HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٣٤

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله بن نمير ومحمد بْنُ الْعَلَاءِ وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَالَ إِسْحَاق: أخبرنا. وقال الآخران: حدثنا) أبو معاوية عن الأعمش، عن شقيق، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الدجال أعمر العين اليسرى. جفال الشعر. معه جنة ونار. فناره جنة وجنته نار».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص195
ج ٤ ص ٢٢٤٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص٥٤٨
رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا غير مرّة. و«عفّان» هو: ابن مسلم الصفّار. و«عبد الوارث» هو: ابن سعيد التَّنُّوريّ البصريّ، ومن لطائفه أنه مسلسلٌ بالبصريين. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الدَّجَّالُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ)؛ أي: طافئة عينه بالهمز، مطموسة لا ضوء فيها، (مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ»، ثُمَّ تَهَجَّاهَا)؛ أي: قرأه النبيّ -ﷺ- مفكّكًا كما قال: (ك ف ر، «يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُسْلِمٍ») وفي رواية: «يقرؤه كل مؤمن كاتب، وغير كاتب» وهذا إخبار بالحقيقة، وذلك أن الإدراك في البصر يخلقه اللَّه للعبد كيف شاء، ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن بغير بصره، وإن كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر، ولو كان يعرف الكتابة، كما يرى المؤمن الأدلة بعين بصيرته، ولا يراها الكافر، فيخلق اللَّه المؤمن الإدراك دون تعلّم؛ لأن ذلك الزمان تنخرق فيه العادات في ذلك. ويَحْتَمِل قوله: «يقرؤه من كَرِه عمله» أن يراد به المؤمنون عمومًا، ويَحْتَمِل أن يختص ببعضهم ممن قوي إيمانه، وقال النوويّ: الصحيح الذي عليه المحققون أن الكتابة المذكورة حقيقة، جعلها اللَّه علامة قاطعة بكذب الدجال، فيُظهر اللَّه المؤمنَ عليها، ويُخفيها على من أراد شقاوته. وحَكَى عياض خلافًا، وأن بعضهم قال: هي مجاز عن سمة الحدوث عليه، وهو مذهب ضعيف، ولا يلزم من قوله: «يقرؤه كل مؤمن كاتب، وغير كاتب» أن لا تكون الكتابة حقيقة، بل يُقَدِّر اللَّه على غير الكاتب علم الإدراك، فيقرأ ذلك، وإن لم يكن سَبَق له معرفة الكتابة، وكأن السر اللطيف في أن الكاتب وغير الكاتب يقرأ ذلك لمناسبة أن كونه أعور يدركه كل من رآه، واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وسبق البحث فيه مستوفى، وللَّه الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٣٧] (٢٩٣٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ، مَعَهُ جَنَّة وَنَارٌ، فَنَارُهُ جَنَّة، وَجَنَّتُهُ نَارٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: وقد تقدّموا غير مرّة. و«أبو معاوية» هو: محمد بن خازم الضرير. و«شقيق» هو: أبو وائل، ومن لطائفه أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير إسحاق بن راهويه، فمروزيّ. شرح الحديث: (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان -﵄- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى) تقدّم الجمع بينه، وبين الرواية الأخرى:»أعور العين اليمنى«بأن العور معناه العيب، فعينه اليمنى طافئة بالهمز ذهب ضوؤها، فهي عوراء حقيقةً، وعينه اليسرى طافية بلا همز؛ أي: ظاهرة ناتئة، فهي عوراء، معيبة، فكلتاهما معيبتان. وقال القرطبيّ -﵀-:«الأعور»: هو الذي أصابه في عينه عَوَرٌ، وهو العيب الذي يُذهب إدراكها، وهكذا صحّ في حديث حذيفة -﵁-:«اليسرى»، وقد صحّ من حديث ابن عمر مرفوعًا:«أنه أعور عينه اليمنى، كأنها عنبة طافية»، ورواه الترمذيّ أيضًا وصحّحه، وهذا اختلاف يصعب الجمع فيه بينهما، وقد تكلّف القاضي أبو الفضل الجمع بينهما، فقال: جمعُ الروايتين عندي صحيح، وهو أن كل واحدة منهما عوراء من وجهٍ مّا؛ إذ العور في كل شيء: العيب، والكلمة العوراء: هي المعيبة، فالواحدة عوراء بالحقيقة، وهي التي وُصفت في الحديث بأنها ليست جَحْراء، ولا ناتئة، وممسوحة، ومطموسة، وطافئة -على رواية الهمز-، والأخرى عوراء؛ لعيبها اللازم لها؛ لكونها جاحظة، أو كأنها كوكب، أو كأنها عنبة طافية -بغير همز- وكل واحدة منهما يصحّ فيها الوصف بالعور بحقيقة العرف، والاستعمال، أو بمعنى العور الأصليّ الذي هو العيب. قال القرطبيّ -﵀-: وحاصل كلامه أن كل واحدة من عيني الدجال عوراء، إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها، والثانية عوراء بأصل خلقتها معيبة، لكن يُبعد هذا التأويل أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الروايات، بمثل ما وصفت به الأخرى من العور، فتأمله، فإنَّ تتبع تلك الألفاظ يطول. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا شكّ أن جَمْع القاضي عياض -﵀- المتقدّم هو الظاهر في وجه الجمع، وما استبعده القرطبيّ ليس ببعيد؛ لأن الروايات التي تنافي هذا ليست صحيحة، وما يصحّ منها يقبل التأويل، فطريق الجمع هو الذي ذكره القاضي -﵀- فتأمله بالإمعان، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (جُفَالُ الشَّعَرِ) بضم الجيم، وتخفيف الفاء؛ أي: كثيره، قال أبو عبيد: الْجُفال: الكثير الشعر. قال ذو الرمة يصف شعر امرأة [من الطويل]: وَأَسْوَدَ كَالأَسَاوِدِ مُسَبْكِرًا … عَلَى الْمَتْنَيْنِ مُنْسَدِرًا جُفَالَا المسبكر: المسترسل، والمنسدر: المنتصب، وبعضهم يرويه: مُنْسَدِلًا . وشعر الدجال مع كثرته جَعْد قطط، وهو الشديد الجعودة الذي لا يمتدّ إلا باليد، كشعور السودان، وفي القطط لغتان: الفتح والكسر في الطاء الأولى، قاله القرطبيّ . (مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ، فَنَارُهُ جَنَّةٌ، وَجَنَّتُهُ نَارٌ») وفي رواية:«نهران»، وفي رواية:«ماء، ونار»، وفي رواية للشيخين:«إن الدجال يخرج، وإن معه ماءً ونارًا، فأما الذي يراه الناس ماء، فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس نارًا، فماء باردٌ عذبٌ، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارًا، فإنه ماء عذبٌ طيبٌ». قال العلماء: هذا من جملة فتنبّه، امتَحَن اللَّه تعالى به عباده؛ ليحق الحقّ، ويبطل الباطل، ثم يفضحه، ويظهر للناس عَجْزه . وقال القاري: المعنى: أن اللَّه تعالى يجعل ناره ماء باردًا عذبًا على من كذبه، وألقاه فيها غيظًا، كما جعل نار نمرود بردًا وسلامًا على إبراهيم ﵇، ويجعل ماءه الذي أعطاه من صدّقه نارًا محرقة دائمة. ومُجمله أن ما ظهر من فتنته ليس له حقيقة، بل تخيّل منه، وشعبذة، كما يفعله السحرة والمشعبذون، مع احتمال أن اللَّه تعالى يقلب ناره، وماءه الحقيقيان، فإنه على كل شيء قدير، فمن أدرك ذلك أي الدجال، أو ما ذُكر من تلبيسه منكم فليقع في الذي يراه نارًا؛ أي: فليختر تكذيبه، ولا يبالي بإيقاعه فيما يراه نارًا فإنه ماء عذب طيب؛ أي: في الحقيقة، أو بالقلب. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا داعي لقوله: بل تخيل، وشعبذة، بل الحقّ أنهما ماء حقيقةً، ونار حقيقة، واللَّه تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حذيفة -﵁- هذا متّفقٌ عليه باللفظ الآتي. أخرجه (المصنفّ) هنا [٢٠/ ٧٣٣٧ و٧٣٣٨ و٧٣٣٩] (٢٩٣٤)، و(البخاريّ) في «الأنبياء» (٣٤٥٠) و«الفتن» (٧١٣٠)، و(أبو داود) في «الملاحم» (٤٣١٥)، و(ابن ماجه) في «الفتن» (٤١٢٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٣٨٣ و٣٩٧)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٥/ ١٣٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٧٩٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٧/ ٦٤٢ و٦٤٣ و٦٤٤)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٤٢٥٩)، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٣٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لأَنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ، مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ، أَحَدُهُمَا رَأْيَ الْعَيْنِ مَاءٌ أَبْيَضُ، وَالآخَرُ رَأْيَ الْعَيْنِ نَارٌ تَأَجَّجُ، فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا، وَلْيُغَمِّضْ، ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ، فَيَشْرَبَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ، وَإِنَّ الدَّجَّالَ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ، عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا غير مرّة، و«أبو مالك الأشجعيّ»هو: سعد بن طارق بن أشيم التابعيّ الكوفيّ، ومن لطائفه أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وأنه مسلسل بالكوفيين غير يزيد، فواسطيّ. شرح الحديث: (عَنْ رِبْعِيِّ) بكسر الراء، وسكون الموحّدة، وكسر العين المهملة: اسم بلفظ النسب، وليس بنَسَب. (ابْنِ حِرَاشٍ) بحاء مهملة، وآخره شين معجمة، (عَنْ حُذَيْفَةَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:«لأَنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ»قال القرطبيّ -﵁-: هذا جواب قَسَم محذوف؛ أي: واللَّه لأنا أعلم؛ أي: إن الدجّال لا يعلم حقيقة ما معه من الجنة والنار، ولا من النهرين، أي أنه يظنهما كما يراهما غيره، فيظن جنته جنّة، وماءه ماء، وحقيقة الأمر على الخلاف من ذلك، فيكون قد لُبِّس عليه فيهما، والنبيّ -ﷺ- قد عَلِم حقيقة كل واحد منهما، ولذلك بيّنه، فقال:«ناره ماء بارد»، وفي اللفظ الآخر:«فجنته نار، وناره جنة»، وهذا الكلام رواه مسلم عن حذيفة -﵁- من قول النبيّ -ﷺ- في هذا الطريق، وقد رواه من طريق أخرى موقوفًا على حذيفة -﵁- من قوله، وقد رواه أبو داود من حديث ربعيّ بن حِراش، قال:«اجتمع حذيفة، وأبو مسعود، فقال حذيفة: لأنا أعلم بما مع الدجال منه». (مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ، أَحَدُهُمَا)؛ أي: أحد النهرين، (رَأْيَ الْعَيْنِ) منصوب بنزع الخافض؛ أي: في رأي العين، ونَظَرِها (مَاءٌ أَبْيَضُ، وَ) النهر (الآخَرُ رَأْيَ الْعَيْنِ) أي رأي العين (نَارٌ تَأَجَّجُ)؛ أي: تتقد، وتتلهّب، وأصله: تتأجّج بتاءين، فحُذفت إحداهما تخفيفًا، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، قال في«الخلاصة»: وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ«تَبَيَّنُ الْعِبَرْ»وقال القرطبيّ -﵀-: قوله:«رأي العين»منصوب على الظرف؛ أي: حين رأي العين، أو في رأي العين، ويصحّ أن يقال فيه: إنه مصدر صدره محذوف، تقديره: تراه رأي العين، وكل ما يُظهره اللَّه على يدي الدجال من الخوارق للعادة محَنٌ، امتَحَن اللَّه بها عباده، وابتلاء ابتلاهم به؛ ليتميّز أهل التنزيه والتوحيد، بما يدل عليه العقل السديد، من استحالة الإلهية على ذوي الأجسام، وإن أتوا على دعواهم بامتثال تلك الطوامّ، أو ليغترّ أهل الجهل باعتقاد التجسيم، حتى يوردهم ذلك نار الجحيم، وفتنة الدجال من نحو فتنة أهل المحشر بالصورة الهائلة التي تأتيهم، فتقول لهم: أنا ربكم، فيقول المؤمنون: نعوذ باللَّه منك، كما تقدّم في «الإيمان». ومقتضى روايتي حذيفة -﵁- أن معه نهرين، وجنتين، وأنهما مختلفتان في المعنى، واللفظ؛ لأن النهر لا يقال عليه: جنة، ولا الجنة يقال عليها: نهر، هذا هو الظاهر، ويَحْتَمِل أن يقال: إن ذينك النهرين في جنة ونار، فحسن أن يُعبّر بأحدهما عن الآخر. انتهى . (فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أَحَدٌ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في أكثر النُّسخ: «أدركنّ»، وفي بعضها: «أدركه»، وهذا الثاني ظاهر، وأما الأول فغريب من حيث العربية؛ لأن هذه النون لا تدخل على الفعل -يعني الماضي- قال القاضي: ولعله يدركن، يعني فعبره بعض الرواة. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «أدركنّ» كذا الرواية عند جميع الشيوخ، والصواب إسقاط النون؛ لأنه فعل ماض، وإنما تدخل هذه النون على الفعل المستقبل، كقوله: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ [الزخرف: ٤١]، وقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ الآية [البقرة: ٣٨]، ونحوه كثير. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة ما تقدّم أن نون التوكيد بقسميها لا تدخل على الفعل الماضي، وإنما تدخل على المستقبل بشروط، كما أشار إلى ذلك ابن مالك -﵀- في «الخلاصة» حيث قال: لِلفِعْلِ تَوكِيدٌ بِنُونَينِ هُمَا … كَنُونَي اذْهَبَنَّ وَاقْصِدَنْهُمَا يُؤَكِّدَانِ افْعَل وَيَفْعَل آتِيَا … ذَا طَلَبٍ أَوْ شَرْطًا إِمَّا تَالِيَا أَوْ مُثْبَتًا فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلَا … وَقَلَّ بَعْدَ مَا وَلَمْ وَبَعْدَ لَا وَغَيْرِ إِمَّا مِنْ طَوالِبِ الْجَزَا … . . . . . . . . . . . . وأما قوله [من الكامل]: دَامَنَّ سَعْدُكِ لَوْ رَحِمْتِ مُتَيَّمًا … لَوْلَاكِ لَمْ يَكُ لِلصَّبَابَةِ جَانِحَا فشاذّ لا يقاس عليه، واللَّه تعالى أعلم. (فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ) بضم أوله، وفتحه؛ أي: يظنّه (نَارًا، وَلْيُغَمِّضْ) من التغميض، وهو تغطية العينين بالأجفان؛ أي: ليطبّق عينيه (ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ)؛ أي: ليخفض (رَأْسَهُ) إلى ذلك الذي يراه نارًا (فَيَشْرَبَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ)؛ أي: لأنه (مَاءٌ بَارِدٌ) وفي حديث سفينة عند أحمد، والطبرانيّ: «معه واديان: أحدهما جنة، والآخر نار، فناره جنة، وجنته نار»، وفي حديث أبي أمامة عند ابن ماجه: «وإن من فتنته أن معه جنة ونارًا، فناره جنة، وجنته نار، فمن ابتُلي بناره، فليستغث باللَّه، وليقرأ فواتح»الكهف«، فتكون عليه بردًا وسلامًا». قال الحافظ -﵀-: وهذا كله يرجع إلى اختلاف المرئيّ بالنسبة إلى الرائي، فإما أن يكون الدجال ساحرًا، فيُخَيِّل الشيء بصورة عكسه، وإما أن يجعل اللَّه باطن الجنة التي يسخرها الدجال نارًا، وباطن النار جنة، وهذا هو الراجح، وإما أن يكون ذلك كناية عن النعمة والرحمة بالجنة، وعن المحنة والنقمة بالنار، فمن أطاعه فأنعم عليه بجنته يَؤُوْل أمره إلى دخول نار الآخرة، وبالعكس، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من جملة المحنة، والفتنة، فيرى الناظر إلى ذلك من دهشته النار، فيظنها جنة، وبالعكس. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح كما سبق عن الحافظ أن اللَّه تعالى يقلب جنته نارًا، وناره جنة، كما هو ظواهر هذه النصوص، فلا داعي إلى التكلّف بالتأويل البارد، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (وَإِنَّ الدَّجَّالَ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ)؛ أي: مطموس ضوؤها، وإدراكها، فلا يبصر بها شيئًا. (عَلَيْهَا) أي على عينه (ظَفَرَةٌ) بفتحتين؛ أي: لحمة (غَلِيظَةٌ) قال النوويّ -﵀-: الظفرة بفتح الظاء المعجمة، والفاء: هي جلدة تُغَشِّي البصر، وقال الأصمعيّ: لحمة تنبت عند المآقي، وأنشد: بِعَيْنِهَا مِنَ الْبُكَاءَ ظَفَرَةٌ … حَلَّ ابْنُهَا فِي السِّجْنِ وَسْطَ الْكَفَرَهْ وقال صاحب «العين»: هي جلدة تُغشي البصر، يقال: عين ظفرة، وقال ثابت: هي إن لم تُقطع غشيت بصر العين فيكون هذا من معنى مطموس العين، وقال غيره: هي علقة تخرج من العين، وهي بالظاء المعجمة المشالة. انتهى . (مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ) أي هو؛ أي: الدجّال كافر لا يؤمن باللَّه العظيم، (يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ») أي يستوي في قراءته من كان أهلًا له، ومن لا، فكلاهما يقرآن ذلك المكتوب معجزة للنبيّ -ﷺ-، حيث تولّى اللَّه تعالى أمته، وحفظهم من كيده، كما أخبر -ﷺ- بذلك، حيث قال -ﷺ-:«فإن يخرج، وأنا بين ظهرانيكم، فأنا حجيج لكل مسلم، وإن يخرج من بعدي، فكلٌّ حجيجُ نفسه، واللَّه خليفتي على كل مسلم»، فقد أظهر اللَّه تعالى كرامته في حفظ كل مسلم، فهداه لقراءة أنه كافر، وإن لم يكتب قبل ذلك، أو يقرأ شيئًا من المكتوبات، واللَّه تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الذي قبله، وللَّه الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٣٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-؛ أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّجَّالِ: «إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا، فَنَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ، وَمَاؤُهُ نَارٌ، فَلَا تَهْلِكُوا»، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-).
مصادر المؤلف (١٢)

١. «المفهم»٧/ ٢٧٤ - ٢٧٥.

٢. «الأساود»: الحيّات.

٣. «كشف المشكل»١/ ٣٩٤.

٤. «المفهم»٧/ ٢٧٥.

٥. «شرح النوويّ» ١٨/ ٦١.

٦. «مرقاة المفاتيح»١٥/ ٤٨٣.

٧. «المفهم» ٧/ ٢٧٣.

٨. «المفهم» ٧/ ٢٧٣ - ٢٧٤.

٩. «شرح النوويّ» ١٨/ ٦١.

١٠. «المفهم» ٧/ ٢٧٤.

١١. «الفتح» ١٦/ ٥٨٨.

١٢. «شرح الأبّيّ» ٧/ ٢٦٧ - ٢٦٨.