HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٣٧

حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد (واللفظ لإسحاق). قالا: أخبرنا عبد الرزاق. قال: قال الثوري: فحدثني أبو إسحاق؛ أن الأغر حدثه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال «ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا. وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا. وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا. وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا» فذلك قوله ﷿: ﴿ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ [٧ /الأعراف].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص148
ج ٤ ص ٢١٨٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٣ ص٦٢٤
الإسلام، بل كفّروه به، وذهب بعضهم إلى فناء النار دون الجنة، وأطال ابن القيم، كشيخه ابن تيمية في الانتصار له في عدّة كراريس، ورُدّ عليهما، فالصواب ما عليه الجمهور، من أن النار لا تفنى؛ كالجنّة، وسيأتي تحقيق ذلك قريبًا -إن شاء الله تعالى-. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٧١٢٨] (٢٨٣٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠ و٤٠٧ و٤١٦ و٤٦٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣٣٢)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٨/ ٨٦ و٢٥٨)، و(أبو يعلى في «مسنده» (٦٤٢٨)، و(أبو محمد الأصفهانيّ) في «العظمة» (٣/ ١١١٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٢٩] (٢٨٣٧) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ -وَاللَّفْظُ لإِسْحَاقَ- قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: قَالَ الثَّوْرِيُّ: فَحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، أَنَّ الأَغَرَّ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا، فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا، فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا، فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا، فَلَا تَبْتَئِسُوا أَبَدًا»، فَذَلِكَ قَوْلُهُ -﷿-: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (الثَّوْرِيُّ) سفيان بن سعيد الكوفيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عَمْرو بن عبد الله بن عُبيد، الْهَمْدانيّ السَّبِيعي الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ يدلّس، واختَلَط بأَخَرَة [٣] (ت ١٢٩) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. ٤ - (الأَغَرُّ) أبو مسلم المدينيّ، نزيل الكوفة، مولى أبي سعيد، وأبي هريرة -﵄-، اشتركا في عتقه، ثقةٌ [٣] وهو غير سلمان الأغر الذي يُكنى أبا عبد الله، وقد قلبه الطبرانيّ، فقال: اسمه مسلم ويكنى أبا عبد الله (بخ م ٤) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٢٦/ ١٧٧٧. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان -﵄-، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي. شرح الحديث: [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، عن صحابيين، كلاهما من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ) -﵄- (عَنِ النَّبِيّ -ﷺ-)؛ أنه (قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ) الظاهر أن هذا المنادي هو الله -﷾-، كما سبق قبل هذا حديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-:»إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب وأيُّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحِلّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا»، متّفقٌ عليه، وغير ذلك من النصوص التي هي صريحة في نداء الله تعالى لأهل الجنّة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ثم إن هذا النداء ظاهر في كونه في الجنّة، وقيل: إذا رأوها من بعيد، والأول أشبه. (إِنَّ) بكسرة الهمزة، (لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا) بكسر الصاد وتشديد الحاء المهملتين، تكونوا صحيحي البدن دائمًا، (فَلَا تَسْقَمُوا) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِب، ويجوز ضمّ ثالثه أيضًا، قال الفيّوميّ -﵀-: سَقِمَ سَقَمًا، من باب تَعِبَ: طال مرضه، وسَقُمَ سُقْمًا، من باب قَرُب، فهو سَقِيمٌ، وجمعه سِقَامٌ، مثلُ كريم وكرام، ويتعدى بالهمزة، والتضعيف، والسَّقَامُ بالفتح اسم منه. انتهى . (أَبَدًا)؛ أي: دائمًا في مستقبل الزمان، (وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ أيضًا، (فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب، (فَلَا تَهْرَمُوا) بفتح أوله، وثالثه، من باب تعِبَ؛ أي: فلا تشيبوا (أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا) بفتح أوله، وتثليث ثالثه، كفرح، وضرب، ونصر، كما في «القاموس». (فَلَا تَبْأَسُوا)؛ أي: لا يصيبكم بأس، وهو شدّة الحال، والبأس، والبؤس، والبأساء، والبؤساء بمعنى، وفي بعض النسخ: «فلا تَبْتَئِسُوا». (أَبَدًا») قال الطيبيّ -﵀-: هذا النداء والبشارة ألذّ، وأشهى ما فيه من السرور، وفي عكسه أنشد المتنبي [من الوافر]: أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ … تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ ارْتِحَالَا (فَذَلِكَ قَوْلُهُ -﷿-: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾). قال الإمام ابن جرير الطبريّ -﵀-: معنى الآية: ونادى منادٍ هؤلاء الذين وصف الله صفتهم، وأخبر عما أعدّ لهم من كرامته: أنْ يا هؤلاء، هذه «تلكم الجنة» التي كانت رسلي في الدنيا تخبركم عنها، أوْرَثكموها الله عن الذين كذبوا رسله، لتصديقكم إياهم، وطاعتكم ربكم، وذلك هو معنى قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. انتهى . وقال الألوسيّ -﵀-: ﴿وَنُودُوا﴾؛ أي: نادتهم الملائكة، وجوَّز بعضهم احتمال أن المنادي هو الله، والآثار تؤيد الأول. قال الجامع عفا الله عنه: بل الآثار الصحيحة تؤيّد الثاني، كحديث: «أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم. . .»، وغير ذلك، كما أسلفته آنفًا، والله تعالى أعلم. ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾؛ أي: تِلْكُم على أنَّ ﴿أَنْ﴾ مفسرة لِمَا في النداء من معنى القول، ويجوز أن تكون مخففة من «أن» وحرف الجر مقدَّر، واسمها ضمير شأن محذوف؛ أي: بأنها، أو بأنه تلكم، وأوجب البعض الثاني بناءً على أنه يجب أن يؤنث ضمير الشأن إذا كان المسنَد إليه في الجملة المفسرة مؤنثًا، والصحيح عدم الوجوب على ما صرَّح به ابن الحاجب، وابن مالك، ومعنى البعد في اسم الإشارة، إما لرفع منزلتها، وبعد مرتبتها، وإما لأنهم نودوا عند رؤيتهم إياها من مكان بعيد، وإما للإشعار بأنها تلك الجنة التي وُعدوها في الدنيا، وإليه يشير كلام الزجاج. والظاهر أن ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ مبتدأ وخبر، وقوله سبحانه: ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ حال من «الجنة»، والعامل فيها معنى الإشارة، ويجوز أن تكون الجنة نعتًا لـ«تلكم»، أو بدلًا، و﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ الخبر، ولا يجوز أن يكون حالًا من المبتدأ، ولا من «كم»، كما قاله أبو البقاء، وهو ظاهر، والتزم بعضهم في توجيه البعد أن ﴿تِلْكُمُ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذه تلكم الجنة الموعودة لكم قبلُ، أو مبتدأ حذف خبره؛ أي: تلك الجنة التي أُخبرتم عنها، أو وُعدتم بها في الدنيا هي هذه، ولا حاجة إليه، والمنادَى له أوّلًا وبالذات كونها موروثة لهم، وما قبله توطئة له، والميراث مجاز عن الإعطاء؛ أي: أُعطيتموها ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من الأعمال الصالحة، والباء للسببية، وتُجُوِّز بذلك عن الإعطاء إشارةً إلى أن السبب فيه ليس موجبًا، وإن كان سببًا بحسب الظاهر، كما أن الإرث مُلك بدون كسب، وإن كان النسب مثلًا سببًا له، والباء في قوله -ﷺ-: «لن يَدخل أحدكم الجنة بعمله» وكذا في قوله -ﷺ-: «لن ينجو أحد منكم بعمله» للسبب التام فلا تعارض، وجُوِّز أن تكون الباء فيما نحن فيه للعوض؛ أي: بمقابلة أعمالكم، وقيل: تلك الإشارة إلى منازل في الجنة هي لأهل النار، لو كانوا أطاعوا جعلها الله تعالى إرثًا للمؤمنين، فقد أخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن السديّ قال: «ما من مؤمن ولا كافر إلا وله في الجنة والنار منزل، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ودخلوا منازلهم رُفعت الجنة لأهل النار، فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله تعالى، ثم يقال: يا أهل الجنة رِثُوهم بما كنتم تعملون، فيقتسم أهل الجنة منازلهم» ، وأنت تعلم أن القول بهذا الإرث الغريب لا يدفع الحاجة إلى المجاز. وزعم المعتزلة أن دخول الجنة بسبب الأعمال لا بالتفضل لهذه الآية، ولا يخفى أنه لا محيص لمؤمن عن فضل الله تعالى؛ لأن اقتضاء الأعمال لذاتها دخول الجنة، أو إدخال الله تعالى ذويها فيها مما لا يكاد يعقل، وقُصَارَى ما يُعقل أن الله تعالى تفضّل، فرتّب عليها دخول الجنة، فلولا فضله لم يكن ذلك. قال الألوسيّ: وأنا لا أرى أكثر جرأة من المعتزلة في هذا الباب؛ ككثير من الأبواب، فإن مآل كلامهم فيه أن الجنة ونعيمها الذي لا يتناهى إقطاعهم بحق مستحَقٍّ على الله تعالى الذي لا ينتفع بشيء، ولا يتضرر بشيء، لا تفضّل له عليهم في ذلك، بل هو بمثابة دَين أُدِّي إلى صاحبه، سبحانك هذا بهتان عظيم، وتكذيب لغير ما خبر صحيح. انتهى كلام الألوسيّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٧١٢٩] (٢٨٣٧)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٣٤٦)، و(ابن المبارك) في «الزهد» (١/ ١٢٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣١٩ و٣/ ٣٨ و٩٥)، و(هنّاد بن السريّ) في «الزهد» (١/ ١٣٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٤٣٠)، و(الطبرانيّ) في «الصغير» (١/ ١٤٠)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٢٩٣)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٥)

١. «المصباح المنير» ١/ ٢٨٠.

٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٥٥٨.

٣. «تفسير الطبريّ» ١٢/ ٤٤٢.

٤. في إسناده السدّي، متكلّم فيه.

٥. «تفسير الألوسيّ» ٦/ ١٧٣.