HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٦١

حدثني زهير بن حرب. حدثنا أحمد بن إسحاق. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا بَهْزٌ. قالا جميعا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قال «يحشر الناس ثلاث طرائق راغبين راهبين. واثنان على بعير. وثلاثة على بعير. وأربعة على بعير. وعشرة على بعير. وتحشر بقيتهم النار. تبيت معهم حيث باتوا. وتقيل معهم حيث قالوا: وتصبح معهم حيث أصبحوا. وتمسي معهم حيث أمسوا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص157
ج ٤ ص ٢١٩٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن النسائي, صحيح البخاري
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٥٤
[٩١٨] وقوله: (اثنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ) ؛ قيل: لعلهم يشتهون ذلك للمرافقة والأنس، قيل: هذا قبل النفخ في الصور، بدليل قوله: (وَيحشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ).
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص٣١
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٧٤] (٢٨٦١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَا جمِيعًا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ: رَاغِبِينَ، رَاهِبِينَ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أمْسَوْا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ)، تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٤/ ١٦٠٩. ٢ - (بَهْزُ) بن أسد العمّيّ البصريّ، أخو معلّى، تقدّم قريبًا. ٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد الباهليّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُس) بن كيسان اليمانيّ، أبو محمد، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ. [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٥ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو عبد الرحمن الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبٌ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و«محمد بن حاتم» هو: ابن ميمون. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سداسيات المصنف -﵀-، وأن فيه رواية الراوي عن أبيه، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-)؛ أنه (قَالَ: «يُحْشَرُ) بالبناء للمفعول، (النَّاسُ) قال الكرمانيّ: قالوا: هذا الحشر في آخر الدنيا قبيل القيامة، كما ثبت حديث:»إنكم ملاقو الله مشاةً«؛ ولمَا فيه من ذِكر المساء والصباح، ولانتقال النار معهم، وهي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وقال الخطابيّ: هذا الحشر قبيل قيام الساعة، يُحشر الناس أحياءً إلى الشام، وأما الحشر من القبور إلى الموقف، فهو على خلاف هذه الصورة، من الركوب على الإبل، والتعاقب عليها، وإنما هو على ما ورد في حديث ابن عباس -﵄-:«حفاةً عراةً مشاةً». [تنبيه]: زاد في رواية النسائيّ:«يوم القيامة»، وظاهره أنه حَشْر الآخرة، لكن، أكثر أهل العلم على أنه حشر في الدنيا، وهو آخر أشراط الساعة، وهذا هو المناسب لِمَا يأتي من قوله:«تقيل معهم إذا قالوا، وتبيت معهم إذا باتوا إلخ»، فالأَولى أن يُحْمَل قوله:«يوم القيامة»على معنى قُرْب يوم القيامة، من إعطاء ما قرُب إلى الشيء حُكم ذلك الشيء . (عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ)؛ أي: ثلاث فِرَق، وفي رواية:«على ثلاثة طرائق»، و«الطرائق»جمع طريق، وهي تذكّر، وتؤنّث، فيجوز تذكير العدد معه، وتأنيثه بالاعتبارين. (رَاغِبِينَ)؛ أي: طامعين في رحمة الله تعالى، وهم السابقون، (رَاهِبِينَ)؛ أي: خائفين من عذاب الله تعالى، وهم عامة المؤمنين، والكفارُ أهلُ النار، وللبخاريّ:«وراهبين» بواو العطف، وعلى الروايتين فهي الطريقة الأولى. (وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ) قال الكرمانيّ: والأبعرة إنما هى للراهبين، والمخلصون حالهم أعلى، وأجلّ من ذلك، أو هي للراغبين، وأما الراهبون فيكونون مشاة على أقدامهم، أو هي لهما بأن يكون اثنان من الراغبين مثلًا علي بعير، وعشرة من الراهبين على بعير، والكفار يمشون على وجوههم. انتهى . (وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ) هكذا عند مسلم بالواو في الجميع، وكذا هو عند الإسماعيليّ، وفي رواية البخاري الأُولى بالواو، والبواقي بلا عاطف، وعلى كلّ، فهذه هي الطريقة الثانية. (وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ) ببناء الفعل للفاعل، و«بقيتهم» بالنصب مفعول مقدّم، و«النار» فاعل مؤخّر. قال في «الفتح»: هذه هي النار المذكورة في حديث حُذيفة بن أَسيد -بفتح الهمزة- عند مسلم في حديث فيه ذِكر الآيات الكائنة قبل قيام الساعة، كطلوع الشمس من مغربها، ففيه: «وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن، تُرَحِّل الناس»، وفي رواية له: «تَطْرُدُ الناس إلى حشرهم». (تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا)؛ أي: تستريح معهم إذا استراحوا، والقيلولة: النوم نصف النهار، يقال: قال يَقيل قَيلًا، من باب باع، وقَيْلُولةً: إذا نام نصف النهار. قال في «العمدة»: وفي قوله: «تقيل إلخ» دلالة على أنهم يقيمون كذلك أيامًا، (وَتُصْبِحُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإصباح، (مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي) بضمّ أوله، وكسر ثالثه أيضًا من الإمساء، (مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا«) فيه إشارة إلى ملازمة النار لهم إلى أن يصلوا إلى مكان الحشر، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٧١٧٤] (٢٨٦١)، و(البخاريّ) في«الرقاق»(٦٥٢٢)، و(النسائيّ) في«المجتبى»(٢٠٨٥) وفي«الكبرى»(٢٢١٢)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٧/ ٨٧)، و(الطبرانيّ) في«الأوسط»(٥/ ٢١٠)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٧٣٣٦)، و(البيهقيّ) في«شعب الإيمان»(١/ ٣١٨)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة»(٤٣١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالحشر المذكور في هذا الحديث: قال الخطابيّ -﵀-: هذا الحشر يكون قبل قيام الساعة، تحشر النارُ الناسَ الأحياءَ إلى الشام، وأما الحشر من القبور إلى الموقف، فهو على خلاف هذه الصورة، من الركوب على الإبل، والتعاقب عليها، وإنما هو على ما ورد في حديث ابن عباس -﵄- في الباب:«حفاة، عراة، مشاة»، قال: وقوله:«واثنان على بعير، وثلاثة على بعير إلخ» يريد أنهم يعتقبون البعير الواحد، يركب بعضٌ، ويمشي بعض. قال الحافظ -﵀-: وإنما لم يذكر الخمسة، والستّة، إلى العشرة، إيجازًا، واكتفاء بما ذكر من الأعداد، مع أن الاعتقاب ليس مجزومًا به، ولا مانع أن يجعل الله في البعير ما يقوى به على حمل العشرة. ومال الْحَلِيميّ إلى أن هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور. وجزم به الغزاليّ. وقال الإسماعيليّ: ظاهر حديث أبي هريرة يخالف حديث ابن عباس -﵄- المذكور في الباب أنهم يُحشرون حُفَاة، عُرَاة، مُشَاة، قال: ويُجمع بينهما بأن الحشر يعبّر به عن النشر؛ لاتصاله به، وهو إخراج الخلق من القبور حفاة، عراة، فيساقون، ويُجمعون إلى الموقف للحساب، فحينئذ يحشر المتقون رُكبانًا على الإبل. وجمع غيره بأنهم يخرجون من القبور بالوصف الذي في حديث ابن عباس، ثم يفترق حالهم من ثَمّ إلى الموقف على ما في حديث أبي هريرة، ويؤيده حديث أبي ذرّ -﵁- . وصوّب عياض ما ذهب إليه الخطابيّ، وقوّاه بحديث حذيفة بن أَسِيد، وبقوله في آخر حديث الباب: «تقيل معهم، وتبيت، وتصبح، وتمسي»، فإن هذه الأوصاف مختصّة بالدنيا. وقال بعض شرّاح «المصابيح»: حَمْله على الحشر من القبور أقوى من أوجه: أحدها: أن الحشر إذا أُطلق في عُرف الشرع إنما يراد به الحشر من القبور، ما لم يخصّه دليل. ثانيها: أن هذا التقسيم المذكور في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام؛ لأن المهاجر لا بدّ أن يكون راغبًا، أو راهبًا، أو جامعًا بين الصفتين، فأما أن يكون راغبًا راهبًا فقط، وتكون هذه طريقة واحدة، لا ثاني لها من جنسها فلا. ثالثها: حشر البقيّة على ما ذكر، وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة، وملازمتها حتى لا تفارقهم قول لم يرد به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدنيا على أهل الشقاوة في هذه الدار من غير توقيف. رابعها: أن الحديث يفسّر بعضه بعضًا، وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة -﵁-: «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف». وأخرجه البيهقيّ من وجه آخر عن عليّ بن زيد، عن أوس بن أبي أوس، عن أبي هريرة، بلفظ: «ثلاثًا على الدوابّ، وثلاثًا يَنسِلُون على أقدامهم، وثلاثًا على وجوههم». قال: ونرى هذا التقسيم الذي وقع في هذا الحديث نظير التقسيم الذي في تفسير الواقعة في قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ الآيات [الواقعة: ٧]. فقوله: «راغبين راهبين» يريد به عوامّ المؤمنين، وهم من خَلَطَ عملًا صالحًا، وآخر سيّئًا، فيتردّدون بين الخوف والرجاء، يخافون عاقبة سيئآتهم، ويرجون رحمة الله بإيمانهم، وهؤلآء أصحاب الميمنة. وقوله: «واثنان على بعير. . . إلخ» يريد به السابقين، وهم أفاضل المؤمنين، يُحشرون ركبانًا. وقوله: «وتَحشر بقيتهم النار» يريد به أصحاب المشأمة، وركوب السابقين في الحديث يَحْتَمِل الحمل دفعة واحدة؛ تنبيهًا على أن البعير المذكور يكون من بدائع فطرة الله تعالى حتى يقوى على ما لا يقوى عليه غيره من الْبِعْرَان. ويَحتمل أن يراد به التعاقب. قال الخطابيّ: إنما سكت عن الواحد إشارة إلى أنه يكون لمن فوقهم في المرتبة، كالأنبياء؛ ليقع الامتياز بين النبيّ ومن دونه من السابقين في المراكب؛ كما وقع في المراتب. انتهى مُلَخّصًا. وتعقّبه الطيبيّ، ورجّح ما ذهب إليه الخطابيّ. وأجاب عن الأول: بأن الدليل ثابت، فقد ورد في عدّة أحاديث وقوع الحشر في الدنيا إلى جهة الشام، وذكر حديث حذيفة بن أسيد الذي نبّهت عليه قبل، وحديث معاوية بن حَيْدَة، جدّ بَهْز بن حكيم، رفعه: «إنكم محشورون، ونحا بيده نحو الشام رجالًا، وركبانًا، وتُجرّون على وجوهكم». أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وسنده قويّ، وحديث: «ستكون هجرة بعد هجرة، وينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم -﵇-، ولا يبقى في الأرض إلا شرارها، تلفظهم أَرَضُوهم، وتحشرهم النار مع القردة، والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتَقيل معهم إذا قالوا». أخرجه أحمد، وسنده لا بأس به. وأخرج عبد الرزاق، عن النعمان بن المنذر، عن وهب بن منبّه، قال: قال الله تعالى لصخرة بيت المقدس: «لأضعنّ عليك عرشي، ولأحشُرنّ عليك خلقي». وفي تفسير ابن عيينة، عن ابن عباس: من شكّ أن المحشر ههنا -يعني: الشام- فليقرأ أول سورة الحشر، قال لهم رسول الله -ﷺ- يومئذ: «اخرجوا»، قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر». وحديث: «ستخرج نار من حضرموت، تحشر الناس»، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «عليكم بالشام». ثم حكى خلافًا: هل المراد بالنار نار على الحقيقة، أو هو كناية عن الفتنة الشديدة؟ كما يقال: نار الحرب لشدة ما يقع في الحرب، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ الآية [المائدة: ٦٤]، وعلى كلّ حال، فليس المراد بالنار في هذه الأحاديث نار الآخرة، ولو أريد المعنى الذي زعمه المعترض لقيل: تُحشَر بقيتُهُم إلى النار، وقد أضاف الحشر إلى النار؛ لكونها هي التي تحشرهم، وتختطف من تخلّف منهم؛ كما ورد في حديث أبي هريرة من رواية عليّ بن زيد، عند أحمد، وغيره؛ وعلى تقدير أن تكون النار كناية عن الفتنة، فنسبة الحشر إليها سببيّة؛ كأنها تفشو في كلّ جهة، وتكون في جهة الشام أخفّ منها في غيرها، فكلّ من عرف ازديادها في الجهة التي هو فيها أحبّ التحوّل منها إلى المكان الذي ليست فيه شديدة، فتتوفّر الدواعي على الرحيل إلى الشام، ولا يمتنع اجتماع الأمرين، وإطلاق النار على الحقيقة التي تخرج من قعر عدن، وعلى المجازية، وهي الفتنة، إذ لا تنافي بينهما، ويؤيد الحمل على الحقيقة ظاهر الحديث الأخير. والجواب عن الاعتراض الثاني: أن التقسيم المذكور في آيات «سورة الواقعة» لا يستلزم أن يكون هو التقسيم المذكور في الحديث، فإن الذي في الحديث ورد على القصد من الخلاص من الفتنة، فمن اغتنم الفرصة سار على فسحة من الظهر، ويسرة في الزاد، راغبًا فيما يستقبله، راهبًا فيما يستدبره، وهؤلاء هم الصنف الأول في الحديث، ومن توانى حتى قلّ الظهر، وضاق عن أن يسعهم لركوبهم اشتركوا، وركبوا عقبةً، فيحصل اشتراك الاثنين في البعير الواحد، وكذا الثلاثة، ويمكنهم كل من الأمرين، وأما الأربعة في الواحد، فالظاهر من حالهم التعاقب، وقد يمكنهم إذا كانوا خفافًا، أو أطفالًا، وأما العشرة فبالتعاقب، وسكت عما فوقها إشارة إلى أنها المنتهى في ذلك، وعما بينها وبين الأربعة؛ إيجازًا واختصارًا، وهؤلاء هم الصنف الثاني في الحديث. وأما الصنف الثالث فعبّر عنه بقوله: «وتحشر بقيتهم النار» إشارةً إلى أنهم عجزوا عن تحصيل ما يركبونه، ولم يقع في الحديث بيان حالهم، بل يَحتمل أنهم يمشون، أو يسحبون، فرارًا من النار التي تحشرهم، ويؤيد ذلك ما وقع في آخر حديث أبي ذرّ الذي تقدمت الإشارة إليه في كلام المعترض، وفيه أنهم سألوا عن السبب في مشي المذكورين، فقال: «يلقي الله الآفة على الظهر، حتى لا يبقى ذات ظهر، حتى إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف ذات القتب»؛ أي: يشتري الناقة المسنّة لأجل كونها تحمله على القتب بالبستان الكريم لهوان العقار الذي عزم على الرحيل عنه، وعزّة الظهر الذي يوصله إلى مقصوده، وهذا لائق بأحوال الدنيا، ومؤكّد لِمَا ذهب إليه الخطابيّ، ويتنزّل على وفق حديث الباب -يعني: من «المصابيح»-، وهو أن قوله: «فوج طاعمين كاسين راكبين» موافق لقوله: «راغبين راهبين». وقوله: «وفوج يمشون» موافق للصنف الذين يتعاقبون على البعير، فإن صفة المشي لازمة لهم، وأما الصنف الذين تحشرهم النار، فهم الذين تسحبهم الملائكة. والجواب عن الاعتراض الثالث: أنه تبيّن من شواهد الحديث أنه ليس المراد بالنار نار الآخرة، وإنما هي نار تخرج في الدنيا، أنذر النبيّ -ﷺ- بخروجها، وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة. والجواب عن الاعتراض الرابع: أن حديث أبي هريرة من رواية عليّ بن زيد مع ضَعفه لا يخالف حديث الباب؛ لأنه موافق لحديث أبي ذرّ في لفظه، وقد تبيّن من حديث أبي ذرّ ما دلّ على أنه في الدنيا، لا بعد البعث في الحشر إلى الموقف، إذ لا حديقة هناك، ولا آفة تُلقَى على الظهر حتى يَعِزّ، ويقلّ. ووقع في حديث علي بن زيد المذكور عند أحمد أنهم يتقون بوجوههم كلّ حدب وشوك، وقد سبق أن أرض الموقف أرض مستوية، لا عوج فيها، ولا أكمة، ولا حدب، ولا شوك. وأشار الطيبيّ إلى أن الأَولى أن الحديث الذي من رواية عليّ بن زيد على من يُحشر من الموقف إلى مكان الاستقرار من الجنّة، أو النار، ويكون المراد بالركبان: السابقين المتقين، وهم المراد بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥]؛ أي: ركبانًا. وأخرج الطبريّ عن عليّ في تفسير هذه الآية، فقال: «أَمَا والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقًا، ولكن يُؤتَون بِنُوق لم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمّتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة». والمراد: سوق ركائبهم، إسراعًا بهم إلى دار الكرامة؛ كما يُفعل في العادة بمن يُشرف، ويُكرم من الوافدين على الملوك، قال: ويستبعد أن يقال: يجيء وفد الله عشرة على بعير جميعًا، أو متعاقبين، وعلى هذا فقد روى أبو هريرة حال المحشورين عند انقراض الدنيا إلى جهة أرض المحشر، وهم ثلاثة أصناف، وحال المحشورين في الأخرى إلى محلّ الاستقرار. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- عن جواب المعترض، ملخّصًا موضّحًا بزيادات فيه. قال الحافظ -﵀-: لكن تقدم مما قررته أن حديث أبي هريرة من رواية علي بن زيد ليس في المحشورين من الموقف إلى محلّ الاستقرار. ثم ختم كلامه بأن قال: هذا ما سنح لي على سبيل الاجتهاد، ثم رأيت في «صحيح البخاريّ» في «باب الحشر»: «يُحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق»، فعلمت من ذلك أن الذي ذهب إليه الإمام التوربشتيّ هو الحقّ الذي لا محيد عنه. قال الحافظ -﵀-: ولم أقف في شيء من طرق الحديث الذي أخرجه البخاريّ على لفظ «يوم القيامة»، لا في «صحيحه»، ولا في غيره، وكذا هو عند مسلم، والإسماعيليّ، وغيرهما ليس فيه «يوم القيامة». نعم ثبت لفظ «يوم القيامة» في حديث أبي ذرّ، المنبّه عليه قبلُ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ من أنه ليس لفظ «يوم القيامة» في طرق حديث أبي هريرة، بل في حديث أبي ذرّ غير صحيح؛ لأنه ثابت، في حديث أبي هريرة -﵁-، في رواية النسائيّ -﵀- فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وهو مؤوَّل بأن المراد بذلك: أن يوم القيامة يعقب ذلك، فيكون من مجاز المجاورة، ويتعيّن ذلك؛ لِمَا وقع فيه أن الظهر يقلّ؛ لِمَا يلقى عليه من الآفة، وأن الرجل يشتري الشارف الواحد بالحديقة المعجبة، فإنه ظاهر جدًّا في أنه من أحوال الدنيا، لا بعد الموت. وقد روى البيهقيّ في حديث الباب احتمالين، فقال: قوله: «راغبين» يَحْتَمِل أن يكون إشارة إلى الأبرار. وقوله: «راهبين» إشارة إلى المخلطين الذين هم بين الخوف والرجاء، والذين تحشرهم النار هم الكفار. وتعقّب بأنه حذف ذكرَ قوله: «واثنان على بعير إلخ». وأجيب بأن الرغبة والرهبة صفتان للصنفين: الأبرار والمخلطين، وكلاهما يحشر اثنان على بعير الخ. قال: ويَحتمل أن يكون ذلك في وقت حَشْرهم إلى الجنة بعد الفراغ، ثم قال بعد إيراد حديث أبي ذرّ: يَحتمل أن يكون المراد بالفوج الأول: الأبرار، وبالفوج الثاني: الذين خلطوا، فيكونون مشاة، والأبرار ركبانًا، وقد يكون بعض الكفّار أعيا من بعض، فأولئك يُسحبون على وجوههم، ومن دونهم يمشون، ويسعون مع من شاء الله من الفسّاق وقت حشرهم إلى الموقف. وأما الظَّهر فلعلّ المراد به: ما يحييه الله بعد الموت من الدوابّ، فيركبها الأبرار، ومن شاء الله، ويلقي الله الآفة في بقيتها حتى يبقى جماعة من المخلطين بلا ظهر. قال الحافظ: ولا يخفى ضعف هذا التأويل مع قوله في بقية الحديث: «حتى إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف»، ومن أين يكون للذين يبعثون بعد الموت عراة، حفاة، حدائق حتى يدفعوها في الشوارف؟ فالراجح
مصادر المؤلف (٤)

١. «عمدة القاري» ٢٣/ ١٠٥.

٢. راجع: «ذخيرة العقبى» ٢٠/ ١٧٦.

٣. «عمدة القاري» ٢٣/ ١٠٥.

٤. أشار به إلى ما أخرجه النسائيّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: إِنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ -ﷺ- حَدَّثَنِي: «أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلَاثَةَ أَفْوَاجٍ: فَوْجٌ رَاكِبِينَ، طَاعِمِينَ، كَاسِينَ، وَفَوْجٌ تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ، عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ، وَفَوْجٌ يَمْشُونَ، وَيَسْعَوْنَ، يُلْقِي اللهُ الْآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ، فَلَا يَبْقَى، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ، يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ، لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا».