رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلّهم ذُكروا في الأبواب القريبة الماضية.
وقوله: (ثُمَّ قَرَأَ) فاعله ضمير رسول الله -ﷺ-، فهو مرفوع، وقيل: ضمير أبي هريرة -﵁-، فهو موقوف، وهو خلاف الظاهر، بل حديث سهل -﵁- التالي صريح في ردّه، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٧١٠٩] (٢٨٢٥) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ، أَنَّ أَبَا حَازِمٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مَجْلِسًا، وَصَفَ فِيهِ الْجَنَّةَ، حَتَّى انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ -ﷺ- فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: «فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»، ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٦، ١٧]).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج الأفزر التمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] مات في خلافة المنصور سنة (١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٣.
٢ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو العباس الصحابيّ ابن الصحابيّ، مات سنة ثمان وثمانين، وقيل: بعدها، وقد جاز المائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٣.
والباقون ذُكروا قبل باب، و«أبو صخر» هو: حميد بن زياد الخرّاط.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالتحديث والسماع، وأن صحابيّه ابن صحابيّ -﵄-، وهو آخر من مات بالمدينة النبويّة على بعض الأقوال.
شرح الحديث:
عن أبي حازم؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ) -﵄- (يَقُولُ: شَهِدْتُ) بكسر الهاء؛ أي: حضرت (مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مَجْلِسًا) منصوب على المفعوليّة لـ«شهِدت»، (وَصَفَ) النبيّ -ﷺ- (فِيهِ)؛ أي: في ذلك المجلس، (الْجَنَّةَ، حَتَّى انْتَهَى) -ﷺ- من وصفها، (ثُمَّ قَالَ -ﷺ- فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: «فِيهَا)؛ أي: في الجنّة، (مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»، ثُمَّ اقْتَرَأَ) افتعال من القراءة؛ أي: قرأ النبيّ -ﷺ-، وهذا صريح في أن القراءة منه -ﷺ-، فيُحمل عليه حديث أبي هريرة الماضي عليه، فتنبّه. (هَذِهِ الآيَةَ:) الآتية، فقوله: (﴿تَتَجَافَى﴾) [السجدة: ١٦] إلخ بدل، أو عطف بيان لـ«الآية» محكيّ؛ لقصد لفظه. (﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾)؛ أي: ترتفع، وتنبو، يقال: جفى الشيء عن الشيء، وتجافى عنه: إذا لم يلزمه ونبا عنه، والجُنوب جمع جَنْب، والجملة في محل نصب على الحال؛ أي: متجافية جنوبهم عن مضاجعهم، وهم المتهجدون في الليل الذين يقومون للصلاة عن الفراش. (﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾) جمع: المضجع، وهو الموضع الذي يضطجع فيه، (﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾) هذه الجملة في محل نصب على الحال أيضًا من الضمير الذي في جنوبهم، فهي حال بعد حال، ويجوز أن تكون الجملة الأُولى مستأنَفة؛ لبيان نوع من أنواع طاعاتهم، والمعنى: تتجافى جنوبهم حال كونهم داعين ربهم (﴿خَوْفًا﴾) من عذابه، (﴿وَطَمَعًا﴾) في رحمته، وانتصاب ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ على العلة، ويجوز أن يكونا مصدرين منتصبين بمقدّر.
(﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾)؛ أي: من الذي رزقناهم، أو مِن رزقهم، وذلك الصدقة الواجبة، وقيل: صدقة النفل، والأَولى الحمل على العموم.
(﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾) النكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ أي: لا تعلم نفس من النفوس؛ أيُّ نفس كانت، ما أخفاه الله سبحانه لأولئك الذين تقدّم ذكرهم، مما تقرّ به أعينهم، (﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾)؛ أي: لأجل الجزاء بما كانوا يعملونه في الدنيا، أو جُوْزوا جزاء بذلك .
وقال الإمام ابن جرير الطبريّ -﵀-: يقول تعالى ذِكره: تتنحَّى جُنوب
هؤلاء الذين يؤمنون بآيات الله، الذين وصفت صفتهم، وترتفع من مضاجعهم التي يضطجعون لمنامهم، ولا ينامون ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ في عفوه عنهم، وتفضُّله عليهم برحمته ومغفرته. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في سبيل الله، ويؤدّون منه حقوق الله التي أوجبها عليهم فيه. وتتجافى: تتفاعل من الجفاء، والجفاء: النَّبو، كما قال الراجز:
وَصَاحِبي ذَاتُ هِباب دَمْشَقُ … وَابنُ مِلاطٍ مُتجاف أرْفَقُ
وإنما وصفهم تعالى ذِكره بتجافي جنوبهم عن المضاجع؛ لِتركهم الاضطجاع للنوم شغلًا بالصلاة.
واختَلف أهل التأويل في الصلاة التي وصفهم جلّ ثناؤه، أن جُنوبهم تتجافى لها عن المضطجع، فقال بعضهم: هي الصلاة بين المغرب والعشاء، وقال: نزلت هذه الآية في قوم كانوا يصلّون في ذلك الوقت، وقال آخرون: عنى بها صلاة المغرب، وقال آخرون: لانتظار صلاة العتمة.
وقال آخرون: عنى بها قيام الليل، وقال آخرون: إنما هذه صفة قوم لا تخلو ألسنتهم من ذكر الله.
ثم قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله وصف هؤلاء القوم بأن جُنوبهم تنبو عن مضاجعهم، شغلًا منهم بدعاء ربهم وعبادته خوفًا وطمعًا، وذلك نبوّ جنوبهم عن المضاجع ليلًا؛ لأن المعروف مِن وَصْف الواصف رجلًا بأن جنبه نبا عن مضجعه، إنما هو وَصْف منه له بأنه جفا عن النوم في وقت منام الناس المعروف، وذلك الليل دون النهار، وكذلك تصف العرب الرجل إذا وصفته بذلك، يدلّ على ذلك قول عبد الله بن رواحة الأنصاريّ -﵁- في صفة نبيّ الله -ﷺ-:
يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ … إذا اسْتَثْقَلَت بالمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ
فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره لم يخصص في وصفه هؤلاء القوم بالذي وصفهم به من جفاء جنوبهم عن مضاجعهم من أحوال الليل وأوقاته حالًا ووقتًا دون حال ووقت، كان واجبًا أن يكون ذلك على كلّ آناء الليل، وأوقاته، وإذا كان كذلك كان من صلى ما بين المغرب والعشاء، أو انتظر العشاء الآخرة، أو قام الليل أو بعضه، أو ذكر الله في ساعات الليل، أو
صلى العتمة ممن دخل في ظاهر قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾؛ لأن جنبه قد جفا عن مضجعه في الحال التي دام فيها للصلاة قائمًا صلى أو ذكر الله، أو قاعدًا بعد أن لا يكون مضطجعًا، وهو على القيام أو القعود قادر، غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن توجيه الكلام إلى أنه معني به قيام الليل أعجب إليّ؛ لأن ذلك أظهر معانيه، والأغلب على ظاهر الكلام، وبه جاء الخبر عن رسول الله -ﷺ-، ثم أخرج بسنده عن معاذ بن جبل -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال له: «ألا أدلُّكَ عَلى أبْواب الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وَقِيامُ العَبْدِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، وتلا هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾». انتهى كلام ابن جرير -﵀- وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد الساعديّ -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
[تنبيه]: انتقد الدارقطنيّ -﵀- هذا الحديث على مسلم -﵀- فقال في «التتبّع»: وأخرج مسلم حديث ابن وهب، عن أبي صخر، عن أبي حازم، عن سهل: وصف الجنّة، ولم يتابَع عليه، وغيره أثبت منه. انتهى كلامه.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا وجدت كلام الدارقطنيّ نقله بعضهم مجملًا غير مفصّل، ولم يظهر لي وجه انتقاده، فالله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [١/ ٧١٠٩] (٢٨٢٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٣٤)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (٤٦٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٣٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٦/ ١٢٢ و١٥٤ و٢٠١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٣/ ٥١٢ و٥٢٦)، و(البيهقيّ) في «شعب الإيمان» (٥/ ٣٥٤)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.