HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٢٢

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت وحميد، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ «حفت الجنة بالمكاره. وحفت النار بالشهوات».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص142
ج ٤ ص ٢١٧٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٣ ص٥٥٠
(٥٤) - (كِتَابُ الْجَنَّةِ، وَصِفَةِ نَعِيمِهَا، وَأَهْلِهَا) «الجنة»: البستان من الشجر المتكاثف المظلّل بالتفاف أغصانه، والتركيبُ دائر على معنى الستر في الجنة، والجنة، والجنة، والجنون، ونحوها، فكأن الجنة لتكاثفها، وتظليلها سميت بالجنة التي هي المرّة من مصدر جنَّه: إذا سَتَره، كأنها سترة واحدة؛ لفرط التفافها، وسُميت دار الثواب جنةً؛ لِمَا فيها من الجِنان، أو لكونها مستورة عن أعين الناس، ليكون الإيمان بالغيب، لا بالعيان، أو لأن الله تعالى أخفى من قرة الأعين لأهلها الأعيان، والله -﷾- أعلم، قاله القاري -﵀- . (١) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ -ﷺ-: «حُفَّت الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَالنَّارُ بِالشَّهَوَاتِ»، وَقَوْلَهِ: «قَالَ اللهُ -﷿-: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ. . .» الحديث) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٠٤] (٢٨٢٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، أصله من المدينة، وسكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يقدمان عليه في «الموطأ» أحدًا، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) البصريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم البُنانيّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (حُمَيْدُ) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقةٌ، وعابه زائدة؛ لدخوله في شيء من أمر الأمراء [٥] (ت ٢ أو ١٤٣) وهو قائم يصلّي، وله خمس وسبعون سنةً (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٣/ ٦٣٩. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁-، تقدّم قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه أنس -﵁- تقدّم القول فيه قريبًا. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «حُفَّتِ) بضمّ أوله مبنيًّا للمفعول، من الحفاف، وهو ما يحيط بالشيء، حتى لا يتوصل إليه إلا بتخطيه، ووقع في»صحيح البخاريّ«بلفظ:»حُجِبت«؛ أي: أحيطت (الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ)؛ أي: بما أُمر المكلف بمجاهدة نفسه فيه فعلًا، وتركًا، وأطلق عليها المكاره؛ لمشقتها على العامل، وصعوبتها عليه. (وَحُفَّتِ)؛ أي: أحيطت (النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ»)؛ أي: بما يُستلذّ من أمور الدنيا، مما مَنع الشرع من تعاطيه، إما بالأصالة، وإما لكون فعله يستلزم ترك شيء من المأمورات . وقال في «العمدة»: قوله: «حُفّت» بالحاء المهملة، وتشديد الفاء، من الحفاف، وهو ما يحيط بالشيء، حتى لا يُتوصل إليه إلا بتخطيه، فالجنة لا يُتوصل إليها إلا بقطع مفاوز المكاره، والنار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: هذا من التمثيل الواقع موقعه، ومن الكلام البليغ الذي انتهى نهايته، وذلك أنه مَثَّل المكاره بالحفاف، وهو الدائر بالشيء المحيط به الذي لا يتوصّل إلى ذلك الشيء إلا بعد أن يُتَخَطَّى، وفائدة هذا التمثيل أن الجنة لا تُنال إلا بقطع مفاوز المكاره، وبالصبر عليها، وأن النار لا يُنجى منها إلا بترك الشهوات، وفطام النفس عنها، وقد رُوي عنه -ﷺ- أنه مثّل طريق الجنة، وطريق النار بتمثيل آخر، فقال: «طريق الجنة حَزَنٌ بربوة، وطريق النار سهل بسهوة» ، والحَزَن: هو الطريق الوعر المسلك، والربوة: المكان المرتفع، وأراد به أعلى ما يكون من الروابي، والسهوة: بالسين المهملة، وهي الموضع السهل الذي لا غِلَظ فيه، ولا وعورة، وهذا أيضًا تمثيل حَسَن واقع موقعه. انتهى . وقال في «الفتح»: هذا من جوامع كلمه -ﷺ-، وبديع بلاغته في ذمّ الشهوات، وإن مالت إليها النفوس، والحضّ على الطاعات، وإن كرهتها النفوس، وشقّ عليها. وقد ورد إيضاح ذلك من وجه آخر، عن أبي هريرة -﵁-، فأخرج أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبان، والحاكم، عن أبي هريرة -﵁-، رفعه: «لمّا خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: انظر إليها، قال: فرجع إليه، فقال: وعزّتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأَمر بها، فحُفَّت بالمكاره، فقال: ارجع إليها، فرجع، فقال: وعزتك لقد خِفت أن لا يدخلها أحد، قال: اذهب إلى النار، فانظر إليها، فرجع، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد، فيدخلها، فأَمر بها، فحُفّت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع، فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد»، فهذا يفسِّر حديث الباب، فإن المراد بالمكاره هنا ما أُمر المكلف بمجاهدة نفسه فيه فعلًا، وتركًا؛ كالإتيان بالعبادات على وجهها، والمحافظة عليها، واجتناب المنهيات قولًا وفعلًا، وأطلق عليها المكاره؛ لمشقتها على العامل، وصعوبتها عليه، ومن جملتها الصبر على المصيبة، والتسليم لأمر الله فيها، والمراد بالشهوات: ما يُستلذّ من أمور الدنيا، مما مَنع الشرع من تعاطيه، إما بالأصالة، وإما لكون فعله يستلزم ترك شيء من المأمورات، ويلتحق بذلك الشبهات، والإكثار مما أبيح خشية أن يوقع في المحرم، فكأنه قال: لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المشقات المعبَّر عنها بالمكروهات، ولا إلى النار إلا بتعاطي الشهوات، وهما محجوبتان، فمن هتك الحجاب اقتحم. ويَحْتَمِل أن يكون هذا الخبر، وإن كان بلفظ الخبر، فالمراد به النهي. وقوله: «حُفَّت» بالمهملة، والفاء، من الحفاف، وهو ما يحيط بالشيء، حتى لا يُتوصل إليه إلا بتخطيه، فالجنة لا يُتوصل إليها إلا بقطع مفاوز المكاره، والنار لا يُنجَى منها إلا بترك الشهوات. وقال ابن العربيّ: معنى الحديث: أن الشهوات جُعلت على حفافي النار، وهي جوانبها، وتوهّم بعضهم أنها ضَرَب بها المثلَ، فجعلها في جوانبها من خارج، ولو كان ذلك ما كان مَثَلًا صحيحًا، وإنما هي من داخل، وهذه صورتها المكاره، الشهوات ، فمن اطلع الحجاب، فقد واقع ما وراءه، وكل من تصورها من خارج، فقد ضلّ عن معنى الحديث، ثم قال: فإن قيل: فقد جاء في البخاريّ: «حُجِبت النار بالشهوات»، فالجواب: أن المعنى واحد؛ لأن الأعمى عن التقوى الذي قد أخذت الشهوات سمعه وبصره يراها، ولا يرى النار التي هي فيها، وذلك لاستيلاء الجهالة، والغفلة على قلبه، فهو كالطائر يرى الحبة في داخل الفخ، وهي محجوبة به، ولا يرى الفخ؛ لغلبة شهوة الحبة على قلبه، وتعلق باله بها. قال الحافظ: قلت: بالَغَ كعادته في تضليل من حَمَل الحديث على ظاهره، وليس ما قاله غيره ببعيد، وأن الشهوات على جانب النار، مِن خارج، فمن واقعها وخرق الحجاب دخل النار، كما أن الذي قاله القاضي مُحْتَمِلٌ ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧١٠٤] (٢٨٢٢)، و(الترمذيّ) في «صفة الجنّة» (٢٥٥٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٥٣ و٢٥٤ و٢٨٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣٣٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧١٦ و٧١٨)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤١١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن هذا الحديث من جوامع كلمه -ﷺ-، وبديع بلاغته في ذمّ الشهوات، وإن مالت إليها النفوس، والحضّ على الطاعات، وإن كرهتها النفوس، وشقّ عليها، فينبغي للعبد مجاهدة نفسه، والمبادرة إلى طاعة ربّه، حتى يصل إلى الجنّة. ٢ - (ومنها): بيان أن الجنّة والنار مخلوقتان اليوم، وقد دلّت الأدلة من الكتاب والسُّنَّة على ذلك، وزعمت المعتزلة أنهما يُخلَقان يوم الجزاء، وهو مذهب باطلٌ، منابذ للنصوص الصحيحة الصريحة. ٣ - (ومنها): بيان صعوبة الوصول إلى الجنّة، حيث إنها محفوفة بالمكاره، فلا يصل إليها إلا من أزال تلك الحجب، ولن يكون ذلك إلا ممن وفّقه الله تعالى للطاعات، وجنّبه المعاصي والزّلات، فالسعيد هو الموفّق، وفّقنا الله تعالى لكلّ خير، وجنّبنا كلّ ضير. ٤ - (ومنها): بيان قرب النار، وأن الوصول إليها أمر لا عُسر فيه، حيث إنها محفوفةٌ بشهوات النفس، قال الله -﷿-: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]، اللَّهمَّ أجِرْنا من النار، اللَّهُمَّ إنا نسألك الجنّة، وما قرّب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار، وما قرّب إليها، من قول وعمل، برحمتك يا أرحم الراحمين آمين.
مصادر المؤلف (٧)

١. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٢١٤.

٢. «تحفة الأحوذيّ» ٧/ ٢٣٦.

٣. «عمدة القاري» ٢٣/ ٧٨.

٤. حديث ضعيفٌ، رواه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٢٧ بلفظ: «ألا إن عمل الجنة حزن بربوة ثلاثًا، ألا إن عمل النار سهل بسهوة. . .» الحديث.

٥. «المفهم» ٧/ ١٦١.

٦. كتب دائرة مربعة، وجعل داخلها لفظ: المكاره، ودائرة ثانية مربعة جعل داخلها لفظ: الشهوات.

٧. «الفتح» ١٤/ ٦٣٨ - ٦٣٩، «كتاب الرقاق» رقم (٦٤٨٧).