HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٤١

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَالَ: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله ﷺ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ «خلق الله ﷿ آدم على صورته. طوله ستون ذراعا. فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر. وهم نفر من الملائكة جلوس. فاستمع ما يجيبونك. فإنها تحيتك وتحية ذريتك. قال فذهب فقال: السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. قال فزادوه: ورحمة الله. قال فكل من يدخل الجنة على صورة آدم. وطوله ستون ذراعا. فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص149
ج ٤ ص ٢١٨٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٣ ص٦٤٠
والصحيح أن هذا الذي ذكره لا يقدح في صحة الحديث، فقد سيق في أول هذا الكتاب أن الحديث إذا رُوي متصلًا ومرسلًا، كان محكومًا بوصله، على المذهب الصحيح؛ لأن مع الواصل زيادةَ علم، حَفِظها، ولم يحفظها من أرسله. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجواب من النوويّ ليس على إطلاقه، كما أسلفته غير مرّة، فإن المحقّقين من النقّاد الحفّاظ لا يسلكون هذا المسلك دائمًا، وإنما يسلكون مسلك النظر في القرائن التي تحتفّ حول ذلك السند، فإن كانت القرائن تؤيّد الوصل، رجحوه، وإلا رجّحوا الإرسال، وما هنا كذلك، فإن أبا النضر، وإن كان ثقة، إلا أنه خالف جماعة، ولا سيّما آل الرجل، فإن ممن خالف يعقوب، وسعد ولدا إبراهيم، فروياه عنه عن أبيه، عن أبي سلمة مرسلًا، فحَمْل الوهم على الواحد أَولى من حمله على الجماعة. لكن الإمام مسلمًا -﵀- إمام حافظ ناقد بصير، ترجّح لديه الوصل على الإرسال؛ لأن الواصل، وهو أبو النضر ثقةٌ ثبتٌ، كما في «التقريب»، وقد أثنى عليه أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، وغيرهم، وثبّتوه، كما في «تهذيب التهذيب»، فترجّح بهذا لمسلم تقديم وصله على إرسال غيره، وهذا وجه وجيه لمن تأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٧١٣٤] (٢٨٤٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٣١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ٣٠٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٣٥] (٢٨٤١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِﷺ-، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «خَلَقَ اللهُ -﷿- آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ، فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُجِيبُونَكَ ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ، وَتَحِيَّةُ ذُرَّيتِكَ، قَالَ: فَذَهَبَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، قَالَ: فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ، قَالَ: فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ، حَتَّى الآنَ»). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا الإسناد نفسه قبل ثلاثة أبواب، فلا حاجة إلى إعادة الكلام فيه. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) الأبناويّ الصنعانيّ، أنه (قَالَ: هَذَا) الآتي من الأحاديث، فـ «هذا» مبتدأ خبره قوله: (مَا) اسم موصول؛ أي: الذي (حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، والمراد به: ما جُمع في تلك الصحيفة المشهورة (عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ) أبو هريرة (أَحَادِيثَ) كثيرة وقد تقدّم أنها (١٣٨) حديثًا، (مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «خَلَقَ اللهُ -﷿- آدَمَ) -﵇- (عَلَى صُورَتِهِ) ظاهر سياق هذه الرواية أن الضمير لآدم، والمراد: أن الله تعالى خلقه في أول نشأته على صورته التي كان عليها في الأرض، وتوفي عليها، وهي طوله ستون ذراعًا، ولم ينتقل أطوارًا كذريته، وكانت صورته في الجنة هي صورته في الأرض لم تتغير . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال النوويّ، وسيأتي تصويب قول من قال: إن الضمير لله تعالى، وأن تفسيره به صحيح، وفيه إثبات الصورة لله تعالى على ما يليق بجلاله -إن شاء الله تعالى-. وقال في «الفتح»: هذه الرواية تؤيد قول من قال: إن الضمير لآدم، والمعنى أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها، لم ينتقل في النشأة أحوالًا، ولا تردَّد في الأرحام أطوارًا كذرّيته، بل خلقه الله رجلًا كاملًا سويًّا، من أول ما نَفَخ فيه الروح، ثم عقّب ذلك بقوله: «طوله ستون ذراعًا»، فعاد الضمير أيضًا على آدم. انتهى . («طُولُهُ)، أي: طول آدم -﵇- (سِتُّونَ ذِرَاعًا) قال ابن التين: المراد ذراعنا؛ لأن ذراع كل أحد مثل رُبعه، ولو كانت بذراعه، لكانت يده قصيرة في جنب طول جسمه؛ كالإصبع، والظفر، وقيل: يَحْتَمِل أن يكون بذراع نفسه، والأول أشهر، وقال القرطبيّ: إن الله تعالى يعيد أهل الجنة إلى خَلْقه أصلهم الذي هو آدم -﵇-، وعلى صفته، وطوله الذي خَلَقه الله عليه في الجنة، وكان طوله فيها ستين ذراعًا في الارتفاع بذارع نفسه، قال: ويَحْتَمِل أن يكون هذا الذراع مقدرًا بأذرعتنا المتعارفة عندنا، وقيل: إنه كان يقارب أعلاه السماء، وأن الملائكة كانت تتأذى بنَفَسه، فخفضه الله إلى ستين ذراعًا، وظاهر الحديث خلافه. انتهى . (فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ، فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ) قال في «الفتح»: فيه إشعار بأنهم كانوا على بُعْد، واستُدِلّ به على إيجاب ابتداء السلام، لورود الأمر به، وهو بعيد، بل ضعيف؛ لأنها واقعة حال، لا عموم لها، وقد نَقَل ابنُ عبد البرّ الإجماع على أن الابتداء بالسلام سُنَّة، ولكن في كلام المازريّ ما يقتضي إثبات خلاف في ذلك، قال الحافظ: كذا زعم بعض من أدركناه، وقد راجعت كلام المازريّ، وليس فيه ذلك، فإنه قال: ابتداء السلام سُنَّة، وردّه واجب، هذا هو المشهور، عند أصحابنا، وهو من عبادات الكفاية، فأشار بقوله المشهور إلى الخلاف في وجوب الردّ، هل هو فرض عين، أو كفاية؟ وقد صرَّح بعد ذلك بخلاف أبي يوسف، كما سأذكره بعدُ، نعم وقع في كلام القاضي عبد الوهاب فيما نقله عنه عياض، قال: لا خلاف أن ابتداء السلام سُنَّة، أو فرض على الكفاية، فإن سلّم واحد من الجماعة أجزأ عنهم، قال عياض: معنى قوله: فَرْض على الكفاية مع نقل الإجماع على أنه سُنَّة: أن إقامة السنن وإحياءها فرض على الكفاية. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: القول بوجوب الابتداء بالسلام هو الذي يدلّ عليه ظاهر حديث الباب، وأصرح منه ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله -ﷺ- قال: «حقُّ المسلم على المسلم ستّ»، قيل: ما هنّ يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله، فسمِّته، وإذا مَرِض فَعُده، وإذا مات فاتّبعه». فقوله: «إذا لقيته فسلّم عليه» نصّ صريح في الأمر بالسلام عند اللقاء، والأمر للوجوب إلا لصارف، كما هو رأي الجمهور، فالحقّ أحقّ أن يُتّبع أينما نبع، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (النَّفَرِ) بالجرّ بدل من «أولئك»، وهو بفتحتين: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة، قاله الفيّوميّ -﵀- . (وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ) قال الحافظ -﵀-: لم أقف على تعيينهم، وقوله: (جُلُوسٌ) بالضمّ جمع جالس، خبر بعد خبر. (فَاسْتَمِعْ)، وفي رواية: «فاسمع» (مَا يُحَيُّونَكَ) هكذا في النسخة الهنديّة، من التحيّة، ووقع في معظم النُّسخ بلفظ: «ما يُجِيبُونك»، من الإجابة، قال في «الفتح»: قوله: «ما يُحَيُّونك» كذا للأكثر بالمهملة، من التحية، وفي رواية أبي ذرّ بكسر الجيم، وسكون التحتانية، بعدها موحّدة من الجواب، وكذا هو في «الأدب المفرد»، انتهى . (فَإِنَّهَا)؛ أي: الكلمات التي يُحَيّون بها، أو يجيبون، (تَحِيَّتُكَ، وَتَحِيَّةُ ذُرَّيتِكَ)؛ أي: من جهة الشرع، أو المراد بالذرية: بعضهم، وهم المسلمون. وقد أخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، مرفوعًا: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين»، وهو يدل على أنه شرع لهذه الأمة دونهم. وفى حديث أبي ذرّ الطويل في قصة إسلامه قال: «وجاء رسول الله -ﷺ-. . .» فذكر الحديث، وفيه: «فكنت أول من حياه بتحية الإسلام، فقال: وعليك ورحمة الله»، أخرجه مسلم. وأخرج الطبرانيّ، والبيهقيّ في «الشعب» من حديث أبي أمامة، رفعه: «جعل الله السلام تحية لأمتنا، وأمانًا لأهل ذمتنا»، وعند أبي داود من حديث عمران بن حصين: «كنا نقول في الجاهلية: أنعم بك عينًا، وأنعم صباحًا، فلما جاء الإسلام نُهينا عن ذلك»، ورجاله ثقات، لكنه منقطع. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: «كانوا في الجاهلية يقولون: حييت مساء، حييت صباحًا، فغيّر الله ذلك بالسلام». (قَالَ) -ﷺ-: (فَذَهَبَ) آدم -﵇- إلى أولئك الملائكة -﵈- (فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) قال ابن بطال: يَحْتَمِل أن يكون الله علّمه كيفية ذلك تنصيصًا، ويَحْتَمِل أن يكون فَهِم ذلك من قوله له: «فسلِّم». قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون ألهمه ذلك، ويؤيده ما أخرجه ابن حبان من وجه آخر، عن أبي هريرة، رفعه: «إن آدم لمّا خلقه الله عطس، فألهمه الله أن قال: الحمد لله. . .» الحديث، فلعله ألهمه أيضًا صفة السلام. واستُدلّ به على أن هذه الصيغة هي المشروعة لابتداء السلام؛ لقوله: «فهي تحيتك وتحية ذريتك»، وهذا فيما لو سَلّم على جماعة، فلو سلم على واحد فسيأتي حكمه، ولو حذف اللام، فقال: سلام عليكم أجزأ، قال الله تعالى: ﴿. . . وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤] وقال تعالى: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات: ٧٩] إلى غير ذلك، لكن باللام أَولى؛ لأنها للتفخيم والتكثير، وثبت في حديث التشهد: «السلام عليك أيها النبي»، قال عياض: ويُكره أن يقول في الابتداء: عليك السلام، وقال النوويّ في «الأذكار»: إذا قال المبتدئ: وعليكم السلام، لا يكون سلامًا ولا يستحقّ جوابًا؛ لأن هذه الصيغة لا تصلح للابتداء، قاله المتولّي. فلو قاله بغير واو، فهو سلام، قطع بذلك الواحديّ، وهو ظاهر، قال النوويّ: ويَحْتَمِل أن لا يُجزئ كما قيل به في التحلل من الصلاة، ويَحْتَمِل أن لا يُعَدَّ سلامًا، ولا يستحقّ جوابًا؛ لِمَا رويناه في سنن أبي داود، والترمذيّ، وصححه، وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن أبي جُريّ -بالجيم، والراء مصغرًا -﵁-- الْهُجيميّ -بالجيم مصغرًا- قال: أتيت رسول الله -ﷺ-، فقلت: عليك السلام يا رسول الله، قال: «لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى»، قال: ويَحْتَمِل أن يكون وَرَدَ لبيان الأكمل، وقد قال الغزاليّ في «الإحياء»: يكره للمبتدئ أن يقول: عليكم السلام، قال النوويّ: والمختار لا يكره، ويجب الجواب؛ لأنه سلام، قال الحافظ: وقوله بالأسانيد الصحيحة يوهم أن له طُرُقًا إلى الصحابي المذكور، وليس كذلك، فإنه لم يروه عن النبيّ -ﷺ- غير أبي جُرَيّ، ومع ذلك فمداره عند جميع من أخرجه على أبي تميمة الْهُجيميّ راويه عن أبي جُرَيِّ، وقد أخرجه أحمد أيضًا، والنسائيّ، وصححه الحاكم، وقد اعتَرَض هو على ما دلّ عليه الحديث بما أخرجه مسلم، من حديث عائشة -﵂-، في خروج النبيّ -ﷺ- إلى البقيع، الحديث، وفيه: «قلت: كيف أقول؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين»، وكذا أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، أن النبيّ -ﷺ- قال لمّا أتى البقيع: «السلام على أهل الديار من المؤمنين. . .» الحديث. قال الخطابيّ: فيه أن السلام على الأموات والأحياء سواء، بخلاف ما كانت عليه الجاهلية من قولهم [من الطويل]: عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ قال الحافظ: ليس هذا من شعر أهل الجاهلية، فإن قيس بن عاصم صحابيّ مشهور، عاش بعد النبيّ -ﷺ-، والْمَرْثية المذكورة لمسلم معروف، قالها لمّا مات قيس. ومثله ما أخرج ابن سعد وغيره أن الجنّ رَثَوا عمر بن الخطاب -﵁- بأبيات منها [من الطويل]: عَلَيْكَ السَّلَامُ مِنْ أَمِيرٍ وَبَارَكَتْ … يَدُ اللهِ فِي ذَاكَ الأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ وقال ابن العربيّ في السلام على أهل البقيع: لا يعارض النهي في حديث أبي جُرَيّ؛ لاحتمال أن يكون الله أحياهم لنبيه -ﷺ-، فسلَّم عليهم سلام الأحياء، كذا قال، ويردّه حديث عائشة -﵂- المذكور، قال: ويَحْتَمِل أن يكون النهي مخصوصًا بمن يرى أنها تحية الموتى، وبمن يتطير بها من الأحياء، فإنها كانت عادة أهل الجاهلية، وجاء الإسلام بخلاف ذلك. قال عياض: وتبعه ابن القيّم في «الهدي»، فنَقّح كلامه، فقال: كان من هدي النبيّ -ﷺ- أن يقول في الابتداء: السلام عليكم، ويكره أن يقول: عليكم السلام، فذكر حديث أبي جُريّ، وصححه، ثم قال: أشكل هذا على طائفة، وظنوه معارضًا لحديث عائشة وأبي هريرة، وليس كذلك، وإنما معنى قوله: «عليك السلام تحية الموتى» إخبار عن الواقع، لا عن الشرع؛ أي: أن الشعراء ونحوهم يُحيّون الموتى به، واستشهد بالبيت المتقدم، وفيه ما فيه، قال: فكره النبيّ -ﷺ- أن يُحَيَّى بتحية الأموات. وقال عياض أيضًا: كانت عادة العرب في تحية الموتى تأخير الاسم؛ كقولهم: عليه لعنة الله وغضبه، عند الذمّ، وكقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾ [الحجر: ٣٥]. وتُعُقِّب بأن النصّ في الملاعنة وَرَدَ بتقديم اللعنة والغضب على الاسم. وقال القرطبيّ: يَحْتَمِل أن يكون حديث عائشة لمن زار المقبرة، فسلَّم على جميع من بها، وحديث أبي جُريّ إثباتًا ونفيًا في السلام على الشخص الواحد. ونقل ابن دقيق العيد عن بعض الشافعية أن المبتدئ لو قال: عليكم السلام لم يَجُز؛ لأنها صيغة جواب، قال: والأَولى الإجزاء؛ لحصول مسمى السلام، ولأنهم قالوا: إن المصلي ينوي بإحدى التسليمتين الردّ على من حضر، وهي بصيغة الابتداء، ثم حكى عن أبي الوليد ابن رُشد أنه يجوز الابتداء بلفظ الردّ وعكسه. انتهى . (فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ) كذا للأكثر هنا وعند البخاريّ، وأحمد، ووقع هنا للكشميهني عند البخاريّ: «فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله»، وعليها شَرَح الخطابيّ، واستدل برواية الأكثر لمن يقول: يجزئ في الردّ أن يقع باللفظ الذي يبتدأ به، كما تقدم، قيل: ويكفي أيضًا الرد بلفظ الإفراد. (قَالَ) -ﷺ-: (فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ) فيه مشروعية الزيادة في الردّ على الابتداء، وهو مستحبّ بالاتفاق؛ لوقوع التحية في ذلك في قوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] فلو زاد المبتدئ: «ورحمة الله» استُحِبّ أن يزاد: «وبركاته»، فلو زاد: «وبركاته»، فهل تشرع الزيادة في الردّ؟ وكذا لو زاد المبتدئ على «وبركاته»، هل يشرع له ذلك؟ أخرج مالك في «الموطأ» عن ابن عباس قال: انتهى السلام إلى البركة. وأخرج البيهقيّ في «الشُّعَب» من طريق عبد الله بن أبيه، قال: «جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: حسبك إلى وبركاته.»انتهى إلى وبركاته«، ومن طريق زَهْرة بن مَعْبد قال: قال عمر:»انتهى السلام إلى وبركاته«، ورجاله ثقات. وجاء عن ابن عمر الجواز، فأخرج مالك أيضًا في«الموطأ»عنه أنه زاد في الجواب:«والغاديات، والرائحات». وأخرج البخاري في«الأدب المفرد»من طريق عمرو بن شعيب، عن سالم مولى ابن عمر قال:«كان ابن عمر يزيد إذا ردَّ السلام، فأتيته مرّة، فقلت: السلام عليكم، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم أتيته، فزدت: وبركاته، فردّ، وزاد: وطيّب صلواته»، ومن طريق زيد بن ثابت أنه كتب إلى معاوية:«السلام عليكم يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ومغفرته وطيب صلواته». ونقل ابن دقيق العيد عن أبي الوليد ابن رُشد أنه يؤخذ من قوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦] الجواز في الزيادة على البركة إذا انتهى إليها المبتدئ. وأخرج أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ بسند قويّ عن عمران بن حصين قال: جاء رجل إلى النبيّ -ﷺ-، فقال: السلام عليكم، فردَّ عليه، وقال:«عشر»، ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فردّ عليه، وقال:«عشرون»، ثم جاء آخر، فزاد وبركاته، فردّ، وقال:«ثلاثون»، وأخرجه البخاري في«الأدب المفرد»من حديث أبي هريرة، وصححه ابن حبان، وقال:«ثلاثون حسنة»، وكذا فيما قبلها صرّح بالمعدود، وعند أبي نعيم في«عمل يوم وليلة»من حديث عليّ أنه هو الذي وقع له مع النبيّ -ﷺ- ذلك. وأخرج الطبرانيّ من حديث سهل بن حُنيف بسند ضعيف، رفعه:«من قال: السلام عليكم كُتب له عشر حسنات، ومن زاد: ورحمة الله، كُتبت له عشرون حسنة، ومن زاد: وبركاته، كُتبت له ثلاثون حسنة». وأخرج أبو داود من حديث سهل بن معاذ بن أنس الْجُهنيّ عن أبيه، بسند ضعيف، نحو حديث عمران، وزاد في آخره:«ثم جاء آخر، فزاد: ومغفرته، فقال: أربعون، وقال: هكذا تكون الفضائل». وأخرج ابن السنيّ في كتابه بسند واهٍ من حديث أنس، قال:«كان رجل يمرّ، فيقول: السلام عليك يا رسول الله، فيقول له: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه». وأخرج البيهقيّ في«الشعب»بسند ضعيف أيضًا من حديث زيد بن أرقم:«كنا إذا سلّم علينا النبيّ -ﷺ- قلنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته»، وهذه الأحاديث الضعيفة إذا انضمت قَوِيَ ما اجتمعت عليه من مشروعية الزيادة على:«وبركاته». واتفق العلماء على أن الردّ واجب على الكفاية، وجاء عن أبي يوسف أنه قال: يجب الرد على كل فرد فرد، واحتج له بحديث الباب؛ لأن فيه:«فقالوا: السلام عليك»، وتُعقِّب بجواز أن يكون نُسب إليهم، والمتكلم به بعضهم. واحتَجّ له أيضًا بالاتفاق على أن من سَلّم على جماعة، فردّ عليه واحد من غيرهم، لا يجزئ عنهم. وتُعُقب بظهور الفرق. واحتُجّ للجمهور بحديث عليّ -﵁- رفعه:«يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الْجُلوس أن يردّ أحدهم»، أخرجه أبو داود، والبزار، وفي سنده ضعف، لكن له شاهد من حديث الحسن بن عليّ عند الطبرانيّ وفي سنده مقال، وآخر مرسل في«الموطأ» عن زيد بن أسلم. واحتَجَّ ابن بطال بالاتفاق على أن المبتدئ لا يُشترط في حقه تكرير السلام بعدد من يسلّم عليهم، كما في حديث الباب، من سلام آدم -﵇-، وفي غيره من الأحاديث، قال: فكذلك لا يجب الردّ على كل فَرْد فَرْد إذا سَلّم الواحد عليهم. واحتَجّ الماوردي بصحة الصلاة الواحدة على العدد من الجنائز. وقال الحليميّ: إنما كان الرد واجبًا؛ لأن السلام معناه: الأمان، فإذا ابتدأ به المسلم أخاه، فلم يجبه، فإنه يُتوهم منه الشرّ، فيجب عليه دفع ذلك التوهم عنه. انتهى كلامه. قال الحافظ: ويؤخذ من كلامه موافقة القاضي حسين حيث قال: لا يجب ردّ السلام على من سَلّم عند قيامه من المجلس، إذا كان سلّم حين دخل، ووافقه المتولي، وخالفه المستظهريّ، فقال: السلام سُنَّة عند الانصراف، فيكون الجواب واجبًا، قال النوويّ: هذا هو الصواب، كذا قال . (قَالَ) -ﷺ-: (فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ)؛ أي: على صفته، وهذا يدلّ على أن صفات النقص من سواد وغيره تنتفي عند دخول الجنة. (وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا) وإثبات الواو فيه؛ لئلا يُتوهم أن قوله: «طوله» تفسير لقوله: «على صورة آدم»، وعلى هذا فقوله: «وطوله إلخ» من الخاصّ بعد العامّ، ووقع عند أحمد من طريق سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «كان طول آدم ستين ذراعًا في سبعة أذرع عرضًا»، وأما ما رَوَى عبد الرزاق من وجه آخر مرفوعًا: «إن آدم لمّا أُهبط كانت رجلاه في الأرض، ورأسه في السماء، فحطه الله إلى ستين ذراعًا» فظاهره أنه كان مفرط الطول في ابتداء خَلْقه، وظاهر الحديث الصحيح أنه خُلق في ابتداء الأمر على طول ستين ذراعًا، وهو المعتمَد. ورَوى ابن أبي حاتم بإسناد حسن، عن أُبي بن كعب، مرفوعًا: «إن الله خلق آدم رجلًا طوالًا، كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سحوق». (فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ، حَتَّى الآنَ»)؛ أي: أن كل قرن يكون نشأته في الطول أقصر من القرن الذي قبله، فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة، واستقرّ الأمر على ذلك. وقال ابن التين: قوله:«فلم يزل الخلق ينقص»؛ أي: كما يزيد الشخص شيئًا فشيئًا، ولا يتبيّن ذلك فيما بين الساعتين، ولا اليومين، حتى إذا كثرت الأيام تبيّن، فكذلك هذا الحكم في النقص. قال الحافظ -﵀-: ويُشكل على هذا ما يوجد الآن من آثار الأمم السالفة، كديار ثمود، فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة الطول على حَسَب ما يقتضيه الترتيب السابق، ولا شك أن عهدهم قديم، وأن الزمان الذي بينهم وبين آدم دون الزمان الذي بينهم وبين أول هذه الأمة، قال: ولم يظهر لي إلى الآن ما يزيل هذا الإشكال. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) ههنا [١٢/ ٧١٣٥] (٢٨٤١)، و(البخاريّ) في«الأنبياء»(٣٣٢٦) و«الاستئذان»(٦٢٢٧) وفي«الأدب المفرد»(١/ ٣٣٩)، و(همام بن منبّه) في«صحيفته»(٥٩)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(١٠/ ٣٨٤)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٣١٥)، و(ابن خزيمة) في«التوحيد»(ص ٤٠ - ٤١)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٦١٦٢)، و(اللالكائىّ) في«أصول الاعتقاد»(٧١١)، و(البيهقيّ) في«الأسماء والصفات»(ص ٢٨٩ - ٢٩٠)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة»(٣٢٩٨)، و(ابن عساكر) في«تاريخ دمشق» (٧/ ٣٩١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها). ما قاله المهلَّب -﵀- في هذا الحديث: أن الملائكة يتكلمون بالعربية، ويتحيّون بتحية الإسلام. وتعقّبه الحافظ، فقال: في الأول نظر؛ لاحتمال أن يكون في الأزل بغير اللسان العربيّ، ثم لمّا حُكي للعرب تُرجم بلسانهم، ومن المعلوم أن من ذُكرت قصصهم في القرآن من غير العرب، نُقل كلامهم بالعربيّ، فلم يتعين أنهم تكلموا بما نُقل عنهم بالعربيّ، بل الظاهر أن كلامهم تُرجم بالعربيّ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله المهلّب هو ظاهر ما دلّ عليه الحديث، فما دام ممكنًا، فالأَولى حَمْله عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٢ - (ومنها) أن فيه الأمرَ بتعلم العلم من أهله، والأخذ بنزول مع إمكان العلوّ، والاكتفاء في الخبر مع إمكان القطع بما دونه. ٣ - (ومنها): أن المدة التي بين آدم والبعثة المحمدية فوق ما نُقل عن الإخباريين، من أهل الكتاب وغيرهم بكثير، قاله في «الفتح» . ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: فيه أن الوارد على قوم جُلُوس يسلم عليهم، وأن الأفضل أن يقول: السلام عليكم، بالألف واللام، ولو قال: سلام عليكم كفاه، وأن ردّ السلام يُستحبّ أن يكون زيادةً على الابتداء، وأنه يجوز في الردّ أن يقول: السلام عليكم، ولا يشترط أن يقول: وعليكم السلام. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في بيان اختلاف العلماء في مرجع الضمير في قوله -ﷺ-: «على صورته»: قال الإمام ابن حبّان -﵀- في «صحيحه» بعد أن أخرج الحديث ما نصّه: هذا الخبر تعلّق به من لم يُحكم صناعة العلم، وأخذ يشنّع على أهل الحديث الذين ينتحلون السنن، ويذبّون عنها، ويقمعون من خالفها، بأن قال: ليست تخلو هذه الهاء من أن تُنسب إلى الله، أو إلى آدم، فإن نسبت إلى الله كان ذلك كفرًا؛ إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وإن نُسبت إلى آدم تعرى الخبر عن الفائدة؛ لأنه لا شك أن كل شيء خُلق على صورته، لا على صورة غيره، ولو تملّق قائل هذا إلى بارئه في الخلوة، وسأله التوفيق لإصابة الحقّ، والهداية للطريق المستقيم في لزوم سنن المصطفى -ﷺ- لكان أَولى به من القدح في منتحلي السنن، بما يجهل معناه، وليس جهل الإنسان بالشيء دالًّا على نفي الحق عنه؛ لجهله به، ونحن نقول: إن أخبار المصطفى -ﷺ- إذا صحّت من جهة النقل لا تتضادّ، ولا تتهاتر، ولا تنسخ القرآن، بل لكل خبر معنى معلوم يُعلم، وفصل صحيح يُعقل، يعقله العالمون، فمعنى الخبر عندنا بقوله -ﷺ-: «خلق الله آدم على صورته» إبانة فضل آدم على سائر الخلق، والهاء راجعة إلى آدم، والفائدة من رجوع الهاء إلى آدم دون إضافتها إلى البارئ جل وعلا، جلّ ربنا وتعالى عن أن يشبه بشيء من المخلوقين، أنه جل وعلا جعل سبب الخلق الذي هو المتحرك النامي بذاته اجتماع الذكر والأنثى، ثم زوال الماء عن قرار الذكر إلى رحم الأنثى، ثم تغير ذلك إلى العَلَقة بعد مدّة، ثم إلى المضغة، ثم إلى الصورة، ثم إلى الوقت الممدود فيه، ثم الخروج من قراره، ثم الرضاع، ثم الفطام، ثم المراتب الأُخَر على حَسَب ما ذكرنا إلى حلول المنية به، هذا وصف المتحرك النامي بذاته من خلقه، وخَلَق الله جل وعلا آدم على صورته التي خلقه عليها، وطوله ستون ذراعًا، من غير أن تكون تقدَّمه اجتماع الذكر والأنثى، أو زوال الماء، أو قراره، أو تغيير الماء عَلَقة، أو مضغة، أو تجسيمه بعده، فأبان الله بهذا فضله على سائر من ذكرنا من خَلْقه، بأنه لم يكن نطفة، فعلقة، ولا علقة فمضغة، ولا مضغة فرضيعًا، ولا رضيعًا ففطيمًا، ولا فطيمًا فشابًّا، كما كانت هذه حالة غيره، ضدّ قول من زعم أن أصحاب الحديث حشوية، يروون ما لا يعقلون، ويحتجون بما لا يدرون. انتهى كلام ابن حبّان -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة قول ابن حبّان -﵀- أنه يرى أن ضمير «صورته» راجع إلى آدم -﵇-، وهذا ليس معنى بعيدًا، ولكن لا يلزم منه نفي الصورة عن الله -﷿-، كما سيأتي تحقيق ذلك، فتنبّه. وقال في «العمدة»: قوله: «على صورته»؛ أي: على صورة آدم؛ لأنه أقرب؛ أي: خَلَقه في أول الأمر بشرًا سويًّا كامل الخلقة، طويلًا ستين ذراعًا كما هو المشاهد، بخلاف غيره، فإنه يكون أولًا نطفة، ثم عَلَقَة، ثم مُضغة، ثم جنينًا، ثم طفلًا، ثم رَجُلًا حتى يتم طوله، فله أطوار، وقال ابن بطال: أفاد -ﷺ- بذلك إبطال قول الدهرية: إنه لم يكن قط إنسان إلا من نطفة، ولا نطفة إلا من إنسان، وقول القدرية: إن صفات آدم على نوعين: ما خلقها الله تعالى، وما خلقها آدم بنفسه، قال: وقيل: إنه -ﷺ- مَرَّ برجل يضرب عبده في وجهه لَطْمًا، فزجره عن ذلك، وقال: «خلق الله آدم على صورته»، فالهاء كناية عن المضروب وجهه، قال: وقد يقال: هو عائد إلى الله تعالى، لكن الصورة هي الهيئة، وذلك لا يصحّ إلا على الأجسام، فمعنى الصورة: الصفةُ، كما يقال: عَرِّفني صورة هذا الأمر؛ أي: صفته؛ يعني: خلق آدم على صفته؛ أي: حيًّا، عالِمًا، سميعًا، بصيرًا، متكلِّمًا، أو هو إضافة تشريفية، نحو بيت الله، وروح الله؛ لأنه ابتدأها لا على مثال سابق، بل بمحض الاختراع، فشرّفها بالإضافة إليه ﷾. انتهى . وقال في «الفتح»: اختُلِف إلى ماذا يعود الضمير؟ فقيل: إلى آدم؛ أي: خلقه على صورته التي استمرّ عليها إلى أن أُهبط، وإلى أن مات دفعًا لتوهّم من يظن أنه لمّا كان في الجنة كان على صفة أخرى، أو ابتدأ خَلْقه كما وُجد، لم ينتقل في النشأة، كما ينتقل ولده من حالة إلى حالة، وقيل: للردّ على الدهرية: إنه لم يكن إنسان إلا من نطفة، ولا تكون نطفة إنسان إلا من إنسان، ولا أول لذلك، فبَيَّن أنه خُلق من أول الأمر على هذه الصورة، وقيل: للردّ على الطبائعيين الزاعمين أن الإنسان قد يكون من فِعل الطبع، وتأثيره، وقيل: للرد على القدرية الزاعمين أن الإنسان يخلق فِعل نفسه، وقيل: إن لهذا الحديث سببًا حُذف من هذه الرواية، وإن أوله قصة الذي ضَرب عبده، فنهاه النبيّ -ﷺ - عن ذلك، وقال له: إن الله خلق آدم على صورته، وقيل: الضمير لله، وتمسَّك قائل ذلك بما ورد في بعض طرقه: «على صورة الرحمن»، والمراد بالصورة: الصفة، والمعنى: أن الله خلقه على صفته، من العلم، والحياة، والسمع، والبصر، وغير ذلك، وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم تحقيق القول في هذه المسألة في «باب النهي عن ضرب الوجه» برقم [٣٢/ ٦٦٢٨] (٢٦١٢)، ورجّحت إثبات صفة الصورة لله -﷿- على ما يليق بجلاله، واستوفيت البحث فيه، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ثم رأيت كلامًا حسنًا للشيخ البرّاك كتبه عند قول المازريّ: غلط ابن قُتيبة، فأجرى هذا الحديث على ظاهره، وقال: صورة لا كالصُّوَر. انتهى. فقال: قوله: «غلط ابن قتيبة. . . إلخ» ابن قتيبة يُعرف بخطيب أهل السُّنَّة، وله جهود في الردّ على الزنادقة والمعتزلة، كما في «تأويل مختلف الحديث» به، وما ذهب إليه ابن قتيبة -﵀- من إثبات الصورة لله -﷿-، وأنها ليست كصورة أحد من الخلق هو مذهب جميع أهل السُّنَّة المثبتين لكل ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله -ﷺ-، فكما يقولون: له وجه لا كوجوه المخلوقين، يقولون: له صورة لا كصور المخلوقين، وقد دلّ على إثبات الصورة لله -﷿- قوله -ﷺ- في الحديث الطويل: «وتبقى هذه الأمة وفيها منافقوها، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفونه بها»، وهو نصّ صريح، لا يَحْتَمِل، فلهذا لم يخالف أحد من أهل السُّنَّة في دلالته. وأما حديث: «فإن الله خلق آدم على صورته» فقد استدلّ به أكثر أهل السُّنَّة على إثبات الصورة أيضًا، وردّوا الضمير إلى الله تعالى، وأيّدوا ذلك برواية من رواه بلفظ: «على صورة الرحمن»، ومن ردّ الضمير إلى آدم -﵇-، أو المقَاتَل، وقَصْده نفي الصورة عن الله -﷿- فهو جهميّ، كما قال الإمام أحمد -﵀-، ونفي الصورة هو مذهب الجهميّة، والمعتزلة، ومن تبعهم من الأشاعرة، والماتريديّة، ومنشأ ذلك هو توهّم التشبيه في صفات الله تعالى، فزعموا أن إثبات الصورة، أو الوجه، أو اليدين، ونحو ذلك يستلزم التشبيه بالمخلوقات، وهي حجة داحضة، وطردها يسلتزم نفي وجود الله -﷾-. ومن ردّ من أهل السُّنَّة الضمير إلى آدم -﵇-، وضعّف رواية: «على صورة الرحمن»، فليس مقصوده التوصل إلى نفي الصورة عن الله -﷿-، وليس من مذهبه ذلك، بل رأى لفظ هذا الحديث: «خلق الله آدم على صورته» مُحْتَمِلًا، فترجّح عنده عود الضمير إلى آدم، أو إلى الْمُقاتَلِ، وهو منازَعٌ في تضعيفه لتلك الرواية، وفي هذا الترجيح. وبهذا يتبيّن أن إثبات الصورة لله -﷿- لا يتوقّف على دلالة حديث: «خلق الله آدم على صورته»، ونقول: بل غَلِط المازريّ عفا الله عنه، ولم يَغْلَط ابن قتيبة -﵀-. انتهى كلام البرّاك حفظه الله تعالى .
مصادر المؤلف (١٧)

١. وفي نسخة:«ما يُحَيُّونك».

٢. » شرح النوويّ«١٧/ ١٧٨.

٣. «الفتح» ٧/ ٦١٠.

٤. «عمدة القاري»١٥/ ٢٠٨.

٥. «الفتح»١٤/ ١٢٩ - ١٣٠.

٦. «المصباح المنير» ٢/ ٦١٧.

٧. «الفتح» ١٤/ ١٣٠.

٨. «الفتح» ١٤/ ١٣١ - ١٣٢.

٩. «الفتح»١٤/ ١٣٤ - ١٣٥.

١٠. «الفتح» ٧/ ٦١٠ - ٦١١، «كتاب أحاديث الأنبياء» رقم (٣٣٢٦).

١١. «الفتح» ١١/ ٧.

١٢. «الفتح» ١٤/ ١٣٥.

١٣. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٧٨.

١٤. «صحيح ابن حبان» ١٤/ ٣٤ - ٣٥.

١٥. «عمدة القاري» ٢٢/ ٢٢٩.

١٦. «الفتح» ١٤/ ١٢٩، «كتاب الاستئذان» رقم (٦٢٢٧).

١٧. راجع ما كتبه الشيخ البرّاك على هامش «الفتح» ٦/ ٣٩٢، «كتاب العتق» رقم (٢٥٥٩).