل، لكن من العرب من يَقلب التاء طاء، ويُظهرها عند الضاد، ومنهم من يقلب التاء ضادًا، ويُدغمها في الضاد؛ تغليبًا للحرف الأصليّ، وهو الضاد، ولا يقال: اطَّجَعَ بطاء مشدّدة؛ لأنّ الضاد لا تدغم في الطاء؛ فإن الضاد أقوى منها، والحرف لا يدغم في أضعف منه، وما ورد شاذّ، لا يقاس عليه. انتهى . وقوله: (بَيْنَنَا) ظرف متعلّق بـ «مضطجعًا»، (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) لم يُعرف، (فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ) كنية عبد الله بن مسعود -﵁-؛ (إِنَّ قَاصًّا)؛ أي: واعظًا، يعظ الناس، ويقصّ عليهم القصص (عِنْدَ أَبْوَابِ كِنْدَةَ) وفي رواية للبخاريّ: «بينما رجل يحدّث في كندة»، وباب كندة هو باب الكوفة، و«كندة» بكسر الكاف، وسكون النون: اسم قبيلة مشهورة، وأضيف إليهم الباب؛ لكونه في مكانهم. وقال في «العمدة»: قوله: «في كندة» بكسر الكاف، وسكون النون، قال الكرمانيّ: موضع بالكوفة، قال العينيّ: يَحْتَمِل أن يكون حديث الرجل بين قوم هم من كندة القبيلة. انتهى . (يَقُصُّ) يقال: قصصتُ الخبرَ قصصًا، من باب نصر: إذا حدّثت به على وجهه، والاسم: الْقَصَصُ بفتحتين . (وَيَزْعُمُ)؛ أي: يدّعي (أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ)؛ أي: العلامة التي تأتي للإنذار بوقوع القيامة، التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، (تَجِيءُ) فيما بعدُ؛ أي: إنها لم تمض، (فَتَأْخُذُ) تلك الآية؛ يعني: الدخان، (بِأَنْفَاسِ الْكُفَّارِ) جمع نفسى، بفتحتين؛ أي: تقبض أرواحهم، وتُهلكهم، (وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الدخان، (كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ)؛ أي: مثل صفة الزكام، بالضمّ المرض المعروف. وفي رواية للبخاريّ في تفسير «سورة الروم»: «بينما رجل يحدّث في كندة، فقال: يجيء دخان يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين، وأبصارهم، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام». وحاصل ما قاله: أنه فسّر الدخان في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ وفذكر أن آية الدخان لم تأت بعدُ، وإنما تأتي عند قرب القيامة، فتأخذ بأنفاس الكفّار، ولا يصيب المؤمنين منها إلا مرض يسير، كهيئة الزكام ، فلما سمع ابن مسعود ما قاله أنكر عليه، كما بيّنه بقوله: (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود -﵁- (وَ) الحال أنه قد (جَلَسَ) إذ كان متّكئًا، وقوله: (وَهُوَ غَضْبَانُ) جملة حاليّة أيضًا، كما قال في «الخلاصة»: وَالْحَالُ قَدْ يَجِيءُ ذَا تَعَدُّدِ … لِمُفْرَدٍ فَاعْلَمْ وَغَيْرِ مُفْرَدِ وهما إما مترادفان، أو متداخلان. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ) أن تقولوا ما لا علم لكم به؛ فقد حذّر الله -﷾- منه، قال الله -﷿-: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ [النحل: ١١٦]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. (مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ شَيْئًا) مما قال الله تعالى، ورسوله -ﷺ- (فَلْيَقُلْ)؛ أي: فليتكلم، وليخبر الناس (بِمَا يَعْلَمُ) من ذلك، (وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ) شيئًا من ذلك (فَلْيَقُلِ) بكسر اللام؛ للالتقاء الساكنين، (اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، كما قال في «الكافية»: وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا … بِجُمْلَةٍ كَـ «إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى» وتفسّره هنا جملة قوله: (أَعْلَمُ لأَحَدِكُمْ) خبر مقدّم لقوله: (أَنْ يَقُولَ لِمَا)؛ أي: للشيء الذي (لَا يَعْلَمُ) حقيقته (اللَّهُ أَعْلَمُ) فجملة «أن يقول» في تأويل المصدر مبتدأ مؤخّر، والجملة خبر «إنّ»، واسمها ضمير الشأن، والتقدير: فإن قول أحدكم فيما لا يعلمه: الله أعلم أقرب إلى عِلمه، فإنه عَلِم جهل نفسه، وفوّض العلم إلى العليم الخبير، والله تعالى أعلم. وفي الرواية الآتية: «فإن من فقه الرجل أن يقول لِمَا لا عِلْم له به: الله أعلم»، وفي رواية للبخاريّ: «فإن من العلم أن يقول لِمَا لا يعلم: لا أعلم»، قال الحافظ -﵀-؛ أي: أن تمييز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا مناسب لِمَا اشتهر من أن «لا أدري» نصف العلم، ولأن القول فيما لا يعلم قسم من التكلّف، كما أشار إليه ابن مسعود -﵁- في قوله: (فَإِنَّ اللهَ -﷿-) الفاء للتعليل؛ أي: لأن الله -﷿- (قَالَ لِنَبِيِّهِ -ﷺ-: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾) الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ راجع إلى تبليغ الوحي، ولم يتقدّم له ذِكر، ولكنه مفهوم من السياق. وقيل: هو عائد إلى ما تقدّم من قوله: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨] وقيل: راجع إلى القرآن، وقيل: إلى الدّعاء إلى الله على العموم، فيشمل القرآن، وغيره من الوحي، ومن قول الرسول -ﷺ-، والمعنى: ما أطلب منكم من جُعل تعطونيه عليه. (﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾)؛ أي: حتى أقول ما لا أعلم إذ أدعوكم إلى غير ما أمرني الله بالدّعوة إليه، والتكلف: التصنع . وقال الإمام ابن جرير الطبريّ -﵀-: يقول الله جلّ ذكره لنبيّه محمد -ﷺ-: قل يا محمد لمشركي قومك، القائلين لك: (﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾): ما أسألكم على هذا الذكر، وهو القرآن الذي أتيتكم به من عند الله أجرًا؛ يعني: ثوابًا وجزاء، (﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾) يقول: وما أنا ممن يتكلف تخرّصه، وافتراءه، فتقولون: (﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾) [الفرقان: ٤] و(﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾). انتهى . وفي ذكر ابن مسعود -﵁- الآية تعريض بالرجل القائل: يجيء دخان إلخ بأنه من المتكلّفين، ثم بيّن -﵁- قصّة الدخان، فقال: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ)؛ أي: من مشركي مكة، فاللام للعهد الذهنيّ. (إِدْبَارًا) وإعراضًا عن قبول الإسلام، وفي الرواية الآتية: «إِنَّمَا كَانَ هَذَا أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَتْ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- دعا عليهم بسنين كسني يوسف». (فَقَالَ: «اللَّهُمَّ سَبْعٌ كسَبْعِ يُوسُفَ») برفع «سبعٌ»، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: البلاء المطلوب عليهم سبعُ سنين؛ كالسنين السبع التي كانت في زمن يوسف -﵇-، وهي السبع الشّداد التي أصابهم فيها القحط، وهو ما بيّنه الله -﷿- قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ [يوسف: ٤٨]، أو يكون المعنى: المدعوّ عليهم قحط كقحط يوسف -﵇-، ويجوز أن يكون ارتفاعه على أنه اسم كان التامة، تقديره: ليكن سبعٌ، وفي رواية: «سبعًا» بالنصب خبرًا لـ «كان» الناقصة؛ أي: ليكن سبعًا، وجاء في رواية: «لمّا دعا قريشًا كذّبوه، واستعصوا عليه، فقال: اللَّهُمَّ أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف». (قَالَ) ابن مسعود: (فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ) بالفتح؛ أي: قحط وجدبٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، (حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ) بحاء، وصاد مهملتين، مشددة الصاد، أي: استأصلت، وأذهبت النبات، فانكشفت الأرض، وفي «المحكم»؛ سنة حَصّاء: جدبة، قليلة النبات، وقيل: هي التي لا نبات فيها. انتهى . (حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ، وَالْمَيْتَةَ) زاد في رواية البخاريّ: «والْجِيَف» بكسر الجيم، وفتح الياء: جمع الجيفة، وهي جُثّة الميت، وقد أراح، فهي أخصّ من الميتة، لأنها ما لم تلحقه ذكاة . (مِنَ الْجُوعِ)؛ أي: من الجوع الذي حصل لهم من القحط، (وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ أَحَدُهُمْ، فيَرَى كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ)؛ أي: مثل صفة الدخان، وذلك لضَعْف بصره بسبب الجوع، فيُخيّل إليه أنه رأى دخانًا، وليس بدخان، وإنما هو خيال فقط، قال ابن مسعود -﵁-: فهذا هو معنى الدخان الذي ذكره الله تعالى في كتابه، لا ما يزعمه القاصّ. (فَأَتَاهُ)؛ أي: أتى النبيّ -ﷺ- (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حرب والد معاوية -﵄-. وقال في «الفتح»: قوله: «فجاءه أبو سفيان»؛ يعني: الأمويّ والد معاوية، والظاهر أن مجيئه كان قبل الهجرة؛ لقول ابن مسعود: «ثم عادوا، فذلك قوله: يوم نبطش البطشة الكبرى، يوم بدر»، ولم يُنقل أن أبا سفيان قَدِم المدينة قبل بدر، وعلى هذا فيَحْتَمِل أن يكون أبو طالب كان حاضرًا ذلك، فلذلك قال: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ لكن سيأتي بعد هذا بقليل ما يدلّ على أن القصة المذكورة وقعت بالمدينة، فإن لم يُحمل على التعدد، وإلا فهو مشكل جدًا، والله المستعان. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره من حضور أبي طالب لهذه القصّة بعيد جدًّا، فتأمل. (فَقَالَ) أبو سفيان لرسول الله -ﷺ-: (يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ جِئْتَ) إلى الناس، والحال أنك (تَأْمُرُ) الناس (بِطَاعَةِ اللهِ) -﷿- (وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ)؛ يعني: والذين هلكوا بدعائك من ذوي رحمك، فينبغي أن تصل رحمك بالدعاء لهم، (وَإِنَّ قَوْمَكَ) قريشًا (قَدْ هَلَكُوا) بالجوع بسبب دعائك عليهم، (فَادْعُ اللهَ لَهُمْ) بأن يكشف عنهم ما حلّ بهم، فإن كشفت عنهم آمنوا، وفي هذه الرواية اختصار، بيّنته الرواية الآتية: «قال: فدعا الله لهم، فأنزل الله -﷿-: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾، فمُطروا، فلما أصابتهم الرفاهية قال: عادوا إلى ما كانوا عليه، قال: فأنزل الله -﷿-: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ [الدخان: ٥٩]» الآية. وقال في «الفتح»: وأخرج الجوزقيّ، والبيهقي من رواية علي بن ثابت، عن أسباط بن نصر، عن منصور، وهو ابن المعتمر، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود قال: لمّا رأى رسول الله -ﷺ- من الناس إدبارًا، فذكر نحو الحديث، وزاد: «فجاءه أبو سفيان، وناس من أهل مكة، فقالوا: يا محمد إنك تزعم أنك بُعثت رحمةً، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، فدعا رسول الله -ﷺ-، فسُقوا الغيث …» الحديث، وقد أشاروا بقولهم: بُعثت رحمة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. انتهى . قال ابن مسعود: (قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛ لأن كونهم في شكّ ولعب يقتضي ذلك؛ والمعنى: فانتظر لهم يا محمد يوم تأتي السماء بدخان مبين، وقيل: المعنى: احفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين . وقوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ صفة ثانية لـ «دخان»، أي: يشملهم، ويحيط بهم، ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يقولون: هذا عذاب أليم، أو قائلين ذلك، أو يقول الله لهم ذلك. وقوله: (إِلى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾) وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾. فقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾؛ أي: يقولون ذلك، وقد روي أنهم أتوا النبيّ -ﷺ-، وقالوا: إن كشف الله عنا هذا العذاب أسلمنا، والمراد بالعذاب: الجوع الذي كان بسببه ما يرونه من الدخان، أو يقولونه إذا رأوا الدخان الذي هو من آيات الساعة، أو إذا رأوه يوم فتح مكة على اختلاف الأقوال. والراجح منها: أنه الدخان الذي كانوا يتخيلونه مما نزل بهم من الجهد، وشدّة الجوع، ولا ينافي ترجيحُ هذا ما ورد أن الدخان من آيات الساعة، فإن ذلك دخان آخر، ولا ينافيه أيضًا ما قيل: إنه الذي كان يوم فتح مكة، فإنه دخان آخر على تقدير صحة وقوعه. وقوله: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾؛ أي: كيف يتذكرون، ويتعظون بما نزل بهم، والحال أن ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يُبَين لهم كل شيء يحتاجون إليه من أمر الدين، والدنيا، ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾؛ أي: أعرضوا عن ذلك الرسول الذي جاءهم، ولم يكتفوا بمجرّد الإعراض عنه، بل جاوزوه ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾؛ أي: قالوا: إنما يعلّمه القرآن بشر، وقالوا: إنه مجنون، فكيف يتذكر هؤلاء، وأنى لهم الذكرى؟. ثم لمّا دعوا الله بأن يكشف عنهم العذاب، وأنه إذا كشفه عنهم آمنوا أجاب سبحانه عليهم بقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾؛ أي: إنا نكشفه عنهم كشفًا قليلًا، أو زمانًا قليلًا، ثم أخبر الله سبحانه عنهم أنهم لا ينزجرون عما كانوا عليه من الشرك، ولا يفون بما وعدوا به من الإيمان، فقال: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾؛ أي: إلى ما كنتم عليه من الشرك، وقد كان الأمر هكذا، فإن الله سبحانه لمّا كشف عنهم ذلك العذاب رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، والعناد، وقيل: المعنى: إنكم عائدون إلينا بالبعث، والنشور، والأوّل أَولى . (قَالَ) ابن مسعود -﵁-: (أَفَيُكْشَفُ عَذَابُ الآخِرَةِ؟) المعنى: أن الذي يُكشف إنما هو عذاب الدنيا، وأما عذاب الآخرة إذا حلّ فلا يُكشف؛ يعني: أن ما قاله القاصّ من معنى الدخان غير صحيح؛ لأنه يدّعي أنه في الآخرة، وما يكون فيها لا يُكشف. ثم بيّن -﵁- المعنى المراد هنا (﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾)؛ أي: الأخذة العظمى، (﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾) منهم. قال ابن مسعود: (فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ) بالقتل والأسر، (وَقَدْ مَضَتْ آيَةُ الدُّخَانِ)؛ أي: بما كانوا يرونه في السماء حال الجوع، قال: (وَ) مضت (الْبَطْشَةُ، وَ) مضى أيضًا (اللِّزَامُ) الذي ذكره الله -﷿- في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]؛ أي: يكون عذابهم لازمًا لهم، قالوا: وهو ما جرى عليهم يوم بدر من القتل والأسر، وهي البطشة الكبرى. (وَآيَةُ الرُّوم)؛ أي: ومضى أيضًا ما دلّت عليه آية الروم، وهي قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾. وقال الشوكانيّ -﵀-: قوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ الظرف منصوب بإضمار اذكر، وقيل: هو بدل من يوم تأتي السماء، وقيل: هو متعلق بـ ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾، وقيل: بما دلّ عليه منتقمون، وهو ننتقم. والبطشة الكبرى: هي: يوم بدر، قاله الأكثر. والمعنى: أنهم لما عادوا إلى التكذيب، والكفر بعد رفع العذاب عنهم انتقم الله منهم بوقعة بدر. وقال الحسن، وعكرمة: المراد بها: عذاب النار، واختار هذا الزجاج، والأوّل أَولى. قرأ الجمهور: ﴿نَبْطِشُ﴾ بفتح النون، وكسر الطاء؛ أي: نبطش بهم، وقرأ الحسن وأبو جعفر بضم الطاء وهي لغة، وقرأ أبو رجاء، وطلحة بضم النون، وكسر الطاء. قال: فقد مضى البطشة، والدخان، واللزام. وقد روي عن ابن مسعود، نحو هذا من غير وجه، وروي نحوه عن جماعة من التابعين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن أبي مليكة قال: دخلت على ابن عباس فقال: لم أنم هذه الليلة، فقلت: لم؟ قال: طلع الكوكب، فخشيت أن يطرق الدخان. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح، وكذا صححه السيوطيّ، ولكن ليس فيه أنه سبب نزول الآية، وقد عرّفناك أنه لا منافاة بين كون هذه الآية نازلة في الدخان الذي كان يتراءى لقريش من الجوع، وبين كون الدّخان من آيات الساعة، وعلاماتها، وأشراطها، فقد وردت أحاديث صحاح، وحسان، وضعاف بذلك، وليس فيها أنه سبب نزول الآية، فلا حاجة بنا إلى التطويل بذكرها، والواجب التمسك بما ثبت في «الصحيحين»، وغيرهما: أن دخان قريش عند الجهد، والجوع هو سبب النزول، وبهذا تعرف اندفاع ترجيح من رجح أنه الدخان الذي هو من أشراط الساعة كابن كثير في «تفسيره»، وغيره، وهكذا يندفع قول من قال: إنه الدخان الكائن يوم فتح مكة متمسكًا بما أخرجه ابن سعد عن أبي هريرة -﵁- قال: كان يوم فتح مكة دخان، وهو قول الله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾، فإن هذا لا يعارض ما في «الصحيحين» على تقدير صحة إسناده، مع احتمال أن يكون أبو هريرة -﵁- ظنّ من وقوع ذلك الدخان يوم الفتح أنه المراد بالآية، ولهذا لم يصرّح بأنه سبب نزولها. وأخرج ابن جرير، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قال ابن مسعود: البطشة الكبرى: يوم بدر، وأنا أقول: هي يوم القيامة. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح. وقال ابن كثير قبل هذا: فسَّر ذلك ابن مسعود بيوم بدر، وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود على تفسيره الدّخان بما تقدّم، وروي أيضًا عن ابن عباس من رواية العوفي عنه، وعن أُبيّ بن كعب، وجماعة، وهو مُحْتَمِل، والظاهر أن ذلك يوم القيامة، وإن كان يوم بدر يوم بطشة كبرى أيضًا. انتهى. قال الشوكانيّ -﵀-: بل الظاهر أنه يوم بدر، وإن كان يوم القيامة يوم بطشة أكبر من كل بطشة، فإن السياق مع قريش، فتفسيره بالبطشة الخاصة بهم أَولى من تفسيره بالبطشة التي تكون يوم القيامة لكل عاصٍ من الإنس والجنّ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الشوكانيّ -﵀- حيث رجّح أن المراد بالبطشة في الآية هو يوم بدر، كما يدلّ عليه سياق الآية، وكما فهمه ابن مسعود -﵁-، وكذا الدخان هو ما حصل لقريش بسبب الجوع، كما مرّ، ولا ينافي ذلك أن يكون هناك دخان آخر سيأتي، كما هو في «صحيح مسلم»، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٧٠٤٠ و٧٠٤١ و٧٠٤٢ و٧٠٤٣] (٢٧٩٨)، و(البخاريّ) في «الاستسقاء» (١٠٠٧ و١٠٢٠) و«التفسير» (٤٦٩٣ و٤٧٦٧ و٤٧٧٤ و٤٨٠٩ و٤٨٢٠ و٤٨٢١ و٤٨٢٢ و٤٨٢٣ و٤٨٢٤)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٢٥٤)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٨٠ - ٣٨١ و٤٣١ و٤٤١)، و(الطبريّ) في «التفسير» (٢٥/ ١١١ و١١٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٧٦٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ٧٨)، و(البزّار) في «مسنده» (٥/ ٣٣٩)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٣٥٢) وفي «الدلائل» (٢/ ٣٢٦ و٣٢٧)، و«البغويّ» في «التفسير» (٤/ ١٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة. ٢ - (ومنها): إنكار أهل العلم بعضهم على بعض، إذا ظنّ المنكر أنه على الحقّ. ٣ - (ومنها): بيان فضل ابن مسعود -﵁- حيث يغضب على من أخطأ في كتاب الله تعالى، ويفسّر القرآن برأيه، ويردّ عليه أبلغ ردّ. ٤ - (ومنها): النهي عن التكلّف، ودعوى ما لا علم له به، كما حذّر الله -﷿- منه، بقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ الآية [النحل: ١١٦]. ٥ - (ومنها)؛ بيان ما كان عليه مشركو قريش من العناد والاستكبار حيث لا يخضعون لآيات الله الكئرى، بل يستمرون على غيّهم وضلالهم، مع علمهم بحقيقة الأمر، وأنهم على ضلال، فقد أخبر الله تعالى بذلك عنهم وعن غيرهم فقال: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ الآية [النمل: ١٣، ١٤]. وقال: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣]. ٦ - (ومنها): ما قاله في «الفتح»: هذا الذي أنكره ابن مسعود -﵁- قد جاء عن عليّ -﵁-، فأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، من طريق الحارث، عن عليّ قال: آية الدخان لم تمض بعدُ، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينفخ الكافر، حتى ينفد، ثم أخرج عبد الرزاق من طريق ابن أبي مليكة، قال: دخلت على ابن عباس يومًا، فقال لي: لم أنم البارحة، حتى أصبحت، قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشينا الدخان قد خرج. قال الحافظ: وهذا أخشى أن يكون تصحيفًا، وإنما هو الدجال بالجيم الثقيلة، واللام، ويؤيد كون آية الدخان لم تمض ما أخرجه مسلم، من حديث أبي شَرِيحة رفعه: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة …» الحديث. وروى الطبريّ من حديث رِبْعيّ، عن حذيفة مرفوعًا في خروج الآيات، والدخان، قال حذيفة: يا رسول الله -ﷺ- وما الدخان؟ فتلا هذه الآية، قال: «أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزُّكمة، وأما الكافر فيخرج من منخريه، وأذنيه، ودبره»، وإسناده ضعيف. وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد نحوه، وإسناده ضعيف أيضًا، وأخرجه مرفوعًا بإسناد أصلح منه، وللطبريّ من حديث أبي مالك الأشعريّ رفعه: «إن ربكم أنذركم ثلاثًا: الدخان، يأخذ المؤمن كالزُّكمة …» الحديث، ومن حديث ابن عمر نحوه، وإسنادهما ضعيف أيضًا، لكن تضافر هذه الأحاديث يدلّ على أن لذلك أصلًا، ولو ثبت طريق حديث حذيفة لاحتمل أن يكون هو القاصّ المراد في حديث ابن مسعود. انتهى ما قاله الحافظ -﵀-، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٤١] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ -وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: تَرَكْتُ فِي الْمَسْجِدِ رَجُلًا، يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ، يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] قَالَ: يَأْتِي النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُخَانٌ، فَيَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ، حَتَّى يَأْخُذَهُمْ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: مَنْ عَلِمَ عِلْمًا، فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ: اللهُ أَعْلَمُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَتْ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ، وَجَهْدٌ، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، مِنَ الْجَهْدِ، وَحَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اسْتَغْفِرِ اللهَ لِمُضَرَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكوا، فَقَالَ: «لِمُضَرَ؟ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ»، قَالَ: فَدَعَا اللهَ لَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ [الدخان: ١٥]، قَالَ: فَمُطِرُوا، فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ، قَالَ: عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ -﷿-: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ [الدخان: ١٠، ١١]، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ [الدخان: ١٦]، قَالَ: يَعْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: وكلهم ذُكروا في هذا الباب، وفي الأبواب الأربعة الماضية، غير اثنين، هما: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الْعَبسيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (يَحْيَى بْن يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم أيضًا قريبًا. وقوله: (مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ) بالضمّ، مرض معروف، وكذا الزُّكمة بالضمّ أيضًا، وأزكمه الله بالألف، فزُكم بالبناء للمفعول، على غير قياس، فهو مزكوم . وقوله: (فَإِنَّ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ … إلخ) إنما كان فقهًا؛ لأنه علم جهل نفسه، فهذا علم شريف، فإن من عرف جهله كفّ عن الكلام بما لا يعلمه، وطلب العلم كي يزيل جهله، ففيه خير عظيم. وقوله: (كَسِنِي يُوسُفَ) بتخفيف الياء، مضافًا إلى يوسف. وقوله: (وَجَهْدٌ) بفتح الجيم؛ أي: مشقّة شديدة، وحُكي ضمّها. وقوله: (فَيَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كهَيْئَةِ الدُّخَانِ، مِنَ الْجَهْدِ) قال القرطبيّ -﵀-: لا شكّ في أن تسمية هذا دخانًا تجوّز، وحقيقة الدخان ما ذُكر في حديث أبي سعيد، والذي حَمَل عبد الله بن مسعود على هذا الإنكار قوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ [الدخان: ١٢]، وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾، ولذلك قال: أفيكشف عذاب الآخرة؟ وهذا لا دليل فيه على نفي ما قاله ذلك القائل؛ لأنَّ حديث أبي سعيد إنما دلّ على أن ذلك الدخان يكون من أشراط الساعة قبل أن تقوم القيامة، فيجوز انكشافه كما تنكشف فتن الدجّال، ويأجوج ومأجوج، وأما الذي لا ينكشف فعذاب الكافر بعد الموت، فلا معارضة بين الآية والحديث، والشأن في صحة الحديث. انتهى . وقوله: (فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ) هو أبو سفيان كما بُيّن في الرواية الماضي، لكن في «المعرفة» لابن منده في ترجمة كعب بن مرّة قال: دعا رسول الله -ﷺ- على مضر، فأتيته، فقلت: يا رسول الله -ﷺ- قد نصرك الله، وأعطاك، واستجاب لك، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، فهذا أَولى أن يفسّر به القائل بقوله: يا رسول الله، بخلاف أبي سفيان، فإنه وإن جاء أيضًا مستشفعًا، لكنه لم يكن أسلم حينئذ . وقوله: (اسْتَغْفِرِ اللهَ لِمُضَرَ) هكذا وقع في جميع نُسخ مسلم: «استغفر الله لمضر»، وفي البخاريّ: «استسق الله لمضر»، قال القاضي: قال بعضهم: «استسق» هو الصواب اللائق بالحال؛ لأنهم كفار، لا يُدعَى لهم بالمغفرة. قال النوويّ: كلاهما صحيح، فمعنى استسق: اطلب لهم المطر والسُّقْيَا، ومعنى استغفر: ادع لهم بالهداية التى يترتب عليها الاستغفار. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: فقيل: «يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد هلكت» إنما قال: لمضر؛ لأن غالبهم كان بالقرب من مياه الحجاز، وكان الدعاء بالقحط على قريش، وهم سكان مكة، فسرى القحط إلى من حولهم، فحَسُن أن يطلب الدعاء لهم، ولعل السائل عدل عن التعبير بقريش؛ لئلا يذكرهم، فيذكر بجرمهم، فقال: لمضر؛ ليندرجوا فيهم، ويشير أيضًا إلى أن غير المدعو عليهم قد هلكوا بجريرتهم، وقد وقع في الرواية الأخرى: «وإن قومك هلكوا»، ولا منافاة بينهما؛ لأن مضر أيضًا قومه، وقد تقدم في المناقب أنه -ﷺ- كان من مضر. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: «اسْتَغْفِرِ اللهَ لِمُضَرَ» كذا صحّ في كتاب مسلم من الاستغفار، ووقع في كتاب البخاريّ: «استسق الله لمضر»، من الاستسقاء، وهو مناسب للحال التي كانوا عليها من القحط، غير أن الذي يُبعده إنكار النبيّ -ﷺ- على القائل بقوله: «لمضر؟»، فإنَّ طلب السُّقيا لهم لا يُنكر، وإنما الذي يُنكر طلب الاستغفار لهم. وقد فسّر البطشة بأنها يوم بدر، وأما اللزام: فهو المذكور بقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]، وقد اختُلف فيه فقيل: هو العذاب الدائم، وأنشدوا [من الوافر]: فَإِمَّا يَنْجُوَا مِنْ خَسْفِ أَرْضٍ … فَقَدْ لَقِيَا حُتُوفَهُمَا لِزَامَا وقال آخر: وَلَمْ أَجْزَعْ مِنَ الْمَوْتِ اللِّزَامِ وقيل: هو القتل بالسيف يوم بدر، وإليه نحا ابن مسعود، وهو قول أكثر الناس، وعلى هذا فتكون البطشة، واللزام شيئًا واحدًا. وقال القرطبيّ ، وأبو عبيدة: هو الهلاك والموت. وأما الروم: فقد روى الترمذيّ من حديث نيار بن مكرم الأسلميّ قال: لما نزلت: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ الآيتين [الروم: ١، ٢]، فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم على فارس؛ لأنَّهم وإياهم أهل كتاب، وكانت قريش يحبون ظهور فارس على الروم؛ لأنَّهم وإياهم ليسوا باهل كتاب، ولا إيمان ببعث، ولما نزلت هذه الآية خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة بالآية، فقال كبراء المشركين: ألا نُراهنك على ذلك؟ قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرِّهان، فارتهن أبو بكر المشركون، وأقبضوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع؟ البضع ثلاث سنين إلى تسع، فَسَمِّ بيننا وبينك وسطًا ننتهي إليه، فسمّوا بينهم ست سنين، فمضت الست سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، ولمّا دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية سنين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤]، قال: وأسلم بعد ذلك ناس كثير. قال: هذا حديث حسن صحيح . وقال العينيّ -﵀- في «عمدته»: وقد علمت أن الأحاديث يفسّر بعضها بعضًا، وذلك أن أبا سفيان لمّا قال: ادع الله لهم قرأ النبيّ -ﷺ- قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾، كما في رواية البخاريّ عن محمد بن كثير الذي ذكرناه، وصرّح في رواية مسلم أنه لمّا دعا الله لها أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥﴾، فقَبِل الله دعاءه -ﷺ-، فمُطروا، فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى ما كانوا عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾، والمعنى: فانتظر يا محمد عذابهم، ومفعول «ارتقب» محذوف، وهو عذابهم. وقوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ صفة للدخان في محل الجر؛ يعني: يشملهم، ويلبسهم، وقيل: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ﴾ مفعول ﴿فَارْتَقِبْ﴾، قوله: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ يعني: يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر كمنزلة السكران، يخرج من منخريه، وأذنيه، ودبره، وقوله: ﴿… هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ [الدخان: ١٠، ١١] كل ذلك منصوب المحل بفعل مضمر، وهو «يقولون»، و«يقولون» منصوب على الحال؛ أي: قائلين ذلك، قوله: ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ موعدة بالإيمان، إن كُشف عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾؛ أي: من أين لهم التذكر، والاتعاظ بعد نزول البلاء، وحلول العذاب، والحال أنه قد جاءهم رسول بما هو أعظم من ذلك، وأدخل في وجوب الادّكار من كشف الدخان، وهو ما ظهر على رسول الله -ﷺ-، من الآيات البينات، من الكتاب المعجز وغيره من المعجزات، فلم يذكروا، وتولوا عنه، وبَهَتوه بأن عداسًا غلامًا أعجميًا لبعض ثقيف، هو الذي علّمه، ونسبوه إلى الجنون، وهو معنى قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)﴾، ثم قال: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ إلى كفركم، ثم قال: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾، وهو يوم بدر، كما في متن حديث الباب، وعن الحسن: البطشة الكبرى يوم القيامة. وقوله: «فقد مضت» إلى آخره من كلام ابن مسعود -﵁-، ولم يسنده إلى النبيّ -ﷺ-. وقال ابن دحية: الذي يقتضيه النظر الصحيح حَمْل أمر الدخان على قضيتين: إحداهما وقعت، وكانت، والأخرى ستقع. قال العينيّ: فعلى هذا هما دخانان: أحدهما الذي يملأ ما بين السماء والأرض، ولا يجد المؤمن منه إلا كالزُّكمة، وهو كهيئة الدخان، وهيئة الدخان غير الدخان الحقيقيّ، والآخر هو الدخان الذي يكون عند ظهور الآيات، والعلامات، ويقال: هو من آثار جهنم يوم القيامة، ولا يمتنع إذا ظهرت تلك العلامات أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾. وقوله: واللزام اختُلف فيه، فذكر ابن أبي حاتم في «تفسيره» أنه القتل الذي أصابهم ببدر، روي ذلك عن ابن مسعود، وأبيّ بن كعب، ومحمد بن كعب، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، قال القرطبيّ: فعلى هذا تكون البطشة واللزام واحدًا، وعن الحسن: اللزام يوم القيامة، وعنه: أنه الموت، وقيل: يكون ذنبكم عذابًا لازمًا لكم، وفي «المحكم»: اللزام: الحساب، وفي «الصحيح»: عن مسروق، عن عبد الله قال: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر. انتهى. وقوله: (فَقَالَ)؛ أي: النبيّ -ﷺ- («الِمُضَرَ؟)؛ أي: أتسألني أن أستغفر لمضر، مع ما هم عليه من معصية الله، والإشراك به؟. وقال في«الفتح»: قوله:«فقال رسول الله -ﷺ-: لمضر؟ إنك لجريء»؛ أي: أتأمرني أن أستسقي لمضر، مع ما هم عليه من المعصية والإشراك به، ووقع في«شرح الكرمانيّ»قوله:«فقال رسول الله -ﷺ- لمضر»؛ أي: لأبي سفيان، فإنه كان كبيرهم في ذلك الوقت، وهو كان الآتي إلى رسول الله -ﷺ- المستدعي منه الاستسقاء، تقول العرب: قتلت قريشٌ فلانًا، ويريدون شخصًا منهم، وكذا يضيفون الأمر إلى القبيلة، والأمر في الواقع مضاف إلى واحد منهم. انتهى . قال الحافظ: وجَعْله اللام متعلقة بـ«قال»غريب، وإنما هي متعلقة بالمحذوف، كما قررته أوّلًا. انتهى. وقوله: (إِنَّكَ لَجَرِيءٌ»)؛ أي: صاحب جراءة، والإقدام على ما لا ينبغي لك، قال الأبيّ: هذا على وجه التقرير، والتعريف بكفرهم، واستعظام ما سأل لهم؛ أي: فكيف يُستغفر، أو يُستسقى لهم، وهم عدوّ الدين؟ قال: ويصحّ هذا عندي على ما ذكر مسلم من لفظ «استغفِرْ»؛ لأن الإنكار إنما للاستغفار الذي سأل لهم، بدليل أنه عدل عنه إلى الدعاء بالسقي، ولو كان استعظامه إنما هو لطلب السُّقْيا لم يستسق لهم. انتهى . وقوله: (فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ) بتخفيف الياء التحتيّة بعد الهاء المكسورة بوزن الكراهية؛ أي: السعة، والراحة. وقوله: (قَالَ: يَعْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ)؛ أي: فسّر ابن مسعود -﵁- البطشة الكبرى بقتلهم، وأسْرهم في يوم بدر. والحديث متّفقٌ عليه، كما مضى تحقيقه، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٤٢] (…) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخَانُ، وَاللِّزَامُ، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، وَالْقَمَرُ). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (خمسٌ)؛ أي: خمسة علامات (قد مضين)؛ أي: وقعن: [الأولى]: الدخان، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]. [الثانية]: القمر، قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]. [الثالثة]: الروم، قال الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ [الروم: ١، ٢]. [الرابعة]: البطشة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦]، وهو القتل الذي وقع يوم بدر. [الخامسة]: اللزام، قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] قيل: هو القحط، وقيل: هو التصاق القتلى بعضهم ببعض في بدر، وقيل: هو الأسر فيه، وقد أُسر سبعون قرشيًّا فيه ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٤٣] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: وكلهم ذُكروا قبل حديث. [تنبيه]: رواية وكيع عن الأعمش هذه قد ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٤٥٤٨) - حدّثنا يحيى ، حدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله، قال: «خمسٌ قد مضين: اللزام، والروم، والبطشة، والقمر، والدخان»، انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٤٤] (٢٧٩٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فِي قَوْلِهِ -﷿-: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١]، قَالَ: مَصَائِبُ الدُّنْيَا، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، أَوِ الدُّخَانُ، شُعْبَةُ الشَّاكُّ فِي الْبَطْشَةِ، أَوِ الدُّخَانِ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزّمِن، تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُندار البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام، تقدّم قبل باب. ٥ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر قبل حديثين. ٦ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٧ - (عَزْرَةُ) بن عبد الرحمن بن زُرارة الْخُزاعيّ الكوفيّ الأعور، ثقةٌ [٦] (م د ت س) تقدم في «اللعان» برقم [٣٧٤٦]. [تنبيه]: كون عزرة هذا هو ابن عبد الرحمن هو الظاهر، لكن رأيت في «شعب الإيمان» للبيهقيّ ٧/ ١٥٥ بعد إيراد الحديث بالسند المذكور ما نصّه: قال الحافظ : عزرة هو ابن يحيى. انتهى، وهذا غريب، فإن عزرة بن يحيى لم يُذكر من رجال مسلم أصلًا، لا في «التهذيبين»، ولا في غيرهما، وإنما هو من رجال أبي داود، وابن ماجه، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. ٨ - (الْحَسَنُ الْعُرَنِيُّ) هو: الحسن بن عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ، أرسل عن ابن عباس [٤] (خ م د س ق) تقدم في «الأطعمة» ١٦/ ٥٣٣٣. [تنبيه]: قوله: «الْعُرَنيّ» -بضم العين المهملة، وفتح الراء، بعدها نون-: نسبة إلى عُرينة بن نذير بن قسر بن عبقر بن أنمار بن أراش، بطن من بَجِيلة، قاله في «اللباب» . ٩ - (يَحْيَى بْنُ الْجَزَّارِ) العرنيّ الكوفيّ، قيل: اسم أبيه زَبّان -بزاي، وموحّدة-، وقيل: بل لقبه، هو صدوقٌ رُمي بالغُلُوّ في التشيع [٣] (م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨١. ١٠ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٣] اختُلف في سماعه من عمر -﵁-، مات بوقعة الجماجم، سنة ثلاث وثمانين، قيل: إنه غَرِق (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ١١ - (أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر، سيد القراء، ويكنى أبا الطفيل أيضًا، من فضلاء الصحابة -﵃-، اختُلف في سنة موته اختلافًا كثيرًا، قيل: سنة تسع عشرة، وقمِل: سنة اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٦٦. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من تُساعيّات المصنّف -أي: أنزل الأسانيد له، فإن أنزل الأسانيد له العُشاريّات، وهذا قريب منها- وفيه ثلاثة من التابعين الكوفيين روى بعضهم عن بعض: الحسن، ويحيى، وابن أبي ليلى، وأن صحابيّه -﵁- من مشاهير الصحابة، ذو مناقب جمّة، فهو سيّد القرّاء، وقرأ عليه النبيّ -ﷺ-: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]، أخرج البخاريّ عن أنس بن مالك -﵁-، أن نبي الله -ﷺ- قال لأبي بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرئك القرآن» قال: آلله سماني لك؟ قال: «نعم»، قال: وقد ذُكرت عند رب العالمين؟ قال: «نعم»، فذَرَفتْ عيناه. شرح الحديث: (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كعْبٍ) -﵁- (فِي) تفسير (قَوْلِهِ -﷿-: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾، قَالَ) أُبيّ -﵁-: (مَصَائِبُ الدُّنْيَا) خبر لمحذوف؛ أي: هو مصائب الدنيا في النفس، والمال، والأولاد، (وَالرُّومُ)؛ يعني: التي في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ الآيتين. (وَالْبَطْشَةُ) الكبرى، يوم بدر، (أَوِ الدُّخَانُ) «أو» للشكّ، كما قال: (شُعْبَةُ الشَّاكُّ فِي الْبَطْشَةِ، أَوِ الدُّخَانِ)؛ أي: أيهما قال قتادة؟. وقال الشوكانيّ -﵀-: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ وهو عذاب الدنيا. قال الحسن، وأبو العالية، والضحاك، والنخعي: هو مصائب الدنيا، وأسقامها. وقيل: الحدود. وقيل: القتل بالسيف يوم بدر. وقيل: سنين الجوع بمكة. وقيل: عذاب القبر، ولا مانع من الحمل على الجميع. ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَر﴾ وهو عذاب الآخرة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ مما هم فيه من الشرك والمعاصي بسبب ما ينزل بهم من العذاب إلى الإيمان والطاعة، ويتوبون عما كانوا فيه. وفي هذا التعليل دليل على ضعف قول من قال: إن العذاب الأدنى هو عذاب القبر. انتهى . وقال إمام المفسّرين ابن جرير الطبريّ -﵀-: اختَلَف أهل التأويل في معنى العذاب الأدنى الذي وعد الله أن يذيقه هؤلاء الفسقة، فقال بعضهم: ذلك مصائب الدنيا في الأنفس والأموال، ثم ذكر الأقوال. ثم قال: وأَولى الأقوال في ذلك أن يقال: إن الله وعد هؤلاء الفسقة المكذّبين بوعيده في الدنيا العذاب الأدنى، أن يذيقهموه دون العذاب الأكبر، والعذاب: هو ما كان في الدنيا من بلاء أصابهم، إما شدّة من مجاعة، أو قتل، أو مصائب يصابون بها، فكل ذلك من العذاب الأدنى، ولم يخصص الله تعالى ذكرُهُ، إذ وعدهم ذلك أن يعذّبهم بنوع من ذلك دون نوع، وقد عذّبهم بكل ذلك في الدنيا بالقتل، والجوع، والشدائد، والمصائب في الأموال، فأوفى لهم بما وعدهم. وقوله: ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ يقول: قبل العذاب الأكبر، وذلك عذاب يوم القيامة. انتهى كلام ابن جرير -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أُبيّ بن كعب -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٧٠٤٤] (٢٧٩٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ١٢٨)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ٥٨)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٤/ ٤٧٤)، و(البيهقيّ) في «شعب الإيمان» (٧/ ١٥٥)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١١) - (بَابُ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٤٥] (٢٨٠٠) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِشِقَّتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «اشْهَدُوا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ)، تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (زُهَيْرُ بْن حَرْبٍ) أبو خيثمة البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) هو: عبد الله بن أبي نَجِيح يسار المكيّ، أبو يسار الثَّقَفيّ مولاهم، ثقةٌ رُمي بالقدر، وربّما دَلّس [٦] (ت ١٣١) أو بعدها (ع) تقدم في «الجنائز» ٦/ ٢١٣٤. ٥ - (مُجَاهِدُ) بن جَبْر -بفتح الجيم، وسكون الموحّدة- أبو الحجاج المخزوميّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ إمام في التفسير، وفي الفقه [٣] مات سنة إحدى، أو اثنتين، أو ثلاث، أو أربع ومائة، وله ثلاث وثمانون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢١. ٦ - (أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبَرة -بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الموَحّدة- الأزديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٢] مات في إمارة عُبيد الله بن زياد (ع) في تقدم «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٧٠. ٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود -﵁-، تقدّم قبل حديث. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير كبار علماء الصحابة -﵃-، ذو مناقب جمّة، تقدّم ذكرها. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود -﵁-؛ أنه (قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِشِقَّتَيْنِ) وفي الرواية الآتية: «بينما نحن مع رسول الله -ﷺ- بمنى إذا انفلق القمر فلقتين»، ووقع في رواية أبي داود الطيالسيّ عن أبي عوانة، وأخرجه أبو نعيم في «الدلائل» من طريق هشيم، كلاهما عن مغيرة، عن أبي الضحى بلفظ: «انشقّ القمر على عهد رسول الله -ﷺ- فقالت كفار قريش: هذا سِحْرٌ سَحَركم ابن أبي كبشة، فانظروا إلى السُّفّار، فإن أخبروكم أنهم رأوا مثل ما رأيتم، فقد صدق، قال: فما قَدِم عليهم أحدٌ إلا أخبرهم بذلك»، لفظ هشيم، وعند أبي عوانة: «انشق القمر بمكة» نحوه -وفيه: - «فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم». قال الحافظ -﵀- ما حاصله: لا تعارض بين قول ابن مسعود: «بمنى»، وبين قول أنس: «إن ذلك كان بمكة»؛ لأنه لم يصرّح بأن النبيّ -ﷺ- كان ليلتئذ بمكة، وعلى تقدير تصريحه، فهي من جملة مكة، فلا تعارض، وقد وقع عند الطبرانيّ من طريق زِرّ بن حُبيش، عن ابن مسعود، قال: «انشق القمر بمكة، فرأيته فرقتين»، قال: وهو محمول على ما ذكرته، وكذا وقع في غير هذه الرواية، وقد وقع عند ابن مردويه بيان المراد، فأخرج من وجه آخر عن ابن مسعود قال: «انشق القمر على عهد رسول الله -ﷺ-، ونحن بمكة، قبل أن نصير إلى المدينة»، فوضح أن مراده بذكر مكة الإشارة إلى أن ذلك وقع قبل الهجرة، ويجوز أن ذلك وقع، وهم ليلتئذ بمنى. انتهى . وقال الحافظ أيضًا: والجمع بين قول ابن مسعود تارة: «بمنى» وتارة: «بمكة» إما باعتبار التعدد إن ثبت، وإما بالحمل على أنه كان بمنى، ومن قال: إنه كان بمكة لا ينافيه؛ لأن من كان بمنى كان بمكة، من غير عكس، ويؤيده أن الرواية التي فيها «بمنى» قال فيها: «ونحن بمنى»، والرواية التي فيها «بمكة» لم يقل فيها: ونحن، وإنما قال: «انشقّ القمر بمكة»؛ يعني: أن الانشقاق كان وَهُمْ بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، وبهذا يندفع دعوى الداوديّ أن بين الخبرين تضادًّا، والله أعلم. ووقع عند البيهقيّ في «الدلائل» عن ابن عيينة، ومحمد بن مسلم الطائفيّ جميعًا عن ابن أبي نجيح بلفظ: «رأيت القمر منشقًّا شقتين: شقة على أبي قبيس، وشقة على السُّويداء»، والسُّويداء بالمهملة، والتصغير ناحية خارج مكة، عندها جبل، وقول ابن مسعود: «على أبي قُبيس» يَحْتَمِل أن يكون رآه كذلك، وهو بمنى، كأن يكون على مكان مرتفع، بحيث رأى طرف جبل أبي قبيس، ويَحْتَمِل أن يكون القمر استمرّ منشقًّا، حتى رجع ابن مسعود من منى إلى مكة، فرآه كذلك، وفيه بُعْدٌ. والذي يقتضيه غالب الروايات أن الانشقاق كان قرب غروبه، ويؤيد ذلك إسنادهم الرؤية إلى جهة الجبل، ويَحْتَمِل أن يكون الانشقاق وقع أول طلوعه، فإن في بعض الروايات أن ذلك كان ليلة البدر، أو التعبير بأبي قبيس من تغيير بعض الرواة؛ لأن الغرض ثبوت رؤيته منشقًّا إحدى الشقتين على جبل، والأخرى على جبل آخر، ولا يغاير ذلك قول الراوي الآخر: رأيت الجبل بينهما؛ أي: بين الفرقتين؛ لأنه إذا ذهبت فرقة عن يمين الجبل، وفرقة عن يساره مثلًا صدق أنه بينهما، وأي جبل آخر كان من جهة يمينه، أو يساره صدق أنها عليه أيضًا. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) للصحابة الحاضرين للواقعة: («اشْهَدُوا»)؛ أي: اضبطوا هذا القدر بالمشاهدة، وفي الرواية الثالثة: «فقال رسول الله -ﷺ-: اللَّهُمَّ اشهد»، وفي حديث ابن عمر الآتي: «اشهدوا، اشهدوا» مرّتين، وعند ابن مردويه من رواية ابن جريج، عن مجاهد، بلفظ آخر، وهو قوله: «انشقّ القمر، قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]، يقول: كما شققت القمر كذلك أقيم الساعة»، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٧٠٤٥ و٧٠٤٦ و٧٠٤٧] (٢٨٠٠)، و(البخاريّ) في «المناقب» (٣٦٣٦ و٣٨٦٩ و٣٨٧١) و«التفسير» (٤٨٦٤ و٤٨٦٥)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٢٨٥ و٢٣٨٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٤٧٦)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ٣٨)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٧٧ و٤٤٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤٩٦٨)، و(البزّار) في «مسنده» (٥/ ٢٠٢ و٢٠٣)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٩٩٩٦)، و(الطبريّ) في «التفسير» (٢٧/ ٨٥)، و(الشاشيّ) في «مسنده» (١/ ٤٠٢)، و(البيهقيّ) في «الدلائل» (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في ذكر ما قاله أهل العلم في حادثة انشقاق القمر: قال القاضي عياض -﵀-: انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا -ﷺ-، وقد رواها عدّة من الصحابة -﵃-، مع ظاهر الآية الكريمة، وسياقها، قال الزجاج: وقد أنكرها بعض المبتدعة المضاهين لمخالفي الملة، وذلك لمّا أعمى الله قلبه، ولا إنكار للعقل فيها؛ لأن القمر مخلوق لله تعالى، يفعل فيه ما يشاء، كما يفنيه، ويُكَوِّره في آخر أمره. وأما قول بعض الملاحدة: لو وقع هذا لنُقل متواترًا، واشترك أهل الأرض كلهم في معرفته، ولم يختص بها أهل مكة. فأجاب العلماء بأن هذا الانشقاق حصل في الليل، ومعظم الناس نيام غافلون، والأبواب مغلقة، وهم متغطون بثيابهم، فقلّ من يتفكر في السماء، أو ينظر إليها إلا الشاذّ النادر. ومما هو مشاهد معتاد أن كسوف القمر وغيره من العجائب، والأنوار الطوالع، والشهب العظام، وغير ذلك مما يحدث في السماء في الليل، يقع ولا يتحدث بها إلا الآحاد، ولا علم عند غيرهم؛ لِمَا ذكرناه، وكان هذا الانشقاق آية حصلت في الليل لقوم سألوها، واقترحوا رؤيتها، فلم يتنبه غيرهم لها. قالوا: وقد يكون القمر كان حينئذ في بعض المجاري والمنازل التى تظهر لبعض الآفاق دون بعض، كما يكون ظاهرًا لقوم غائبًا عن قوم، كما يجد الكسوف أهل بلد دون بلد، والله أعلم. انتهى . وقال في «الفتح»: وقد أنكر جمهور الفلاسفة انشقاق القمر، متمسكين بأن الآيات العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق، والالتئام، وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء، إلى غير ذلك من إنكارهم ما يكون يوم القيامة، من تكوير الشمس، وغير ذلك. وجواب هؤلاء إن كانوا كفّارًا أن يناظَروا أوّلًا على ثبوت دين الإسلام، تم يُشْرَكوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك من المسلمين، ومتى سَلَّم المسلم بعض ذلك دون بعض أُلزم التناقض، ولا سبيل إلى إنكار ما ثبت في القرآن، من الانخراق، والالتئام في القيامة، فيستلزم جواز وقوع ذلك معجزة لنبيّ الله -ﷺ-. وقد أجاب القدماء عن ذلك، فقال أبو إسحاق الزجاج في «معاني القران»: أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة انشقاق القمر، ولا إنكار للعقل فيه؛ لأن القمر مخلوق لله تعالى، يفعل فيه ما يشاء، كما يُكَوِّره يوم البعث، ويُفنيه. وأما قول بعضهم: لو وقع لجاء متواترًا، واشترك أهل الأرض في معرفته، ولَمَا اختص بها أهل مكة. فجوابه: أن ذلك وقع ليلًا، وأكثر الناس نيام، والأبواب مغلقة، وقلّ من يراصد السماء إلا النادر، وقد يقع بالمشاهدة في العادة أن ينكسف القمر، وتبدو الكواكب العظام، وغير ذلك في الليل، ولا يشاهدها إلا الآحاد، فكذلك الانشقاق كان آية وقعت في الليل لقوم سألوا، واقترحوا، فلم يتأهب غيرهم لها. ويَحْتَمِل أن يكون القمر ليلتئذ كان في بعض المنازل التي تظهر لبعض أهل الآفاق دون بعض، كما يظهر الكسوف لقوم دون قوم. وقال الخطابيّ: انشقاق القمر آية عظيمة، لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء، خارجًا من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع، فليس مما يُطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر، وقد أنكر ذلك بعضهم، فقال: لو وقع ذلك لم يجز أن يخفى أمره على عوام الناس؛ لأنه أمر صدر عن حسّ ومشاهدة، فالناس فيه شركاء، والدواعي متوفرة على رؤية كل غريب، ونقل ما لم يُعْهَد، فلو كان لذلك أصل لَخُلِّد في كتب أهل التسيير، والتنجيم؛ إذ لا يجوز إطباقهم على تركه، وإغفاله، مع جلالة شأنه، ووضوح أمره. والجواب عن ذلك أن هذه القصة خرجت عن بقية الأمور التي ذكروها؛ لأنه شيء طلبه خاصّ من الناس، فوقع ليلًا؛ لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون أكثر الناس فيه نيامًا، ومستكنين بالأبنية، والبارز بالصحراء منهم إذا كان يقظان يَحْتَمِل أنه كان في ذلك الوقت مشغولًا بما يلهيه من سَمَر وغيره، ومن المستبعد أن يقصدوا إلى مراصد مركز القمر، ناظرين إليه، لا يغفلون عنه، فقد يجوز أنه وقع، ولم يشعر به أكثر الناس، وإنما رآه من تصدى لرؤيته، ممن اقترح وقوعه، ولعل ذلك إنما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر. ثم أبدى حكمة بالغة في كون المعجزات المحمدية لم يبلغ شيء منها مبلغ التواتر الذي لا نزاع فيه، إلا القرآن بما حاصله: إن معجزة كل نبيّ كانت إذا وقعت عامّة أعقبت هلاك من كذّب به من قومه؛ للاشتراك في إدراكها بالحسّ، والنبيّ -ﷺ- بُعث رحمة، فكانت معجزته التي تحدى بها عقلية، فاختص بها القوم الذين بُعث منهم؛ لِمَا أوتوه من فضل العقول، وزيادة الأفهام، ولو كان إدراكها عامًّا لعوجل مَن كذّب به، كما عوجل من قبلهم. وذكر أبو نعيم في «الدلائل» نحو ما ذكره الخطابيّ، وزاد: ولا سيما إذا وقعت الآية في بلدة كان عامة أهلها يومئذ الكفار الذين يعتقدون أنها سِحر، ويجتهدون في إطفاء نور الله تعالى. قال الحافظ: وهو جيد بالنسبة إلى من سأل عن الحكمة في قلة من نَقل ذلك من الصحابة -﵃-، وأما من سأل عن السبب في كون أهل التنجيم لم يذكروه، فجوابه أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه نفاه، وهذا كاف، فإن الحجة فيمن أثبت، لا فيمن يوجد عنه صريح النفي، حتى إن من وجد عنه صريح النفي يُقَدَّم عليه من وُجد منه صريح الإثبات. وقال ابن عبد البرّ: قد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة، ورَوَى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجمّ الغفير، إلى ان انتهى إلينا، ويؤيَّد ذلك بالآية الكريمة، فلم يبق لاستبعاد من استبعد وقوعه عذر. ثم أجاب بنحو جواب الخطابيّ، وقال: وقد يَطْلُع على قوم قبل طلوعه على آخرين، وأيضًا فإن زمن الانشقاق لم يَطُل، ولم تتوفر الدواعي على الاعتناء بالنظر إليه، ومع ذلك فقد بَعَث أهل مكة إلى آفاق مكة، يسألون عن ذلك، فجاءت السفّار، وأخبروا بأنهم عاينوا ذلك، وذلك لأن المسافرين في الليل غالبًا يكونون سائرين في ضوء القمر، ولا يخفى عليهم ذلك. وقال القرطبيّ: الموانع من مشاهدة ذلك إذا لم يحصل القصد إليه غير منحصرة، ويَحْتَمِل أن يكون الله صرف جميع أهل الأرض غير أهل مكة، وما حولها عن الالتفات إلى القمر في تلك الساعة؛ ليختص بمشاهدته أهل مكة، كما اختصوا بمشاهدة أكثر الآيات، ونقلوها إلى غيرهم. انتهى. قال الحافظ: وفي كلامه نظر؛ لأن أحدًا لم يَنقل أن أحدًا من أهل الآفاق غير أهل مكة ذكروا أنهم رصدوا القمر في تلك الليلة المعينة، فلم يشاهدوا انشقاقه، فلو نُقل ذلك لكان الجواب الذي أبداه القرطبيّ جيّدًا، ولكن لم يُنقل عن أحد من أهل الأرض شيء من ذلك، فالاقتصار حينئذ على الجواب الذي ذكره الخطابيّ، ومن تبعه أوضح، والله اعلم. وأما الآية فالمراد بها قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾، لكن ذهب بعض أهل العلم من القدماء أن المراد بقوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾؛ أي: سينشق، كما قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]؛ أي: سيأتي، والنكتة في ذلك إرادة المبالغة في تحقق وقوع ذلك، فنزل منزلة الواقع، والذي ذهب إليه الجمهور أصحّ، كما جزم به ابن مسعود، وحذيفة، وغيرهما، ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ [القمر: ٢] فإن ذلك ظاهر في أن المراد بقوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ وقوع انشقاقه؛ لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة، وإذا تبيَّن أن قولهم ذلك إنما هو في الدنيا تبيَّن وقوع الإنشقاق، وأنه المراد بالآية التي زعموا أنها سِحر، ووقع ذلك صريحًا في حديث ابن مسعود، كما بيّناه قبلُ. ونقل البيهقيّ في أوائل البعث والنشور عن الْحَلِيميّ أن من الناس من يقول: إن المراد بقوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾؛ أي: سينشق، قال الحليميّ: فإن كان كذلك فقد وقع في عصرنا، فشاهدت الهلال ببخارى في الليلة الثالثة منشقًّا نصفين، عرض كل واحد منهما كعرض القمر ليلة أربع، أو خمس، ثم اتصلا، فصار في شكل أترجة إلى أن غاب، قال: وأخبرني بعض من أثق به أنه شاهد ذلك في ليلة أخرى. انتهى. قال الحافظ: ولقد عجبت من البيهقيّ كيف أقرّ هذا، مع إيراده حديث ابن مسعود المصرّح بأن المراد بقوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ أن ذلك وقع في زمن النبيّ -ﷺ-، فإنه ساقه هكذا من طريق ابن مسعود في هذه الآية: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾، قال: «لقد انشق على عهد رسول الله -ﷺ-»، ثم ساق حديث ابن مسعود: «لقد مضت آية الدخان، والروم، والبطشة، وانشقاق القمر». انتهى كلام الحافظ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحث أنيسٌ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٤٦] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَحَدّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ -وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِمِنًى، إِذَا انْفَلَقَ الْقَمَرُ فِلْقَتَيْنِ، فَكَانَتْ فِلْقَةٌ وَرَاءَ الْجَبَلِ، وَفِلْقَةٌ دُونَهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «اشْهَدُوا»). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: وكلّهم ذُكروا في الباب، وفي الأبواب الستّة الماضية، غير اثنين، وهما: ١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) هو: منجاب بن الحارث بن عبد الرحمن، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م فق) تقدم في «الإيمان» ٤١/ ٢٧٣. ٢ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو: عليّ، تقدّم قريبًا. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ)؛ يعني: أن كلًّا من أبي معاوية، وحفص بن غياث روى هذا الحديث عن الأعمش بهذا الإسناد. وقوله: (إِذَا انْفَلَقَ الْقَمَرُ فِلْقَتَيْنِ)؛ الفلقة: القطعة من الشيء المنشقّ. وقوله: (وَرَاءَ الْجَبَلِ)؛ أي: جبل حراء، (وَفِلْقَةٌ دُونَهُ)؛ أي: دون الجبل، والمراد أنهما تباينتا، فإحداهما إلى جهة العلو، والأخرى إلى السِّفل. والحديث متّفقٌ عليه. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٤٧] (…) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِلْقَتَيْنِ، فَسَتَرَ الْجَبَلُ فِلْقَةً، وَكَانَتْ فِلْقَةٌ فَوْقَ الْجَبَلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل بابين. وقوله: (اللَّهُمَّ اشْهَدْ)؛ أي: على أني قد جئتهم بما طلبوا من المعجزة، حيث قالوا: إن كنت صادقًا فلينشقّ لك هذا القمر، فانشقّ لهم، فإن آمنوا، وإلا فخذهم أخذ عزيز مقتدر. والحديث متّفقٌ عليه. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٤٨] (٢٨٠١) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِثْلَ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: وكلّهم ذُكروا في الباب. [تنبيه]: حديث عبد الله بن عمر -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀- ولم يسق متنه، بل أحاله على حديث ابن مسعود -﵁- قبله، وقد ساقه اللالكائيّ -﵀- في «اعتقاد أهل السُّنَّة»، فقال: (١٤٦٥) - وأخبرنا عليّ بن عمر بن إبراهيم، قال: ثنا إسماعيل بن محمد، قال: ثنا عباس بن محمد، قال: ثنا أبو العباس وهب بن جرير بن حازم، قال: ثنا شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]، قال: قد كان ذلك على عهد النبيّ - ﷺ -، انشق فلقتين، من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال: «اللَّهُمَّ اشهد»، انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٤٩] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بإِسْنَادِ ابْنِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ، نَحْوَ حَدِيثِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ: فَقَالَ: «اشْهَدُوا، اشْهَدُوا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) العسكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ يُغْرِب [١٠] (ت ٣ أو ٢٥٥) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ٢٠٠. ٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمد بن إبراهيبم بن أبي عديّ، وقد يُنسب لجدّه، وقيل: هو إبراهيم، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (بِإِسْنَادِ ابْنِ مُعَاذٍ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في عامّة النسخ: «بإسناد ابن معاذ»، وفي بعضها: «بإسنادَيْ معاذ» قال القاضي وغيره: هذا أشبه بالصحة؛ لأنه ذكر لمعاذ إسنادين قبل هذا، والأول أيضًا صحيح؛ لأن الإسنادين من رواية ابن معاذ، عن أبيه. انتهى. [تنبيه]: أما رواية محمد بن جعفر غُندر عن شعبة، فقد ساقها الطبريّ -﵀- في «تفسيره»، فقال: حدّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يُحَدِّث عن أنس، قال: «انشق القمر فرقتين»، انتهى . وأما رواية ابن أبي عديّ عن شعبة، فقد ساقها ابن حبّان -﵀- في «صحيحه»، إلا أنه لم يذكر «اشهدوا، اشهدوا»، فقال: (٦٤٩٦) - أخبرنا الحسين بن محمد بن أبي معشر بحرّان، قال: حدّثنا محمد بن بشار، قال: حدّثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: «انشقّ القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فرقتين». انتهى . فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٥٠] (٢٨٥٢) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْن حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم تقريبًا. ٢ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن مسلم البغداديّ أبو محمد المؤدِّب، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٥. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ، مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب، يقال: إنه منسوب إلى نحوة بطن من الأزد، لا إلى علم النحو [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، وقبله بباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة التحمّل، والأداء منه، ومنهما، وفيه أنس -﵁- أحد المكثرين السبعة، ذو مناقب جمّة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَس) بن مالك -﵁-، وفي رواية للبخاريّ: «أنه حدّثهم»، فصرّح قتادة بالتحديث، فزالت عنه تهمة التدليس. [تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: قد ورد انشقاق القمر من حديث ابن مسعود، وأنس، وابن عباس، وعليّ، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عمر، وغيرهم، فأما أنس، وابن عباس فلم يحضرا ذلك؛ لأنه كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وكان ابن عباس إذ ذاك لم يولد، وأما أنس فكان ابن أربع، أو خمس بالمدينة، وأما غيرهما فيمكن أن يكون شاهد ذلك، وممن صرح برؤية ذلك ابن مسعود -﵁-. انتهى . (أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ) المراد المشوكون منهم، قال الحافظ في «الفتح»: هذا من مراسيل الصحابة؛ لأن أنسًا لم يدرك هذه القصة، وقد جاءت هذه القصة من حديث ابن عباس، وهو أيضًا ممن لم يشاهدها، ومن حديث ابن مسعود، وجبير بن مُطعم، وحذيفة، وهؤلاء شاهدوها، ولم أر في شيء من طرقه أن ذلئط كان عقب سؤال المشركين إلا في حديث أنس، فلعله سمعه من النبيّ -ﷺ-، ثم وجدت في بعض طرق حديث ابن عباس بيان صورة السؤال، وهو وإن كان لم يدرك القصة، لكن في بعض طرقه ما يُشعر بأنه حمَل الحديث عن ابن مسعود، كما سأذكره، فأخرج أبو نعيم في «الدلائل» من وجه ضعيف، عن ابن عباس قال: «اجتمع المشركون إلى رسول الله -ﷺ- منهم: الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والنضر بن الحارث، ونظرائهم، فقالوا للنبيّ -ﷺ-: إن كنت صادقًا، فشقّ لنا القمر فرقتين، فسأل ربه، فانشقّ» . (سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً)؛ أي: علامة على صدق نبوّته، وهذا منهم على سبيل التعنّت، والعناد، ولذا لم يستفيدوا من رؤيته، بل استمرّوا على غيّهم وطغيانهم، (فَأَرَاهُمُ) النبيّ -ﷺ- بعد أن دعا الله تعالى (انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ) هكذا رواية مسلم بلفظ «مرّتين»، وفي رواية للبخاريّ: «شقّتين»، قال في «الفتح»: قوله: «شقتين» بكسر المعجمة؛ أي: نصفين، وتقدم من طريق سعيد وشيبان، عن قتادة، بدون هذه اللفظة، وأخرجه مسلم من الوجه الذي أخرجه منه البخاريّ، من حديث شيبان ، عن قتادة، بلفظ: «فأراهم انشقاق القمر مرتين»، وأخرجه من طريق معمر، عن قتادة قال بمعنى حديث شيبان، وهو في مصنف عبد الرزاق، عن معمر، بلفظ: «مرتين» أيضًا، وكذلك أخرجه الإمامان: أحمد، وإسحاق في «مسنديهما» عن عبد الرزاق، وقد اتفق الشيخان عليه، من رواية شعبة، عن قتادة، بلفظ: «فرقتين»، قال البيهقيّ: قد حَفِظ ثلاثة من أصحاب قتادة عنه: «مرتين». قال الحافظ: لكن اختُلف عن كل منهم في هذه اللفظة، ولم يُختلَف على شعبة، وهو أحفظهم، ولم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بلفظ: «مرتين»، إنما فيه «فرقتين»، أو «فلقتين»، بالراء، أو اللام، وكذا في حديث ابن عمر: «فلقتين»، وفي حديث جبير بن مُطعم: «فرقتين»، وفي لفظ عنه: «فانشقّ باثنتين»، وفي رواية عن ابن عباس، عند أبي نعيم في «الدلائل»: «فصار قمرين»، وفي لفظ: «شقتين»، وعند الطبراني من حديثه: «حتى رأوا شقيه»، ووقع في نظم السيرة لشيخنا الحافظ أبي الفضل -العراقيّ-: وانشق مرتين بالإجماع، قال الحافظ: ولا أعرف من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه -ﷺ-، ولم يتعرض لذلك أحد من شراح «الصحيحين». وتكلم ابن القيِّم على هذه الرواية، فقال: المرات يراد بها الأفعال تارةً، والأعيان أخرى، والأول أكثر، ومن الثاني: «انشق القمر مرتين»، وقد خفي على بعض الناس، فادعى أن انشقاق القمر وقع مرتين، وهذا مما يعلم أهل الحديث والسير أنه غلط، فإنه لم يقع إلا مرة واحدة. وقد قال العماد ابن كثير: في الرواية التي فيها: «مرتين» نظرٌ، ولعل قائلها أراد: فرقتين. قال الحافظ: وهذا الذي لا يتجه غيره؛ جمعًا بين الروايات، ثم راجعت نَظْم شيخنا، فوجدته يَحْتَمِل التأويل المذكور، ولفظه: فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ عَلَتْ … وَفِرْقَةٌ لِلطَّوْدِ مِنْهُ نَزَلَتْ وَذَاكَ مَرَّتَيْنِ بِالإِجْمَاعِ … وَالنَّصِّ وَالتَّوَاتُرِ السَّمَاعِ فجمع بين قوله: «فرقتين»، وبين قوله: «مرتين»، فيمكن أن يتعلق قوله: «بالإجماع» بأصل الانشقاق، لا بالتعدد، مع أن في نقل الإجماع في نفس الانشقاق نظرًا تقدّم بيانه، في شرح حديث ابن مسعود -﵁-. [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر الحديث قوله: «حتى رأوا حراء بينهما»؛ يعني: أن أهل مكة رأوا بين الفرقتين جبل حراء، وهو بكسر الحاء المهملة، بعدها راء، ممدودًا، منصرفًا، وغير منصرف: جبل على يسار الذاهب من مكة إلى منى، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه، (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٧٠٥٠ و٧٠٥١ و٧٠٥٢] (٢٨٠٢)، و(البخاريّ) في «المناقب» (٣٦٣٧) و«التفسير» (٤٨٦٧ و٤٨٦٨)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٢٨٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢٠٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٥/ ٤٢٤)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (٤/ ١١)، و(اللالكائيّ) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (١٤٦٣)، و(البيهقيّ) في «الاعتقاد» (١/ ٢٦٩)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٥١] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِ شَيْبَانَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ الحافظ العابد، تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد أبو عروة اليمنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية معمر عن قتادة هذه ساقها الحاكم -﵀- في «المستدرك»، فقال: (٣٧٦١) - أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر الزاهد ببغداد، حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، حدّثنا عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن قتادة، عن أنس -﵁- قال: سأل أهل مكة رسول الله -ﷺ- آيةً، فانشق القمر بمكة مرتين، قال الله -﷿-: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]. انتهى . لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٥٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ (ح) وَحَدَّثَنَا كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ فِرْقَتَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٣. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: رواية أبي داود عن شعبة هذه ساقها أبو داود في «مسنده»، فقال: (١٩٦٠) - حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: «انشقّ القمر على عهد رسول الله -ﷺ-». انتهى . وأما رواية يحيى بن سعيد القطّان عن شعبة، فقد ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٤٥٨٧) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: «انشقّ القمر فرقتين». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٥٣] (٢٨٠٣) - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ قُرَيْشٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ عَلَى زَمَانِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُوسَى بْنُ قُرَيْشٍ التَّمِيمِيُّ) هو: موسى بن قريش بن نافع التميميّ البخاريّ، مقبول [١١] (ت ٢٥٢) (م) من أفراد المصنّف تقدم في «الحيض» ١٣/ ٧٦٦. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ) المصريّ، أبو يعقوب، صدوقٌ فقيهٌ [١٠] (ت ٢١٨) وله ست وسبعون سنةً (م س) تقدم في «الحيض» ١٣/ ٧٦٦. ٣ - (أَبُوهُ) بكر بن مُضر بن محمد بن حَكِيم المصريّ، أبو محمد، أو أبو عبد الملك، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ٣ أو ١٧٤) وله نيف وسبعون سنةً (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٤٩. ٤ - (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحْبيل بن حَسَنَة الْكِنْديّ، أبو شُرَحْبِيل المصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٥ - (عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ) الْغَفّاريّ الْكِنَانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات في خلافة يزيد بن عبد الملك، بعد المائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) الْهُذَليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ثبتٌ [٣] مات سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثمان، وقيل: غير ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر -﵄-، تقدّم قريبًا، وشرح الحديث واضح، يُعلم مما سبق. مسألتان تتعلّقان بهدْا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٧٠٥٣] (٢٨٠٣)، و(البخاريّ) في «المناقب» (٣٦٣٧ و٣٨٧) و«التفسير» (٤٨٦٦)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٠/ ٣٠٣)، و(اللالكائيّ) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (١٤٦٧)، و(ابن عساكر) في «تاريخ دمشق» (٤/ ٣٥٧)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٢) - (بَابٌ لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى مِنَ اللهِ -﷿-) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٥٤] (٢٨٠٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللهِ -﷿-، إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ، وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ، ثُمَّ هُوَ يُعَافِيهِمْ، وَيَرْزُقُهُمْ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أُسامة الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] وروايته عن عائشة، وأبي موسى، ونحوهما مرسلة، قُتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين، ولم يكمل الخمسين (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٩. ٣ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ السُّلَمِيُّ) هو: عبد الله بن حَبِيب بن رُبَيِّعة -بضمّ الراء، وفتح الموحّدة، وتشديد الياء- الكوفيّ المقرئ، مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة، ثقةٌ ثبتٌ [٢] مات بعد السبعين (ع) تقدم في «الرضاع» ٣/ ٣٥٨١. ٤ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضّار الأشعريّ الصحابي المشهور، أمّره عمر، ثم عثمان -﵃-، وهو أحد الْحَكَمين بصِفِّين، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، و«أبو معاوية» هو: محمد بن خازم الضرير. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالكوفيين، وفيه ثلاثة من التابعين الكوفيين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن سعيد، عن أبي عبد الرحمن السُّلمي، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة -﵃-، ذو مناقب جمّة، قد أشرنا إلى بعضها فيما مضى. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا أَحَدَ أَصْيَرُ) أفعلُ تفضيل، قيل: الصبر حبس النفس على المكروه، والله تعالى منزه عنه، وأجيب بأن المراد: لازمه، وهو ترك المعاجلة بالعقوبة، قاله في»العمدة« . قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الصبر صفة من صفات الله -﷿- وردت في نصوص الكتاب السُّنَّة، فلا تفسّر بلازمها، وإنما نثبتها على معناها الحقيقيّ، دون المجازيّ على ما يليق بجلاله -﷾-، ولا يلزم من إثباتها على الوجه اللائق به -﷾- محذور؛ إذ تفسيرها بحبس النفس على المكروه هو معناها بالنسبة للمخلوق، وأما بالنسبة للخالق، فلها معنى يليق بجلاله، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وعمدة العنيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. فقوله: «لا أحد أصبر» «لا» هي النافية للجنس العاملة عمل «إن»، و«أحد» اسمها مبنيّ على الفتح، و«أصبرُ» مرفوع على أنه خبرها، ويَحْتَمل أن تكون عاملة عمل «ليس»، فـ «أحدٌ» مرفوع على أنه اسمها، و«أصبرَ» منصوب على أنه خبرها. (عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ) وفي نسخة: «سمعه»، و«الأذى» بمعنى المؤذي، وهو المؤلم ظاهرًا أو باطنًا، وقال في «العمدة»: قيل: إنه منزه عن الأذى، وأجيب بأن المراد به أذى يلحق أنبياءه؛ إذ في إثبات الولد إيذاء للنبيّ -ﷺ-؛ لأنه تكذيب له، وإنكار لمقالته. انتهى، وقد عرفت ما فيه، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق. وقال في «الفتح»: وقوله في الحديث: «أصبر» أفعل تفضيل من الصبر، ومن أسمائه الحسنى -﷾-: «الصبور»، ومعناه: الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة، وهو قريب من معنى الحليم، والحليم أبلغ في السلامة من العقوبة، والمراد بالأذى أذى رسله، وصالحي عباده؛ لاستحالة تعلق أذى المخلوقين به؛ لكونه صفة نقص، وهو منزه عن كل نقص، ولا يؤخر النقمة قهرًا، بل تفضلًا، وتكذيب الرسل في نفي الصاحبة، والولد عن الله أذى لهم، فأضيف الأذى لله تعالى للمبالغة في الإنكار عليهم، والاستعظِامِ لمقالتهم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، فإن معناه: يؤذون أولياء الله، وأولياء رسوله، فأقيم المضاف مقام المضاف إليه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد علمت فيما سبق أنه لا يلزم في وصفه تعالى بما ثبت في النصّ محذور أبدًا، فإنا نثبت ما أثبته -﷾- لنفسه، على مراده -﷿-، لا على ما نَصِف به المخلوق، فللَّه -﷾- صفاته العليّة اللائقة بجلاله، وللمخلوق صفاته الدنيّة اللائقة به، فلا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تأويل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقوله: (مِنَ اللهِ -﷿-) «من» صلة لـ «أصبر». ثم بيَّن الأذى المسموع بقوله: (إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: يُشرك المشركون بالله -﷾- غيره من مخلوقاته؛ كالأصنام وغيرها، فيعبدونها معه -﷾- (وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ) بالبناء للمفعول أيضًا، (ثُمَّ هُوَ يُعَافِيهِمْ)؛ أي: يعافي أنفسهم، من البلاء والأمراض، (وَيَرْزُقُهُمْ») ما يحتاجون إليه من الأموال، وغيرها. وقال القاضي عياض -﵀-: قوله:«لا أحد أصبر على أذى من الله»؛ أي: أشدّ حلمًا عن فاعل ذلك، وتَرْك المعاقبة عليه، وهو مفسَّر في الحديث:«يجعلون له ندًّا، وولدًا، وهو يرزقهم»وهو من معنى اسمه تعالى الصبور، والحليم، ومعناه: الذي لا يعاجل العصاة بالنقمة، بل يعفو، ويؤخر ذلك إلى أجَل معلوم عنده بمقدار، والحليم بمعناه، إلا أن في الحليم الصفح مع القدرة، والأمن من العقوبة، والصبور تُخشى عاقبة أخْذه، وهذا الفرق بين الصبر والحلم. انتهى . وقال المناويّ -﵀-: قوله:«لا أحد أصبر»من الصبر، وأصله: حبس النفس على ما تكرهه، وهو في صفة الباري تأخير العذاب عن مستحقه، فالمراد مِن أفعل نفي ذات المفضل عليه، وإذا انتفت ذاته انتفت المساواة، والنقص بالأَولى، وقوله:«على أذى»مصدر أَذَى يؤذي؛ يعني: المؤذي؛ أي: كلامٍ مؤذٍ.«سمعه من الله»؛ أي: ليس أحد أشد صبرًا من الله بإرسال العذاب إلى مستحقه، وهم الكفار على القول القبيح المذكور، قال: ولو نُسب ذلك إلى ملِك من أحقر ملوك الدنيا لاستنكف، وامتلأ غضبًا، وأهْلَكَ قائله، فسبحانه ما أحلمه، وما أرحمه، ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف: ٥٨]، وهو مع ذلك يحبس عقوبته عنهم، ولا يعاجلهم، بل يعافيهم؛ أي: يدفع عنهم المكاره، والمعافاة: دفع المكروه، ويرزقهم، فهو أصبر على الأذى من الخلق، فإنهم يُؤذَون بما هو فيهم، وهو يؤذَى بما ليس فيه، وهم إن صبروا صبروا تكلفًا، وضَعفًا، وصبرُه حِلم، ولطف. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٧٠٥٤ و٧٠٥٥ و٧٠٥٦] (٢٨٠٤)، و(البخاريّ) في «الأدب» (٦٠٩٩) و«التوحيد» (٧٣٧٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٩٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٩٥ و٤٠١ و٤٠٥)، و(اللالكائيّ) في «اعتقاد أهل السُّنَّة» (٦٨٧)، و(تمّام الرازيّ) في «فوائده» (١/ ٧٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات صفة الصبر لله -﷾- على ما يليق بجلاله، وأن صبره أتمّ أنواع الصبر. ٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن الصبر على تحمّل الأذى محمود، وتَرْك الانتقام ممدوح، ولهذا كان جزاء الصبر غير محصور؛ إذ الصبر والحلم في الأمور هو التخلق بأخلاق مالك أَزِمّة الأمور، وبالصبر يُفتح كل باب مُغلَق، ويسهل كل صعب مرتجّ، وهنا سرّ بديع، وهو أن من تعلق بصفة من صفاته تعالى أدخلته تلك الصفة عليه، وأوصلته إليه، فهو الصبور، أوحى الله إلى داود: تخلّق بأخلاقي، ومن أخلاقي أني أنا الصبور . ٣ - (ومنها): أن فيه إبانةً عن كرم الله -﷿-، وصفحه، وفضله، في تأخير معاجلة العذاب، وإدرار الرزق على مؤذيه، فهذا كرمه في معاملة أعدائه، فما ظنك بمعاملة أصفيائه. ٤ - (ومنها): أن فيه الحثّ على تحمل الأذى فيما يؤلم العبد؛ ليُجازَى غدًا جزاء الصابرين، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٥٥] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ، إِلَّا قَوْلَهُ: «وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ»، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. وقوله: (بِمِثْلِهِ، إِلَّا قَوْلَهُ)؛ أي: بمثل الحديث الماضي، إلا قول النبيّ -ﷺ-: «وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ»، فلم يذكره وكيع، ولو قال: بمثل حديثهما، إلا قولهما إلخ لكان أوفق لاصطلاحه، ويكون الضمير عائدًا على أبي معاوية، وأبي أسامة، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية وكيع عن الأعمش هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (١٩٥٤٥) - حدَثنا وكيعٌ، ثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن أبي عبد الرحمن، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا أحد أصبر على أذى، يسمعه من الله -﷿- أنه يُشرَك به، وهو يرزقهم»، انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٥٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ. قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَةُ نِدًّا، وَيَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرْزُقُهُمْ، وَيُعَافِيهِمْ، وَيُعْطِيهِمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قُدامة السَّرَخْسيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبل حديث. وقوله: (نِدًّا) بكسر النون، وتشديد الدال المهملة: العِدْل والمثل، كما قال حسان بن ثابت -﵁-[من الطويل]: أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ … فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ يعني بقوله: ولست له بندّ: لست له بمثل، ولا عِدل، وكلُّ شيء كان نظيرًا لشيء، وشبيهًا، فهو له نِدٌّ، قاله الطبريّ -﵀- . وقوله: (وَيُعْطِيهِمْ) من عطف العامّ على الخاصّ، فإن الرزق، والعافية من جملة العطايا. والحديث متّفقٌ عليه. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٣) - (بَابُ طَلَبِ الْكَافِرِ الْفِدَاءَ بِمِلْءِ الأَرْضِ ذَهَبًا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٥٧] (٢٨٠٥) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «يَقُولُ اللهُ ﵎ لأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا، أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا ، وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ، أَنْ لَا تُشْرِكَ -أَحْسَبُهُ قَالَ-: وَلَا أُدْخِلَكَ النَّارَ، فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) عبد الملك بن حبيب الأزديّ، أو الْكِنديّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ، من كبار [٤] (ت ١٢٨) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٦/ ٤٥٥. والباقون ذُكروا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، وفيه أنسٌ -﵁- تقدّم القول فيه. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-)؛ أنه (قَالَ: «يَقُولُ اللهُ ﵎ لأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ)؛ أي: لأسهلهم (عَذَابًا) منصوب على التمييز، وهو أبو طالب، والد عليّ -﵁-. (لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا، أَكنْتَ مُفْتَدِيًا بِهَا؟) بالفاء من الافتداء، وهو خلاص نفسه مما وقع فيه بدفع ما يملكه، وهذا إلماح لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ [الرعد: ١٨]. (فَيَقُولُ) الرجل الأهون عذابًا: (نَعَمْ) كنت مفتديًا به، قال في«الفتح»بعد أن أورده بلفظ:«يؤتى بالرجل من أهل النار، فيقال: يا ابن آدم كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شرّ مضجع، فيقال له: هل تفتدي بقُراب الأرض ذهبًا، فيقول: نعم يا رب، فيقال له: كذبت»، قال: ظاهر سياقه أن ذلك يقع للكافر بعد أن يدخل النار، ويَحْتَمِل أن يراد بالمضجع هنا: مضجعه في القبر، فيلتئم مع الروايات الأخرى. انتهى . (فَيَقُولُ) الله -﷿-: (قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا) وفي نسخة:«ما هو أهون من هذا»، وفي رواية:«فيقال: قد سئلت أيسر من ذلك»، وفي رواية:«فيقال: كذبت، قد سئلت أيسر من ذلك»، قال النوويّ: المراد بـ«أردت»في الرواية الأُولى: طلبت منك، وأمرتك، وقد أوضحه في الروايتين الأخيرتين، بقوله:«قد سئلت أيسر»فيتعيّن تأويل«أردت» على ذلك؛ جمعًا بين الروايات؛ لأنه يستحيل عند أهل الحق أن يريد الله تعالى شيئًا، فلا يقع، ومذهب أهل الحقّ أن الله تعالى مريد لجميع الكائنات، خيرها، وشرّها، ومنها الإيمان والكفر، فهو -﷾- مريد لإيمان المؤمن، ومريد لكفر الكافر؛ خلافًا للمعتزلة في قولهم: إنه أراد إيمان الكافر، ولم يُرِد كفره، تعالى الله عن قولهم الباطل، فإنه يلزم من قولهم إثبات العجز في حقه -﷾-، وأنه وقع في ملكه مما لم يُرِده، وأما هذا الحديث فقد بيّنّا تأويله، وأما قوله: «فيقال له: كذبت»، فالظاهر أن معناه: أن يقال له: لو رددناك إلى الدنيا، وكانت لك كلها، أكنت تفتدي بها؟ فيقول: نعم، فيقال له: كذبت، قد سئلت أيسر من ذلك، فأبَيْت، ويكون هذا من معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ولا بدّ من هذا التأويل؛ ليُجْمَع بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٤٧]؛ أي: لو كان لهم يوم القيامة ما في الأرض جميعًا ومثله معه، وأمكنهم الافتداء لافتدوا. انتهى . وقال القاري -﵀-: قوله: «يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو أن لك … إلخ» ؛ أي: لو فُرض الآن أن تملك «ما في الأرض من شيء». «من» زائدة؛ للاستغراق؛ أي: جميع ما فيها، وطُلب منك أن تفتدي به، وتخلص نفسك من النار، «أكنت تفتدي به؟» وهو من الافتداء بمعنى إعطاء الفدية للإنجاء، «فيقول: نعم، فيقول» -أي: الله سبحانه-: «أردت منك أهون من هذا»؛ أي: طلبته فوضع السبب موضع المسبَّب، ولأن مراد الله تعالى لا يتخلف، كما اتفق عليه السلف والخلف بقولهم: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وحاصله: أني أمرتك بأسهل من هذا، وأنت في صُلب آدم؛ أي: تعلق بك الأمر والحال وأنت في صُلب آدم، وفيه إيماء إلى قضية الميثاق المشتمل على قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، والمراد منه: التوحيد، والعبادة على وجه التفريد، وإليه أشار بقوله: «أن لا تشرك بي شيئًا» وهو بدل، أو بيان لقوله: «أهون»، «فأبيت»؛ أي: كل شيء «إلا أن تشرك بي»؛ أي: فلا جَرَم لا أقبل منك، ولو افتديت بجميع ما في الأرض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦]، وقال في موضع آخر: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٤٧]. قال الطيبيّ -﵀-: قوله : «لو أن لك ما في الأرض جميعًا»؛ أي: لو ثبت؛ لأن «لو» يقتضي الفعل الماضي، وإذا وقعت «أنّ» المفتوحة بعد «لو» كان حذف الفعل واجبًا؛ لأن ما في «أنّ» من معنى التحقيق والثبات منزّل منزلة ذلك الفعل المحذوف. وقوله: «أردت منك» ظاهر هذا الحديث موافق لمذهب المعتزلة، فإن المعنى: أردت منك التوحيد، فخالفت مرادي، وأتيت بالشرك، وقال المظهر: الإرادة هنا بمعنى الأمر، والفرق بين الأمر والإرادة: أن ما يجري في العالم لا محالة كائن بإرادته -﷾- ومشيئته، وأما الأمر فقد يكون مخالفًا لإرادته ومشيئته. قال الطيبيّ: توضيحه: أن الأمر بالإيمان توجه على عامة المكلفين، وتعلقت مشيئة الإيمان ببعضهم، وإرادة الكفر ببعضهم، ولذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقال: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]، وقال: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠]. قال الطيبيّ -﵀-: الأظهر أن تُحمل الإرادة هنا على أخذ الميثاق في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية بقرينة قوله: «وأنت في صلب آدم»، فقوله: «أبيت إلا أن تشرك بي» إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٧٣] ويُحمل الآباء هنا على نقض العهد، وقوله: «إلا تشرك» استثناء مفرغّ، وإنما حذف المستنثى منه مع أنه كلام موجب؛ لأن في الإباء معنى الامتناع، فيكون نفيًا؛ أي: ما اخترت إلا الشرك. انتهى. قال القاري: وهو كلام حسنٌ، إلا أن إطلاق الإرادة، وإرادة أخذ الميثاق يحتاج إلى بيان يدفع به ما تقدم من الإيراد، والله -﷾- أعلم. انتهى . (وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ) جملة حاليّة من قوله: «منك»، وقوله: (أَنْ لَا تُشْرِكَ) بدل من «أهون»، وقوله: (أَحْسَبُهُ قَالَ) يَحْتَمل أن يكون من كلام أنس -﵁-؛ أي: أظنّ النبيّ -ﷺ- قال إلخ، ويَحْتَمِل أن يكون ممن دونه، ومقول «قال» قوله: (وَلَا أُدْخِلَكَ النَّارَ) فـ «أدخل» معطوف على «تشرك» منصوب، (فَأَبَيْتَ)؛ أي: امتنعت، (إِلَّا الشِّرْكَ«)؛ أي: إلا أن تشرك بي ما ليس لي شريكًا، ولا يستحقّ ذلك. وقال في«الفتح»: قال عياض: يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية، فهذا الميثاق الذي أخذ عليهم في صُلب آدم، فمن وفى به بعد وجوده في الدنيا، فهو مؤمن، ومن لم يوفِّ به فهو الكافر، فمراد الحديث: أردت منك حين أخذت الميثاق، فأبيْت إذ أخرجتك إلى الدنيا إلا الشرك، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالإرادة هنا: الطلب، والمعنى: أمرتك فلم تفعل؛ لأنه -﷾- لا يكون في ملكه إلا ما يريد. واعترض بعض المعتزلة بأنه كيف يصح أن يأمر بما لا يريد؟. والجواب أن ذلك ليس بممتنع، ولا مستحيل. وقال المازريّ: مذهب أهل السُّنَّة أن الله تعالى أراد إيمان المؤمن، وكُفر الكافر، ولو أراد من الكافر الإيمان لآمن؛ يعني: لو قدّره عليه لوقع، وقال أهل الاعتزال: بل أراد من الجميع الإيمان، فأجاب المؤمن، وامتنع الكافر، فحملوا الغائب على الشاهد؛ لأنهم رأوا أن مريد الشرّ شرير، والكفر شرّ، فلا يصح أن يريده البارئ. وأجاب أهل السُّنَّة عن ذلك بأن الشرّ شرّ في حقّ المخلوقين، وأما في حق الخالق فإنه يفعل ما يشاء، وإنما كانت إرادة الشر شرًّا لنهي الله عنه، والبارئ سبحانه ليس فوقه أحد يأمره، فلا يصح أن تقاس إرادته على إرادة المخلوقين، وأيضًا فالمريد لفعلٍ ما إذا لم يحصل ما أراده آذن ذلك بعجزه وضعفه، والبارئ تعالى لا يوصف بالعجز والضعف، فلو أراد الإيمان من الكافر ولم يؤمن لآذن ذلك بعجز وضعف، تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا. وقد تمسَّك بعضهم بهذا الحديث المتفق على صحته، والجواب عنه ما تقدم، واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وأجيبوا بأنه من العامّ المخصوص بمن قضى الله له الإيمان، فعباده على هذا الملائكة، ومؤمنو الإنس والجن. وقال آخرون: الإرادة غير الرضا، ومعنى قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى﴾؛ أي: لا يشكره لهم، ولا يثيبهم عليه، فعلى هذا فهي صفة فعل. وقيل: معنى الرضا أنه لا يرضاه دينًا مشروعًا لهم، وقيل: الرضا صفة وراء الإرادة، وقيل: الإرادة تُطلق بإزاء شيئين: إرادة تقدير، وإرادة رضا، والثانية أخصّ من الأُولى، والله أعلم. وقيل: الرضا من الله إرادة الخير، كما أن السخط إرادة الشرّ. انتهى . وقد علّق الشيخ البرّاك على قوله: «لا يرضى؛ أي: لا يشكر لهم … إلخ»: الصواب أن الرضا ضدّ السخط، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨] والرضا يتضمّن المحبّة، والسخط يتضمّن البغض، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ أنه لا يرضاه، ولا يحبّه، بل يسخطه، ويُبغضه، وتفسير نفي الرضا بعدم الشكر غير لائق، فإن ذلك لا يدلّ على قبح الكفر، ولا يقتضي عقابًا، بخلاف نفي المحبّة والرضا، والله -﷾- قد وصف نفسه بالمحبّة والرضا، وأنه يمقت الكافرين، ويسخط عليهم، وأهل السُّنَّة والجماعة يُثبتون هذه الصفات لله تعالى على الحقيقة اللائقة به -﷾-، وتأويلها بالإرادة، أو نحوها هو طريقة أهل التأويل من الأشاعرة وغيرهم؛ لأن مذهبهم نفي هذه الصفات عن الله تعالى. قال: وقول من قال: الرضا صفة وراء الإرادة؛ يعني: أنها غيرها، وهو قول صحيح. وقول من قال: الإرادة تُطلق بإزاء شيئين: إرادة تقدير، وإرادة رضا هو معنى قول أهل السُّنَّة: الإرادة من الله نوعان: إرادة كونيّة، وهي المتعلّقة بجميع الكائنات، وهي بمعنى المشيئة؛ كقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ [البروج: ١٦] وإرادة شرعيّة، وهي المتعلّقة بما يحبّه ويرضاه؛ كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. انتهى كلام البرّاك، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٧٠٥٧ و٧٠٥٨ و٧٠٥٩ و٧٠٦٠] (٢٨٠٥)، و(البخاريّ) في «الأنبياء» (٣٣٣٤) و«الرقاق» (٦٥٣٨ و٦٥٥٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٢٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٧/ ١٩٩)، و(ابن أبي عاصم) في «السُّنَّة» (١/ ٤٧)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٢/ ٣١٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات صفة الكلام لله تعالى، يكلّم من يشاء بما يشاء، كما يقول لأهون أهل النار الكلام المذكور في الحديث. ٢ - (ومنها): إثبات أن الله -﷿- أخذ العهد والميثاق على بني آدم كلهم، وهم في صلب آدم -﵇-، فمنهم من وفى بعهده، فسعد السعادة الأبديّة، ومنهم من امتنع من الوفاء، بل غدر، وعصى، وتمرّد، فشقي الشقاء الأبديّ، ونعوذ بالله تعالى من ذلك، وهذا هو الذي أشارت إليه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: في هذا الحديث دليل على أنه يجوز أن يقول الإنسان: الله يقول، وقد أنكره بعض السلف، وقال: يكره أن يقول: الله يقول، وإنما يقال: قال الله، وقد قدمنا فساد هذا المذهب، وبينّا أن الصواب جوازه، وبه قال عامة العلماء، من السلف، والخلف، وبه جاء القرآن العزيز في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب: ٤]، وفي «الصحيحين» أحاديث كثيرة مثل هذا، والله أعلم. انتهى. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٥٨] (…) - (حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ، إِلَّا قَوْلَهُ: «وَلَا أُدْخِلَكَ النَّارَ»، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة هذه ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه» بسند المصنّف، فقال: (٦١٨٩) - حدّثني محمد بن بشار، حدّثنا غُندر، حدّثنا شعبة، عن أبي عِمران، قال: سمعت أنس بن مالك -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو أن لك ما في الأرض من شيء، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقول: أردت منك أهون من هذا، وأنت في صُلب آدم، أن لا تشركَ بي شيئًا، فأبَيْت، إلا أن تشرك بي»، انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٥٩] (…) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ قتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «يُقَالُ لِلْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا، أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبت [١٠] (٢٣٥) على الأصحّ، وله خمس وثمانون سنةً (خ م د س) تقدم «المقدمة» ٦/ ٧٥. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ) بن أبي عبد الله الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ، رُبّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر لوزن جعفر، أبو بكر البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ، ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (١٥٤) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٦٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ -يَعْنِي: ابْنَ عَطَاءٍ- كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ، غيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَيُقَالُ لَهُ: كَذَبْتَ، قَدْ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسان القَيْسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٠/ ٤٧٦. ٢ - (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بن واقد الكِلابيّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ١٨٨) (خ م س) تقدم في «القسامة» ٤/ ٤٣٦٥. ٣ - (عَبْدُ الْوهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ) الْخَفّاف، أبو نصر العجليّ مولاهم البصريّ، نزيل بغداد، صدوقٌ، ربّما أخطأ، أنكروا عليه حديثًا في العباس، يقال: دلّسه عن ثور [٩] (ت ٤ أو ٢٠٦) (عخ م ٤) تقدم في «الجهاد والسير» ٢٧/ ٤٦٠١. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختَلَط، وكان من أثبت الناس في قنادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ) ضمير التثنية لروح بن عبادة، وعبد الوهّاب بن عطاء، فكلاهما رويا هذا الحديث عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس -﵁-. وقوله: (بِمِثْلِةِ)؛ أي: بمثل حديث هشام الدستوائيّ. (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير في «أنه» وفي «قال» لسعيد بن أبي عروبة. [تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة هذه ساقها عبد بن حميد في «مسنده»، فقال: (١١٧٩) - حدّثنا رَوْح بن عُبادة الْقَيْسيّ، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، أن نبيّ الله -ﷺ- كان يقول: «يُجاء بالكافر يوم القيامة، فقيل له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبًا، أكنت مفتديًا به؟ فيقول: نعم، فيقال له: كذبت، قد سئلت ما هو أيسر من ذلك». انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٤) - (بَابٌ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٦١] (٢٨٠٦) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ -وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَاَنُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»، قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى، وَعِزَّةِ رَبِّنَا). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل باب، فلا حاجة إلى إعادته، و«يونس بن محمد» هو: المؤدّب البغداديّ، و«شيبان» هو ابن عبد الرحمن النحويّ. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة السَّدُوسي؛ أنه قال: (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁-، (أَنَّ رَجُلًا) لم يُعرف اسمه، (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ) بالبناء للمجهول، (الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟) هو إشارة إلى قوله -﷿-: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] . ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: «قال: يا نبي الله يُحشر الكافر على وجهه» بإسقاط لفظة: «كيف»، فقال في «الفتح»: كأنه استفهام حُذف أداته، ووقع في عدة نسخ: «كيف يُحشر»، وكذا هو عند مسلم وغيره. والكافر اسم جنس يشمل الجميع، ويؤيده قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ الآية [الفرقان: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ الآية، وفي رواية الحاكم من وجه آخر عن أنس -﵁-: «سئل رسول الله -ﷺ- يُحشر أهل النار على وجوههم»، وفي حديث أبي هريرة -﵁- عند البزار: «يحشر الناس على ثلاثة أصناف: صنف على الدوابّ، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم، فقيل: فكيف يمشون على وجوههم …» الحديث. ويؤخذ من مجموع الأحاديث أن المقربين يُحشرون ركبانًا، ومَن دونهم من المسلمين على أقدامهم، وأما الكفار فيُحشرون على وجوههم . (قَالَ) -ﷺ- مجيبًا على هذا السؤال: («أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ) بضمّ أوله من الإمشاء، (عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟») هذا ظاهر في أن المراد بالمشي حقيقته، فلذلك استغربوه حتى سألوا عن كيفيته، وزعم بعض المفسرين أنه مَثَلٌ، وأنه كقوله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ [الملك: ٢٢] قال مجاهد: هذا مَثَلُ المؤمن والكافر، قال الحافظ: ولا يلزم من تفسير مجاهد لهذه الآية بهذا أن يفسّر به الآية الأخرى، فالجواب الصادر عن النبيّ -ﷺ- ظاهر في تقرير المشي على حقيقته. انتهى . (قَالَ قَتَادَةُ) بن دعامة، وهو موصول بالسند المذكور: (بَلَى)؛ أي: هو قادر على ذلك، قال الفيّوميّ -﵀-: بَلَى حرف إيجاب، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت في الجواب: بَلَى، فمعناه: إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا؟ وقلت: بَلَى، فمعناه: التقرير، والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما في أول الكلام كما تقدم، وإما في أثنائه؛ كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى﴾ [القيامة: ٣ - ٤] والتقدير: بلى نجمعها، وقد يكون مع النفي استفهام، وقد لا يكون، كما تقدم، فهو أبدًا يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات. انتهى . (وَعِزَّةِ رَبِّنَا)؛ أي: وأقسم بعزّة الله -﷾-. قال في «الفتح»: والحكمة في حشر الكافر على وجهه أنه عوقب على عدم السجود لله تعالى في الدنيا بأن يُسحب على وجهه في القيامة؛ إظهارًا لهوانه، بحيث صار وجهه مكان يده ورجله في التوقي عن المؤذيات. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٧٠٦١] (٢٨٠٦)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٧٦٠) و«الرقاق» (٦٥٢٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (١١٣٦٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢٢٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣٠٤٦)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٣٥٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٣٢٣)، و(الطبريّ) في «التفسير» (١٩/ ١٢)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ٤٠٢)، و(أبو نعيم) في «الحلية» (٢/ ٣٤٣)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٥) - (بَابُ صَبْغِ أَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي النَّارِ، وَصَبْغِ أَشَدِّهِمْ بُؤْسًا فِي الْجَنَّةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٦٢] (٢٨٠٧) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟، هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا والله يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا والله يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤُسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ، نَزَل الرَّقَّة، ثقةٌ، حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في«المقدمة»٤/ ٢٣. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذان السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٤٥. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار البصريّ، أبو سلمة، ثقةٌ، عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيَّر حفظه بأخرة، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في«المقدمة»٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) -بضمّ الموحّدة، ونونين- ابن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(٢٢٠) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في«المقدمة» ٦/ ٨٠. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁- المذكور قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالبصريين من حمّاد، وفيه حماد بن سلمة من أثبت الناس في ثابت، وثابت ألزم الناس لأنس -﵁-، لزمه أربعين سنة، وفيه أنس -﵁- أخدم الناس لرسول الله -ﷺ-، ومن المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة -﵃- بالبصرة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «يُؤْتَى) بالبناء للمفعول؛ أي: يُحضر (بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا) الباء للتعدية؛ أي: بأشدّهم تنعمًا، وأكثرهم ظلمًا؛ لقوله: (مِنْ أَهْلِ النَّارِ)»من«بيانية، والجارّ والمجرور في محل حال. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظرف لـ»يؤتى«، (فَيُصْبَغُ) بالبناء للمفعول؛ أي: يُغمس (فِي النَّارِ صَبْغَةً) بالفتح؛ أي: غمسة؛ إطلاقًا للملزوم على اللازم، فإن الصبغ إنما يكون بالغمس غالبًا، وفي»النهاية«؛ أي: يُغمس في النار غمسة كما يُغمس الثوب في الصبغ، (ثُمَّ يُقَالُ) له: (يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا)؛ أي: نعمةً (قَطُّ؟)؛ أي: فيما مضى من زمانك، (هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟)؛ أي: في زمان من الأزمنة، وفي رواية عبد بن حميد:»فيقول الله -﷿-: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط، أو قرة عين قط؟ فيقول: لا وعزتك«، وفي الكلام مبالغة لا تخفى، حيث أوقع الاستفهام على مجرد الرؤية، والمرور، دون الذوق، والتمتع، والسرور . (فَيَقُولُ: لَا)؛ أي: ما رأيت قط (والله يَا رَبِّ) نفيٌ مؤكدٌ بالقسم، والنداء في الجواب؛ لِما أنْسَتْه شدّة العذاب ما مضى عليه من نعيم الدنيا، أو ما بعده من النعيم نظرًا إلى مآله، وسوء حاله، فأيّ نعيم آخره الجحيم، وأيّ شدّة مآلها الجنة، كما قال: (وَيُؤْتَى) بالبناء للمفعول أيضًا، (بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا) بضمّ الموحّدة؛ أي: شدةً، ومشقّةً، ومحنةً؛ لِمَا كان فيه من فاقة، وحاجة، وبليّة، وقال في »المشارق«: قوله: »هل رأيت بؤسًا قط«، ينوّن، ولا ينوّن، والرواية بالتنوين. انتهى . (فِي الدُّنْيَا)؛ أي: أوّلًا، (مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)؛ أي: مآلًا، (فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ)؛ أي: في أنهارها، أو الكوثر منها، (فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟، فَيَقُولُ: لَا والله يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤُسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ») وكأنه أطنب في الجواب؛ تلذذًا بالخطاب، وقَلَب الكلام للفرح التام، قاله القاري -﵀- . وقال ابن الجوزيّ -﵀-: هذا الحديث يحثّ على مراعاة العواقب، فإن التعب إذا أعقب الراحةَ هان، والراحة إذا أثمرت النصب، فليست راحة، فالعاقل من نظر في المآل، لا في عاجل الحال، وقد كشف هذا المعنى حديث أنس -﷿- الآتي عند مسلم :«حُفّت الجنة بالمكاره، وحُفّت النار بالشهوات»، وقد قالت الحكماء: لا تُنال الراحة بالراحة، وقيل: إن يَلْمَع برق لذّة، إلا وتقع صاعقة ندم. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٧٠٦٢] (٢٨٥٧)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٧/ ٨٧)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٢٠٣ و٢٥٣)، و(عبد بن حميد) في«مسنده»(١٣١٣)، و(أبو يعلى) في«مسنده» (٦/ ٢٣١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٦) - (بَابُ جَزَاءِ الْمُؤْمِنِ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَتَعْجِيلِ حَسَنَاتِ الْكَافِرِ فِي الدُّنْيَا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٦٣] (٢٨٠٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ -وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. والباقون ذُكروا في الباب الماضي، وقبله ببابين. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً)؛ يعني: أنه لا ينقصه، ولا يمنعه ثوابها في الدار الآخرة والأولى . وقال النووي: معناه: لا يترك مجازاته بشيء من حسناته، والظلم يُطلق بمعنى النقص، وحقيقة الظلم مستحيلة من الله تعالى، كما سبق بيانه، ومعنى«أفضى إلى الآخرة»: صار إليها، وأما إذا فعل الكافر مثل هذه الحسنات، ثم أسلم، فإنه يثاب عليها في الآخرة، على المذهب الصحيح، وقد سبقت المسألة في«كتاب الإيمان». انتهى . وقال القاري: قال بعض الشرّاح:«إن الله لا يظلم مؤمنًا»؛ أي: لا يُضيع أجر حسنة المؤمن، ولا يخفى أنه حاصل المعنى، وأما بحسب التركيب والمعنى، فالظلم يتعدى إلى مفعولين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤]، وفي«القاموس»: ظلمه حقّه؛ أي: منعه إياه، فالحديث تفسير لِمَا في القرآن، وتبيين لِمَا فيه من نوعي جنس الإنسان، وبيان أن الله يجازي عباده المؤمن والكافر على النقير، والقطمير، والقليل، والكثير، من الخير والشرّ، إما في الدنيا، وإما في العقبى، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٨]، وقال -﷿-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]، ولذا قال عمر -﵁-:«لو كانت لي حسنة واحدة لكفتني»بناءً على المضاعفة المذكورة، والمثوبة العظيمة المسطورة. انتهى . (يُعْطَى) بالبناء للمفعول، (بِهَا)؛ أي: بسبب تلك الحسنة (فِي الدُّنْيَا)؛ أي: بحسنات الدنيا، من الأهل، والأموال، وغير ذلك. وقال القاري: قوله:«يُعطى»بصيغة المجهول، استئناف بيانيّ؛ أي: يعطى المؤمن كل خير«بها»؛ أي: بسبب تلك الحسنة«في الدنيا» من رفع البلاء، وتوسعة الرزق، وغير ذلك من النَّعماء، وفي نسخة بصيغة الفاعل؛ أي: يعطي الله إياه بتلك الحسنة أجرًا في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة على بناء المفعول، أو الفاعل طبق ما قبله. انتهى . (وَيُجْزَى) بالبناء للمفعول أيضًا، (بِهَا فِي الآخِرَةِ) بأحسن ما عمله، كما قال -﷿-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٦]. (وَأمّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ) ببناء الفعل للمفعول، قال القرطبيّ -﵀-: قوله: «فيُطعم بِحَسَنَاتِ» هكذا رواه الجماعة، ورواه ابن ماهان: «فيعطى بحساب»، وكلاهما صحيح المعنى، وتسمية ما يصدر عن الكافر حسنة إنما كان بحسب ظنّ الكافر، وإلا، فلا تصح منه قربة؛ لعدم شرطها الذي هو الإيمان، أو سميت حسنة؛ لأنها تُشبه صورة حسنة المؤمن ظاهرًا. ثمّ هل يعطى الكافر بحسناته في الدنيا، ولا بدّ بحكم هذا الوعد الصادق، أو ذلك مقيَّد بمشيئة الله المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]، وهذا هو الصحيح، وأمّا المؤمن، فلا بدّ له من الجزاء الأخرويّ، كما قد عُلم من الشريعة. انتهى . وقال القاري -﵀-: قوله: «وأما الكافر فيُطْعَم» بصيغة المجهول لا غير؛ أي: يعطى، وفي العدول إشارة إلى أن مطمح نظر الكافر في العطاء إنما هو بطنه، والمعنى أنه يجزى بحسنات ما عمل بها لله؛ أي: من إطعام فقير، وإحسان ليتيم، وإغاثة ملهوف، ونحوها من طاعات، لا يشترط في صحتها الإسلام. (مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا) ظرف ليطعم؛ أي: يجزى في الدنيا بحسناته، فإنّ الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، (حَتَّى إِذَا أَفْضَى)؛ أي: وصل (إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ) بالتأنيث، وتُذَكَّر؛ أي: لم يبق، ولم يوجد (لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا») قال القرطبيّ -﵀-؛ أي: لا يتخلّص من العذاب بسببها، وأمّا التخفيف عنه بسببها، فقد يكون على ما قرّرناه. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٧٠٦٣ و٧٠٦٤ و٧٠٦٥] (٢٨٠٨)، و(البخاريّ) في«خلق أفعال العباد»(ص ٥٦)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ١٢٣ و١٢٥ و٢٨٣)، و(عبد بن حميد) في«مسنده»(١١٧٨)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٥/ ٢٣١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الله -﷿-، حيث لا يظلم أحدًا من حسناته التي عملها، فأما المؤمن فيجازيه بها في الدنيا، والآخرة، وأما الكافر فيعطى بها في الدنيا من التوسعة في الرزق، وتسهيل الأمور، ونحو ذلك. ٢ - (ومنها): ما قاله في«شرح السُّنَّة»: معنى الحديث: أن المؤمن إذا اكتسب حسنة، يكافئه الله تعالى، بأن يوسّع عليه رزقه، ويرغد عيشه في الدنيا، وبأن يجزى، ويثاب في الآخرة، والكافر إذا اكتسب حسنة في الدنيا، بأن يفُكّ أسيرًا، أو يُنقذ غريقًا، يكافئه الله تعالى في الدنيا، ولا يجزى بها في الآخرة. انتهى. قال القاري: وحاصل ما قاله: أن الله يقابل عبده المؤمن بالفضل، والكافر بالعدل، ولا يُسأل عما يفعل، ولعل الحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠]. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: أجمع العلماء على أن الكافر الذي مات على كفره لا ثواب له في الآخرة، ولا يجازى فيها بشيء من عمله في الدنيا، متقربًا إلى الله تعالى، وصرَّح في هذا الحديث بأن يُطْعَم في الدنيا بما عمله من الحسنات؛ أي: بما فعله متقربًا به إلى الله تعالى، مما لا يفتقر صحته إلى النية، كصلة الرحم، والصدقة، والعتق، والضيافة، وتسهيل الخيرات، ونحوها، وأما المؤمن فيُدَّخر له حسناته، وثواب أعماله إلى الآخرة، ويجزى بها مع ذلك أيضًا في الدنيا، ولا مانع من جزائه بها في الدنيا والآخرة، وقد ورد الشرع به، فيجب اعتقاده. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٦٤] (…) - (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الآخِرَةِ، وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) هو: عاصم بن النضر بن المنتشر الأحول، أبو عُمَر البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠] (م د س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢٦/ ١٣٥٠. ٢ - (مُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طرْخان التيميّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً منَ الدُّنْيَا)؛ أي: أُعطي جزاءه من حسنات الدنيا؛ كطول العمر، والعافية، وسعة الرزق، وكثرة الأولاد. وقوله: (وَيُعْقِبُة رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ)؛ أي: جازاه الله -﷿- بطاعته ببسط رزقه، وسعة عيشه. والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وتقدّم البحث فيه مستوفًى في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٦٥] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّيُّ) -براء مضمومة، ثم زاي ثقيلة- أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ يَهِم [١٠] (ت ٢٣١) (م) من أفراد المصنّف تقدم في «الجهاد والسِّير» ٢٧/ ٤٦٠١. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل بابين. [تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٧) - (بَابُ مَثَلِ الْمُؤْمِنِ كَالزَّرْعِ، وَمَثَلِ الْكَافِرِ كشَجَرِ الأَرْزِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٦٦] (٢٨٠٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ ، لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ، وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الأَرْزِ، لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى البصري السامي بالمهملة أبو محمد وكان يغضب إذا قيل له: أبو همام، ثقة من الثامنة مات سنة تسع وثمانين (ع)، تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريبًا. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن شهاب، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (سَعِيدُ) بن الْمُسيِّب المخزوميّ المدنيّ الفقيه، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) تقدّم أيضًا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، وقد ذكره السيوطيّ في «ألفيّة الأثر» حيث قال: وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ … سَعِيدٍ أَوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنّ عَنْ أَعْرَجِ وَقِيلَ حَمَّادٌ بِمَا … أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَى وفيه روَاية تابعيّ عن تابعىّ، وفيه ابن المسيِّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ)؛ أي: صفته، قيل: المراد: المؤمن الكامل، والأَولى إطلاقه. (كَمَثَلِ الزَّرْعِ) وفي نسخة:»مثلُ الزرع«، وفي حديث كعب الآتي:»كمثل الخامة: من الزرع«بالخاء المعجمة، وتخفيف الميم، وفي»النهاية«: الحنامة: الغصنة اللينة من الزرع، وألفها منقلبة عن الواو، وقيل: الخامة: الغصنة الرطبة من النبات، لم يشتدّ بعدُ، وقيل: ما لها ساق واحد، وقال القاضي؛ أي: طاقة من الزرع، فهو صفة لخامة . (لَا تَزَالُ الرِّيحُ) اللام للجنس، (تُمِيلُهُ) بضمّ أولى، من الإمالة، وضَبَطه القاري بالتشديد أيضًا، من التمييل؛ أي: تُميل الريح ذلك الزرع إلى جهة اليمين، أو الشمال. (وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ) من أنواع المشقة، من الخوف، والجوع، والمرض، وغيرها. (وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ)؛ أي: الحقيقيّ، أو الحكميّ، (كمَثَلِ شَجَرَةِ الأَرْزِ) قال النوويّ -﵀-: هي بفتح الهمزة، وراء ساكنة، ثم زاي، هذا هو المشهور في ضبطها، وهو المعروف في الروايات، وكُتُب الغريب، وذكر الجوهريّ، وصاحب«نهاية الغريب»أنها تقال أيضًا بفتح الراء، قال في«النهاية»: وقال بعضهم: هي الآرزة بالمدّ، وكسر الراء، على وزن فاعلة، وأنكرها أبو عبيد، وقد قال أهل اللغة: الآرزة بالمدّ هي الثابتة، وهذا المعنى صحيح هنا، فإنكار أبي عبيد محمول على إنكار روايتها كذلك، لا إنكار لصحة معناها، قال أهل اللغة، والغريب: شجر معروف، يقال له: الأرزن، يشبه شجر الصنوبر، بفتح الصاد، يكون بالشام، وبلاد الأرمن، وقيل: هو الصنوبر. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله«كالأرزة» بفتح الهمزة، وقيل: بكسرها، وسكون الراء، بعدها زاي، كذا للأكثر، وقال أبو عبيدة: هو بوزن فاعلة، وهي الثابتة في الأرض، وردّه أبو عبيد بأن الرواة اتفقوا على عدم المدّ، وإنما اختلفوا في سكون الراء، وتحريكها، والأكثر على السكون، وقال أبو حنيفة الدِّينَوَريّ: الراء ساكنة، وليس هو من نبات أرض العرب، ولا ينبت في السباخ، بل يطول طولًا شديدًا، ويغلُظ، قال: وأخبرني الخبير أنه ذَكَرُ الصنوبر، وأنه لا يَحمل شيئًا، وإنما يُستخرج من أعجازه وعروقه الزفت، وقال ابن سِيدَه: الأرز: الْعَرْعَر، وقيل: شجر بالشام، يقال لثمره: الصنوبر، وقال الخطابيّ: الأرزة مفتوحة الراء، واحدة الأرز، وهو شجر الصنوبر فيما يقال، وقال القزاز: قاله قوم بالتحريك، وقالوا: هو شجر معتدل صَلْبٌ، لا يحركه هبوب الريح، ويقال له: الأرزن. انتهى . وقال في «القاموس»: الأرزن، ويُضم: شجر الصنوبر؛ كالأرزة، أو العرعر، وبالتحريك: شجر الأرزن، وهو شجر صلب. انتهى . (لَا تَهْتَزُّ)؛ أي: لا تتحرّك تلك الشجرة بتحريك الرياح بل ثابتة دائمًا، (حَتَّى تَسْتَحْصِدَ») بفتح أوله، مبنيًّا للفاعل؛ أي: إلى أن يأتي وقت حَصادها، وقطعها، وهذا الضبط هو الموافق لِمَا في كتب اللغة، وأما ضبط القاري بالبناء للمفعول، فمخالف لِمَا في كتبهم، ولأن«استحصد»لازم غير متعدّ، فلا يُبنى للمفعول، قال الفيّوميّ -﵀-: أحصد الزرعُ بالألف، واستَحْصَدَ: إذا حان حَصادَهُ، فهو مُحْصِدٌ، ومُستحْصِدٌ بالكسر، اسم فاعل. انتهى ، ونحوه عبارة«القاموس». وقال النوويّ -﵀-: وقوله -ﷺ-:«حتى تستحصد»بفتح أوله، وكسرالصاد، كذا ضبطناه، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين، وعن بعضهم بضم أوله، وفتح الصاد، على ما لم يُسَمَّ فاعله، والأول أجود؛ أي: لا تتغير حتى تنقلع مرة واحدة؛ كالزرع الذى انتهى يُبْسه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد علمت أن الضبط الثاني غير صحيح؛ لأن«استحصد»فعلٌ لازم، لا يُبنى للمفعول، فتنبّه، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٧٠٦٦ و٧٠٦٧] (٢٨٠٩)، و(البخاريّ) في«المرضى»(٥٦٤٤) و«التوحيد»(٧٤٦٦)، و(الترمذيّ) في«الأمثال»(٢٨٧)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٧٤٨٠)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٢٣٤ و٢٨٣ - ٢٨٤ و٥٢٣)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٦/ ١٦٣)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٢٩١٥)، و(البيهقيّ) في«شعب الإيمان»(٧/ ١٤٣)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة»(١٤٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب استعمال التشبيه في التعليم لمزيد الإيضاح. ٢ - (ومنها): بيان شرف المؤمن عند الله -﷿-، حيث جعل له أنواع البلاء مطهّرة لذنوبه، حتى يأتي يوم القيامة نقيًّا من الذنوب. ٣ - (ومنها): بيان هوان المنافق على الله تعالى، حيث إنه يعافى، ويمتّع، ولا يناله كثير من مصائب الدنيا حتى يوافي يوم القيامة كامل الأوزار. ٤ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ -﵀-: هذا التشبيه يجوز أن يكون مفرقًا، فيقدَّر للمشبَّه مَعانٍ مقابلة للمشبه به، وأن يكون تمثيليًّا، فيتوهّم للمشبّه ما للمشبّه به، وأن يكون قولًا بأن تؤخذ الزبدة من المجموع. قال: وفيه إشارة إلى أن المؤمن ينبغي أن يرى نفسه في الدنيا عارية معزولة عن استيفاء اللذات، والشهوات، معروضة للحوادث والمصيبات، مخلوقةً للآخرة؛ لأنها جنته، ودار خلوده وثباته. قال: وقوله: «حتى تستحصد»: الحصاد إنما يُستعمل في الزرع والكلأ، واستعماله في الشجر إما استعارة لفظيّة؛ كالْمِشفر للشفة، أو معنويّة، شُبّه قلع شجر الصنوبر، أو الأرزن في سُهولته بحصاد الزرع، فدلّ على سوء خاتمة الكافر. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٦٧] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مَكَانَ قَوْلِهِ: «تُمِيلُهُ»: «تُفِيئُهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ هذه ساقها الترمذيّ -﵀- في «جامعه»، فقال: (٢٨٦٦) - حدّثنا الحسن بن عليّ الخلال، وغير واحد، قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مثل المؤمن كمثل الزرع، لا تزال الرياح تفيئه، ولا يزال المؤمن يصيبه بلاء، ومثل المنافق مثل الشجرة الأرز، لا تهتزّ حتى تَسْتَحْصِد»، قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٦٨] (٢٨١٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّد بْنُ بِشْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي ابْنُ كعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفِيئُهَا الرِّيحُ، وَتَصْرَعُهَا مَرَّةً، وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى، حَتَّى تَهِيجَ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ عَلَى أَصْلِهَا، لَا يُفِيئُهَا شَيْءٌ، حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر قبل حديث. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٧. ٤ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فَيْروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، وكان يدلِّس [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٩. ٥ - (سَعْدُ بْن إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ قاضيها، ثقةٌ فاضلٌ، عابدٌ [٥] (ت ١٢٥) وقيل: بعدها، وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٦ - (ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) هو: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْب بْنِ مَالِكٍ، الأنصاريّ، أبو الخطاب المدنيّ، ثقةُ، من كبار التابعين، ويقال: وُلَد في عهد النبيّ -ﷺ-[٢] مات في خلافة سليمان بن عبد الملك (ع) تقدم في «الأطعمة» ٦/ ٥٢٨٥. [تنبيه]: كون ابن كعب بن مالك المبهم هنا هو عبد الرحمن هو الذي صرّح به في رواية الثوريّ من طريق بشر بن السريّ، وعبد الرحمن بن مهديّ المذكورة بعد هذا، ووقع في رواية بشر بن السريّ وحده عن الثوريّ التي تليها أنه عبد الله بن كعب بن مالك أخوه، وهو الذي عند البخاريّ من طريق يحيى القطّان عن الثوريّ، ثم علّق البخاريّ بعده، فقال: وقال زكريّا: حدّثني سعد، حدّثني ابن كعب، عن أبيه كعب، عن النبيّ -ﷺ-، فأبهمه مثل رواية مسلم هذه. قال الحافظ -﵀- في «الفتح»: قوله: حدّثني ابن كعب، يريد أنه مغاير لرواية سفيان، عن سعد في شيئين: أحدهما إبهامه اسم ابن كعب، والثاني تصريحه بالتحديث، فيستفاد من رواية سفيان تسميته، ومن رواية زكريا التصريح باتصاله، وقد وقع في رواية لمسلم عند سفيان تسميته عبد الرحمن بن كعب، ولعل هذا هو السرّ في إبهامه في رواية زكريا، ويستفاد من صنيع مسلم في تخريج الروايتين عن سفيان أن الاختلاف إذا دار على ثقة لا يضرّ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة المسألة أن الحديث ثابت عن الأخوين: عبد الرحمن، وعبد الله ابني كعب بن مالك عن أبيهما، فتفسير قوله: حدّثني ابن كعب بن مالك بأحدهما صحيح؛ لثبوته عنهما، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٧ - (أَبُوهُ كَعْبُ) بن أبي كعب الأنصاريّ السَّلَمىّ -بالفتح- المدنيّ الصحابي المشهور، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا، وقد سبق قريبًا حديث توبته وصاحبيه مطوّلًا، مات في خلافة عليّ -﵄-، (ع) تقدّمت ترجمته في «صلاة المسافرين وقصرها» ١٣/ ١٦٥٩. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀- وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالكوفيين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة -﵃-. شرح الحديث: عن (كَعْب) بن مالك -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ) بالخاء المعجمة، وتخفيف الميم: هي الطاقة الطرية اللينة، أو الغَضّة، أو القضبة، قال الخليل: الخامة: الزرع أول ما ينبت على ساق واحد، والألف منها منقلبة عن واو، ونقل ابن التين عن القزاز، أنه ذكرها بالمهملة، والفاء، وفسَّرها بالطاقة من الزرع، ووقع عند أحمد في حديث جابر:»مَثَل المؤمن مَثَل السُّنبلة، تستقيم مرّةً، وتخرّ أخرى«، وله في حديث لأُبيّ بن كعب:»مَثَل المؤمن مَثَل الخامة تحمرّ مرةً، وتصفرّ أخرى«. (تُفِيئُهَا الرِّيحُ) بفاء، وتحتانية، مهموزًا: كتُميلها وزنًا ومعنًى، ونقل ابن التين عن أبي عبد الملك أن معنى تُفيئها: ترقدها، وتعقبه بأنه ليس في اللغة فاء: إذا رقد، قال الحافظ: لعله تفسير معنى؛ لأن الرقود رجوع عن القيام، و«فاء» يجيء بمعنى رجع. (وَتَصْرَعُهَا مَرَّةً)؛ أي: تخفضها (وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى) بفتح أوله، وسكون العين المهملة، وكسر الدال، وبضم أوله أيضًا، وفتح ثانيه، والتشديد، من التعديل، ووقع عند مسلم: تفيئها الريح تصرعها مرة وتعدلها أخرى، وكأن ذلك باختلاف حال الريح: فإن كانت شديدة حرّكتها فمالت يمينًا وشمالًا حتى تقارب السقوط، وإن كانت ساكنة أو إلى السكون أقرب أقامتها. ووقع في رواية زكريا عند مسلم: حتى تهيج، ولأحمد من حديث جابر مثله. (حَتَّى تَهِيجَ)؛ أي: تَيْبَس، قاله النوويّ، وقال في «الفتح»؛ أي: تستوي، ويكمل نضجها. (وَمَثَلُ الْكَافِرِ) وفي روا ية «المنافق»، وفي أخرى: «الفاجر»، (كمَثَلِ الأَرْزَةِ) تقدّم الاختلاف في ضبطها، ومعناها في الحديث الماضي، وقوله: (الْمُجْذِيَةِ عَلَى أَصْلِهَا) بضم الميم، وسكون الجيم، وكسر الذال المعجمة، ونصب الياء باثنتين تحتها؛ أي: المنتصبة الثابتة، يقال منه: جذى، وأجذى: إذا انتصب، واستقام، قاله القاضي عياض . وقال في «اللسان» : قال الأزهريّ: الإجذاء في هذا الحديث لازم، يقال: أجذى الشيءُ يُجذي، وجذا يجذو جَذْوًا: إذا انتصب، واستقام، واجْذَوْذَى اجذيذاء مثله، والْمُجْذَوْذِي الذي يلازم الرحل والمنزل، لا يفارقه، وأنشد لأبي الغريب النصريّ: أَلَسْتَ بِمجْذُوذٍ عَلَى الرَّحْلِ دَائِبٍ … فَمَا لَكَ إِلَّا مَا رُزِقْتَ نَصِيبُ (لَا يُفِيئُهَا شَيْءٌ) قال النوويّ: وأما «تميلها»، و«تفيئها» فمعنى واحد، ومعناه: تقلبها الريح يمينًا وشمالًا . (حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا) بجيم، وعين مهملة، ثم فاء؛ أي: انقلاعها، تقول: جعفته فانجعف، مثل قَلَعته فانقلع، ونقل ابن التين عن الداوديّ أن معناه: انكسارها من وسطها، أو أسفلها. (مَرَّةً وَاحِدَةً«) قال النوويّ: قال العلماء: معنى الحديث: أن المؤمن كثير الآلام في بدنه، أو أهله، أو ماله، وذلك مكفِّر لسيئاته، ورافع لدرجاته، وأما الكافر فقليلها، وإن وقع به شيء لم يكفِّر شيئًا من سيئاته، بل يأتي بها يوم القيامة كاملة. انتهى . وقال المهلَّب: معنى الحديث: أن المؤمن حيث جاءه أمر الله انطاع له، فإن وقع له خير فَرِح به وشَكَر، وإن وقع له مكروه صبر، ورجا فيه الخير والأجر، فإذا اندفع عنه اعتدل شاكرًا، والكافر لا يتفقده الله باختياره، بل يحصل له التيسير في الدنيا؛ ليتعسر عليه الحال في المعاد، حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه، فيكون موته أشدّ عذابًا عليه، وأكثر أَلَمًا في خروج نفسه. وقال غيره: المعنى: أن المؤمن يتلقى الأعراض الواقعة عليه؛ لِضَعف حظه من الدنيا، فهو كأوائل الزرع شديد الميلان؛ لِضَعف ساقه، والكافر بخلاف ذلك، وهذا في الغالب من حال الاثنين ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث كعب بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٧٠٦٨ و٧٠٦٩ و٧٠٧٠ و٧٠٧١] (٢٨١٠)، و(البخاريّ) في «المرضى» (٥٦٤٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٧٤٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٨٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٨٦)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (٣٧٣)، و(الدارميّ«في»سننه«(٢/ ٤٠٠)، و(الرويانيّ) في»مسنده«(٢/ ٤٣٦)، و(القضاعيّ) في»مسند الشهاب«(٢/ ٤٣٦)، و(أبو نعيم) في»الحلية«(٣/ ١٧٣)، و(البيهقيّ) في»شعب الإيمان«(٧/ ١٤٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٦٩] (…) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْب بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:«مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفِيئُهَا الرِّيَاحُ، تَصْرَعُهَا مَرَّةً، وَتَعْدِلُهَا، حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ مَثَلُ الأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ الَّتِي لَا يُصِيبُهَا شَيْءٌ ، حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ) أبو عمرو الأفوه البصريّ، سكن مكة، وكان واعظًا، ثقةً متقنًا طُعن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [٩] (ت ٥ أو ١٩٦) وله ثلاث وستون سنةً (ع) تقدم في«الإيمان»٧/ ١٣١. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ) بن حسان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث، قال ابن المدينيّ: ما رأيت أعلم منه [٩] (١٩٨) وهو ابن ثلاث وسبعين سنةً (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ١ ص ٣٨٨. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثورىّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، ربّما دلّس، من رؤوس الطبقة [٧] (ت ١٦١) وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في«المقدمة» ١/ ١. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٧٠] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، غَيْرَ أَنَّ مَحْمُودًا قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ بِشْرٍ: «وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ»، وَأَمَّا ابْنُ حَاتِمٍ، فَقَالَ: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ»، كمَا قَالَ زُهَيْرٌ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ السَّمِين، صدوقٌ رُبّما وَهِم، وكان فاضلًا [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٤. ٢ - (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) الْعَدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) وقيل: بعد ذلك (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨١. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريّ المدنيّ، أخو عبد الرحمن، ثقةٌ، يقال: له رؤية [٢] مات سنة سبع، أو ثمان وتسعين (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٠. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ عن سعد بن إبراهيم ساقها الدارميّ ، فقال: (٢٧٤٩) حدثنا محمد بن يوسف ، ثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الله بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع، تفيئها الرياح، تَعْدِلها مرةً، وتضجعها أخرى، حتى يأتيه الموت، ومثل الكافر كمثل الأرزة الْمُجْذِية على أصلها، لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرةً واحدةً»، قال أبو محمد : الخامة: الضعيف. انتهى. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٧١] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى -وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ ابْنُ هَاشِمٍ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيّ -ﷺ- بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَقَالَا جَمِيعًا فِي حَدِيثِهِمَا، عَنْ يَحْيَى: «وَمَثَلُ الْكَافِرِ مَثَلُ الأَرْزَةِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْن هَاشِمِ) بن حَيّان -بتحتانية- الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن الطُّوسيّ، سكن نيسابور، ثقةٌ صاحب حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع وخمسين ومائتين (م) من أفراد المصنّف تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٣ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ)؛ يعني: أن محمد بن بشّار، وعبد الله بن هاشم رويا هذا الحديث عن يحيى القطان، عن سفيان الثوريّ بنحو ما حدّث به زهير بن حرب، ومحمد بن حاتم، ومحمود بن غيلان، الأول عن بشر بن السريّ، وعبد الرحمن بن مهديّ كلاهما عن سفيان، والآخران عن بشر، عن سفيان. وقوله: (وَقَالَا جَمِيعًا فِي حَدِيثِهِمَا، عَنْ يَحْيَى)؛ أي: قال محمد بن حاتم، ومحمود كلاهما عن يحيى القطّان. [تنبيه]: رواية يحيى القطان عن سفيان هذه ساقها الطبرانيّ في «الكبير»، فقال: (١٨٣) - وحدّثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان الثوريّ، حدّثني سعد بن إبراهيم، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع، تفيئها الرياح، تعدلها مرةً، وتصرعها أخرى، ومثل الكافر مثل الأرزة المجذية على أصلها، حتى يكون انجعافها مرةً واحدةً». انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٨) - (بَابٌ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٧٢] (٢٨١١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ -وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ- أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً، لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُوني مَا هِيَ؟»، فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: فَقَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ»، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ، قَالَ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَ هِيَ النَّخْلَةُ، أَحَبٌّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكرياء البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وله سبع وسبعون سنةً (عخ م د عس) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، تقدّم قبل ستّة أبواب. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، أبو الحسن، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقةٌ، حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جازها (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) الْعَدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ [٤] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب -﵂-، تقدّم قبل خمسة أبواب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٤٣٠) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة التحمّل والأداء منه ومنهم، كما أسلفناه غير مرّة، وفيه قوله: «يعنون ابن جعفر»، ولم يقل: إسماعيل بن جعفر؛ لأن شيوخه لم ينسبوه إلى أبيه، وأراد هو أن ينسبه إيضاحًا للآخذين عنه، فزاد كلمة «يعني» فصلًا بين ما رواه عن شيوخه، وبين ما زاده هو، وإلى هذا أشار السيوطيّ -﵀- في «ألفيّة الأثر» حيث قال: وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ … فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ بَنَحْوِ «يَعْنِي» وَبِـ «أَنَّ» وَبِـ «هُو» … ............................. وفيه ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأبرز من عُرف باتباع الآثار. شرح الحديث: عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ (أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) -﵄- (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةَ) زاد في رواية مجاهد الآتية:»قال: صَحِبت ابنَ عمر إلى المدينة، فما سمعته يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ … «، وفي رواية للبخاريّ:»كنت عند النبيّ -ﷺ-، وهو يأكل جُمّارًا … «. وانتصاب«شجرةً»على أنه اسم«إنّ»مؤخّرًا، وخبرها:«من الشجرة». قال في«العمدة»: وقوله:«إن من الشجر شجرةً»مُخَرّج على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأن المخاطَبين فيه كانوا مستشرفين، كاستشراف الطالب المتردد، فلذلك حَسُن تأكيده بـ«أنّ»، وصَوْغه بالجملة الاسمية. انتهى . [فائدة]: قال المجد -﵀-: الشَّجَرُ، والشِّجَرُ، والشَّجْراءُ؛ كجَبَلٍ، وعِنَبٍ، وصَحْراءَ، والشِّيَرُ بالياءِ، كعِنَبٍ، من النباتِ: ما قامَ على ساقٍ، أو ما سَما بنَفْسِه، دَقَّ، أو جَلَّ، قاوَمَ الشِّتاءَ، أو عَجَزَ عنه، الواحِدةُ: بِهاءٍ. انتهى . وقال الصغانيّ في«العباب»: الشجر، والشجرة: ما كان على ساق من نبات الأرض، وقال الدِّينوريّ: من العرب من يقول: شَجَرةٌ، وشِجَرة، فيكسر الشين، ويفتح الجيم، وهي لغة لبني سليم، وأرض شجراء كثيرة الأشجار، ولا يقال: وادٍ شجر، وواحد الشجراء شجرة، ولم يأت على هذا المثال إلا أحرف يسيرة، وهي شجرة وشجراء، وقصبة وقصباء، وطرفة وطرفاء، وحلفة وحلفاء، وقال سيبوبه: الشجراء واحد وجمع، وكذلك القصباء، والطرفاء، والحلفاء، وقال الزمخشريّ: الشِّجرة بكسر الشين، والشِّيَرة بكسر الشين، وبالياء، وعن أبي عمرو أنه كرهها، وقال: يقرأ بها برابر مكة، وسودانها. انتهى . وقوله: (لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا) صفة سلبية تبيّن أن موصوفها مختص بها دون غيره، (وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ) بكسر ميم «مثل» وإسكان الثاء، أو بفتحتين، قال في «الفتح»: كذا في رواية أبي ذر بكسر ميم «مثل»، وإسكان المثلثة، وفي رواية الأصيليّ، وكريمة بفتحهما، وهما بمعنًى، قال الجوهريّ: مِثْلُه، ومَثَله: كلمة تسوية، كما يقال: شِبْهه وشَبَهه بمعنًى، قال: والْمَثَل بالتحريك أيضًا: ما يُضرب من الأمثال. انتهى. ووجه الشبه بين النخلة والمسلم من جهة عدم سقوط الورق: ما رواه الحارث بن أبي أُسامة في هذا الحديث، من وجه آخر، عن ابن عمر، ولفظه: «قال: كنا عند رسول الله -ﷺ- ذات يوم، فقال: إن مثل المؤمن كمثل شجرة، لا تسقط لها أنملة، أتدرون ما هي؟ قالوا: لا، قال: هى النخلة، لا تسقط لها أنملة، ولا تسقط لمؤمن دعوة». ووقع عند البخاريّ في «الأطعمة» من طريق الأعمش، قال: حدّثني مجاهد، عن ابن عمر: «قال: بينا نحن عند النبيّ -ﷺ- إذ أُتي بجمّار، فقال: إن من الشجر لَمَا بركته كبركة المسلم»، وهذا أعمّ من الذي قبله، وبَرَكة النخلة موجودة في جميع أجزائها، مستمرّة في جميع أحوالها، فمن حين تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعًا، ثم بعد ذلك يُنتفع بجميع أجزائها، حتى النوى في علف الدواب، والليف في الحبال، وغير ذلك، مما لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامة في جميع الأحوال، ونفعه مستمرّ له ولغيره، حتى بعد موته. (فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ «)؛ أيّ شيء هذه الشجرة؟، قال ابن عمر: (فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي) قال النوويّ -﵀-: وقع في بعض النسخ:»البوادي«، وفي بعضها:»البواد«بحذف الياء، وهي لغة. انتهى. والمعنى: ذهبت أفكارهم في أشجار البادية، فجعل كلّ منهم يفسرها بنوع من الأنواع، وذَهِلوا عن النخلة، يقال: وقع الطائر على الشجرة: إذا نزل عليها. (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر -﵄- (وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا)؛ أي: الشجرة المسؤول عنها، (النَّخْلَةُ) بيَّن أبو عوانة في«صحيحه»من طريق مجاهد، عن ابن عمر وجه ذلك، قال:«فظننت أنها النخلة، من أجل الْجُمّار الذي أُتى به»، وفيه إشارة إلى أن الْمُلْغَزَ له ينبغي أن يتفطن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال، وأن الْمُلْغِز ينبغي له أن لا يبالغ في التعمية، بحيث لا يجعل للمُلْغَز له بابًا يدخل منه، بل كلما قربه كان أوقع في نفس سامعه . (فَاسْتَحْيَيْتُ) زاد في رواية مجاهد التالية:«قال ابن عمر: وأُلقي في نفسي، أو رُوعي أنها النخلة، فجعلت أريد أن أقولها، فإذا أسنان القوم، فأهاب أن أتكلّم»، وفي رواية نافع الأخيرة:«قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا»، وفي رواية عند البخاريّ:«فإذا أنا عاشر عشرة، أنا أحْدَثُهم»، وفي رواية له:«قال عبد الله: فحدّثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتَها أحب إليّ من أن يكون لي كذا وكذا»، زاد ابن حبان في«صحيحه»:«أحسبه قال: حُمْر النَّعَم». (ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا) قال في«العمدة»: هذا صورته صورة أمر، ولكن المراد منه الطلب، والسؤال، وقد عُلِم أن الأمر إذا كان بالعلوّ والاستعلاء يكون حقيقةً في بابه، وإذا كان لمساويه يكون التماسًا، وإذا كان لأعلى منه يكون طلبًا وسؤالًا، فافهم. انتهى . (مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) ابن عمر: (فَقَالَ) -ﷺ-: («هِيَ النَّخْلَةُ»، قَالَ) ابن عمر: (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ) بن الخطّاب -﵁-، (قَالَ) عمر (لأَنْ تَكُونَ) بفتح اللام (قُلْتَ: هِيَ النَّخْلَةُ، أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكذَا) تقدّم أن ابن حبان زاد في«صحيحه»:«أحسبه قال: حُمْر النعم»؛ وإنما أحبّ عمر ذلك؛ لأنه لو تكلّم بذلك ابنه لظهر ذكاؤه، ووقع جوابه موقع الثناء من النبيّ -ﷺ- والصحابة -﵃-، ولدعا له رسول الله -ﷺ-، وفيه أنه لا مانع من أن يتمنّى الوالد لولده ما يوجب الثناء له من الكبار، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٧٠٧٢ و٧٠٧٣ و٧٠٧٤ و٧٠٧٥ و٧٠٧٦] (٢٨١١)، و(البخاريّ) في «العلم» (٦١ و٦٢ و٧٢ و١٣١) و«البيوع» (٢٢٠٩) و«التفسير» (٤٦٩٨) و«الأطعمة» (٥٤٤٤) و«الأدب» (٦١٢٢ و٦١٤٤ و٥٤٤٨)، و(الترمذيّ) في «الأمثال» (٢٨٦٧)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٧١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣١ و٦١ و١٥٧)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٦٧٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٤٣ و٢٤٦)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٢٥٣)، و(ابن منده) في «الإيمان» (١٨٧ و١٨٨ و١٩٠)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٤٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفى، مع بيانه لهم إن لم يفهموه، وأما ما رواه أبو داود من حديث معاوية -﵁- عن النبيّ -ﷺ-: «أنه نَهَى عن الأغلوطات»: قال الأوزاعيّ أحد رواته: هي صعاب المسائل، فإن ذلك محمول على ما لا نَفْع فيه، أو ما خرج على سبيل تعنّت المسؤول، أو تعجيزه. ٢ - (ومنها): التحريض على الفهم في العلم، وقد بوّب عليه البخاريّ -﵀- في «صحيحه» فقال: «باب الفهم في العلم». ٣ - (ومنها): أن فيه استحبابَ الحياء ما لم يؤدّ إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنى عمر -﵁- أن يكون ابنه لم يسكت، وقد بوَّب عليه البخاريّ أيضًا في «العلم»، وفي «الأدب». ٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على بركة النخلة، وما تثمره، وقد بوَّب عليه البخاريّ أيضًا. ٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن بيع الْجُمّار جائز؛ لأن كل ما جاز أكله جاز بيعه، ولهذا بوّب عليه البخاريّ في «البيوع»، وتعقبه ابن بطال؛ لكونه من المجمَع عليه، وأجيب بأن ذلك لا يمنع من التنبيه عليه؛ لأنه أورده عقب حديث النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، فكأنه يقول: لعل متخيلًا يتخيل أن هذا من ذاك، وليس كذلك. ٦ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز تجمير النخل، وقد بوَّب عليه البخاريّ في «الأطعمة»؛ لئلا يُظَنّ أن ذلك من باب إضاعة المال، وأورده في تفسير قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] إشارةً منه إلى أن المراد بالشجرة: النخلة، وقد ورد صريحًا فيما رواه البزار من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر -﵄- قال: قرأ رسول الله -ﷺ-، فذكر هذه الآية، فقال: «أتدرون ما هي؟» قال ابن عمر: لم يَخْفَ عليّ أنها النخلة، فمنعني أن أتكلم مكانُ سني، فقال رسول الله -ﷺ-: «هي النخلة». وُيجمع بين هذا وبين ما تقدم أنه -ﷺ- أُتِي بالْجُمّار، فشرع في أكله تاليًا للآية، قائلًا: «إن من الشجر شجرة …» إلى آخره، ووقع عند ابن حبان من رواية عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن النبيّ -ﷺ- قال: «من يخبرني عن شجرة مَثَلها مثل المؤمن، أصلها ثابت، وفرعها في السماء …» فذكر الحديث، وهو يؤيد رواية البزار. قال القرطبيّ: فوقع التشبيه بينهما من جهة أن أصل دين المسلم ثابت، وأن ما يصدر عنه من العلوم والخير قوت للأرواح، مستطاب، وأنه لا يزال مستورًا بدينه، وأنه يُنتفَع بكل ما يصدر عنه حيًّا وميتًا. انتهى. وقال غيره: والمراد بكون فرع المؤمن في السماء: رَفْع عمله، وقبوله. وروى البزار أيضًا من طريق سفيان بن حسين، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مثل المؤمن مثل النخلة، ما أتاك منها نفعك»، هكذا أورده مختصرًا، وإسناده صحيح، وقد أفصح بالمقصود بأوجز عبارة. وأما من زعم أن موقع التشبيه بين المسلم والنخلة من جهة كون النخلة إذا قُطع رأسها ماتت، أو لأنها لا تحمل حتى تُلَقَّح، أو لأنها تموت إذا غَرِقت، أو لأن لِطَلعها رائحة مَنِيّ الآدمي، أو لأنها تعشق، أو لأنها تشرب من أعلاها، فكلها أوجه ضعيفة؛ لأن جميع ذلك من المشابهات مشترك في الآدميين، لا يختص بالمسلم، وأضعف من ذلك قول من زعم أن ذلك لكونها خُلقت من فضلة طين آدم، فإن الحديث في ذلك لم يثبت، والله أعلم. ٧ - (ومنها): أن فيه ضربَ الأمثال والأشباه؛ لزيادة الإفهام، وتصوير المعاني؛ لترسخ في الذهن، ولتحديد الفكر في النظر في حكم الحادثة. ٨ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن تشبيه الشيء بالشيء لا يلزم أن يكون نظيره من جميع وجوهه، فإن المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات، ولا يعادله. ٩ - (ومنها): أن فيه توقيرَ الكبير، وتقديم الصغير أباه في القول، وأنه لا يبادره بما فهمه، وإن ظنّ أنه الصواب. ١٠ - (ومنها): أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من هو دونه؛ لأن العلم مواهب، والله يؤتي فضله من يشاء. ١١ - (ومنها): أنه استَدَلّ به مالك على أن الخواطر التي تقع في القلب من محبة الثناء على أعمال الخير، لا يقدح فيها، إذا كان أصلها لله، وذلك مستفاد من تمنّي عمر -﵁- المذكور، ووجه تمنّي عمر -﵁- ما طُبع الإنسان عليه من محبة الخير لنفسه، ولولده، ولتظهر فضيلة الولد في الفهم من صغره، وليزداد من النبيّ -ﷺ- حظوةً، ولعله كان يرجو أن يدعو له إذ ذاك بالزيادة في الفهم. ١٢ - (ومنها): أن فيه الإشارةَ إلى حقارة الدنيا في عين عمر -﵁-؛ لأنه قابل فهم ابنه لمسألة واحدة بحُمْر النَّعَم، مع عِظَم مقدارها، وغلاء ثمنها. [فائدة]: قال البزار في «مسنده»: ولم يرو هذا الحديث عن النبيّ -ﷺ- بهذا السياق إلا ابن عمر وحده، ولمّا ذكره الترمذيّ قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وأشار بذلك إلى حديث مختصر لأبي هريرة -﵁-، أورده عبد بن حميد في «تفسيره»، لفظُهُ: «مثل المؤمن مثل النخلة»، وعند الترمذيّ أيضًا، والنسائيّ، وابن حبان، من حديث أنس -﵁-: أن النبيّ -ﷺ- قرأ: «ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة»، قال: هي النخلة، تفرَّد برفعه حماد بن سلمة، وقد تقدّم أن في رواية مجاهد عن ابن عمر أنه كان عاشر عشرة، فاستفدنا من مجموع ما ذكرناه، أن منهم أبا بكر، وعمر، وابن عمر، وأبا هريرة، وأنس بن مالك، إن كانا سمعا ما روياه من هذا الحديث في ذلك المجلس، ذكر هذا الحافظ ﵀ في «الفتح» ، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيس، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٧٣] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الخَلِيلِ الضُّبَعِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَوْمًا لأَصْحَابِهِ: «أَخْبِرُونِي عَنْ شَجَرَةٍ، مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ»، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَذْكُرُونَ شَجَرًا مِنْ شَجَرِ الْبَوَادِي، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَأُلْقِيَ فِي نَفْسِي، أَوْ رُوعِي، أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَجَعَلْتُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهَا، فَإِذَا أَسْنَانُ الْقَوْمِ، فَأَهَابُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَلَمَّا سَكَتُوا، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «هِيَ النَّخْلَةُ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْن عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) هو: محمد بن عُبيد بن حِسَاب -بكسر الحاء، وتخفيف السين المهملتين- البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (م د س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. [تنبيه]: قوله: «الغُبَريّ» -بضم الغين المعجمة، وتخفيف الموحّدة المفتوحة-: نسبة إلى غُبَر بن غنم بن حُبَيِّب بن كعب بن يشكر بن بكر بن وائل، بطن من يشكر، قاله في «اللباب» . ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) وله إحدى وثمانون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] (ت ١٣١) وله خمس وستون سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥. ٤ - (أَبُو الْخَلِيلِ الضُّبَعِيُّ) صالح بن أبي مريم الضُّبَعيّ مولاهم البصريّ، وثّقه، ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ، وأغرب ابن عبد البرّ، فقال: لا يُحتج به [٦] (ع) تقدم في «الرضاع» ٥/ ٣٥٩١. [تنبيه]: قوله: «الضُّبَعيّ» بضمّ الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة، آخره عين مهملة: نسبة إلى ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، نزلوا البصرة، قاله في «اللباب» . ٥ - (مُجَاهِدُ) بن جَبْر، أبو الحجاج المخزوميّ المكيّ الإمام المشهور، تقدّم قريبًا. و«ابْنُ عُمَرَ -﵄-» ذُكر قبله. وقوله: (وَأُلْقِيَ فِي نَفْسِي، أَوْ رُوعِي) بضمّ الراء، وهو النفس، والقلب، والْخَلَد، و«أو» هنا للشكّ من الراوي، مجاهد، أو من دونه، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَإذَا أَسْنَانُ الْقَوْمِ)؛ يعني: كبارهم، وشيوخهم. وقوله: (فَأَهَابُ أَنْ أَتَكَلَّمَ)؛ أي: أخاف من أن أتقدّمٍ بالكلام أمام كبار القوم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٧٤] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَذَكَرَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) هو: عبد الله بن أبي نَجِيح يسار المكيّ، أبو يسار الثقفيّ مولاهم، ثقةٌ رُمي بالقدر، وربّما دلس [٦] (ت ١٣١) أو بعدها (ع) تقدم في «الجنائز» ٦/ ٢١٣٤. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ) اللام فيها للعهد؛ أي: مدينة رسول الله -ﷺ-، ولم يذكر مبتدأ الصحبة قال الكرمانيّ: والظاهر أنه من مكة . وقوله: (إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا) قال في «الفتح»: فيه ما كان بعض الصحابة عليا، من توقي الحديث عن النبيّ -ﷺ- إلا عند الحاجة؛ خشيةَ الزيادة والنقصان، وهذه كانت طريقة ابن عمر، ووالده عمر -﵄-، وجماعة، وإنما كثرت أحاديث ابن عمر مع ذلك؛ لكثرة من كان يسأله، ويستفتيه. انتهى . وقال في «العمدة»: فيه دلالة على أن ابن عمر -﵄- كان متوقيًا للحديث، وقد كان على قول أبيه: «أقلّوا الحديث عن رسول الله -ﷺ-»، قاله ابن بطال، وقال الشيخ قطب الدين: قد يكون تَرْكه لغير هذا الوجه، إما لعدم نشاطه؛ للاشتغال بمؤونة السفر وتعبه، أو لعدم السؤال، قال العينيّ: يمكن التوفيق بينهما بأنه كان يتوقى الحديث ما لم يُسأل، فإذا سئل أجاب، وأكثر الجواب عند كثرة السؤال، فإنه كان من المكثرين في الحديث. انتهى . وقوله: (فَأُتِيَ) بالبناء للمفعول، (بِجُمَّارٍ) -بضم الجيم، وتشديد الميم-، وهو الذي يؤكل من قلب النخل يكون لَيّنًا، قاله النوويّ . وقال في «العمدة»: قوله: «بجمار» بضم الجيم، وتشديد الميم، وهو شحم النخيل، وهو الذي يؤكل منه، وفي «العباب»: ويقال له: الجامور أيضًا. انتهي . وقوله: (فَذَكرَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا) فاعل «ذَكَرَ» ضمير ابن أبي نَجِيح. وقوله: (حديثهما) هكذا النُّسخ بضمير التثنية، والظاهر أنه «حديث» بالإفراد؛ لأنه يرجع إلى أبي الخليل الضبعيّ؛ أي: حدّث ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحو حديث أبي الخليل عنه في السند الماضي. [تنبيه]: رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد هذه ساقها البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٧٢) - حدّثنا عليّ ، حدّثنا سفيان، قال: قال لي ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فلم أسمعه يحدّث عن رسول الله -ﷺ- إلا حديثًا واحدًا، قال: كنا عند النبيّ -ﷺ-، فأُتي بِجُمَّار، فقال: «إن من الشجر شجرةً، مَثَلُها كمَثَل المسلم»، فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم، فسكتُّ، فقال النبيّ -ﷺ-: «هي النخلة». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٧٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَيْفٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِجُمَّارٍ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير الْهَمْدانيّ الكوفي، تقدّم قبل خمسة أبواب. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (سَيْفُ) بن سليمان، أو ابن أبي سليمان المخزوميّ المكيّ، ثقةٌ ثبتُ رُمي بالقدر، سكن البصرة أخيرًا [٦] مات بعد سنة (١٥٠) (خ م د س ق) تقدم في «الصلاة» ١٦/ ٩٠٦. [تنبيه]: قوله: «سيف» قال النوويّ ﵀: هكذا صوابه «سيف»، قال القاضي: ووقع في نسخة: «سفيان»، وهو غلط، بل هو سيف، قال البخاريّ: وكيع يقول: هو سيف أبو سليمان، وابن المبارك يقول: سيف بن أبي سليمان، ويحيى بن القطان يقول: سيف بن سليمان. انتهى . والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير سيف، وقوله: «نحو حديثهم» هكذا النُّسخ بضمير الجماعة، مع أن المحلّ محلّ تثنية؛ لأنه يرجع إلى أبي الخليل، وابن أبي نجيح، إلا أنه استعمل ضمير الجماعة للاثنين، وهو استعمال صحيح، كما أسلفناه غير مرّة؛ لأن أقلّ الجمع اثنان، كما في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء: ٧٨]، فالضمير في: «لحكمهم» ضمير جماعة أعاده إلى داود، وسليمان، وهما اثنان، وغير ذلك من الأدلة التي أوردتها في «التحفة المرضيّة» و«شرحها»، فتنبّه. [تنبيه]: رواية سيف بن سليمان عن مجاهد هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٧٦] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: «أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ شِبْهِ، أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا»، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَعَلَّ مُسْلِمًا قَالَ: وَتُؤْتِي أُكُلَهَا، وَكَذَا وَجَدْتُ عِنْدَ غَيْرِي أَيْضًا: وَلَا تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة الكوفيّ، تقدّم قبل خمسة أبواب. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) الْعُمريّ المدنيّ الفقيه، تقدّم قريبًا. ٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (شِبْهِ) بفتحتين، أو بكسر، فسكون، وهو غير منوّن؛ لكونه مضافًا إلى «المسلم» مقدّرًا، بدليل المعطوف، وهذا كقولهم: «قطع الله يدَ ورجلَ من قالها»؛ أي: يد من قالها، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: سَقَى الأَرَضِينَ الْغَيْثُ سَهْلَ وَحَزْنَهَا … فِنِيطَتْ غرَى الآمَالِ بِالزَّرْعِ وَالضَّرْعِ وإلى هذا أشار ابن مالك ﵀ في «الخلاصة» حيث قال: وَيُحْذَفُ الثَّانِي فَيَبْقَى الأَوَّلُ … كَحَالِهِ إِذَا بِهِ يَتَّصِلُ بِشَرْطِ عَطْفٍ وَإِضَافَةٍ إِلَى … مِثْلِ الَّذِي لَهُ أَضَفْتَ الأَوَّلَا وقوله: (أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ) الكاف اسم بمعنى «مثل»، معطوف على «شبه». وقوله: (لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا»)؛ أي: لا يتناثر، ولا يتساقط. وقوله: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوريّ الفقيه، تلميذ مسلم. (لَعَلَّ مُسْلِمًا قَالَ: وَتُؤْتِي أُكُلَهَا، وَكَذَا وَجَدْتُ عِنْدَ غَيْرِي أَيْضًا: وَلَا تُؤتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ) معنى كلامه هذا: أنه وقع في روايته، ورواية غيره أيضًا من مسلم: قوله:«لا يتحاتّ ورقها، ولا تؤتي أكلها كلّ حين»، فاستشكل إبراهيم بن سفيان من هذا قوله:«ولا تؤتي أكلها»خلاف باقي الروايات، فإنها تفيد أن النصّ:«تؤتي أكلها»بدون لفظة«لا»، وهو المعنى الصحيح، فقال إبراهيم: لعل مسلمًا رواه:«وتؤتي»بإسقاط«لا»، وأكون أنا وغيري ممن رواه عن مسلم غَلِطنا في إثبات«لا». قال القاضي عياض، وغيره من الأئمة: وليس هو بغلط، كما توهّمه إبراهيم، بل الذي في مسلم صحيح بإثبات«لا»، وكذا رواه البخاريّ بإثبات«لا»، ووجهه: أن لفظة«لا»ليست متعلقة بـ«تؤتي»، بل متعلقة بمحذوف، تقديره: لا يتحات ورقها، ولا، مكررًا؛ أي: ولا يصيبها كذا، ولا كذا، لكن لم يذكر الراوي تلك الأشياء المعطوفة، ثم ابتدأ، فقال:«تؤتي أكلها كلَّ حين»، هذا كلام النوويّ ﵀ مع الزيادة للإيضاح. وعبارة الحافظ في«الفتح»: ووقع عند البخاريّ في«التفسير»من طريق نافع، عن ابن عمر:«قال: كنا عند رسول الله -ﷺ-، فقال: أخبروني بشجرة كالرجل المسلم، لا يتحاتّ ورقها، ولا، ولا، ولا»كذا ذكر النفي ثلاث مرات على طريق الاكتفاء، فقيل في تفسيره: ولا ينقطع ثمرها، ولا يُعدَم فيؤها، ولا يبطل نفعها. قال: ووقع في رواية مسلم ذِكر النفي مرّة واحدةً، فظن إبراهيم بن سفيان الراوي عنه أنه متعلّق بما بعده، وهو قوله:«تؤتي أكلها»، فاستشكله، وقال: لعل«لا»زائدة، ولعله: وتؤتي أكلها، وليس كما ظنّ، بل معمول النفي محذوف على سبيل الاكتفاء، كما بيّناه، وقوله:«تؤتي»ابتداء كلام على سبيل التفسير لِمَا تقدّم، ووقع عند الإسماعيليّ بتقديم«تؤتي أكلها كلّ حين»على قوله:«لا يتحاتّ ورقها»، فسَلِم من الإشكال. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه الحافظ، وسبقه القاضي عياض وغيره إليه، تحقيق نفيسٌ جدًّا، خلاصته أن سياق مسلم ﵀ صحيح، لا إشكال فيه، غايته أنه التبس على تلميذه، حيث إنه لم يكرّر لفظة«لا»كما كُرّرت في رواية البخاريّ ثلاث مرّات، فظنّ إبراهيم أنها من جملة ما بعدها، فيكون المعنى أنها لا تؤتي أكلها كلّ حين، وهذا خلاف ما أفادته الروايات الأُخَرُ، فإنها صريحة في أنها تؤتي أكلها كلّ حين. والجواب: أن إبراهيم أخطأ في الفهم، فإن«لا»ليست من جملة ما بعدها، بل هي معطوفة على ما قبلها، وهو:«لا يتحاتّ ورقها»، ويقدّر مدخولها، فيكون التقدير: ولا ينقطع ثمرها، أو نحو ذلك مما سبق بيانه، ولذا يستحسن الوقف على لفظة«لا»؛ ثم الابتداء بقوله:«تؤتي أكلها»؛ ليتبيّن الحال، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَوْ أَقُولَ شَيْئًا)«أو» للشك من الراوي. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فية مستوفًى، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٩) - (بَابُ تَحْرِيشِ الشَّيْطَانِ، وَبَعْثِهِ سَرَايَاهُ لِفِتْنَةِ النَّاسِ، وَأَنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ قَرِينًا) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٧٧] (٢٨١٢) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ الشَيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ الإسكاف، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٦ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ، ثم السَّلَمي -بفتحتين- الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنةً (ع)، تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لِمَا أسلفته غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه جابر بن عبد الله -﵄-، من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ) يَحْتَمل الجنس، والأظهر أن المراد به: إبليس رئيسهم. (قَدْ أَيِسَ)؛ أي: صار قانطًا، قال المجد ﵀: أَيِسَ منه؛ كسمع إياسًا: قَنِطَ. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: أَيِسَ أَيَسًا، من باب تَعِبَ، وكسرُ المضارع لغةٌ، واسم الفاعل: أَيِسٌ، على فَعِلٍ، وفاعلٍ، وبعضهم يقول: هو مقلوب يَئِسَ. انتهى . (أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ)؛ أي: مِن أن يعبده المصلون؛ أي: المؤمنون، قيل: المراد بعبادة الشيطان: عبادة الصنم؛ لأنه الآمر به، والداعي إليه، بدليل قوله: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: ٤٤] إذ المراد: الأصنام، والمراد بالمصلين: المؤمنون، كما في قوله -ﷺ-: «نُهيتُ عن قتل المصلين»، سُمُّوا بذلك؛ لأنها أشهر الأعمال، وأظهر الأفعال الدالة على الإيمان؛ ولأن الصلاة هي الفارقة بين الكفر والإيمان . (فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) «الْجَزيرة» بفتح الجيم، وكسر الزاي: هي كل أرض حولها الماء، فَعِيلة بمعنى مفعولة، قال الفيّوميّ ﵀: جَزَرَ الماءُ جَزْرًا، من بابي، ضرب، وقتل: انحسر، وهو رجوعه إلى خلفُ، ومنه الجزيرة، سُمّيت بذلك؛ لانحسار الماء عنها، وأما جَزِيرَةُ العَرَب، فقال الأصمعيّ: هي ما بين عَدَنِ أَبْيَن إلى أطراف الشام طولًا، وأما العَرْض: فمن جُدّة وما والاها من شاطئ البحر إلى رِيف العراق، وقال أبو عبيدة: هي ما بين حَفَر أبي موسى إلى أقصى تهامة طولًا، أما العرض: فما بين يَبْرين إلى مُنقَطع السماوة، والعالية: ما فوق نَجْد إلى أرض تهامة، إلى ما وراء مكة، وما كان دون ذلك إلى أرض العراق فهو نَجْد، ونقل البكريّ أن جزيرة العرب: مكة، والمدينة، واليمن، واليمامة، وقال بعضهم: جَزِيرَةُ العَرَبِ خمسة أقسام: تهامة، ونجدُ حِجَازٍ، وعروض، ويمن، فأما تِهَامَةُ فهي الناحية الجنوبية من الحجاز، وأما نَجْدٌ فهي الناحية التي بين الحجاز والعراق، وأما الحِجَازُ فهو جبل يُقبل من اليمن حتى يتصل بالشام، وفيه المدينة، وعُمان، وسُمِّي حجازًا؛ لأنه حجز بين نجد وتهامة، وأما العروض فهو اليمامة إلى البحرين، وأما اليمن فهو أعلى من تهامة، هذا قريب من قول الأصمعيّ. انتهى . وقال القاريّ: الجزيرة هي كل أرض حولها الماء، فَعِيلة بمعنى مفعولة، مِن جَزَر عنها الماء؛ أي: ذهب، وقد اكتنفت تلك الجزيرةَ البحار، والأنهار، كبحر البصرة، وعُمان، وعدن، إلى بركة بني إسرائيل التي أهلك الله فرعون بها، وبحر الشام، والنيل، ودجلة، والفرات، أضيفت إلى العرب؛ لأنها مسكنهم، ونُقِل عن الإمام مالك ﵀ أن جزيرة العرب: مكة، والمدينة، واليمن، قيل: إنما خص جزيرة العرب؛ لأن الدين يومئذ لم يتعدّ عنها، وقيل: لأنها معدن العبادة، ومهبط الوحي. انتهى . وفي «القاموس»: جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند، وبحر الشام، ثم دجلة، والفرات، وما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولًا، ومن جُدّة إلى ريف العراق عرضًا. انتهى . وعلى هذا هي شبه الجزيرة، لا الجزيرة، فتسميتها بالجزيرة مجاز، قاله في «المرعاة» . وقال أيضًا: معنى الحديث: أن الشيطان قد أيس من أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم، ويرتد إلى شِركه في جزيرة العرب، والمراد: الإخبار بأنه تعالى حفظ هذا المكان عن وقوع عبادة الصنم فيه، ولا يَرِدُ على ذلك ارتداد أصحاب مسيلمة، والعنسيّ، وغيرهما ممن ارتد بعد النبيّ -ﷺ- في العرب؛ لأنهم لم يعبدوا الصنم. قال القاري: وفيه أن دعوة الشيطان عامة إلى أنواع الكفر غير مختص بعبادة الصنم، فالأَولى أن يقال: إن المراد: أن المصلّين لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان، كما فعلته اليهود والنصارى. انتهى. وقال التوربشتيّ في الجواب: إن النبيّ -ﷺ- لم يخبر عنهم أنهم لا يفعلون ذلك، وإنما أخبر عن اليأس الذي استشعر الشيطان عنهم أن يعودوا في طاعته لما رآى من كثرتهم وعزتهم واجتماعهم وقوتهم، لكنه وقع ذلك مع يأسه منه، فلا تضادّ بين هذا الحديث وبين القضية التي ذُكرت؛ يعني: أن قصده بسياق هذا الحديث هو الإخبار عن بلوغ أمر المسلمين ودولتهم حدًا أيس الشيطان أن يقع الارتداد بعده، وليس غرضه -ﷺ- الإخبارَ من عدم وقوع الارتداد البتة. قال صاحب «اللمعات»: وفيه بُعْدٌ أيضًا؛ لأن الظاهر من يأسه هو عدم الوقوع، فهو كناية عنه، قال: ويمكن أن يقال: إن معنى الحديث: أن الشيطان أيس من أن يُستبدل دين الإسلام، وينهدم أساس الدين، ويظهر الإشراك ويستمرّ، ويسير الأمر كما كان من قبل، ولا ينافيه ارتداد من ارتد، بل لو عَبَد الأصنام أيضًا لم يضرّ في المقصود. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: من تأمل وجد أن ما قاله التوربشتيّ هو معنى ما قاله في «اللمعات»، فلا اختلاف بينهما. وخلاصته: أنه -ﷺ- أخبر بأن جزيرة العرب، لا تعود دار شرك، وعبادة أصنام، بل يبقى عموم أهلها على التوحيد، ولا ينافي ذلك ما يقع من بعض أهلها؛ لأن العبرة بالأغلبية، لا بالأفراد الشخصيّة، فالجزيرة العربيّة ما زالت -بحمد الله تعالى- على التوحيد، وإظهار الإسلام، ولن تزال -بإذن الله تعالى- إلى أن يأتي الموعد بانصرام الإسلام، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم. وقوله: (وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ») خبر مبتدأ محذوف؛ أي: ولكن هو في التحريش، أو ظرف لمقدّر؛ أي: يسعى في التحريش؛ أي: في إغراء بعضهم على بعض، وحَمْلهم على الفتن، والحروب، والشحناء، قال القاضي: والتحريش: الإغراء على الشيء بنوع من الخداع، من حَرَشَ الصيادُ الصيدَ: خَدَعه، وله من دقائق الوسواس ما لا يفهمه إلا البُصَراء بالمعارف الإلهية. انتهى . وفي«المرعاة»: قيل: ولعله -ﷺ- أخبر عما جرى فيما بعده من التحريش الذي وقع بين أصحابه؛ أي: لكن الشيطان غير آيس من إغراء المؤمنين الساكنين فيها، وحَمْلهم على الفتن، بل له مطمَع في ذلك، وكان كما أخبر فكان معجزة له -ﷺ-. انتهى . وقال الطيبيّ ﵀: لعل النبيّ -ﷺ- أخبر بما يكون بعده من التحريش الواقع بين صحبه -﵃-؛ أي: أيس الشيطان أن يُعبد فيها، لكن طمع في التحريش بين ساكنيها، وكان كما أخبر فكان معجزة له -ﷺ-. قال: ولَمّا ذكر العبادة سمّاهم المصلّين؛ تعظيمًا لهم، وحيث ذكر الفتنة أخرجه مخرج التحريش، وهو الإغراء بين البهائم؛ توهينًا، وتحقيرًا لهم. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٧٠٧٧ و٧٠٧٨] (٢٨١٢)، و(الترمذيّ) في «البرّ والصلة» (١٩٣٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣١٣ و٣٥٤ و٣٦٦ و٣٨٤)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢٢٩٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٩٤١)، و(ابن أبي عاصم) في «السُّنَّة» (٨)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٥٢٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة جزيرة العرب، حيث أيس الشيطان أن يعبده المؤمنون فيها بعبادة الأصنام، والأوثان، بل يستمرّون على الإسلام، ولا ينافي ذلك ما وقع فيها من ارتداد بعضهم، فإن الحكم على الغالب. ٢ - (ومنها): بيان تسلّط الشيطان على المؤمنين، فهو وإن أيس من ارتدادهم بعبادة الأصنام، إلا أنه يسعى، ويبذل جهده في التخذيل بينهم، وإلقاء العداوة والبغضاء فيهم. ٣ - (ومنها): بيان معجزة للنبيّ -ﷺ- حيث أخبر بما سيقع بعده، فكان كما أخبر -ﷺ-. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: يعني -والله أعلم-: أن المسلمين في جزيرة العرب ما أقاموا الصلاة فيها وأظهروها لم يظهر فيها طائفة يرتدون عن الإسلام إلى عبادة الطواغيت والأوثان، فإذا تركوا الصلاة، وذهب عنهم اسم المصلّين، فإذ أولئك يكونون شرار الخلق، وهذا إنما يتمّ إذا قَبَض اللهُ تعالى المؤمنين بالريح الباردة المذكورة في حديث عبد الله بن عمرو -﵄-، وحينئذ يتمثل لهم الشيطان، فيقول لهم: ألا تستحيون؟ فيقولون: فإذا تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وحينئذ تضطرب أليات دَوْس حول ذي الخلصة، وتُعبد اللات والعزى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٧٨] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوَيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش ساقها الترمذيّ ﵀ في «جامعه»، فقال: (١٩٣٧) - حدثنا هنّاد، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال النبيّ -ﷺ-: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وأبو سفيان اسمه طلحة بن نافع. انتهى . وأما رواية وكيع عن الأعمش، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٧٩] (٢٨١٣) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ، فَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً»). قال الجامع عفا الله عنة: هذا الإسناد هو الإسناد المذكور قبل حديث، فتنبّه. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ عَرْشَ إِبْلِيسَ)؛ أي: سريره، وإنما يفعل ذلك تكبّرًا على جنوده، وأحزابه. (عَلَى الْبَحْرِ) وفي لفظ:»على الماء«، وهذا هو العرش الذي رآه ابن صيّاد، كما تقدَّم، وأصل العرش: الرفع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١]؛ أي: منها ما هو مرفوع على ساق، وهي الشجر، ومنها ما ليس كذلك، وهو النجم . والصحيح حَمْله على ظاهره، وأنه يضع عرشه على البحر حقيقةً، ويكون من جملة تمرّده وطغيانه وَضْع عرشه على الماء؛ يعني: جعله الله تعالى قادرًا عليه؛ استدراجًا ليغتر بأن له عرشًا على هيئة عرش الرحمن، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] ويَغُرّ بعض السالكين الجاهلين بالله أنه الرحمن، كما وقع لبعض الصوفية، ويؤيده قصة ابن صياد حيث قال لرسول الله -ﷺ-: أرى عرشًا على الماء، فقال له -ﷺ-: «ترى عرش إبليس على البحر»، وقيل: عَبّر عن استيلائه على الخلق، وتسلّطه على إضلالهم بهذه العبارة، ذكره القاري . قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول الأخير ليس بشيء، والصحيح أنه على ظاهره، فيضع عرشه على البحر حقيقةً، كما مرّ آنفًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَيَبْعَثُ)، أي: يُرسل إبليس (سَرَايَاهُ) بالفتح: جمع سريّة؛ كعطيّة وعطايا، وهي قطعة من الجيش، تُوَجَّه نحو العدوّ؛ لتنال منه، وفي «النهاية»: هي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة، تُبعَث إلى العدوّ، وسُمّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خلاصة العسكر، وخيارهم، من الشيء السّريّ، وهو النفيس، وقيل: لأنهم يُبعَثون سِرًّا، ورُدّ بأن لامه راء، ولامها ياء. انتهى . (فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ) بفتح حرف المضارعة، وكسر التاء؛ أي: يضلّونهم، أو يمتحنونهم بتزيين المعاصي إليهم، حتى يقعوا فيها. (فَأَعْظَمُهُمْ) وفي رواية: «فأدناهم» (عِنْدَهُ)؛ أي: أعلاهم عند إبليس رُتبةً، وأقربهم منزلةً (أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً«)؛ أي: أكبرهم إضلالًا، أو أشدهم ابتلاء، والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف ﵀ وستأتي مسائله في الحديث التالي -إن شاء الله تعالى-. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٨٠] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ- قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:«إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً، أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ»، قَالَ الأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ:«فَيَلْتَزِمُهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذكروا في الباب. شرح الحديث: (عَنْ جَابرٍ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:«إِنَّ إِبْلِيسَ)؛ أي: الشيطان، من أبلس: إذا أيس، قال تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]، قال الفيّوميّ: وإِبْلِيسُ أعجميّ، ولهذا لا ينصرف؛ للعُجمة والعلمية، وقيل: عربيّ مشتق من الإبلاس، وهو اليأس، ورُدّ بأنه لو كان عربيًّا لانصرف، كما ينصرف نظائره، نحو إِجْفيلٍ، وإِخْريطٍ. انتهى . (يَضَعُ عَرْشَهُ)؛ أي: سرير ملكه (عَلَى الْمَاءِ) معناه: أن مركزه الماء، ومنه يبعث سراياه في نواحي الأرض، قاله النوويّ . وقال المناويّ: يَحْتَمِل أن يكون سريرًا حقيقةً، يضعه على الماء، ويجلس عليه، وهذا هو الصحيح، ويَحْتَمِل كونه تمثيلًا لتَفَرْعُنه، وشدة عُتُوّه، ونفوذ أمره بين سراياه، وجيوشه، وأيًا ما كان فيظهر أن استعمال هذه العبارة الهائلة، وهي قوله: «عرشه» تهكّمًا، وسخريةً، فإنها استُعملت في الجبار الذي لا يُغالَب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، والقصد أن إبليس مسكنه البحر . (ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ) جمع سرية: وهي القطعة من الجيش، (فَأَدْنَاهُمْ)؛ أي: أقربهم (مِنْهُ)؛ أي: من إبليس (مَنْزِلَةً)؛ أي: درجةً، ورفعة، فقوله: «أدناهم» مبتدأ خبره قوله: (أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً)؛ أي: أشدّهم في امتحان الناس، وقوله: (يَجِيءُ أَحَدُهُمْ) بيان لمن هو أدنى منه، ولمن هو أبعد منه، (فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا)؛ أي: وَسْوَس
مصادر المؤلف (١٦٧)

١. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٦/ ٣٩٥.

٢. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٥/ ١١١.

٣. «الفتح» ٨/ ٣٠٩، «كتاب التفسير» رقم (٤٦٤٨).

٤. «الفتح» ١٤٩ - ١٥٠.

٥. «فتح القدير» للشوكانيّ ٣/ ١٧٥.

٦. «فتح القدير» للشوكانيّ ٣/ ١٧٦.

٧. «فتح القدير» للشوكانيّ ٣/ ١٧٦.

٨. «مرقاة المفاتيح» ١٠/ ١٣١.

٩. «كشف المشكل» ٣/ ٥٧٢.

١٠. أراد نسخة «المشكاة».

١١. «مرقاة المفاتيح» ١٠/ ١٣١.

١٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٢/ ٣٧٣٢.

١٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٥٣.

١٤. أي: من «المشكاة».

١٥. «مرقاة المفاتيح» ١٠/ ١٣١.

١٦. «مرقاة المفاتيح» ١٠/ ١٣١.

١٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٢/ ٣٧٣٢.

١٨. يعني: صاحب «القاموس».

١٩. «تاج العروس من جواهر القاموس» ص ٤٥٥٠.

٢٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٢/ ٣٧٣٢.

٢١. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٢/ ٣٧٣٢.

٢٢. «فتح القدير» للشوكانيّ -﵀- ٨/ ٢٩.

٢٣. «فتح القدير» للشوكانيّ -﵀- ٨/ ٢٩.

٢٤. السُّفْع بالضمّ: أُثْفيّة من حديد. اهـ. «ق».

٢٥. «فتح القدير» للشوكانيّ -﵀٨/ ٢٩.

٢٦. «المصباح المنير» ٢/ ٣٥٨.

٢٧. «عمدة القاري» ١٩/ ١١٠.

٢٨. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٥.

٢٩. راجع: «تكملة فتح الملهم» ٦/ ١٢٩ - ١٣٠.

٣٠. «فتح القدير» للشوكانيّ ٦/ ٢٦٥.

٣١. «تفسير الطبريّ» ٢١/ ٢٤٣.

٣٢. «عمدة القاري»٧/ ٢٨.

٣٣. «عمدة القاري»٧/ ٢٨.

٣٤. «الفتح» ٢/ ٥١١.

٣٥. «الفتح» ٣/ ٣٧٥.

٣٦. «فتح القدير» ٦/ ٤٢٤.

٣٧. «فتح القدير» ٦/ ٤٢٤.

٣٨. وفي نسخة: «أخبرنا».

٣٩. «المصباح» ١/ ٢٥٤.

٤٠. «المفهم» ٧/ ٣٩٦.

٤١. «الكوكب الوهّاج» ٢٥/ ٤١٠.

٤٢. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٤٢.

٤٣. «الفتح» ١٠/ ٥٨١.

٤٤. المقصود به هنا: بقيّ بن مخلد المتوفّى سنة (٢٧٦ هـ).

٤٥. «المفهم» ٧/ ٣٩٧ - ٣٩٨.

٤٦. «شرح صحيح البخاريّ» للكرمانيّ ١٨/ ٨٥.

٤٧. «شرح الأبيّ» ٧/ ١٩٩.

٤٨. «عمدة القاري» ١٩/ ٩٨.

٤٩. هو: ابن موسى البلخيّ، كما في «الفتح».

٥٠. «صحيح البخاريّ» ٤/ ١٨٢٥.

٥١. الظاهر أن المراد بالحافظ هو البيهقيّ، فيكون من كلام الرواة عنه، فليُتأمّل.

٥٢. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٣٣٦.

٥٣. هذا هو الأشبه مما قال في «التقريب»: من الثانية، كما يظهر من ترجمته في «التهذيب»، فتنبّه.

٥٤. «فتح القدير» للشوكانيّ ٦/ ٩.

٥٥. «تفسير الطبريّ» ٢٠/ ١٨٨ - ١٩١.

٥٦. «الفتح» ٨/ ٥٩٨، «كتاب مناقب الأنصار».

٥٧. «الفتح» ٨/ ٥٩٩ - ٦٠٠.

٥٨. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٤٣ - ١٤٤.

٥٩. «الفتح» ٨/ ٦٠٠ - ٦٠٢.

٦٠. بكسر أوله، وسكون ثانيه، ثم جيم، ثم موحّدة.

٦١. «اعتقاد أهل السُّنَّة» ٤/ ٧٩٥.

٦٢. «تفسير الطبريّ» ٢٧/ ٨٤.

٦٣. «صحيح ابن حبان» ١٤/ ٤٢١.

٦٤. «الفتح»٦/ ٦٣٢.

٦٥. «الفتح»٨/ ٥٩٦.

٦٦. وقع في نسخة«الفتح»سعيد بدل شيبان، وهو غلط، فتنبّه.

٦٧. «الفتح» ٨/ ٥٩٦ - ٥٩٧ «كتاب مناقب الأنصار» رقم (٣٨٦٨).

٦٨. «المستدرك على الصحيحين» ٢/ ٥١٣.

٦٩. «مسند الطيالسيّ» ١/ ٢٦٥.

٧٠. «صحيح البخاري» ٤/ ١٨٤٤.

٧١. وفي نسخة: «سمعه».

٧٢. «عمدة القاري» ٢٥/ ٨٥.

٧٣. «الفتح»١٧/ ٣١٠ - ٣١١.

٧٤. «مشارق الأنوار» ٢/ ٣٨.

٧٥. «فيض القدير» للمناويّ ٥/ ٣٦٣.

٧٦. هذا من الإسرائيليّات، أورده المناويّ في «فيض القدير» بلا عزو، فليُتنبّه.

٧٧. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٤/ ٣٩٥.

٧٨. «تفسير الطبريّ» ١/ ١٦٣.

٧٩. وفي نسخة:«قد أردت منك ما هو أهون من هذا».

٨٠. «الفتح» ١٥/ ٦٢.

٨١. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٤٧ - ١٤٨.

٨٢. شرح القاري هذا للنصّ الذي أورده البخاريّ في «الرقاق»، ولفظه: «يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقول: أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب آدم، أن لا تشركَ بي شيئًا، فأبَيْت، إلا أن تشرك بي». انتهى.

٨٣. هذا السياق هو الذي وقع في «المشكاة»، وليس لفظ مسلم.

٨٤. «مرقاة المفاتيح» ١٠/ ٣٣٩.

٨٥. «الفتح» ١٥/ ٦٢ - ٦٤، «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٣٨).

٨٦. «صحيح البخاريّ» ٥/ ٢٣٩٩.

٨٧. وفي نسخة: «أن نبيّ الله -ﷺ-».

٨٨. «مسند عبد بن حميد» ١/ ٣٥٥.

٨٩. «عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ» ٣٣/ ٣٢٦.

٩٠. «الفتح» ١٠/ ٤٥٠.

٩١. «الفتح» ١٥/ ٢٩، «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٢٣).

٩٢. «المصباح المنير» ١/ ٦٢.

٩٣. «الفتح» ١٥/ ٢٩.

٩٤. «مرقاة المفاتيح» ١٠/ ٣٣٨.

٩٥. «مشارق الأنوار» ١/ ٧٥.

٩٦. «مرقاة المفاتيح»١٠/ ٣٣٨.

٩٧. «صحيح مسلم»٤/ ٢١٧٤.

٩٨. «كشف المشكل من حديث الصحيحين»ص ٨٧٢.

٩٩. «المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم»٣/ ٨٦.

١٠٠. «شرح النوويّ»١٧/ ١٤٩ - ١٥٠.

١٠١. «مرقاة المفاتيح» ٩/ ٩.

١٠٢. «مرقاة المفاتيح» ٩/ ٩.

١٠٣. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٣/ ٨٦.

١٠٤. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٣/ ٨٦.

١٠٥. «مرقاة المفاتيح» ٩/ ١٠.

١٠٦. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٥٠.

١٠٧. وفي نسخة: «مثلُ الزرع».

١٠٨. وفي نسخة: «ومثل الكافر».

١٠٩. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»٥/ ٢٦٥.

١١٠. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٥٢ - ١٥٣.

١١١. «الفتح» ١٣/ ١١.

١١٢. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ٥/ ٢٦٥.

١١٣. أي: في«المرقاة»، ونحوه للشيخ الهرريّ، راجع: شرحه ٢٥/ ٤٣٤.

١١٤. «المصباح المنير»١/ ١٣٨.

١١٥. «شرح النوويّ» ١٧١٥١ - ١٥٢.

١١٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١٣٤٠ - ١٣٤١.

١١٧. «جامع الترمذيّ» ٥/ ١٥٠.

١١٨. «الفتح» ١٣/ ١٢.

١١٩. «مشارق الأنوار» ١/ ١٤٣.

١٢٠. «لسان العرب» ١٤/ ١٣٧.

١٢١. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٥١.

١٢٢. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٥١.

١٢٣. «الفتح» ١٣/ ١١ - ١٢، «كتاب المرضى» رقم (٥٦٤٣).

١٢٤. وفي نسخة:«مثلُ الخامة».

١٢٥. وفي نسخة:«لا يفيئها شيء».

١٢٦. لكنها ليست عن شَيْخَي مسلم، فليُتنبّه.

١٢٧. هو: الفريابيّ.

١٢٨. هو: الدارميّ، صاحب «السنن».

١٢٩. «المعجم الكبير» ١٩/ ٩٤.

١٣٠. «عمدة القاري» ٢/ ١٤.

١٣١. «القاموس المحيط» ص ٥٣٠.

١٣٢. «عمدة القاري» ٢/ ١٣ - ١٤.

١٣٣. «الفتح» ١/ ٢٦٠ - ٢٦١، «كتاب العلم» رقم (٦١).

١٣٤. «الفتح» ١/ ٢٦٠ - ٢٦١.

١٣٥. «عمدة القاري» ٢/- ١٤.

١٣٦. «الفتح» ١/ ٢٦١ - ٢٦٣، «كتاب العلم» رقم (٦١).

١٣٧. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٣٧٤.

١٣٨. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٢٦٠.

١٣٩. «عمدة القاري» ٢/ ٥٤.

١٤٠. «الفتح» ١/ ٢٩١ رقم (٧٢).

١٤١. «عمدة القاري» ٢/ ٥٤.

١٤٢. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٥٥.

١٤٣. «عمدة القاري» ٢/ ٥٤.

١٤٤. هو: ابن المدينيّ، وسفيان هو: ابن عيينة.

١٤٥. «صحيح البخاريّ» ١/ ٣٩.

١٤٦. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٥٥.

١٤٧. «شرح النوويّ»١٧/ ١٥٥ - ١٥٦.

١٤٨. «الفتح» ١/ ٢٦٠ رقم (٦١).

١٤٩. «القاموس المحيط» ص ٧١.

١٥٠. «المصباح المنير» ١/ ٣٣.

١٥١. «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١/ ٣٨٣.

١٥٢. «المصباح المنير» ١/ ٩٨ - ٩٩.

١٥٣. «مرقاة المفاتيح» ١/ ٢٣٣.

١٥٤. «القاموس المحيط» ص ٢١٣.

١٥٥. «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١/ ٣٨٣.

١٥٦. «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١/ ٣٨٣.

١٥٧. من باب ضرب.

١٥٨. «فيض القدير» ٢/ ٣٥٦.

١٥٩. «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١/ ٣٨٣.

١٦٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٥٢٥.

١٦١. «المفهم» ٧/ ٣١٠.

١٦٢. «جامع الترمذيّ» ٤/ ٣٣٠.

١٦٣. «المفهم»٧/ ٣١٠ - ٣١١.

١٦٤. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»١/ ٣٢٩.

١٦٥. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»١/ ٣٢٩.

١٦٦. «المصباح المنير» ١/ ٦٠.

١٦٧. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٥٧.