HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٦٦

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي. إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة. وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار. يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص160
ج ٤ ص ٢١٩٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص٨٦
كان أبو عمر بن عبد البرّ لم يذكره في «كتابه» ، ومن شرطه أن يذكره؛ لأنه وُلدا في زمنه -ﷺ-، وقد ذكر ابن أبي خيثمة عن أخيه يزيد بن عبد الله قال: أنا أكبر من الحسن بعشر سنين، وأخي مطرّف أكبر مني بعشر سنين، ووُلد الحسن فيما قاله الواقديّ لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطّاب -﵁-، وقد ذكر أن عمر -﵁- أغزاه مددًا للأحنف إلى نيسابور، وذكر ابن قتيبة: وُلد مطرّف في حياة النبيّ -ﷺ- ومات عمر وهو ابن عشرين سنة، وتُوفّي بعد سنة سبع وثمانين. انتهى . [تنبيه]: رواية مَطَرٍ الوراق عن قتادة هذه لم أجد من ساقها تامّة، إلا أن الخطيب البغداديّ -﵀- أوردها في «تاريخه» ، ولكن فيها أخطاء، ولذا أعرضت عن إيراده، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١٨) - (بَابُ عَرْضِ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ عَلَيْهِ، وَإِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٨٣] (٢٨٦٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيى بْنُ يَحْيى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قريبًا. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب. ٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله -﵄-، تقدّم أيضًا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيات المصنّف -﵀-، وهو (٤٣٦) من رباعيات الكتاب، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخل المدينة، وفيه ابن عمر -﵄- من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن مشاهير الصحابة في الفتوى، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ) ولفظ النسائيّ:«ألا إن أحدكم»، و«أَلَا» أداة تحضيض، قال ابن عبد البرّ -﵀-: الخطاب موجَّه إلى أصحابه، وإلى المنافقين، فيُعرض على المؤمن مقعده من الجنة، وعلى المنافق مقعده من النار. انتهى . (إِذَا مَاتَ عُرِضَ) بالبناء للمفعول، (عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) قال الحافظ وليّ الدين -﵀-: فيه أن الميت يُعرَض عليه في قبره بالغداة والعشيّ مقعده من الجنّة، وفي هذا تنعيم لمن هو من أهل الجنّة، وتعذيب لمن هو من أهل النار بمعاينة ما أعدّ له، وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود ويوافق هذا في أحد الشّقّين قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦]. وقال ابن التين -﵀-: يَحْتَمِل أن يريد بالغداة والعشيّ غداة واحدة، وعشيّة واحدة، يكون العرض فيها. ومعنى قوله: «حتى يبعثك الله»؛ أي: لا تصل إليه إلى يوم البعث. ويَحْتَمِل أن يريد كلّ غداة، وكلّ عشيّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الظاهر، كما تؤيّد الآية المذكورة أَحَد شقيه، فالشقّ الآخر مثله، فَيُعرَض على كل فريق مقعده كلّ غداة، وكلّ عشيّ، ولا يعارضه ما تقدم من عرض المقعد عند السؤال، فذاك عرضٌ غير هذا، والله تعالى أعلم. وقال أبو العباس القرطبيّ -﵀-: ويجوز أن يكون هذا العرض على الروح وحدها، ويجوز أن يكون عليها مع جزء من البدن، والله أعلم بحقيقة الحال. قال وليّ الدين: ظاهر الحديث عرض هذا على جملته، ولا مانع من إعادة الروح إلى الجسد، أو إلى البعض الذي يدرك منه حالة العرض. فإن قلت: وهل في القبر غداة وعشيّ، وليلٌ ونهار؟. قلت: المراد: في وقت الغداة والعشيّ عند الأحياء، ويَحْتمل أن يمثّل له وقت الغداة والعشيّ في حال عرض المقعد عليه، وقد ورد في سؤال الملَكين أنه يُمثّل له وقت صلاة العصر، ودنوّ الشمس للغروب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاستشكال من أصله فيه إشكال، فأين النصوص التي تنفي الغداة والعشيّ، والليل والنهار عن أهل القبور، حتى نستشكل؟ بل ظواهر النصوص على إثبات ذلك، فلا داعي إلى ردّ مثل هذا الاستشكال الذي لا ينبني على دليل صحيح. فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال: وحَكَى ابن بطال عن بعض أهل بلدهم أن معنى العَرْض هنا: الإخبار بأن هذا موضع أعمالكم، والجزاء لها عند الله تعالى، قال: وأريد بالتكرير بالغداة والعشيّ تذكارهم بذلك، قال: ولسنا نشكّ أن الأجساد بعد الموت، والمسألة هي في الذهاب، وأكل التراب لها، والفناء، ولا يُعرَض شيء على فانٍ، فبان أن العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على الروح خاصّة، وذلك أن الأرواح لا تفنى، وهي باقية إلى أن يصير العباد إلى الجنة، أو النار. انتهى. قال وليّ الدين -﵀-: وما ذكره أولًا من أن معنى العَرْض هنا الإخبار قد يقتضي عدم معاينة المقعد حقيقةً، وهذا خلاف ظاهر اللفظ، ولا مانع من حَمْل الحديث، والآية على ظاهرهما، وإذا لم يَصرِف عن الظاهر صارِف فالإيمان به واجبٌ، وما ذكره من أن العرض على الأرواح خاصّة هو أحد احتمالَي القرطبيّ، وظاهر الحديث خلافه، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما دلّ عليه ظواهر النصوص هو الحق الذي يجب التمسك به، ولا ينبغي الالتفات إلى هذه الاحتمالات العقلية التي تخالف هذه الظواهر، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد. والله تعالى وليّ التوفيق. (إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) اتحد فيه الشرط والجزاء لفظًا، ولا بدّ فيه من تقدير. قال التوربشتيّ -﵀-: التقدير: إن كان من أهل الجنّة، فمقعده، من مقاعد أهل الجنة يُعرض عليه. وقال الطيبيّ -﵀-: الشرط والجزاء إذا اتحدا لفظًا دلّ على الفخامة، والمراد: أنه يرى بعد البعث من كرامة الله تعالى ما يُنسيه هذا المقعد. انتهى. ووقع عند مسلم في الرواية التالية بلفظ: «إن كان من أهل الجنّة فالجنّة»؛ أي: فالمعروض الجنّة . (وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ) التقدير فيه كالتقدير في سابقه، (يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ») وفي الرواية التالية:«ثُمَّ يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ الَّذِي تُبْعَثُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وفي رواية النسائيّ:«حتى يبعثك الله -﷿- يوم القيامة»، بكاف الخطاب. وحَكَى ابن عبد البرّ فيه الاختلاف بين أصحاب مالك، وأن الأكثرين رووه كرواية البخاريّ -يعني: حتى يبعثك الله يوم القيامة- وأن ابن القاسم رواه كرواية مسلم، قال: والمعنى: حتى يبعثك الله إلى ذلك المقعد، ويَحْتَمِل أن يعود الضمير إلى الله، فإلى الله تُرجع الأمور، والأول أظهر. انتهى. قال الحافظ: ويؤيده رواية الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، بلفظ:«ثم يقال: هذا مقعدك الذي تُبعث إليه يوم القيامة». أخرجه مسلم. وقد أخرج النسائيّ رواية ابن القاسم، لكن لفظه كلفظ البخاريّ. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا مُتّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٧١٨٣ و٧١٨٤] (٢٨٦٦)، و(البخاريّ) في«الجنائز»(١٣٧٩) و«بدء الخلق»(٣٢٤٠) و«الرقاق»(٦٥١٥)، و(الترمذيّ) في«الجنائز»(١٠٧٢)، و(النسائيّ) في«المجتبى»(٢٠٧٠ و٢٠٧١ و٢٠٧٢) وفي«الكبرى»(٢١٩٧ و٢١٩٨ و٢١٩٩)، و(ابن ماجه) في«الزهد»(٤٣٢٤)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ١٦ و٥١ و١١٣)، و(مالك) في«الموطأ»(٥٦٤)، و(ابن ابي شيبة) في«مصنّفه»(٧/ ٨٣)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٣/ ٥٨٦)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٣١٣٠)، و(الطبريّ) في«تهذيب الآثار»(٢/ ٥٩٥ و٥٩٧)، و(الطبرانيّ) في«الأوسط»(٢/ ٢٥٥ و٨/ ١٣٤) و«الصغير»(٢/ ١٤٢)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(١٠/ ١٩٨)، و(عبد بن حميد) في«مسنده»(١/ ٢٣٩)، و(البيهقيّ) في«إثبات عذاب القبر»(٤٩)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة» (١٥٢٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (ومنها): أن في هذا الحديث دليلًا على أن الجنة والنار مخلوقتان، كما يقول جماعة أهل السُّنَّة، وهم الجماعة الذين هم الحجة أهل الرأي والآثار، ويدل على ذلك قول الله -﷿-: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]، وقال لإبليس: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤]، وقال -﷿- في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، وقول رسول الله -ﷺ-: «اشتكت النار إلى ربها. . .» الحديث، متّفقٌ عليه، وقوله -ﷺ-: «اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها المساكين، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء»، متّفقٌ عليه، وقوله: «دخلت الجنة، فأخذت منها عنقودًا. . .» الحديث. وقوله -ﷺ- «لمّا خَلَق الله الجنة حفّها بالمكاره، وخَلَق النار، فحفَّها بالشهوات. . .»، والآثار في أن الجنة والنار قد خُلقتا كثيرة جدًّا. ٢ - (ومنها): أن فيه الإقرارَ بالموت، والبعث بعده، والإقرارَ بالجنة والنار، وإثبات عذاب القبر؛ لأن عَرْض مقعده من النار عليه نوع عظيم من العذاب. ٣ - (ومنها): أنه يَستدل به من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور، قال ابن عبد البرّ: وهو أصحّ ما ذهب إليه في ذلك؛ لأن الأحاديث بذلك أحسن مجيئًا، وأثبت نقلًا من غيرها. والمعنى عندي: أنها قد تكون على أفنية قبورها، لا على أنها لا تَرِيم، ولا تفارق أفنية القبور، بل هي كما قال مالك -﵀-: إنه بلغه أن الأرواح تسرح حيث شاءت، وعن مجاهد أنه قال: الأرواح على القبور سبعة أيام من يوم دُفن الميت، لا تفارق ذلك، والله أعلم. انتهى . ٤ - (ومنها): أن الروح لا تفنى بفناء الجسد؛ لأن العرض لا يمكن إلا على الحيّ). قال القرطبيّ -﵀-: هذا الحديث، وما في معناه يدلّ على أن الموت ليس بعدم، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ومفارقة الروح للبدن. وقال بعضهم: ومما يدلّ على حياة الروح، وأنها لا تفنى قوله -﷿-: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): ما تقدّم من ذكر عرض المقعد على الميت في قبره واضح في الكافر، والمؤمن المخلص، أما المخلّط الذي له ذنوب هو مؤاخذ بها، غير معفوّ عنها، فماذا يُعرض عليه؟. قال وليّ الدين: الذي يظهر أن المعروض عليه مقعده من الجنة، وأما النار، فليس له بها مقعد مستقرّ، وإنما يدخلها لعارض، ليُنقّى، ويطهّر، ويُمحّص، ثم يدخل مقعده من الجنّة، نقيًّا، مخلصًا. وذكر أبو العباس القرطبيّ في ذلك تردّدًا، فقال: وأما المؤمن المؤاخَذ بذنوبه، فله مقعدان، مقعد في النار زمن تعذيبه، ومقعد في الجنّة بعد إخراجه، فهذا يقتضي أن يُعرضا عليه بالغداة والعشيّ، إلا إن قلنا: إنه أراد بأهل الجنّة كلّ من يدخلها، كيفما كان، فلا يحتاج إلى ذلك التفسير، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ أخيرًا هو الأرجح، كما مال إليه وليّ الدين، كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم. (المسألة الخامسة): قال أبو العباس القرطبيّ -﵀-: هذا إخبار عن غير الشهداء، فإن أرواحهم في حواصل طير، تسرح في الجنّة، وتأكل من ثمارها. قال الحافظ وليّ الدين -﵀-: هذا مبنيّ على أن عرض المقعد على الأرواح خاصّة، فلا يحتاج إلى عرضه عليها؛ لأنها في الجنة، وقد يقال: فائدة ذلك تبشيرها باستقرارها في الجنّة، مقترنة بجسدها في ذلك المحلّ المخصوص على التأبيد، وهذا قَدْر زائد على ما هي فيه، وأما إذا كان عرض المقعد على الأجساد، فلا مانع من أن الشهداء حينئذ كغيرهم؛ لأن الذي في الجنة إنما هو أرواحهم، وأما أجسادهم فهي في قبورهم، فتنعّم بعرض المقعد عليها بكرة وعشيًّا. على أن ذلك قد ورد في أرواح المؤمنين مطلقًا، رواه النسائيّ، من حديث كعب بن مالك -﵁-، عن رسول الله -ﷺ-، قال: «إنما نسمة المؤمن طائر في شجر الجنة، حتى يبعثه الله إلى جسده يوم القيامة». ورواه ابن ماجه بلفظ: «إن أرواح المؤمنين في طير خضر، يعلُقُ بشجر الجنة». وهو عند الترمذيّ بلفظ: «إن أرواح الشهداء». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧١٨٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَالْجَنَّةُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَالنَّارُ»، قَالَ: «ثُمَّ يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ الَّذِي تُبعَثُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عُمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتًا، عابدًا فاضلًا، كان يُشَبَّه بأبيه في الهدي، والسمت، من كبار [٣] مات في آخر سنة (١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٢.
مصادر المؤلف (٩)

١. يعني: «الاستيعاب في معرفة الأصحاب».

٢. «كمال المعلم» ٨/ ٣٩٨ - ٣٩٩.

٣. راجع: «تاريخ بغداد» للخطيب ٩/ ٤٧١.

٤. «الاستذكار» ٣/ ٨٧.

٥. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥.

٦. «الفتح»٣/ ٦١٣.

٧. «الفتح»٣/ ٦١٤.

٨. «الاستذكار» ٣/ ٨٩.

٩. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦.