قال العلامة محمد إِسْحَاقَ الْمُحَدِّثُ الدَّهْلَوِيُّ شَيْخُ شَيْخِنَا هَذَا قِيَاسُ الصَّحَابَةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ بَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا بَيَّنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِمُوا كَيْفِيَّةَ التَّيَمُّمِ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ قَالَ عَمَّارٌ تَيَمَّمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى المناكب وروى عنه النَّبِيِّ ﷺ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ فَكَأَنَّ قَوْلَهُ تَيَمَّمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى
[٣١٩] (الْمَهْرِيُّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى مَهْرَةَ بْنِ حَيْدَانَ وَهُوَ أَبُو قَبِيلَةٍ تُنْسَبُ إِلَيْهَا الْإِبِلُ الْمَهْرِيَّةُ (وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ ضَرْبُ الْأَيْدِي عَلَى الصَّعِيدِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَتَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِالضَّرْبِ لَا بِالتَّغْيِيرِ (فَذَكَرَ) أَيْ سُلَيْمَانُ (نَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ (وَلَمْ يَذْكُرْ) في حديثه (قال بن اللَّيْثِ) هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ (إِلَى مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ) أَيْ مَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ لَمْ يُدْرِكْ عَمَّارَ بْنَ ياسر
وقد أخرجه النسائي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عبد الله بن عتيبة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمَّارٍ مَوْصُولًا
[٣٢٠] (عَرَّسَ) مِنَ التَّفْعِيلِ
يُقَالُ عَرَّسَ إِذَا نَزَلَ الْمُسَافِرُ لِيَسْتَرِيحَ نَزْلَةً ثُمَّ يَرْتَحِلُ وَقَالَ الْخَلِيلُ وَأَكْثَرُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ التَّعْرِيسُ نُزُولُ الْمُسَافِرِ آخِرَ اللَّيْلِ لِلنَّوْمِ وَالِاسْتِرَاحَةِ وَلَا يُسَمَّى نُزُولُ أَوَّلِ اللَّيْلِ تَعْرِيسًا (بِأُولَاتِ الْجَيْشِ وَفِي رِوَايَةِ) الشَّيْخَيْنِ بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بذات الجيش
قال بن التِّينِ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ الْبَيْدَاءُ هُوَ ذُو الْحُلَيْفَةِ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ وَذَاتُ الْجَيْشِ وَرَاءَ ذِي الْحُلَيْفَةِ
انْتَهَى
وَذَاتُ الْجَيْشِ وَأُولَاتُ الْجَيْشِ وَاحِدٌ (فَانْقَطَعَ عِقْدُهَا) عِقْدٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ كُلُّ مَا يُعْقَدُ وَيُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ وَيُسَمَّى قِلَادَةً (مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ) الْجَزْعُ خَرَزٌ فِيهِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ الْوَاحِدُ جَزْعَةٌ مِثْلُ تَمْرٍ وَتَمْرَةٍ
وَحُكِيَ فِي ضَبْطِ ظَفَارٍ وَجْهَانِ كَسْرُ أَوَّلِهِ وَصَرْفُهُ أَوْ فَتْحُهُ وَالْبِنَاءُ بِوَزْنِ قَطَامِ
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُوَ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ بسواحل اليمن
وقال بن الأثير
وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ ظَفَارِ كَقَطَامِ اسْمُ مَدِينَةٍ لِحِمْيَرٍ (فَحَبَسَ النَّاسَ ابْتِغَاءُ عِقْدِهَا ذَلِكَ) النَّاسُ مَفْعُولُ حُبِسَ وَابْتَغَاءُ فَاعِلُهَا (فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ مَعَهُمْ وَصَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعُوا بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ قَامُوا لِلتَّيَمُّمِ وَهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا هُوَ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ (فَمَسَحُوا بِهَا) أَيْ بِالْيَدِ الْمَضْرُوبَةِ عَلَى الْأَرْضِ (وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ) مِنْ لِلِابْتِدَاءِ أَيْ ثُمَّ ابْتَدَءُوا مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ وَمَدُّوا إِلَى الْآبَاطِ فمسحوا أولامن ابْتِدَاءِ ظُهُورِ الْأَكُفِّ إِلَى الْمَنَاكِبِ
وَثَانِيًا مِنِ ابْتِدَاءِ بُطُونِ الْأَكُفِّ إِلَى الْآبَاطِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(وَلَا يَعْتَبِرُ بِهَذَا النَّاسُ) أَيِ النَّاسُ لَا يَعْتَبِرُونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يَأْخُذُونَهُ وَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إِلَى التَّيَمُّمِ إِلَى الْآبَاطِ وَالْمَنَاكِبِ
هَكَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ
وَأَمَّا هُوَ فَقَدْ ذَكَرَ بن الْمُنْذِرِ وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يرى التيمم إلى الآباط (وكذلك رواه بن إِسْحَاقَ) أَيْ بِذِكْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بَيْنَ عَمَّارٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (قال فيه عن بن عَبَّاسٍ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ كَذَلِكَ رَوَاهُ بن إِسْحَاقَ (وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو أُوَيْسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ) أَيْ بِذِكْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتَيْبَةَ بَيْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ كَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ (وَشَكَّ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (مَرَّةً قَالَ عَنْ أَبِيهِ ومرة قال عن بن عباس) تفسير لما قبله (اضطرب بن عُيَيْنَةَ فِيهِ) فَمَرَّةً قَالَ عَنْ أَبِيهِ وَمَرَّةً أسقطه وجعل مكانه عن بن عَبَّاسٍ (وَفِي سَمَاعِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ) أَيْضًا اضْطَرَبَ فَمَرَّةً رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِنَفْسِهِ وَمَرَّةً جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزُّهْرِيِّ وَاسِطَةً عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ والاضطراب في
اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ هُوَ الَّذِي يُرْوَى عَلَى أَوْجُهٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَقَارِبَةٍ مِنْ رَاوٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ مِنْ رَاوِيَيْنِ أَوْ رُوَاةٍ وَيَقَعُ الِاضْطِرَابُ فِي الْإِسْنَادِ تَارَةً وَفِي الْمَتْنِ أُخْرَى وَيَقَعُ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ مَعًا مِنْ رَاوٍ وَاحِدٍ أَوْ رَاوِيَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ
وَالِاضْطِرَابُ مُوجِبٌ لِضَعْفِ الْحَدِيثِ لِإِشْعَارِهِ بِعَدَمِ الضَّبْطِ مِنْ رُوَاتِهِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ وَالْحُسْنِ فَإِنْ رَجَحَتْ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بِحِفْظِ رَاوِيهَا مَثَلًا أَوْ كَثْرَةِ صُحْبَةِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ فَالْحُكْمُ لِلرَّاجِحَةِ وَلَا يَكُونُ الْحَدِيثُ مُضْطَرِبًا (وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ رُوَاةِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (الضَّرْبَتَيْنِ إِلَّا مَنْ سَمَّيْتُ) أَيْ ذَكَرْتُ اسْمَهُ
وَهُمْ يونس وبن إِسْحَاقَ وَمَعْمَرٌ فَإِنَّهُمْ رَوَوْا عَنِ الزُّهْرِيِّ لَفْظَ الضَّرْبَتَيْنِ
وَمَا عَدَاهُمْ كَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَمَالِكِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَغَيْرِهِمْ فَكُلُّهُمْ رَوَوْهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ ضَرْبَتَيْنِ وَأَمَّا لَفْظُ الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْكُلُّ فِي رِوَايَاتِهِمْ عَنِ الزهري على هذه اللفظة غير بن إِسْحَاقَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ الْمِرْفَقَيْنِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ غَيْرُهُ أَيْ غَيْرُ أَبِي دَاوُدَ حَدِيثُ عَمَّارٍ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أولا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُ هَذَا وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ مَعَ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ وَإِنْ كَانَ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مَنْسُوخٌ وَنَاسِخُهُ حَدِيثُ عَمَّارٍ أَيْضًا
وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَلَا يَجُوزُ عَلَى عَمَّارٍ إِذَا ذَكَرَ تَيَمُّمَهُمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ إِلَى الْمَنَاكِبِ إِنْ كَانَ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ عِنْدَهُ إِذْ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالتَّيَمُّمِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ أَوْ يَكُونُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا تَيَمُّمًا وَاحِدًا وَاخْتَلَفَ رِوَايَتُهُ عَنْهُ
فَتَكُونُ رِوَايَةُ بن الصِّمَّةِ الَّتِي لَمْ تَخْتَلِفْ أَثْبَتَ وَإِذَا لَمْ تَخْتَلِفْ فَأَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا لِأَنَّهَا أَوْفَقُ لِكِتَابِ اللَّهِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ رُوِيَتَا مُخْتَلِفَتَيْنِ أَوْ يَكُونُ إِنَّمَا سَمِعُوا آيَةَ التَّيَمُّمِ عِنْدَ حُضُورِ صَلَاةٍ فَتَيَمَّمُوا فَاحْتَاطُوا وَأَتَوْا عَلَى غَايَةِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْيَدِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُمْ كَمَا لَا يَضُرُّهُمْ لَوْ فَعَلُوهُ فِي الْوُضُوءِ فَلَمَّا صَارُوا إِلَى مَسْأَلَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ يَجْزِيهِمْ مِنَ التَّيَمُّمِ أَقَلُّ مِمَّا فَعَلُوا وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فَعَلُوا وَهَذَا أَوْلَى الْمَعَانِي عِنْدِي بِرِوَايَةِ بن شِهَابٍ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ بِمَا وَصَفْتُ مِنَ الدَّلَائِلِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُتَيَمِّمَ أَنْ يَمْسَحَ بِالتُّرَابِ مَا وَرَاءَ الْمِرْفَقَيْنِ وَفِيمَا قاله نظر فقد ذكر بن الْمُنْذِرِ وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّيَمُّمَ إِلَى الْآبَاطِ
وَقَدْ