رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ يُقَالُ أَوْمَأْتُ إِلَيْهِ أَشَرْتُ وَلَا يُقَالُ أوميت وَوَمَأْتُ إِلَيْهِ (أَنْ مَكَانَكُمْ) أَنْ مُفَسِّرَةٌ وَمَكَانَكُمْ بِالنَّصْبِ أَيِ امْكُثُوا مَكَانَكُمْ وَالْزَمُوهُ (يَقْطُرُ) بِضَمِّ الطَّاءِ أَيْ يَسِيلُ بِسَبَبِ الِاغْتِسَالِ
[٢٣٤] (بِإِسْنَادِهِ) الْأَوَّلِ مِنْ زِيَادٍ إِلَى أَبِي بَكْرَةَ الصَّحَابِيِّ (وَمَعْنَاهُ) أَيْ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ (وَقَالَ) يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ (فِي أَوَّلِهِ) أَيْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ (فَكَبَّرَ) أَيْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَكَبَّرَ (وَإِنِّي كُنْتُ جُنُبًا) فَنَسِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ كَمَا فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الْمَعْرِفَةِ (وَانْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ) وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَبَّرَ (وَكَذَلِكَ) أَيْ مُرْسَلًا وَبِزِيَادَةِ لَفْظِ كَبَّرَ (رواه مالك) بن أنس في موطإه
[٢٣٥] (إِمَامُ مَسْجِدِ صَنْعَاءَ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ صَنْعَاءُ الْيَمَنِ
وَأَذَّنَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ بِمَسْجِدِهَا سَبْعِينَ سَنَةً (مُؤَمَّلٌ) عَلَى وَزْنِ مُحَمَّدٍ (فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى خَرَجَ فِي حَالِ الْإِقَامَةِ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِقَامَةُ تَقَدَّمَتْ خُرُوجَهُ وَكَانَ مِنْ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ لَا يُكَبِّرَ حَتَّى تَسْتَوِيَ الصُّفُوفُ وَكَانَتْ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ سُنَّةً مَعْهُودَةً عِنْدَ الصَّحَابَةِ ﵃ (فِي مَقَامِهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ فِي مُصَلَّاهُ (ذَكَرَ) أَيْ تَذَكَّرَ لَا أَنَّهُ قَالَ لَفْظًا وَعَلِمَ الرَّاوِي بِذَلِكَ مِنْ قَرَائِنِ الْحَالِ أَوْ بِإِعْلَامِهِ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ (يَنْطِفُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا أَيْ يَقْطُرُ (صُفُوفٌ) جَمْعُ الصَّفِّ يُقَالُ صَفَفْتُ الشَّيْءَ صَفًّا مِنْ بَابِ قَتَلَ فَهُوَ مَصْفُوفٌ وَصَفَفْتُ الْقَوْمَ فَاصْطَفُّوا (فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ) وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُرْسَلَةِ الَّتِي فِيهَا ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى الْقَوْمِ أَنِ اجْلِسُوا وَسَكَتَ الْمُؤَلِّفُ عَنْ أَلْفَاظِ بَقِيَّةِ الرُّوَاةِ فلعلها كانت نحو لفظ بن حَرْبٍ وَعَيَّاشٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا وَقَدِ اغْتَسَلَ يَنْطِفُ رأسه ماءا فَكَبَّرَ فَصَلَّى بِنَا انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا فَوَائِدُ مِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنِ احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ إِذَا ذَكَرَ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ يَخْرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ وَأَوْرَدَ فِيهِ هَذَا الْحَدِيثَ
وَمِنْهَا جَوَازُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى بِهِمْ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي رِوَايَةِ الْمُؤَلِّفِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرَةَ ظَاهِرٌ أَنَّ الْإِقَامَةَ لَمْ تُعَدْ وَلَمْ تُجَدَّدْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالضَّرُورَةِ وَبِأَمْنِ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَعَنْ مَالِكٍ ﵁ إِذَا بَعُدَتِ الْإِقَامَةُ مِنَ الْإِحْرَامِ تُعَادُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ
وَمِنْهَا جَوَازُ انْتِظَارِ الْمَأْمُومِينَ مَجِيءَ الْإِمَامِ قِيَامًا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَهُوَ غَيْرُ الْقِيَامِ الْمَنْهِيِّ فِي حَدِيثِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرَةَ الْمُتَّصِلَةَ وَرِوَايَاتِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُرْسَلَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ انصرف بعد ما دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَكَبَّرَ
وَكَذَا رِوَايَةُ أَبِي هريرة التي أخرجها بن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالَّتِي أَخْرَجَهَا البيهقي
مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ انْصَرَفَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ أَخْرَجَهُ أيضا أحمد وبن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ قَالَ الْحَافِظُ وَصَحَّحَهُ بن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَاخْتُلِفَ فِي إِرْسَالِهِ وَوَصْلِهِ انْتَهَى
وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْمُؤَلِّفُ وَالشَّيْخَانِ تَدُلُّ بِدَلَالَةٍ صَرِيحَةٍ عَلَى أَنَّهُ ﷺ انصرف بعد ما قَامَ فِي مُصَلَّاهُ وَقَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ فَرِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذِهِ مُعَارِضَةٌ لِلرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ قَوْلِهِ كَبَّرَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ قَامَ فِي مَقَامِهِ لِلصَّلَاةِ وَتَهَيَّأَ لِلْإِحْرَامِ بِهَا وَأَرَادَ أَنْ يُكَبِّرَ أَوْ بِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ أَبَدَاهُ الْعِيَاضُ وَالْقُرْطُبِيُّ احْتِمَالًا وَقَالَ النَّوَوِيُّ إِنَّهُ الْأَظْهَرُ وجزم بن حِبَّانَ كَعَادَتِهِ فَإِنْ ثَبَتَ وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ انْتَهَى
وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَصْحَابُهُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ نَسِيَ الْجَنَابَةَ وَصَلَّى ثُمَّ تَذَكَّرَ وَإِنَّمَا الْإِعَادَةُ عَلَى الْإِمَامِ فَقَطْ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ حَكَاهُ الْأَثْرَمُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّعْبِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْإِعَادَةُ أيضا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ شَرْحِ الْمُوَطَّأِ
وَلِلطَّائِفَتَيْنِ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ فَمِنَ الأَحَادِيثِ لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلُّونَ بِكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ
وَمِنْهَا حَدِيثُ بَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيُّمَا إِمَامٍ منها فَصَلَّى بِالْقَوْمِ وَهُوَ جُنُبٌ فَقَدْ مَضَتْ صَلَاتُهُمْ وَلْيَغْتَسِلْ هُوَ ثُمَّ لِيُعِدْ صَلَاتَهُ (وَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ فَمِثْلُ ذَلِكَ وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ جُوَيْبِرًا أَحَدَ رُوَاتِهِ مَتْرُوكٌ وَالضَّحَّاكَ الرَّاوِي عَنِ الْبَرَاءِ لَمْ يَلْقَهُ وَمِنَ الآثَارِ لَهُمْ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ ثُمَّ غَدَا إِلَى أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا فَقَالَ إِنَّا لَمَّا أَصَبْنَا الْوَدَكَ لَانَتِ الْعُرُوقُ فاغتسل وغسل الاحتلام من ثوبه وعاد لصلاته
وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ بِلَفْظِ أَنَّ عُمَرَ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ فَأَعَادَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا
وَلِلطَّائِفَةِ الْأُخْرَى مِنَ الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا الْإِمَامُ ضَامِنٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ الْهَيْثَمِيُّ رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ أَيْضًا
قَالُوا إِنَّ الْإِمَامَ إِذَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمُؤْتَمِّ لِأَنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا جُعِلَ لِيُؤْتَمَّ بِهِ وَالْإِمَامُ ضَامِنٌ لِصَلَاةِ الْمُقْتَدِي فَصَلَاةُ الْمُقْتَدِي مَشْمُولَةٌ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ مُتَضَمِّنَةٌ لِصَلَاةِ الْمَأْمُومِ فَصِحَّةُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بصحة
صلاة الْإِمَامِ وَفَسَادُهَا بِفَسَادِهَا فَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ جُنُبًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِصَلَاةِ الْمَأْمُومِ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ أَيْضًا فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ لِلْإِمَامِ إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ أَنْ يُعْلِمَهُمْ بِهِ لِيُعِيدُوا صَلَاتَهُمْ وَلَوْ لَمْ يُعْلِمْهُمْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِمْ وَلِلطَّائِفَةِ الْأُخْرَى آثَارٌ كُلُّهَا ضِعَافٌ
وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى بِأَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُسْلِمٌ فِي الْحَدِيثِ فَرِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْوِيَّةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ رَاجِحَةٌ وَرِوَايَاتُ غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ انْصَرَفَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ مَرْجُوحَةٌ إِذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّ التَّرْجِيحَ لِأَحَادِيثِ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا عِنْدَ التَّعَارُضِ
قُلْتُ وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا كُلَّهُ فَاعْلَمْ أن حديث أبي بكرة الذي صححه بن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَحَدِيثَ أَنَسٍ الَّذِي صَحَّحَهُ الْهَيْثَمِيُّ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ فَسَادِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ بِفَسَادِ صَلَاةِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ ﷺ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَكَبَّرَ النَّاسُ ثُمَّ تَذَكَّرَ الْجَنَابَةَ وَانْصَرَفَ وَبَقِيَ النَّاسُ قِيَامًا مُنْتَظِرِينَ فَكَانَ بَعْضُ صَلَاتِهِمْ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جُنُبٌ وَمَعَ هَذَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِعَادَةِ تَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ مَعَ أَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ فَثَبَتَ بِهَذَا صِحَّةُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْجُنُبِ النَّاسِي وَيُؤَيِّدُهُ فِعْلُ عُمَرَ ﵁ أَيْضًا كَمَا مَرَّ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا فِعْلُ عُثْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْضًا كَمَا أَخْرَجَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ
وَأَمَّا التَّرْجِيحُ لِأَحَادِيثِ الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا عِنْدَ التَّعَارُضِ فَهُوَ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ لَكِنْ لَيْسَ ها هنا التَّعَارُضُ لِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ فَحَدَّثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا شَاهَدَ وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَأْوِيلِ أَنَّ كَبَّرَ فِي مَعْنَى قَارَبَ أَنْ يُكَبِّرَ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ أَنَّ الَّذِينَ صَلَّوْا خَلْفَ عُمَرَ ﵁ وَعُثْمَانَ ﵁ وبن عُمَرَ ﵁ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ بَلْ سَكَتُوا فَفِي سُكُوتِهِمْ وَعَدَمِ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ إِيَّاهُمْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ دَلَالَةٌ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ وَأَنَّهُ كَانَ لَهُمْ بِذَلِكَ عِلْمٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ
لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مِنْ قِبَلِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ إِنَّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ ﷺ انصرف بعد ما كبر ودخل في الصَّلَاةَ لَا تُقَاوِمُ رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ ﷺ انْصَرَفَ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بَعْضُهَا مُرْسَلَةٌ وَبَعْضُهَا مَرْفُوعَةٌ فَأَمَّا الْمُرْسَلَةُ فَمُرْسَلَةٌ وَأَمَّا الْمَرْفُوعَةُ فَرِوَايَةُ أَبِي بَكْرَةَ وَإِنْ صححها بن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي إِرْسَالِهَا وَوَصْلِهَا قَالَهُ الْحَافِظُ
وَرِوَايَةُ أَنَسٍ وَإِنْ كَانَ جَيِّدَ الْإِسْنَادِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهَا وَإِرْسَالِهَا أَيْضًا كَمَا قَالَ الْحَافِظُ
وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي أخرجها بن مَاجَهْ فَقَالَ الْحَافِظُ فِي إِسْنَادِهَا نَظَرٌ وَأَمَّا رواية على مرفوعة (المرفوعة) فمدار طرقها على بن لهيعة
فَلَمَّا لَمْ تَصْلُحْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ لِمُعَارَضَةِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ وَالشَّيْخَانِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِدَفْعِ التَّعَارُضِ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الروايات ما تدل عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ وَلَا حَاجَةَ أَيْضًا إِلَى ارْتِكَابِ التَّجَوُّزِ فِي مَعْنَى كَبَّرَ وَدَخَلَ وَلَاحَ لَكَ أَيْضًا أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ عَلَى صحة صلاة المأمومين خلف الإمام الجنب الناسي لَيْسَ بِتَامٍّ وَكَذَا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ ﵁ وَبِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ فِعْلِ عُثْمَانَ ﵁ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ لَيْسَ بِتَامٍّ أَيْضًا لِأَنَّهُ هُوَ أَفْعَالُهُمْ وَأَمَّا الْقَطْعُ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا فَعَلُوا مَا فَعَلُوا لِأَنَّهُمْ رَأَوُا النَّبِيِّ ﷺ يَفْعَلُهُ فَغَيْرُ مَقْطُوعٍ لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ مَجَالًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ أَنَّهُ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْفُوعِ الصَّحِيحِ الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَكَذَا الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ يُصَلُّونَ بِكُمْ فَإِنْ أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ لَيْسَ بِتَامٍّ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْخَطَأَ الْمُقَابِلَ لِلْعَمَلِ لِأَنَّهُ لَا إِثْمَ فِيهِ بَلِ الْمُرَادُ ارْتِكَابُ الْخَطِيئَةِ
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْوَادِي فَتَأَمَّلْ
٥ - (بَاب فِي الرَّجُلِ يَجِدُ الْبِلَّةَ)
[٢٣٦] بِكَسْرِ الْبَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الرَّطْبَةُ مِنَ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ يُقَالُ بَلَلْتُهُ مِنَ الْمَاءِ بَلًّا مِنْ بَابِ قَتَلَ فَابْتَلَّ هُوَ
(فِي مَنَامِهِ) وَلَا يَذْكُرُ الِاحْتِلَامَ فَمَا حُكْمُهُ (يَجِدُ الْبَلَلَ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الرُّطُوبَةَ (وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا) الِاحْتِلَامُ افْتِعَالٌ مِنَ الْحُلْمِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ يُقَالُ مِنْهُ حَلَمَ بِالْفَتْحِ وَاحْتَلَمَ والمراد به ها هنا أَمْرٌ خَاصٌّ وَهُوَ الْجِمَاعُ أَيْ لَا يَذْكُرُ أَنَّهُ جَامَعَ فِي النَّوْمِ (يَغْتَسِلُ) خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ (يَرَى) بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ يَعْتَقِدُ وَبِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ يَظُنُّ (قَالَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يُوجِبُ الِاغْتِسَالَ إِذَا رَأَى بِلَّةً وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهَا الْمَاءُ الدَّافِقُ وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يَغْتَسِلَ وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ حَتَّى
يعلم أنها الماء الدافق واستحبوا أن يَغْتَسِلَ مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَرَ الْمَاءَ وَإِنْ كَانَ رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ
انْتَهَى كَلَامُهُ
قُلْتُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجَمَاعَةُ الْأُولَى مِنْ أَنَّ مُجَرَّدَ رُؤْيَةِ الْبِلَّةِ فِي الْمَنَامِ مُوجِبٌ لِلِاغْتِسَالِ هُوَ أَوْفَقُ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَبِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ
وَبِحَدِيثِ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ بِلَفْظِ لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلٌ حَتَّى تُنْزِلَ
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ مُجَرَّدِ وُجُودِ الْمَنِيِّ سَوَاءٌ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ الدَّفْقُ وَالشَّهْوَةُ أَمْ لَا وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) هِيَ أُمُّ أَنَسٍ خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اشْتَهَرَتْ بِكُنْيَتِهَا وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهَا (أَعْلَيْهَا غُسْلٌ) بهمزة الاستفهام وعليها خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَغُسْلٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ (إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ فِيهَا مَعْنَى التعليل
قال بن الْأَثِيرِ أَيْ نَظَائِرُهُمْ وَأَمْثَالُهُمْ كَأَنَّهُنَّ شُقِقْنَ مِنْهُمْ وَلِأَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ آدَمَ ﵊ وَشَقِيقُ الرَّجُلِ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَلِأُمِّهِ لِأَنَّ شِقَّ نَسَبِهِ مِنْ نَسَبِهِ يَعْنِي فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِرُؤْيَةِ الْبَلَلِ بَعْدَ النَّوْمِ كَالرَّجُلِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ إِثْبَاتُ الْقِيَاسِ وَإِلْحَاقُ حُكْمِ النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ فَإِنَّ الْخِطَابَ إِذَا وَرَدَ بِلَفْظِ الْمُذَكَّرِ كَانَ خِطَابًا لِلنِّسَاءِ إِلَّا مَوَاضِعَ الْخُصُوصِ الَّتِي قَامَتْ أَدِلَّةُ التَّخْصِيصِ فِيهَا
انتهى
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى أَنَّ رَاوِيهِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْعُمَرِيُّ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ في الحديث