HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٥٩

وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ سعيد عن حاتم بن أبي صغيرة. حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ محمد، عن عائشة. قَالَت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا» قلت: يا رسول الله! النساء والرجال جميعا، ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال ﷺ «يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص156
ج ٤ ص ٢١٩٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٥٤
[٩١٦] و(حُفَاة) : جمع حاف؛ وهو الذي لا خُفّ في قدمه ولا نعل، و(عُرَاة): جمع عار، و(غُرلٌ): جمع أَغْرَل؛ وهو الأقلف الذي لم يختن بعد، وفي الأثر: (لأَن أَحْمِلَ عَلَيه - يعني الفرس - غُلَامًا رَكِبَ الخَيلَ عَلَى غُرْلَتِهِ - أي في صغره أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَن أَحْمِلكَ عَلَيْهِ) . * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص١٠
وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [يونس: ٢٤]، وقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ [الكهف: ٤٥]، وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠]، وغير ذلك من الآيات، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المستورد بن شدّاد -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٧١٦٩] (٢٨٥٨)، و(الترمذيّ) في «الزهد» (٢٣٢٣)، و(النسائيّ) في «الكبرى»، كما في «تحفة الأشراف» (٨/ ٥٥) ، و(ابن ماجه) في «الزهد» (٤١٦٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٢٨ و٢٢٩)، و(ابن أبي عاصم) في «الآحاد والمثاني» (٢/ ١٢٤)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٨/ ٣٠٥) و«الكبير» (٢٠/ ٣٠١ و٣٠٢ و٣٠٧)، و(القضاعيّ) في «مسند الشهاب» (٢/ ٢٩١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٧٠] (٢٨٥٩) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ -ﷺ-: «يَا عَائِشَةُ الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، ذُكر في الباب الماضي. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيَدٍ) القطّان المذكور في السند الماضي. ٣ - (حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ) -بكسر الغين المعجمة- أبو يونس البصريّ، وأبو صغيرة اسمه مسلم، وهو جدّه لأمه، وقيل: زوج أمه، ثقة [٦] (ع) تقدم في «الحج» ٦٧/ ٣٢٤٩. ٤ - (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بالتصغير، هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بن عبد الله ابن جُدْعان، يقال: اسم أبي مليكة: زهير، التيميّ المكيّ، أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٢. ٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، ثقةٌ ثبتٌ، أحد الفقهاء بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في «الحيض» ٣/ ٦٩٥. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن القاسم أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وفيه رواية الراوي عن عمّته، وفيه عائشة -﵂- أفقه نساء الأمة، ومن المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ أنها (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً) بضم الحاء المهملة، وتخفيف الفاء: جمع حافٍ؛ أي: بلا خُفّ ولا نعل، (عُرَاةً) بضم العين المهملة، وتخفيف الراء: جمع عار، قال البيهقيّ: وقع في حديث أبي سعيد -يعني: الذي أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان- أنه لمّا حضره الموت دعا بثياب جُدُد، فلبسها، وقال:»سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها»، ويُجمع بينهما بأن بعضهم يحشر عاريًا، وبعضهم كاسيًا، أو يُحشرون كلهم عُراة، ثم يكسى الأنبياء، فأول من يكسى إبراهيم -﵇-، أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيُحشرون عُراة، ثم يكون أول من يكسى إبراهيم -﵇-. وحَمَل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم الذين أُمر أن يُزَمَّلوا في ثيابهم، ويُدفنوا فيها، فيَحتمل أن يكون أبو سعيد سمعه في الشهيد، فحمله على العموم، وممن حمله على عمومه معاذ بن جبل -﵁-، فأخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن، عن عمرو بن الأسود، قال: «دفنّا أم معاذ بن جبل، فأَمر بها، فكُفنت في ثياب جدد، وقال: أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم يُحشرون فيها»، قال: وحمله بعض أهل العلم على العمل، وإطلاق الثياب على العمل وقع في مثل قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] على أحد الأقوال، وهو قول قتادة، قال: معناه: وعملك فأخلصه، ويؤكد ذلك حديث جابر -﵁-، رفعه: «يُبعث كل عبد على ما مات عليه»، أخرجه مسلم، وحديث فَضالة بن عبيد: «من مات على مرتبة من هذه المراتب بُعث عليها يوم القيامة» الحديث، أخرجه أحمد. ورجح القرطبيّ الحمل على ظاهر الخبر، ويتأيد بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وإلى ذلك الإشارة في حديث ابن عبّاس الآتي بذكر قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] عقب قوله: «حفاةً، عُراة»، قال: فيُحمل ما دلّ عليه حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم يُدفنون بثيابهم، فيُبعثون فيها تمييزًا لهم عن غيرهم، وقد نقله ابن عبد البرّ عن أكثر العلماء، ومن حيث، النظر أن الملابس في الدنيا أموال، ولا مال في الآخرة مما كان في الدنيا، ولأن الذي يقي النفس مما تكره في الآخرة ثواب بحسن عملها، أو رحمة مبتدَأة من الله، وأما ملابس الدنيا فلا تغني عنها شيئًا، قاله الحليميّ. وذهب الغزالي إلى ظاهر حديث أبي سعيد، وأورده بزيادة لم أجد لها أصلًا، وهي: «فإن أمتي تُحشر في أكفانها، وسائر الأمم عراة»، قال القرطبيّ: إن ثبت حُمل على الشهداء من أمته، حتى لا تتناقض الأخبار. انتهى . (غُرْلًا») بضم الغين المعجمة، وسكون الراء: جمع أغرل، وهو الأقلف، وزنه، ومعناه، وهو من بقيت غُرلته، وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذَّكَر، قال أبو هلال العسكريّ: لا تلتقي اللام مع الراء في كلمة إلا في أربع: أرل: اسم جبل، وورل: اسم حيوان معروف، وحرل: ضَرب من الحجارة، والغرلة، واستُدرك عليه كلمتان: هرل: ولد الزوجة، وبرل: الديك الذي يستدير بعنقه. قال ابن عبد البرّ: يُحشر الآدمي عاريًا، ولكل من الأعضاء ما كان له يوم وُلد، فمن قُطع منه شيء يُرَدّ، حتى الأقلف. وقال أبو الوفاء بن عقيل: حشفة الأقلف موقاة بالقلفة، فتكون أرقّ، فلما أزالوا تلك القطعة في الدنيا أعادها الله تعالى ليذيقها من حلاوة فضله. ووقع في حديث عبد الله بن أنيس عند أحمد، والحاكم، بلفظ: «يحشر الله العباد، وأومأ بيده نحو الشام، عُراةً، حُفاةً، غُرلًا، بُهْمًا» بضم الموحدة، وسكون الهاء، قلنا: وما بُهمًا؟ قال: «ليس معهم شيء». قالت عائشة -﵂-: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟) فيه أن النساء يدخلن في الضمير المذكَّر الآتي بالواو، وكأنه بالتغليب، كما في قولها: «بعضهم»، ووقع في رواية أبي بكر بن أبي شيبة المذكورة بعد قوله: «حفاة عراة»: «قلت: والنساء؟ قال: والنساء». (قَالَ -ﷺ-: «يَا عَائِشَةُ الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ») وفي رواية للبخاريّ: «الأمر أشدّ أن يُهمّهم ذلك»، و«يُهمهم» بضم أوله، وكسر الهاء، من الرباعيّ، يقال: أهمه الأمر، وجوّز ابن التين فتح أوله، وضمّ ثانيه، من هَمَّه الشيء: إذا آذاه، والأول أَولى. وللنسائيّ والحاكم، من طريق الزهريّ عن عروة، عن عائشة: «قلت: يا رسول الله فكيف بالعورات؟ قال: لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه»، وللترمذيّ، والحاكم، من طريق عثمان بن عبد الرحمن القرظيّ: «قرأت عائشة: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فقالت: واسوأتاه، الرجال والنساء يحشرون جميعًا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس: ٣٧]-وزاد- لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شُغل بعضهم عن بعض»، ولابن أبي الدنيا من حديث أنس، قال: «سألت عائشة النبيّ -ﷺكيف يحشر الناس؟ قال:»حفاةً، عراةً«، قالت: واسوأتاه، قال: قد نزلت عليّ آية، لا يضرّك كان عليك ثياب أو لا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ [النور: ١١]»، وفي حديث سودة، عند البيهقيّ، والطبرانيّ نحوه، أخرجاه من طريق أبي أويس، عن محمد بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار، عنها، وأخرجه ابن أبي الدنيا، والطبرانيّ في «الأوسط» من رواية عبد الجبار بن سليمان، عن محمد، بهذا الإسناد، فقال: عن أم سلمة، بدل سودة، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٧١٧٠ و٧١٧١] (٢٨٥٩)، و(البخاريّ) في «الرقاق» (٦٥٢٧)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٢٠٨٣) وفي «الكبرى» (٢٢١٠ و٢٢١١)، و(ابن ماجه) في «الزهد» (٤٣٣٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٥٣)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٨٦)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (١/ ٢٠) وفي «مسند الشاميين» (٢/ ٢٣٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات البعث بعد الموت. ٢ - (ومنها): أن فيه بيان معنى قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وذلك أن الناس يبعثون حُفَاةً، ليس لهم خفّ، ولا نعل، عُرَاة، ليس لهم لباس تستر العورات، غُرْلًا، ليسوا مختونين. ٣ - (ومنها): بيان شدّة هول ذلك اليوم، حيث إن بعضهم لا يشعر بانكشاف عورته، ولا عورة غيره، بل هو مشغول بشأن نفسه، ومهتمّ بها، أينجو من النار، أم لا؟. ٤ - (ومنها): أن فيه حجة للقول الراجح: إن النساء يدخلن في خطاب الرجال، فإن قوله: «إنكم تُحشرون» خطاب للذكور، ولكنه شامل للنساء أيضًا، فإن عائشة -﵂- من أهل اللغة، فهمت من هذا الخطاب دخول النساء، فقالت: «الرجال، والنساء، ينظر بعضهم إلى بعض»، وأقرّها النبيّ -ﷺ- على فهمها ذلك، ولكن بيّن لها أن هناك مانعًا من هذا النظر، وهو اشتغال كل أحد بنفسه، وهذا الاستدلال قويّ جدًّا، وتؤيده الآية المذكورة، حيث إنها بلفظ الذكور، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس: ٣٧]، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): قال شارح «العقيدة الطحاوية» عند قول الطحاوي -﵀-: «ونؤمن بالبعث» ما مختصره: الإيمان بالمعاد مما دلّ عليه الكتاب والسُّنَّة، والعقل، والفطرة السليمة، فأخبر الله -﷿- عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليلَ عليه، وردّ على منكريه في غالب سور القرآن، وذلك أن الأنبياء -﵈- كلهم متفقون على الإيمان بالله، فإن الإقرار بالربّ عامّ في بني آدم، وهو فطريّ، كلهم يقرّ بالربّ، إلا من عاند، كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون، ومحمد -ﷺ- لمّا كان خاتم الأنبياء، وكان قد بُعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر الْمُقَفَّى بَيَّنَ تفصيل الآخرة بيانًا لا يوجد في شيء من كُتُب الأنبياء -﵈-، ولهذا ظنّ طائفة من المتفلسفة ونحوهم أنه لم يصح بمعاد الأبدان إلا محمد -ﷺ-، وجعلوا هذه حجة لهم في أنه من باب التخييل، والخطاب الجمهوريّ. والقرآن بيّن معاد النفس عند الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع، وهؤلاء يُنكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول من يقول منهم: إنه لم يُخبر به إلا محمد -ﷺ- على طريق التخييل، وهذا كذب، فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء، من آدم إلى نوح، إلى إبراهيم، وموسى، وعيسى، وغيرهم -﵈-. ثم ذكر الآيات التي أثبتت المعاد، وبيّن وجه إثباتها أتمّ تبيين، إلى أن قال: والقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، لهم في المعاد خَبْط، واضطراب، وهم فيه على قولين: منهم من يقول: تُعدم الجواهر، ثم تعاد، ومنهم من يقول: تُفرّق الأجزاء، ثم تُجمع، فأُورِد عليهم الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا، لم تُعَد من هذا، وأورد عليهم أن الإنسان يتحلل دائمًا، فماذا الذي يعاد؟ أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن قيل بذلك لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك، فليس بعض الأبدان بأولى من بعض، فادعى بعضهم أن في الإنسان أجزاء أصليّة، لا تتحلل، ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني، والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلّل، ليس فيه شيء باق، فصار ما ذكروه في المعاد مما قوّى شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان. والقول الذي عليه السلف، وجمهور العقلاء: أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال، فتستحيل ترابًا، ثم ينشئها الله نشأة أخرى، كما استحال في النشأة الأُولى، فإنه كان نطفة، ثم صار عَلَقَة، ثم صار مضغة، ثم صار عظامًا ولحمًا، ثم أنشأه خلقًا سَويًّا، كذلك الإعادة، يعيده الله تعالى بعد أن يبلى كله إلا عَجْب الذَّنَب، كما ثبت في «الصحيح» عن النبيّ -ﷺ-؛ أنه قال: «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خُلق، ومنه يُركّب». وفي حديث آخر: «إن السماء تُمطر مطرًا كمنيّ الرجال، ينبتون في القبور، كما ينبت النبات» . فالنشأتان نوعان تحت جنس، يتفقان، ويتماثلان من وجه، ويفترقان، ويتنوعان من وجه، والمعاد هو الأول بعينه، وإن كان بين لوازم الإعادة، ولوازم البداءة فرقٌ، فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره، فيستحيل، فيعاد من المادة التي استحال إليها، ومعلوم أن من رأى شخصًا، وهو صغير، ثم رآه، وقد صار شيخًا، علم أن هذا هو ذاك، مع أنه دائما في تحلل، واستحالة، وكذلك سائر الحيوان والنبات، فمن رأى شجرة، وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة، قال: هذه تلك، وليست صفة تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة هذه النشأة، حتى يقال: إن الصفات هي الْمُغَيَّرة، لا سيما أهل الجنة إذا دخلوها، فإنهم يدخلونها على صورة آدم، طوله ستون ذراعًا، كما ثبت في «الصحيحين» وغيرهما، وروي أن عَرْضه سبعة أذرع، وتلك نشأة باقية، غير معرّضة للآفات، وهذه النشأة فانية، معرّضة للآفات. انتهى ما كتبه شارح
مصادر المؤلف (٣)

١. كتب في الهامش: في «الرقائق» ليس في المطبوع من الكبرى.

٢. في «الفتح» ١٥/ ٣٠ - ٣١، «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٢٧).

٣. أخرجه الطبرانيّ في «المعجم الكبير» ١/ ١ - ٢ وهو ضعيف؛ لأن فيه انقطاعًا.